الرئيسية / صفحات العالم / إستدعاء التدخل الأجنبي.. أي عار أوصلنا اليه المستبدون ؟

إستدعاء التدخل الأجنبي.. أي عار أوصلنا اليه المستبدون ؟


شحاتة عوض

أتمنى وأدعو الله من كل قلبي أن تكلل مبادرة الجامعة العربية بشأن سورية، بالنجاح وأن تصل في النهاية إلى ما يحقق طموحات وتطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة والسيادة على وطنه والتخلص من الفساد والاستبداد، وألا تكون هذه المبادرة مجرد طوق نجاة للنظام باي صورة من الصور بل مقدمة لاسقاطه باقل قدر من الخسائر بما يحفظ لهذا البلد المهم أمنه وإستقراره وسلامة شعبه بكل مكوناته وبما يجنبه نتائج كارثية لسيناريو التدويل والشواهد في هذا المقام حاضرة وطازجة لاتزال. إن نجاح المسعى العربي في سورية، في حال حدوثه، لن يشكل فقط إنجازا نادرا لم يتحقق منذ سنوات يثبت من خلاله العرب قدرتهم على حل أزماتهم تحت سقف بيتهم دون الاضطرار لتسول الحلول لدى السيد الابيض أو على عتبات المنظمات الدولية، لكن الأهم هنا هو أن ذلك النجاح سيشكل الحل السحري للمعضلة المخيفة التي نعيشها حاليا في بعض مناطق الربيع العربي وهي معضلة تضع الجميع أمام إختيار كارثي إما القبول بان يقتل الحكام المستبدون شعوبهم أو أن نستعين بالشيطان لتخليص هذه الشعوب من براثن جلاديها.

ومن هنا فإن نجاح هذا الجهد العربي بقدر ما سيكون عودة للروح لمنظومة العمل العربي، فإنه سيجنب سورية السيناريو الكابوسي وهو التدخل الاجنبي الذي لا يتمناه أي عربي مخلص لعروبته ولا لأي وطني ملتزم بالقيم الوطنية المتعارف عليها لا سيما وأن هناك من يحاول إقناعنا بان إستدعاء الخارج لحل مشاكل الداخل شر لا بد منه ولا بديل عنه، وأن طائرات الناتو هي طير أبابيل لمعاقبة الحكام الفاسدين..أقول هذا لأن ثمة مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها في الربيع العربي الذي يجتاح المنطقة حاليا، تتعلق بذلك التحول اللافت في المزاج الشعبي تجاه التدخلات الاجنبية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية .بيد أنه يجب التأكيد على أن المراد هنا هو تأمل هذا التحول لسبر أغواره وأستجلاء أسبابه، وليس محاولة لإصدار أحكام قيمية أخلاقية بحقه سواء سلبا أو أيجابا فهذا شأن الشعوب التي ستحكم على ما يجري وكذلك صفحات التاريخ. فالإمر الواضح في هذا الصدد أن فورة الحماس الثوري ورياح التغيير التي تعيشها بعض الاقطار العربية، حملت في طياتها ما يمكن إعتباره إنقلابا على ما كان معلوما من قيم الوطنية بالضرورة وهو رفض التدخل الاجنبي مهما كانت مبرراته ودوافعه. وبعد أن كان الحديث ولو تلميحا عن إستدعاء الخارج لحل مشاكل الداخل أحد المحرمات الكبرى، صارت الدعوة للتدويل والبحث عن حلول خارج حدود الوطن وعلى عتبات المنظمات الدولية بل والتشجيع عليها أمرا لا يدعو للدهشة أو الاستغراب في الشارع العربي بل ربما يلقى الكثير من التأييد والحماس ويجد جمهورا عريضا من المدافعين عنه.

وإذا كانت الثورة في أنصع صورها رفضا للظلم والإستبداد وإنتصارا للكرامة الوطنية، فانها وبالتعريف ذاته تتصادم كليا مع فكرة إستدعاء الاجنبي أو الاستعانة به في مواجهة تحديات الداخل، فما الذي أدى لهذا التحول المذهل وفي أي سياق يمكن أن نضع هذا التبدل اللافت في المفاهيم والقيم والمبادىء الوطنية لاسيما في تلك اللحظة التاريخية الفارقة من تاريخ العرب؟ وهل الرغبة المشروعة في التحرر من الانظمة الإستبدادية القمعية تكفي مسوغا للقبول بفكرة التدخل الخارجي أو الاستعانة بالشيطان لبلوغ هذه الغاية؟ وإلى أي حد كان اللجوء لخيار التدخل الخارجي مشجعا على ضوء نتائجه الكارثية الواضحة للعيان والتي لا تحتاج لشرح أو بيان؟

وفي المقابل هل تركت الأنظمة القمعية باستخدامها كل ما تملك من أدوات القمع لقتل وسحل مواطنيها، خيارا أمام شعوبها سوى اللجوء للخارج؟ ومن نلوم هل نلوم الضحية الذي يصرخ مستنجدا من ذابحه، أم أن اللوم يقع على عاتق الجلاد الذي تلوثت يداه بدم ضحاياه؟

