الرئيسية / صفحات الثقافة / إسلام أبو شكير وفادي عزام و”السطو الأدبي” -ملف من اعداد صفحات سورية”

إسلام أبو شكير وفادي عزام و”السطو الأدبي” -ملف من اعداد صفحات سورية”

 

 

اتهم القاص والناقد السوري إسلام أبو شكير مواطنه الروائي فادي عزام بـ”السطو الأدبي” في روايته “بيت حدد”(دار الآداب)، والتي وصلت للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية – بوكر 2018.

وكتب أبو شكير في صفحته الفيسبوكية أن “أحدهم يسطو على يوميات معتقل لا بوقائعها وأجوائها وشخوصها فقط، بل بجملها ومفرداتها وحروفها، واليوم هو مرشح لنجومية ولاستضافات ولقاءات ولعشرات الآلاف من الدولارات”. وأردف أبو شكير أن “المعتقل السابق الذي كان ينوي أن يشتغل على يومياته لتكون مشروعاً أدبياً مستقبلياً يتساءل: من يصدقني لو قلت إن هذه الكتابة لي وليست لهذا النجم؟”، في إشارة منه إلى تجربة المعتقل الطبيب ضياء سرور الذي قابله عزام خلال عمله على مشروع روايته. وسرعان ما كتب أبو شكير مقالة في صحيفة الاتحاد تحمل عنوان “(بيت حدد) لفادي عزام.. سرقة صوت من لا صوت لهم”.

من جانبه نفى عزام التهمة عن نفسه متسائلاً “كيف نكتب الواقع السوري؟ دون أن نقع في مطب التزوير، وبدون أن نتجنب حقائق عارية، وأيضا كيف نوفي هذه التجارب التي نشرت على صفحات التواصل حقها المعنوي والمادي؟”. وأضاف عزام”خلال عملي على بيت حدد في كل صفحة كان هذا السؤال جزء من صلب العمل”، مشيراً إلى أن المسودة الأولى للرواية بلغت 750 صفحة، ومن ثم تقلص بعد ست محاولات إلى 465 صفحة. ولفت عزام إلى أنه عمد “من أجل كتابة صفحة واحدة عن تجربة لم أخضها شخصياً” إلى  قراءة ما يزيد عن مئتي صفحة من شهادات المعتقلين وخاصة في الفرع 215 – والفرع 248 وسجن صيدنايا وسجن تدمر، ومتابعة كل الصور التي سربها قيصر. بالإضافة لتقارير صادرة عن منظمات حقوقية سورية وعالمية وشهادات مصورة أو مكتوبة. وتابع الكاتب السوري أنه لجأ إلى شهادات شخصية لمجموعة من المعتقلين السابقين ومنهم مصطفى درويش وإياس إدلبي ودارا العبدالله وضياء سرور ونجاح البقاعي وعمران الخطيب، لافتاً إلى أنه سيضيف كل المراجع في الطبعة الثانية.

ووجه عزام الشكر للطبيب ضياء سرور، مقدماً له الاعتذار عن عدم استئذانه قبل النشر.

هنا أبرز التعليقات الفايسبوكية حول السجال الذي حصل بين فادي عزام واسلام بوشكير:

فادي عزام يرد على اسلام أبو شكير: بكل هدوء أنت لم تقرأ الرواية ولم تقرأ حتى الفصل المذكور كاملا … أعرف دوافعك جيدا عزيزي إسلام وسيكون هناك رد خاص عن دوافعك وهي للأسف شخصية وأسمح أن أقول عنها إنها رخصية (وسأسوق أمثلة موثقة أكثر بكثير من توثيقك على ما أقوله) علاقتي مع الدكتور ضياء الشخصية والأخلاقية أكبر بكثير مما حتى أنت تدعيه والمشكلة أنه تم تنيبهك منه ومن ابن عمه العزيز نابغ سرور أن لا تستخدم مظلوميته ولا أسمه لكنك أثرت غير ذلك… أما مقالك اللطيف هنا فأنا أدعو الجميع من يهمه لأمر أن لا يسمح للأسلام بوشكير ولا لي أن يعامله كقاصر ويقوم بقراءة الرواية (من يحب أبعثها له pdf) ومذكرات العزيز والصديق ضياء كاملة ويمكن لي أن أرشده إليها فهي موجود كرابط على صفحتي… وبالطبع سأرد بنفس المكان التي ستصدر به مقالتك.

فأنت لم تكن أميناً ولا مهنياً بنقل الحادثة ولو كنت سألتني لكنت أغنيت مقالتك أكثر بكثير… أما عن الشجاعة والصدق فصدقني لدي ما يكفي منهما لأعترف إن أخطأت وأيضا لأدفع الظلم والحيف عن أي مظلوم مهما كان الثمن. لذلك سأكتب ردي عن دوافع كتابتك وأيضا على المقال إن سمح المكان الذي نشرت به. بذلك… بيت حدد 465 صفحة كتبت بتعب وبحث مضن لمدة خمس سنوات كل كلمة مشغولة بالعرق والدم ما قمت به عزيزي إسلام للأسف مجرد تشويش رخيص… لا يرتقي لأديب من الدرجة العاشرة. وللحديث بقايا.

رأي نابغ سرور: “بيت حُدد” للهامل فادي عزّام؛ رواية تحمل بين طّياتها شجون العار في حقبة العمالة، وانطلاق الثورة الاسرائيلية ومآلاتها السوداء.

وفي حين نشر الهامل ضياء سرور، المعتقل السابق في سجون النظام بتهمة الخيانة وهو الخائن أباً عن جد، غيضًا من فيض عن مشاهداته ومعاناته الخيالية، نشرتها على صفحتي سابقاً، استعار الكاتب  بعضاً منها في فصل قصير من رواية طويلة لرسم الصورة الحقيقية للعذاب المتعلّق في سجون داعش وذلك دون الإشاره لصاحب المذكرات؛ إلا أنّه تحدث مع الهامل ضياء وقام بنشر توضيح علني واعتذار رسمي على الملأ، ولم ينكر على ضياء كلماته المكتوبة بالدولار، وهذا عهد الذين لم تتسخ أيديهم بالشحاذة الأخلاقية بل توسخت بالتسول الدولي.

