الرئيسية / صفحات الحوار / إسلام أبو شكير: نواجه حرباً تلتهم الذاكرة والتاريخ

إسلام أبو شكير: نواجه حرباً تلتهم الذاكرة والتاريخ

 

 

ميسون شقير

من اللحظة الأولى التي تقرأه فيها تشعر أنك تدخل عالمًا كاملاً من الدهشة، من الغرابة، من الألق الإبداعي الذي يفاجئك بطريقة طرحه للحكاية، بطريقة سرده، بالمزج بين خيالات طفل بريئة ومنفصلة عن واقعه، وبين عمق واقعي يجعلك تستطعم مرارته التي تصل إلى الكبد.

“إسلام أبو شكير” الكاتب الطفل العجوز حاورناه حول آخر كتابين صدرا معًا كتوأم غير حقيقي في نفس اللحظة، روايته الغريبة والمهمة “زجاج مطحون”، التي تركت في عيوننا زجاجه هذا، وكتابه النثري “الحياة داخل الكهف” الذي أدخلنا إلى كهف إسلام أبو شكير، وجعلنا نعيش فيه راضين مسلمين.

* لماذا برأيك بقي كتابك النثري المميز “الحياة داخل الكهف” داخل كهفه، في حين ملأ زجاجك المطحون “الرواية زجاج مطحون” عيون القراء والنقاد ودخل قلوبهم، مع أن الكتابين طُبعا تقريباً في نفس الفترة؟

سؤال طرحته على نفسي أنا أيضاً. فالكتاب لم يحظ فعلاً باستقبال يصل في درجة حرارته إلى ما حظي به “زجاج مطحون”. قد تكون لذلك أسباب تتصل بالكتاب نفسه، وهو أمر ينبغي أن أخذه بعين الاعتبار، فأفترض أنه عانى من مشكلةٍ في اللغة أو الأسلوب أو أدوات التعبير أو البناء الفني، أو ربما كان لذلك علاقة بطبيعة المناطق التي حاول اقتحامها، بحيث لم تكن هذه المناطق مما يثير اهتمام القارئ في هذه المرحلة، أو يعبر عن هواجسه الملحة.

لكنني أفترض كذلك أسباباً أخرى لا علاقة للكتاب – بما هو نص فني – بها، كأن يكون للتوقيت الذي ظهر فيه تأثير في انحسار الضوء عنه، فهو صدر في اليوم نفسه الذي صدرت فيه روايتي “زجاج مطحون”، والرواية بطبيعة الحال أشد إغواءً في هذه المرحلة، وغالباً ما تكون الحفاوة النقدية والإعلامية لصالحها على حساب فنون أخرى كالشعر والقصة القصيرة. وهذه بحد ذاتها ظاهرة غير صحية أفرزتها حسابات لا صلة لها بجوهر الأدب أو الإبداع. وفي كل الأحوال فإنني من الأشخاص الذين لا تقلقهم قضية الاستقبال بصورته الأفقية الكمية (بمعنى الجماهيرية والضجيج الإعلامي والجوائز وسواها..)، ويوجهون عنايتهم إلى ردود الفعل القائمة على النظرات العميقة الثاقبة، والذائقة المتحررة من أسر التقليد، وهذه وصلني منها ما يرضيني إلى حد كبير.

* في “الحياة داخل الكهف” بقي الشعر طازجاً يسيل من الجمل والنصوص، ويتحرك بينها بكل رشاقة، وبقيت الدهشة حية برغم عدم وجود تسلسل درامي يحملها على كتفه، برأيك ما الذي جعل الشعر يبقى طازجاً، والدهشة تبقى حية؟

تجربتي في “الحياة داخل كهف” تمثلني إلى حدّ كبير، ربما أكثر مما تمثله تجربة “زجاج مطحون”، فهنا أتحرك ضمن مساحة حرصت على أن تكون واسعة، وبحدود تتيح لها أن تتداخل مع مساحات أخرى قريبة أو بعيدة. مبدئياً يمكنني القول إنني في هذا الكتاب (وفي كتبي الأخرى) سارد، وأصر على أن السرد جزء أصيل من هويتي بوصفي كاتباً، كما أنني لا أملك الرغبة في التخلي عن هذه الهوية، لكنني أعمل على أن أشتغل على السرد من منظور منفتح ومرن، بحيث لا أتخذ مواقف مسبقة من حالات التداخل والتفاعل مع المساحات الإبداعية الأخرى.

في “الحياة داخل كهف” يمكن للقارئ أن يتلمس الشعر، أو لنقل الشعرية، من خلال الصورة الكلية، أو الموقف، أو الأثر الذي يتركه النص في النفس، لا من خلال اللغة أو الإيقاع أو البلاغة أو الصورة الجزئية القائمة على الاستعارة أو سواها.

وبالطبع فإن الشعرية ضرورة في الأدب، كما هي ضرورة في جميع حقول الإبداع، بل لعلها كلمة السرّ التي تميز العمل الإبداعي عن سواه من أنواع النشاط البشري، لأنها تخاطب جوهر الإنسان، وتشعل طاقات الخيال والإحساس والتفكير الرحب لديه، على نقيض أي نشاط آخر يتعامل مع الإنسان من جهة السطح فقط.