أليس هذا الغطاء الأخلاقي للتدخل الاجنبي كافيا لغض الطرف عن بعض المخاوف والهواجس التي تساورنا حول الثمن الذي سيطالب به هذا الاجنبي؟

وأي ثمن يمكن الجدال حوله إذا كان المقابل أن تترك دماء الناس تسفك وأرواحهم تزهق على يد جلاديهم؟ وهل يبدو من الإنصاف التعاطي مع فكرة التدخل الدولي لحماية الشعوب من القتل والذبح والسحل، بنفس المنطق الذي تعاطى مع الاستعمار بصورة واساليبه القديمة؟

إن هذه الاسئلة في إعتقادي تبدو ضرورية جدا في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ المنطقة، لأن الإجابة عليها بصدق وموضوعية من شأنها أن تزيل الالتباس الحاصل لدى البعض، كما أنها وهذا هو الأهم من شأنها أن تحافظ على التفوق الأخلاقي للانتفاضات والاحتجاجات الشعبية العربية، ضد محاولات التشكيك والتخوين المشرعة من بعض من إستمرأوا ثقافة العبيد ولعق أحذية أسيادهم فأدمنوا الدفاع عن الطغاة والمستبدين طوال الوقت.

وفي هذا الإطار ينبغي على كل المخلصين لحلم التغيير والثورة والتحرر في أوطاننا العربية أن يتعاملوا بكل حذر مع فكرة اللجوء للخارج وألا يتحولوا تحت تأثير الحماس الثوري أو بفعل الأعصاب المنفلتة نتيجة مشاهد الدم والقتل، إلى بوق لتسويق وتسويغ التدخل الخارجي وجعله بمثابة الدواء العلقم الذي لا مفر من تجرعه رغم ما به من مخاطر وآثار جانبية قد تكون قاتلة أحيانا. إن أحدا لا يستطيع أن يلوم الشعوب الراغبة في الإنعتاق والحرية من أنظمة القمع والقتل، حين تصرخ مستغيثة طالبة النجدة لإنقاذها من حكامها القتلة، لكن المسؤولية التي تقع على كاهل النخب والعناوين السياسية التي تمثل هذه الشعوب وأحلامها تحتم عليها عقلنة هذه المشاعر الغاضبة لا أن تدغدغها وتزايد عليها . مطلوب منها أن تستثمر هذه الدماء الذكية التي يدفعها المواطنون الشجعان بصدورهم العارية، لتغيير هذا الواقع البائس إلى الأبد بأقل قدر من الخسائر والدماء وليس بسفك المزيد من الدماء. مطلوب الحفاظ على ماتبقى من الأوطان التي تم تجريفها على يد العصابات الحاكمة، لا الإجهاز على البقية الباقية منها .،وهذا يتطلب درجة عالية من النضح السياسي والقراءة العيمقة والواضحة للوقائع والمعطيات بما لا يؤدي للقفز فوق الحقائق أو محاولة إستنساخ تجارب الاخرين الثورية بالرغم من الكثير الفروقات الجوهرية بين تجربة وأخرى. ولابد من إستنفاد كل الوسائل المتاحة محليا وعربيا لمواجهة أنظمة الاستبداد وإجبارها على الرحيل، قبل التفكير في خيار التدويل إذا كان لا راد له ولا مهرب منه.

إن من غير الجائز أخلاقيا تبرير وتسويغ التدخل الاجنبي في شأن في شؤوننا العربية الداخلية ولا سيما حين يتعلق الأمر بمصائر أوطان وشعوب، ومن ثم فإن من المنطقي أن يقف الجميع مستنكرين ورافضين لأي دعوات تستسهل التدخل الاجنبي وتجعل منه حلا سريعا مريحا باعتباره خيارا متاحا يمكن إستدعاؤه بسهولة عند الحاجة . غير أنه وبالقدر نفسه فإن من غير الجائز إخلاقيا أن يكون رفض التدخل الاجنبي والدفاع عن سيادة الدولة الوطنية مبررا ومسوغا لأنظمة الاستبداد لكي تستمر في الفتك بشعوبها لاسيما وأن الكثير من الاصوات التي تصرخ محذرة ومولولة من خطر التدخل الاجنبي لم تهتز لها شعرة وهي ترى دماء الابرياء تراق في الشوارع والأزقة. إن الانتصار للشعوب يجب أن يكون هو المعيار والقاعدة التي تفوق كل ما عداها، لانه يعني الانتصار للاوطان وسيادتها وكرامتها .فاي كرامة لاوطان وأي سيادة لدول تهدر كرامة شعوبها وتزل مواطنيها؟ ويجب الا ننسى أن أنظمة الاستبداد والفساد هي من أوصلتنا إلى هذا الوقع المحزن الذي نعيشه نحن العرب والذي يجعل من إستدعاء الاجنبي والته العسكرية الملاذ الاخير لتحريرنا من حكامنا، فأي عار هذا وأي مصير أوصلونا إليه؟

‘ كاتب مصري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...