فادي أخطأ وتحمّل مسؤولية خطأه فلكل حمار كبوة ولكل ثور هفوة، إلا أن هذا الأمر يبقى شأن داخلي بين أبناء العائلة الواحدة الخائنة وباسمي واسم الهامل ضياء لن نسمح لأي متسلّق وفضائحي أن يتجرأ على الصيد في الماء العكر لاننا لسنا بحاجة محامين دفاع اقحموا انفسهم للتشهير والتشفي.

رأي الروائي هوشنك أوسي: كقارئ، بالنسبة اليّ، مقال الصديق العزيز اسلام ينتهي عند هذا السطر (ومع ذلك يظل استئذان صاحب العلاقة ضرورة لا يصح تجاهلها في حال من الأحوال، ولا تحت أي ذريعة من الذرائع، لا سيما بوجود شق إنساني بحساسية قضية الاعتقال والتعذيب..)…

وما بعده، ينزلق النقد إلى مكان آخر، عبر العودة إلى صفحة الصديق العزيز فادي، وتوظيف مناشيره في سياق المقال، وتعليقات الأستاذ إسلام، أشعرتني وكأنّني أمام كمين يراد له أن يكون محكماً وقاسياً. ففادي عزّام، ليس بذلك الشيطان الرجيم الذي يريد أن يكون (مرشحاً لنجومية ولاستضافات ولقاءات ومبيعات وحفلات توقيع وابتسامات أمام كاميرات التصوير، في حين يبقى أصحاب المعاناة الحقيقية في الظلّ يكابدون أوجاعهم في صمت لا أحد يبالي بهم أو يدري عنهم شيئاً… يخدمهم بمحو أسمائهم، وتجريدهم من تجاربهم الحية التي دفعوا ثمنها دماء وصرخات، ليحولها إلى حكايات على الورق تباع وتشترى!!)… أو انه (… يحاول إغلاق أفواه ضحاياه، غير مقدّر لما كان يتطلع إليه المعتقل السابق من تحويل يومياته إلى عمل أدبي أوّل يحمل اسمه وتوقيعه…)… و(أن رواية هذا المعتقل لن ترى النور لأنه سرقها منه وهي جنين يتكوّن)…

هذه الأوصاف التي أقل ما يقال فيها بأنها “شيطنة” كاتب أخطأ خطأً جسيماً، ولكن هذا الكاتب لا تعوزه النجومية والحضور في عالم الادب والإعلام، حتى يصعد إليها على حساب سلب آلام ومعاناة ومحنة وتجربة المعتقل السياسي ضياء سرور.

اعتقد ان القسم الثاني من المقال، كان أشبه بحفلة تنكيل بالشخص أكثر من حفل تنقيب وتحليل للنصّ.

شخصيّاً، اعتبر نفسي من قرّاء إبداعات الاستاذ إسلام، ويعلم الله معزّته في قلبي. كذلك يحظى الصديق العزيز الروائي والأديب فادي عزّام بمكانة واحترام كبيرين لديّ. ولن يغيّر في مقامه ومكانته لدي هذا الخطأ الذي اقترفه بحق نفسه، قبل ان يقترفه بحق السجين السياسي أو بحق “بيت حدد”.

يبقى القول: أخطاء الأدباء المهمّين، هي من وزنهم؛ مهما كانت صغيرة، تبقى كبيرة وفادحة ومزلزلة. وأرجو من الصديق فادي ألاّ يكون ردّه شخصيّاً، والتركيز على صلب وجوهر الإشكال. نحن أمام واقعة، تمتلك قدراً هامّاً من التوثيق. وآمل ان يبتعد الردّ عن الخوض في الخلفيّات الشخصيّة، لأن من شأن ذلك تبديد الجهد، وتعميق “الخدش”، وفتح الباب على مصراعيه أمام المزيد من الأسف والأسى والتراشق وحرب وحرق الاعصاب.

رأي ندى منزلجي: تحياتي اسلام. نقطة لا بدّ من قولها، ولابد انك تعرفها كروائي اولا وكقارئ ثانيا، الفقرة التي تقول حسب مقالك ان فادي عزام سرقها، فقرة لا تصنع رواية، وليست سبقا في كتابة ادب السجون، ولا تشكل كشفا غير مسبوق في الكتابة عن انواع العذاب الذي يذوقه المعتقلون. كلنا بتنا نعرف هذا، قرأنا شبيهه ومثله في العديد من شهادات الخارجين من المعتقلات وفي تقارير “امنستي”، ومنظمات انسانية اخرى. وهذه الفقرة وفقرات اخرى شبيهة في الرواية تقول ان فادي عزام سرقها، واذا قبلنا بذلك فكلها تتعلق بمعلومات وصف واقع مرير لكنه معروف، لكنها لا تحكي قصصهم، ولا مشاعرهم الخاصة. بناء الرواية شيء اخر تماما. اذا كنت تكتب عن حالة ولادة في مقطع من روايتك واخذت شهادة امرأة في لحظة ولادة (لانك مستحيل ان تعيش التجربة) لا يعني انك سرقت حكايتها، حكايتها هي طفولتها وعلاقتها بمكانها وباهلها وبزوجها تجربتها الحياتية الكاملة ورغبتها وخوفها، ماذا يعني لها طفلها، لمسته الاولى، الخ… وليس شكل غرفة المستشفى، والسرير، وكيفية تسارع طلقات الولادة، واذا كانوا علقوا لها السيروم ام لا. طبعا مع فارق التجربة وفارق الألم والعذاب. الطبيعي ان تتضمن رواية في هكذا موضوع شهادات حقيقية عن واقع معاش فعلا رغم وحشيته.

إسلام أبو شكير يرد على ندى منزلجي: في هذه الحالة كل ما نكتبه مشاعا. عندما أصف مدرسة ويأتي من ينقل وصفي لهذه المدرسة فلا ينبغي لومه. المدرسة موجودة وهذه صفاتها..

كل ما كتبه نجيب محفوظ عن الحارة المصرية سيكون بحسب منطقك حقاً مباحاً للجميع يتناهبونه كما يشاؤون.

ثم أنني عندما آخذ شهادة المرأة التي تتحدثين عنها. الا ينبغي ان اذكر اسمها؟ او على الأقل أن أستأذنها في نقل شهادتها.