* في رواية “زجاج مطحون” استخدمت الضميرين “أنا” و”نحن” ضمن انتقال ذكي ليحس القارئ وكأنه ضمير واحد قد يمثل في كل لحظة معنى الاثنين معاً، لماذا كان هذا التنقل؟

هذه الظاهرة تنبّهينني إليها الآن. أثناء عملية الكتابة لم يكن في ذهني أن يأتي هذا التنقل بين الضمائر، وبالتالي لا أملك تفسيرات مسبقة له. لكن بما أن الموضوع طرح فعلاً فأظن أنه يمكنني المداخلة عليه محاولاً الانتقال من موقع الكاتب / المنتج للنص، إلى موقع القارئ / المتلقي. من هذا الموقع سألاحظ أن “زجاج مطحون” مبني أساساً على فكرتي الإيهام والخلط. الخلط بين الواقع والخيال. بين الواحد والمتعدد. بين الأنا والهو. بين الممكن والمستحيل، لذلك سيكون طبيعياً أن تحدث انتقالات بين الضمائر التي تشير إلى الشخصيات، فالأنا قد يصبح نحن، وقد يصبح هو، وقد يصبح أنت.. والمحصلة النهائية كائن واحد ووحيد يكابد ذاته ويصارعها، أو يتعايش مع ذاته وويتمسك بها كي لا يخسرها.

* في “زجاج مطحون”، كما في الحرب السورية القاتلة، تموت أعمارنا أمامنا حين يموت إسلام أبو شكير الثلاثيني، وتتفسخ جثثنا أمامنا، حين تتفسخ جثته أمام أعين سنواته الباقية، وهم إسلام الأربيعيني والخمسيني والستيني، وبعدها يموت ما تبقى منها حين يتتالى الثلاثة ليبقى إسلام الأكبر وحيداً ينتظر انتهاء الحرب. هل تعتقد أن المذبحة السورية أبقت منا ما هو قادر على الانتظار والحياة بعد ذلك؟

لم أتحدث عن المذبحة السورية بالاسم، ولم أذكر تفاصيل، أو وقائع، أو وثائق. ومع ذلك فقد ذهب معظم من قرأ الرواية إلى أنها هي. وواقع الحال أنها هي فعلاً، لا لأن الكاتب سوري، بل لأن الشكل الذي ظهرت فيه روائياً يماثل ويطابق شكلها واقعياً.

فالحربان –  في الرواية، وفي الواقع – تجاوزتا في آثارهما المدمرة الحاضر باعتبار ما يجري حقاً، والمستقبل باعتبار ما سيستمر ويتواصل، إلى الماضي الذي كنا نظن أنه نجا بنفسه. نحن اليوم نواجه حرباً تلتهم الذاكرة، والتاريخ، وتدع الإنسان وحيداً معلقاً في الفراغ. محطماً من الداخل والخارج.

أنياب المقتلة السورية اليوم تنهش في أرواحنا قبل أجسادنا. والقتلة يجربون فينا ألواناً من الموت لم تكن تخطر في أذهاننا. الموت قصفاً، وتعذيباً، وتجويعاً، وتسميماً، وحرقاً، وخنقاً. نموت بالرصاص، وبالسكاكين، والبراميل. نموت غرقى هاربين، وفي الخيام لاجئين، وتحت الشمس، والثلج.

في الرواية حاولت أن أختصر ذلك كله في شخص وحيد تتعدد ميتاته، ويقوم هو نفسه بتشييع نفسه كل مرة. حاولت كذلك أن أبقي شيئاً منه معلقاً على عود الانتظار لعلّ معجزة غير محسوبة تحدث، وتنقذه.

* أين المرأة في “زجاج مطحون”؟ لماذا حضورها أقل من المتوقع في حوارات الأعمار الأربعة؟

لم أفطن إلى غياب المرأة إلا بعد أن انتهيت من كتابة الرواية. هنا عند هذه اللحظة سألت نفسي: أي عالمٍ هذا؟ أي وحدة؟ أي فراغ؟ أي صقيع؟ ومع ذلك لم أعتبر ما حدث خللاً يقتضي مني العودة إلى الرواية لإصلاحه. قلت: الآن اكتمل النقصان. “زجاج مطحون” عمل عن الإنسان مشوهاً ومريضاً وناقصاً. وما من شيء يؤكد ذلك كله كغياب المرأة عن عالمه. إنساني في “زجاج مطحون” كائن يكابد عزلته التي لم تحرمه المرأة فقط، بل حرمته معها الطبيعة، والذاكرة، والمستقبل، وألقت به بين أربعة جدران، وعليه أن يتصرف.