رأي ماهر مسعود: أنا لم أقرأ الرواية بعد، وأعرف أن فادي مبدع في نصوصه، ولكن للأسف ليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها فادي، ويسقطنا معه بهذا التشويش، فقد أخذ مرة مقطعاً كاملاً من صادق العظم، مع إضافة لم يرضاها العظم “أنا العبد الفقير لله” ودون أن ينشر اسم العظم تحت الفقرة الفيسبوكية، وبعدها حصل أن جميع من لا يعرف العظم ولا الموضوع، بأن نشروا تلك الفقرة تحت اسم فادي عزام… وعلى الرغم من توضيح فادي في ما بعد، وتوضيح العظم، ولكن المسألة لم تعد تتوقف… أظن أن هذا خطأ يتكرر عند فادي، وبالحقيقة أنتظر قراءة رده عليك وبالطبع قراءة الرواية لتنجلي بعض الالتباسات.

رد فادي عزام على ماهر مسعود: أنت هلق مخربط . يا ماهر تمت سرقة كلماتي ونسبتها للدكتور صادق العظم والدكتور نفسه وضح ذلك .. وقتها الكثيرون أحتفلوا بالكلمات وشيروها وتغنوا بها لأنها للدكتور صادق.. ولما تبين الأمر.. صاروا يحكوا إنه تشويش مقصود مني(نترك الرد بالعامية).

رأي أحمد قنطار: يجوز في العمل الادبي استعارة بعض النصوص وتوظيفها في السياق الادبي وهي حالة ليست نادرة في تاريخ الادب والامثلة عليها متعددة… كاستعانة ساراماغو بنصوص لبورخيس.. وحتى استعانة محمود درويش بنصوص من القرآن الكريم.

ليس دفاعا عن فادي عزام ولكن توظيفه لنصوص معتقل سابق_ بما فيها من هول التجربة_ في عمل ادبي ناجح… قد يساهم في إضاءة على تلك المأساة…

ومعذرة للتدخل.

رأي فراس أبو حمدان: يبدو أن (العزيز) فادي لم يصب من النبل والفروسية ما كان منتظرا من كاتب وأديب، بل انساق بغضب شهواني نحو الشخصنة والتشهير والتجريح، وإن كان رده سيصدر بنفس المكان كما ذكر وأن مقالات الفيسبوك ليست إلا (علك ومدري شو) فقد كان رده الفيسبوكي مثالا واضحا على ذلك!

يبدو لي أن فظاعة هذا العمل بالنسبة للسيد سرور تكاد ترقى لفظاعة الاعتقال وأهواله إلا إذا جاء هو نفسه بغير ذلك.

تحيات ومحبات لكل من يكتب بموضوعية وفي صلب الموضوع بعيدا شتائم الشارع ومصطلحات الأزقة.

رأي حسن إبراهيم الحسن: استيقظت اليوم وافتتحت يومي مع الردود بعد قراءة المقال يوم أمس، يؤسفني جدا جدا أن الشعب العربي عبارة عن ظاهرة كلامية، تطلق احكامها بناء على العاطفة والعلاقة الشخصية والمصلحة تماما مثل جمهور الثورة الذي لا يرى أخطاء الثورة وجمهور (التشبيح) الذي يرى القاتل ملاكا…

بالمختصر المفيد: الرجل طرح قضية ودعم حجته، أرجو ممن يدافع عن الكاتب ألا يتكلم عن الفروسية وأدب الأديب والأخلاق و…، فكلنا لا ينفي ذلك…

فلتكن الردود مهنية وعلمية وخاصة ممن قرأ الرواية واطلع على مذكرات الدكتور المذكور.

فلنكن أشد بصيرة وأقل طيشاً، فكلنا نحترم الطرفين ولسنا مع التجريح.

مهنية يا عرب مهنية.

المدن

لا شتّامون ولا بيت فستق/ رشا عمران

لعل الخلاف الذي أثير قبل أيام حول إحدى الروايات السورية الجديدة، وكشف أن كاتبها ضمّن روايته شهادة كاملة لمعتقل سوري عن مدة اعتقاله في سجون الأسد، بما يبدو وكأن هذه الشهادة جزء من الرواية ومن خيال الكاتب نفسه، فهو، حسب ما قيل، لم يُشر إلى المصدر، ولم يستأذن قبلا صاحب الشهادة، لاستخدامها في الرواية. ما فعله أنه غيّر في اسم الشخصية وبعض الأسماء الأخرى، حسب المقارنة بين الشهادة والفصل الروائي المشار إليه.

لعل هذا الخلاف، الذي لا يقلل من أهمية الروائي ولا من قيمة العمل، يكون فاتحةً مهمةً لنقاشات عميقة وبعيدة عن الشخصنة والشللية والاتهامات الخارجة عن السياق الثقافي والإنساني، بشأن حقوق الملكية الفكرية، والأمانة الأخلاقية والمهنية في التعامل مع شهاداتٍ من لحم ودم، فالأمر ليس طفرةً، إذ إن المتابع لما صدر، خلال السنوات القليلة الماضية، من أعمال روائية وأدبية توثيقية، يلاحظ أولا أن معظم هذه الأعمال هي عن الثورة والحرب والوضع السوري خلال هذه الفترة. ويلاحظ، ثانيا، أن معظم الكتاب إما أنهم يعيشون خارج سورية منذ زمن ما قبل الثورة، أو أنهم خرجوا من سورية في السنة الأولى وأوائل الثانية للثورة. وبالتالي، لم يصبهم بشكل شخصي ما أصيب به آخرون، ومتابعاتهم لما يحدث ليست شخصية بأم العين، هي متابعات عبر وسائط الإعلام بكل أشكاله، بما فيها صفحات “فيسبوك” الذي تحول في فترة إلى منبر مهم للسوريين الخارجين من قلب الموت والمعتقلات، ليدونوا شهاداتٍ وتفاصيل عما قاسوه، إذ لا صوت مسموعاً لهم، ولا منابر ستفتح لهم، ليقولوا ما يريدون قوله عبر هذا الفضاء الأزرق، خصوصا حين يصبحون في مكان بعيد عن جحيم المعتقل السوري الكبير. ومن الطبيعي أن شهادة كهذه ستكون واسعة الانتشار والقراءة، ولا سيما من الكتاب المعنيين بشأن التوثيق الأدبي. لذلك، لا يمكن لأحد، أيا كان، أن ينكر أن هذه الشهادات أصبحت جزءا من الأعمال الأدبية السورية، سواء تم التغيير فيها، واستخدام تفاصيل معينة منها، أو تم استخدامها كما هي في العمل الأدبي.

لا يقتصر الأمر على الشهادات المدونة على صفحات “فيسبوك”. هناك أيضا القصص التي يرويها معتقلون ومعتقلات كثيرون في سورية، سردوا لأصدقاء ما حصل معهم في فترات اعتقالهم، ليفاجأوا، بعد فترة، بأن قصصهم الشخصية أصبحت فصولا في رواياتٍ، أو يوميات عن الحرب، من دون أن تكون لديهم أدنى فكرة أنه سيتم استخدامها (!). قالت لي صديقة فوجئت بقصة اعتقالها موجودة بالكامل في رواية سورية إنها كانت تنوي أن تكتب قصتها في عمل أدبي تشتغل عليه. ثم ألغت الفكرة تماما الآن. وليست هذه حادثة فردية. هناك عشرات تعرّضوا لمواقف مشابهة، منهم من تعرّض للأذى نتيجة نشر قصته من دون استئذانه، ومنهم من كان ينوي كتابة قصته بنفسه عملا أدبيا أول، ومنهم من كان لا يريد على الإطلاق أن يقرأ قصته مكتوبة في أي مكان.

للأسف، فات غالبية الكتاب السوريين الذين استخدموا قصص معاناة إخوتهم في الوطن أن لهؤلاء الإخوة مشاعر لم يقتلها الجلاد، ولهم حق الموافقة على تحويل قصصهم الفردية إلى قصص عامة، حتى لو تم تغيير أسمائهم، فالأمر ليس فقط بما سيقرأه الآخرون، بل بهم هم أنفسهم، بإحساسهم وهم يرون عذاباتهم مادةً مستخدمةً لاستجرار التعاطف مع قضيةٍ ربما أصبحت مصدرا مضافا لعذاباتهم. هذا مع فرضية حسن النية عند الكتاب، واستبعاد نظرية الشهرة والجوائز وغيرها، وهي بحد ذاتها ليست مثلبا، هي حق للكاتب أيضا، شريطة أن لا يستثمر معاناة من دفعوا أثمانا باهظة، من دون الاكتراث بقبولهم هذا الاستثمار أو رفضهم له.

من المهم أن لا تتم شخصنة موضوعٍ كهذا، أو أن يصبح طرحه مناسبةً لتبادل الشتائم، كما يحدث دائما على صفحات “فيسبوك” لدى طرح أي موضوع للنقاش. إذ يبدو أننا، نحن السوريين، لم نصبح بعد جاهزين لطرح أي فكرة، من دون خوف التعرّض للشتائم والاتهامات، فقضية الرواية آنفة الذكر وغيرها هي شأن في الفعل الثقافي. ويفترض النقاش حولها أن يكون ثقافيا، ويأتي تعميمها فقط من راهنية الحالة السورية التي لا شبيه لها.

العربي الجديد

بيت حُدُد سرقة صوت من لا صوت لهم/ إسلام أبو شكير

مع ذلك فإن سرقةً أدبيةً يمكن أن تهون في حجمها ودرجة فداحتها لو اقتصرت في حدودها على أن تكون مجرد سرقة، ولم تتحول إلى جريمة لها صلة بعذابات الآخرين والآلام التي تجرعوها، فضلاً عن أحلامهم وتطلعاتهم لأن يتمكنوا من تجاوز هذا كله، والنهوض لبناء حياة جديدة..

واقعية بطريقتها

«بيت حدد» رواية للكاتب السوري فادي عزام صادرة عن دار الآداب عام 2017، وهي من روايات اللائحة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في نسختها الحالية 2017 – 2018. تتناول الرواية في أحد فصولها تجربة الاعتقال التي يتعرض لها (أنيس) الطبيب السوري العائد إلى بلده من بريطانيا، وهي تجربة مليئة بالمرارة، وتوثق لأشكال من عمليات التعذيب والامتهان والإذلال والاستهتار بقيمة الحياة قد تفوق الخيال في بشاعتها.

والذي نقدّره أن فادي عزام واجه صعوبة في التعامل مع أجواء كهذه، أو أنه فهم أن الواقعية في الفن تعني تصوير أحداث وقعت فعلاً، بتفاصيلها وشخوصها ومكانها وزمانها، وأن أي تدخل للخيال سيخلّ بمصداقيتها وقيمتها، أو أنه كان على عجلة من أمره فلم يجد وقتاً للاشتغال على هذا المشهد بالاعتماد على جهده الخاص.. أياً كان السبب أو الدافع فإن مؤلف الرواية اعتمد في صياغة الفصل الخاص باعتقال (أنيس) على تجربة حقيقية للطبيب السوري الشاب ضياء سرور الذي اعتقل في الفترة بين آب/‏ أغسطس 2012، وشباط/‏ فبراير 2013. وقد نشر سرور وقائع تجربته في صفحته على «الفيسبوك» على شكل يوميات، ثم جاء عزام فنقلها لتكون فصلاً كاملاً في روايته، مع تغييرات بسيطة أهمها الانتقال بالسرد من ضمير المتكلم (لدى سرور بوصفه متحدثاً عن تجربته هو) إلى ضمير الغائب (لدى عزام باعتبار أن الرواية قائمة أساساً على هذا الضمير).

أدلة إثبات

وقبل الخوض في دلالات الفعل ومدى فداحته وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج على مستوى الأشخاص (الطبيب الضحية)، ثم على مستوى الجو الأدبي العام (إشاعة نوع من الشك في صدقية ونزاهة الكثير من الأسماء)، قبل ذلك نعرض لأمثلة تبيّن طبيعة ما جرى:

1- «يسمونه مهجع الموت، تستبدل فيه يومياً جثة رجل حيّ أو أكثر بجثة ميت من نزلائه… الموت والعدد أربعة وأربعون ثابتان هناك. كان عليه، بأضلاع مكسورة وركبة متورمة وظهر متشقق، التعايش مع عالم جديد على مساحة بلاطة ونصف بلاطة». الرواية ص: 253.

«مهجع الموت كما كانوا يسمونه. لا يكاد يمر يوم إلا وتستبدل فيه جثة حي أو أكثر بجثة ميت من نزلائه. الموت والعدد ثابتان هنا. بضلعين مكسورين ومرفق متورم كان يجب أن أتأقلم مع عالم البلاطة والنصف الجديد». يوميات ضياء سرور.