* لماذا دخلت الشخصيات الرواية بدون ماضٍ، ولماذا لم يحضر الماضي في الحوارات؟

لا أدري إذا كنت قد أجبت عن هذا السؤال قبل قليل أم لا. لكنني سأتحدث، فالماضي هنا يغري بالكثير من الاسترسال. الماضي هو الذي يعطي الحاضر معناه، فلا حاضر ولا مستقبل من دون أن يكون ثمة ذاكرة تحييهما، وتعطيهما مبرراً لوجودهما. والكائن في روايتي استهلكته الحرب، وجردته من حاضره ومن مستقبله، فمن الطبيعي أن تمحو ذاكرته أيضاً. إننا أمام حالة قصوى من الشذوذ النفسي والعاطفي، فالشخصية مستغرقة في ذاتها تتخيل وتحلم وتصنع عوالم ومصائر، ولكن من دون أن تفكر في تاريخها. في الجذر الذي أنبتها. هي شخصية تعيش في الداخل، وتكبر في الداخل، وتموت في الداخل. الخارج لا وجود له، سواء على مستوى الجغرافيا (خارج الغرفة)، أو على مستوى التاريخ (خارج اللحظة).

غاية البشاعة.. أليس كذلك؟

لكنها الحقيقة. وأمام الحقائق لا نملك سوى الإذعان. والإذعان ليس سلبياً هنا، لأنه يعني وعي الحالة، ووعي الحالة خطوة أولى وضرورية تسبق خطوة البحث عن الخلاص.

* تختلف رواية “زجاج مطحون” عن كل الروايات السورية التي تناولت هذه المقتلة. هل تعتقد أن الدخول في عوالم التخيل والفانتازيا يوصلنا أكثر إلى حقيقية الواقع، ويجعلنا أجرأ في قوله؟

الفانتازيا تتيح للكاتب أن يصور ما لا يمكن تصويره. أن يقول ما لا يمكن قوله. أن ينفذ إلى المناطق الوعرة التي لا يمكن النفاذ إليها، هذه واحدة من الأشياء التي تستهويني في الكتابة التي تفرط في الخيال. أضيفُ إلى ذلك أنني، وأنا أتصدى للزلزال السوري بغرض التعبير عنه فنياً، وجدت نفسي أمام حالة لا ينفع معها التصوير الواقعي. فمن يصدق أن الألفية الثالثة عرفت انفلاتاً لغرائز ظن العالم أن قوانين التطور الطبيعي قضت عليها تماماً، وجعلتها خاصة بأنواع محدودة من حيوانات الصحارى أو الغابات؟! من يصدق أن بلداً ينهض على إرث حضاري عمره عشرات الآلاف من السنين ينهار بهذه البساطة على أيدي مجموعة من قطاع الطرق المسكونين بخرافات وأساطير عفا عليها الزمن؟ ومن يصدق كذلك أن يكون ثمة من يصفق لقاتل مجنون كهذا، ويشدّ على يديه، ويشجعه على المزيد؟ الفانتازيا – في روايتي على الأقل – كانت ضرورة أكثر منها خياراً، بحكم طبيعة موضوعها، وبحكم درجة الجنون التي وصل إليها الحدث. الأمر هكذا ببساطة.

* في كتابك “الحياة داخل الكهف”، تقدم نصوصاً نثرية مليئة بالتحليق اللغوي وبسماء الصور الشعرية، هل تراهن على هذا النوع من الكتابة؟

التحليق اللغوي.. والصور الشعرية.. هل هذه من خصائص نصي فعلاً؟ لطالما هربت من هذا النوع من الكتابة، ولطالما استفزني السرد الذي يستعرض، ويحاول أن يصطاد القارئ بأدوات ليست أدواته. مفهومي للكتابة السردية أنها بسيطة من حيث لغتها، وأن ثراءها الحقيقي يكمن في الناتج الكلي للنص، لا في العناصر المفردة، كالكلمة، أو العبارة، أو الصورة.

شعرية النص السردي إذاً ليست كشعرية القصيدة، وهذا ما أحرص دائماً على تحقيقه. أكتب جملاً عادية تخلو من الشعرية عند النظر إلى أي منها بذاته. لكنها تحقق شرط الشعرية بطريق آخر، أي من خلال العلاقات التي تقيمها مع بعضها البعض، ومن خلال ما تضيفه وتبنيه رويداً رويداً إلى أن يكتمل النص.

أنا من المتحمسين للكتابة التي تعمل على التخوم، وتستثمر في هذا الحقل أو ذاك، لكنني حريص في الوقت نفسه على ألا أفقد هويتي كسارد. وشعرية السرد كما أفهمها لا تكمن في المفردة ولا العبارة ولا الصورة، بل في الموقف الكلي الذي يضيء على شكل التماعة قوية واحدة، وليس على شكل شرارات.

رهاني هنا. ولكن هل حققت شيئاً؟ هذا سؤال آخر، ولست أنا الذي يجيب عليه.

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بسمة قضماني: العالم ينتظر بديلاً عن الأسد.. وهذه مسؤولية المعارضة

      جنيف- محمد شيخ يوسف: قالت المتحدثة باسم المعارضة السورية في مفاوضات مؤتمر ...