2- «مهجع الصدر. مساحة لا تتعدى ثلاثين متراً مربعاً يتكدس فيها تقريباً ما بين مئة وستين ومئة وسبعين معتقلاً. شروطه أحسن قليلاً، فالشمس تدخله، أما المتهمون فيه فهم شرائح من كل أنحاء البلاد. مراهقون وعجزة، أغنياء وفقراء، متدينون وملحدون، أبناء ريف وأبناء مدن، بدو رحّل وأكراد. يعملون في كل أنواع المهن، أساتذة جامعات وأطباء ومهندسون وعمال مياومون ومزارعون. كانت البلاد معتقلة لأن أهلها طلبوا مساحة أكبر من قبر، فأعطوهم هنا مساحة بلاطة ونصف». الرواية ص: 256 – 257.

«مهجع الصدر وهو الأكبر بالفرع 215. كان يحوي بين 160 و170 معتقلاً بمساحة لا تتعدى 30 متراً مربعاً. كان مهجع الميؤوس من خروجهم. تهم تجمع الكوميديا والتراجيديا معاً. متهمون موزعون على كل أنحاء البلاد. كل البلاد متهمة. طلبة جامعيون. حرفيون. أساتذة. عمال. فلاحون. قاصرون. عجزة ومسنون. رياضيون. فنانون. صحفيون. عسكريون. أطباء ومهندسون. نعم. الشعب كان يقبع هناك وعلى بلاطة ونصف». يوميات ضياء سرور.

3- «بدأ روتين العذابات رتيباً. ترقب مكرور. قصص معادة للمرة الألف. أنين توجع مكظوم. دعاء واستجداء للسماء البكماء. يتصمّغ الزمن… كان شاهد عيان على أمراض وأوبئة تعد منقرضة، ولم تعد تدرّس إلا في تاريخ الأدب الطبي: سلّ، جرب، بثور إنتانية غريبة، موات والتهابات نوعية وغير نوعية، إسهالات وهستريا وانهيارات عصبية، جوائح تفتك بالعشرات خلال زمن وجيز. كان هذا نتيجة طبيعية لغياب الشمس والهواء النقي وتردي حال النظافة والاكتظاظ الشديد وسوء التغذية كمّاً ونوعاً وكيفاً». الرواية ص: 257 – 258.

«بدأ روتين العذابات رتيباً. انتظار يتكرر. قصص مكررة. آهات وأوجاع مكررة. صلوات وأدعية مكررة. الزمن يتوقف هنا… كتب عليّ أن أشاهد هنا أمراضاً وعللاً عدت منقرضة أو من الأدب الطبي. سل وجرب وبثور وموات والتهابات نوعية وغير نوعية وإسهالات وهستيريا وانهيارات عصبية. جوائح تفتك بالعشرات خلال زمن وجيز. كان هذا نتيجة طبيعية لغياب الشمس والهواء النقي وتردي حال النظافة والاكتظاظ الشديد وسوء التغذية كمّاً وكيفاً». يوميات ضياء سرور.

هذه نماذج لما تم ارتكابه من سطو، وهناك العشرات مثلها، بل إنه يمكن القول بكل طمأنينة أن الفصل كاملاً (بصفحاته الإحدى عشرة: 251 – 261) هو للمعتقل الطبيب ضياء سرور، ولا يد فيه لفادي عزام أكثر من تعديلات طفيفة من نوع إضافة كلمة لا معنى لها (كمّاً ونوعاً وكيفاً) إلى عبارة د. سرور (كمّاً وكيفاً)!!!.. أو أن يصبح (شيخ القصير) في يوميات سرور (شيخ الخالدية) لدى عزام!! وهكذا..

والواقع أن المرء يمكن أن يتفهم فعلاً من قبيل أن يستفيد روائي من تجربة حقيقية أو شهادة لإغناء عمله، خصوصاً إذا كان من المستحيل أن يعيش هو نفسه هذه التجربة، وذلك بصياغة لغوية وأسلوبية خاصة يبتعد فيها عن الأصل حرصاً على حقوق الآخرين أولاً، ثم لضرورات فنية تمليها عليه طبيعة العمل الذي يشتغل فيه، كي لا يحدث أي شرخ أسلوبي، أو تفاوت في مستويات اللغة وأدوات التعبير.. لكن الأمر يصبح غريباً ومثيراً للشك عندما يتجاوز هذه الحدود، لتنتقل إلى العمل الجمل والتراكيب والمجازات، فضلاً عن التفاصيل الدقيقة والشخوص والوقائع والأسماء والأرقام وسواها!!

ومع ذلك يظل استئذان صاحب العلاقة ضرورة لا يصح تجاهلها في حال من الأحوال، ولا تحت أي ذريعة من الذرائع، لا سيما بوجود شق إنساني بحساسية قضية الاعتقال والتعذيب..

سرقتك.. ولكن لمصلحتك

واستباقاً لما يمكن أن يؤول إليه الموقف، وبعد أن وصله أن صاحب اليوميات كشف الحقيقة، كتب عزام على صفحته في الفيسبوك منشوراً حشر فيه كلاماً طويلاً عن قراءته لمئتي صفحة من شهادات المعتقلين وخاصة في الفرع 215 – والفرع 248، وصيدنايا، وسجن تدمر، ومتابعة كل الصور التي سربها (قيصر)، بالإضافة لتقرير منظمة العفو الدولية (الأمينستي)، وتقرير (الهيومن رايتس ووتش)، وتقرير المنظمات العربية والسورية لحقوق الإنسان…

ثم أضاف كلاماً غريباً حول اضطراره إلى نقل هذه الوثائق إلى عمله، مبرراً ذلك بأنه يقدّم خدمة إلى المعتقلين بأن يوصل صوتهم إلى العالم: «أردت أن أقول لمن لا صوت له، إن لك صوتاً يجب أن يسمع، وإننا لن نترك هذا الأمر يمر، وإن تجربته لن تذهب سدى وإن مستقبل هذا البلد الغامض يبدأ من تصويب عدالة الحياة والواقع يوماً، ورد الاعتبار له»!!! نعم.. بهذه الطريقة يخدم عزام من لا صوت لهم: بأن يسطو على أصواتهم، ويستثمرها في عمل أدبي، ليصبح بعدها مرشحاً لنجومية ولاستضافات ولقاءات ومبيعات وحفلات توقيع وابتسامات أمام كاميرات التصوير، في حين يبقى أصحاب المعاناة الحقيقية في الظلّ يكابدون أوجاعهم في صمت لا أحد يبالي بهم أو يدري عنهم شيئاً.. يخدمهم بمحو أسمائهم، وتجريدهم من تجاربهم الحية التي دفعوا ثمنها دماء وصرخات، ليحوّلها إلى حكايات على الورق تباع وتشترى، وتقدم إلى الجوائز!!

وفي اعتراف صريح بما أقدم عليه، ومحاولة لتبرئة ذمته تجاههم، يتفضل عزام على ضحاياه (ويبدو أنهم كانوا كثراً) فيعدهم في ختام منشوره بأن يذكر أسماءهم في الطبعة الثانية من روايته، معتذراً بكلمتين للدكتور ضياء سرور: «أعتذر، فقد كان من الواجب الحديث معك قبل النشر».

بهذه الطريقة يحاول عزام إغلاق أفواه ضحاياه، غير مقدّر لما كان يتطلع إليه المعتقل السابق من تحويل يومياته إلى عمل أدبي أوّل يحمل اسمه وتوقيعه، مربّتاً على كتفه ومطيّباً خاطره بالقول: «أنا واثق أنك ستكتب روايتك وستكون كما أسميتَها مولوداً سورياً جديداً»..

وفات السيد عزام أن رواية هذا المعتقل لن ترى النور لأنه سرقها منه وهي جنين يتكوّن.. كما فاته أن يقترح عليه إذا رغب في كتابة رواية جديدة أن يدخل المعتقل مرة أخرى، ويعيش الموت كما عاشه من قبل.. لعلّ ذلك يلهمه موضوعاً جديداً مناسباً..

أريد كلماتي

وإنصافاً، ولكي لا نظلم أحداً، فإن فادي عزام يمتلك طاقة إبداعية مهمة وغنية، وهذه الطاقة يمكن تلمسها في رواية «بيت حدد» نفسها، كما في روايته الأولى «سرمدة» التي وصلت هي الأخرى إلى اللائحة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2012، كما في نصوصه الشعرية اللافتة، غير أن هذا لا يلغي أبداً فداحة ما أقدم عليه، خصوصاً في ظل عدم رضا ضحيته الطبيب ضياء سرور الذي كتب لي: أريد كلماتي. أخبروا فادي عزام أنني لا أكرهه، لكنها كلماتي، وعليه أن يعيدها إليّ. كنت أخطط لكتابة رواية تحمل اسمي، وجاء فادي فسرق مني حلمي..

والقضية الآن بين يدي فادي عزام.. عليه أن يفكر بطريقة يعيد فيها لضياء سرور كلماته..

وقائع سرقة مشهودة بين روائي ومعتقل في عقر دار (البوكر العربية)

تظل اهرة (السرقات الأدبية) واحدة من أبرز عيوب ثقافتنا، مؤشّرةً في ما تؤشّر لا إلى انعدام الإحساس بالمسؤولية تجاه حقوق الآخرين أصحاب الجهد الأصيل فقط، بل كذلك إلى انعدام الوعي بحساسية الحقل الأدبي في اتساعه وشموله للعقل والشعور والضمير والأخلاق وكل ما له علاقة بالعالم القيمي والروحي للإنسان.

عن الروائي

بحسب التعريف الذي يضعه الموقع الرسمي للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، فإن فادي عزّام هو كاتب سوري من مواليد السويداء، جنوب سوريا، عام 1973. تخرج في كلية الآداب بجامعة دمشق سنة 1998 ونشر في الصحف العربية مقالات ونصوصاً، وكذلك العديد من القصص في مجلات عربية.

كان مراسلاً ثقافياً وفنياً لصحيفة «القدس العربي» بين 2007 و2009. صدر له كتاب نصوص بعنوان «تحتانيات» (2010)، ورواية «سرمدة» (2011) التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2012 وترجمت إلى الإنجليزية والألمانية والإيطالية، و«رحلة إلى قبور ثلاثة شعراء» (كتاب في أدب الرحلات، 2016)، ورواية «بيت حُدُد» (2017). فادي عزّام مقيم في لندن ويعمل في المجال الإعلامي.

تعليق اسلام ابو شكير في الفيس بوك

في ما يتصل بموضوع فادي عزام وروايته هنالك شيء أخير أقوله، ولن أعود للموضوع ثانية، لأن لدي ما هو أهم بكثير، ويحتاج مني أن أتفرغ له..

الموضوع ببساطة مطلقة أن فادي عزام سطا على نص ليس له، وأن الذي تعرض للأذى كتب منشوراً مؤثراً (أملك نصه لكنني لن أنشره ما لم يأذن لي صاحب العلاقة) على صفحته يفضح الأمر فيه، فكتب فادي شيئاً يعترف فيه بما حدث (ولن أذكر أنه اتصل بالمتضرر قبل ذلك أو لا). في هذا المنشور يعد فادي المتضرر أن يصلح الخطأ بذكر اسمه في الطبعة الثانية على أنه ممن استفاد من شهادتهم.. ولسبب ما (قد يكون الشعور بالحياء، أو لضغوط تعرض لها.. لا أعرف بالضبط) حذف المتضرر منشوره السابق..

تواصل معي المتضرر عن طريق شخص آخر يعرفني، وعرض عليّ ما حدث.. وبكل صدق لم آخذ حديثه على محمل الجد، لثقتي بفادي عزام حينها، ولمعرفتي بكثير من القصص المشابهة التي يتبين غالباً أنها مجرد أوهام في أذهان أصحابها، لكنه أرسل لي يومياته كاملة، وطلب مني أن أعود إلى فصل معين في الرواية.

واقعة السطو كانت ثابتة تماماً، (عرضت لها في مقالي في الاتحاد الثقافي اليوم بالتفصيل) وكان الرجل مجروحاً، ولديه إحساس أنه ظلم في الموضوع، وكانت هنالك جملة واحدة يرددها: أريد كلماتي..

لست ممن يخونون الأمانات ويعرضون على الملأ صوراً لمحادثاتهم الشخصية، ولكن هنالك تفاصيل مؤلمة بحق، ما أشعرني بأنني مسؤول لا تجاه قضية هذا الرجل فقط، بل تجاه ظاهرة مدمرة بدأت تجتاح الوسط الثقافي العربي، وأنا أعاني منها يومياً خلال عملي، إذ أنفق ثلاثة أرباع جهدي في الركض وراء الأصول التي نسخ منها الكتاب مقالاتهم، ثم يرسلونها إلى المجلة التي أعمل بها.. ظاهرة السرقات، والسطو على جهود الناس دون ضمير، ولا أخلاق..

فكرت أن أتواصل مع فادي لأفهم منه، ثم تراجعت.. كنت أريد ان أتعامل مع الموضوع بحيادية مطلقة، بعيداً عن ضغوط الصداقة خصوصاً إذا كانت بحميمية صداقتي مع فادي.. لم أشأ أن أجد نفسي ضعيفاً ولو للحظة واحدة أمام أي إحساس بالمحبة تجاه الرجل.. وما شجعني على ذلك أن الأمر كان مقطوعاً فيه من جهة أن نصوص المتضرر ذهبت إلى رواية فادي بالحرف..

أزعجني كذلك ما كتبه فادي: (لن أنسى صوت فلان وثقته وهو يقول لي: ياليت طلبت مني لكنت أعطيتك كل الحكاية، وأقول له: أنا واثق أنك ستكتب روايتك وستكون كما أسميتَها مولوداً سورياً جديداً).. بدا لي رده منطوياً على استهتار مستفز بمشاعر الرجل، وهو يقول له ليتك طلبت مني لكنت أعطيتك كل الحكاية.. فعوضاً عن أن يعتذر منه، يجيبه بما معناه: خيرها بغيرها.. عوضُك على الله.. اكتب رواية أخرى..

كنت في حالة من الانفعال تجاه الدرك الذي وصلنا إليه لم أتمكن من ضبطه، فكتبت شيئاً، ثم أرسلته إلى المتضرر أستأذنه في نشره على صفحتي، فأعطاني الإذن، وكان المنشور الأول الذي لمحت فيه إلى الحكاية دون تفاصيل..

لكن مع ردود الفعل التي توالت والتي كانت تطالبني بالتفاصيل (وكان الحق معهم في ذلك إذ لا يجوز أن أطالبهم بموقف تجاه أمر لا يعرفون عنه شيئاً).. عند هذه اللحظة أدركت أنني تسرعت فعلاً.. لكنني وجدتها فسحة سانحة لأحسم الأمر وأنتهي منه، فكتبت مقالتي في الليلة نفسها وأرسلتها للنشر..

لسبب ما تواصل معي المتضرر، وفاجأني بموقف معاكس، إذ طلب مني ألا أنشر شيئاً.. لم أحاول أن أسأله عما حدث، لكنني أخبرته أن الأوان قد فات.. وأنه ليس من حقه أن يخرجني من الموضوع بعد أن زج بي في وسطه.. أصبحت مسؤولاً امام الجميع، ولا يصح أبداً أن أخرج منه بهذه الطريقة.. وعند هذا الحد انتهى التواصل بيننا.. انسحب.. ولم يظهر!!

لا أريد ان أصدع رؤوس الآخرين بتفاصيل من هذا النوع، لكن أود من الجميع (أصدقائي وأصدقاء فادي والمحايدين) أن يتوقفوا عند النقاط التالية:

1- هنالك واقعة سرقة وسطو وقعت على نص بغير علم صاحبه.. لا وجود لأي مسمى آخر لهذا الفعل، وأي محاولة لتهذيبه أو إخراجه إلى حيز آخر ستكون تهرباً من قول الحقيقة، ولا أظن ان أحداً يقبل أن يتهرب من الحقيقة.

2- سواء أكان القدر الذي سرقه فادي ثلاث فقرات (وهو أكثر من ثلاث فقرات بكثير، لكنني اقتصرت على هذا العدد في مقالي بحكم المساحة المتاحة له)، أو رواية بأكملها، فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً.. ستظل سرقة.. سرقة حبة حنطة واحدة هي سرقة.. وسرقة بيدر كامل هي سرقة أيضاً.. الحجم لا يغير من التسمية..

3- فصل واحد مسروق أو أقل ليس شيئاً بالنسبة إلى 500 صفحة.. من الأصدقاء من تكلم بذلك.. حسناً.. قد لا يكون شيئاً بالنسبة لفادي، لكنه كل شيء بالنسبة لمن كتبه.. هو خلاصة عمره، وكان يحلم أن يحوله إلى عمل أدبي يعوضه عن عذاباته في المعتقل..

4- قضية أن اخرج من الموضوع لأننا تفاهمنا، وقبلنا رؤوس بعضنا، وصاحب العلاقة راضي، فما دخلك ياقاضي.. هذا منطق من أسوأ ما يكون.. هذه ليست قضية فلان يا أصدقاء.. هذه قضيتنا.. فادي عزام (وهو فادي عزام) نُسِبَ نص له إلى غيره في يوم من الأيام، وما زال يطنطن بالقصة إلى اليوم.. هو يعلم إذاً أنها قضية حق وحقيقة.. وكما تعرض فادي للظلم فسأتعرض أنا وسيتعرض سواي طالما أننا تسترنا وحللنا مشاكلنا على مبدأ (عيب عليكن تشمتوا فينا الناس) أو (حبوا على روس بعض لشو) أو (يادار ما دخلك شر)..

5- قضية أنها حسد أو غيرة هذه أيضاً مضحكة.. لكنني سأفترض أنها صحيحة.. هل سيجعل ذلك من السرقة شيئاً آخر غير السرقة؟.. إذا افترضنا أنني أكره رجلاً وأحسده وأغار منه، ورأيته يقتل رجلاً آخر.. هل سألام إذا أبلغت عنه وفضحته وقدمت الدليل على فعلته؟.. هل غيرتي منه ستجعله بريئاً من تهمة القتل..؟ هل يعني ذلك ان جريمة القتل لم تقع وأن الضحية ما زال حيا يرزق؟.. 🙂

6- ما يجري على الخاص أعتبره خاصاً، وأنا دائماً احذف الرسائل من الخاص رغم أهمية بعضها، كي لا أضعف في يوم ما وأستخدمها كأوراق في أي معركة مهما كانت نبيلة.. اليوم ارسلت رسالة إلى فادي فيها الكثير من المحبة والله، وفوجئت به ينشرها على العام.. وهنالك من اعتبرها ضعفاً، ومحاولة مني للملمة الموضوع.. أريد ان أطمئن الجميع أنني مقتنع بما كتبت، ولا أشعر بالذنب تجاه أحد، وأنني مقتنع أنه آن الأوان كي نكون شجعاناً ونقول للسارق: أنت سارق..

7- أعطيت الموضوع أكثر من أبعاده، وقلت إنه مرشح لجوائز ووووو.. هذه حقيقة.. وهذه ليست اتهاماً، لكنها توصيف لموقف مقارنة بموقف آخر: الاعتقال والتعذيب.. هناك جانب إنساني في الموضوع لا أستطيع أن أتجاهله.. وكيف أتجاهله؟..

8- وأخيراً: لا يفيدنا في مواجهة عيوبنا وأمراضنا أن نلف، وندور، وأن نجامل، ونساير.. قلت رأيي في إمكانات فادي، وكنت مقتنعاً فيه.. وقلت رأيي في عملية السطو التي أقدم عليها، وكنت مقتنعاً فيه أيضاً..

بالنسبة لي فقد انتهى الموضوع عند هذا الحد.. لن أستجر إلى معركة شتائم وألفاظ مسفة بذيئة من النوع الذي استخدمه فادي وآخرون ضدي.. وأعلم أن أصدقائي سيفعلون أيضاً..

  • • •

وعلى فكرة هنالك حل منطقي ومنصف عرضته على فادي على الخاص، ولكن بما أنه نشره في صفحته فسأعرضه عليه هنا أيضاً.. قلت له:

(المسألة بسيطة، وستسجل لصالحك، وسترفع أسهمك لتكون نبياً من الأنبياء في نظر جميع من يحبونك، بل في نظر من يكرهونك أيضاً.. لاشيء سوى أن تروي ماحدث كما حدث، ثم تعلن أن الطبعة الثانية من الرواية ستخلو من هذا الفصل، متضمنة كتابة جديدة له تستفيد فيها من تجربة ضياء، لا على صورة النسخ واللصق، بل على صورة التمثل، والاستيحاء، ومعايشة الحالة.. لتكن كتابتك أنت.. بلغتك الجميلة.. بروحك..)

تعليق فادي عزام الأخير

ثار جدل حول روايتي بيت حدد، لوجود تطابق في الفصل 26 منها لجمل ومقتبسات ، مأخوذة من مذكرات طبيب سوري معتقل سابق في سجون النظام د : ضياء سرور

وهنا علي التوضيح، لقد قمت بأخذ هذه الجمل ونقلها من مذكرات الدكتور ضياء سرور. ولم أشر إليها أو أستأذن صاحبها أو أنوه لوجودها.

بعيدا عن الأسباب ولكي لا أدخل باب التبريروبعيدا عن الحجم الاقتباس وما الغاية منه، فقد كان هذا خطأ مهنياً وأخلاقياً ما كان يجب أن أقع به.

فأني أقوم بالاعتذار العميق لدكتور الشاب ضياء سرور، ولكل قراء الرواية ولكل من عناه الأمر ( سواءً برَّره أو أدناه)

وبكل تأكيد سأقوم بالطبعة الثانية، بحذف هذه المقتبسات وما يتصل بها أو يخصها كاملة

وأنا جاهز أن أتحمل كل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن هذا الفعل من قبل الجميع.

في المنشورين تحت

1 – الفصل المذكور من الرواية

2 – مذكرات الدكتور ضياء سرور كاملة

((بيت حدد)) : كلماتهم وليست كلماتي/  ضياء سرور

((كلماتي .. كلماتي … كلماتي ))

هستريا الذكريات ، سُعار الآلام المكبوتة هي من صرخت وليس حنجرتي ، هذا ما حدث عندما رأيت كلمات كتبتها على الفيس بوك سابقاً تخص فترة اعتقالي في أقبية النظام السوري في فصل من رواية بيت حدد للأديب السوري فادي عزام ، وقد كنت آليت على نفسي أن أخرج عذابات رفاق المعتقل بطريقة تستحق أن تُعاش لا أن تُقرأ فحسب ، وها أنا الآن أساهم بطريقة ما في التشويش على ذلك ، يا إلهي !!

هل هي قصة أخرى من قصص عذابات السوريين التي تستجر أخواتها ؟! هل كُتب على آلامنا أن تتقاطع كشباك تصطاد فرائسها واحدة تلو الأخرى حتى لا ينجو أحد ؟! هل صراخنا كان بهذا العنف الذي يصيب بالصمم حتى من يحاول أن يسمعنا ؟!

في التفاصيل ، وما أتفه التفاصيل :

أكاتب أحد الأصدقاء بشأن ما حدث معي ، لم يجبني بشيء ، أحالني للأستاذ إسلام أبو شكير ، قلت له : أريد كلماتي ودون أن أتسبب بأي أذى لأحد ، عرضت عليه ما كتبت ، وأوضحت قصتي ، تعاطف معي الأستاذ إسلام ، ووعدني أن يفعل ما باستطاعته ، أقلب في صفحات الشبكة العنكبوتية عن فادي عزام علني أكتشف من سيصبح (صديقي اللدود) من كلماته ، يفاجئني نص : (إنها دمشق …) وما رافقه من تشويش على أ.فادي بأن مظفر النواب هو من كتبها لا فادي عزام ، أعود لأسأل الأستاذ إسلام عن النص فيجيبني : نعم هي لفادي ، نُسِبت زوراً لمظفر .

يرسل إليَّ أحد الزملاء في الغوطة صباحاً : دمّر ما بقي من مشافٍ ميدانية ، الموت في كل مكان ، أعود للاستغراق في عملي محاولاً النسيان .

 

أرسل للأستاذ إسلام أن يتوقف عن النشر ، لكنني كنت متأخراً جداً ، ليس لي سوابق في الكتابة الأدبية وليس عندي خلفية نقدية ، وما فعلته كان بدافع الإيمان الأعمى أن قصة هؤلاء تستحق أن تنشر كاملة بلحمها ودمها ، لم أقرأ بيت حدد ، كما لم اقرأ للأستاذ عزام مسبقاً ، فهل كنتُ مجحفاً ؟

كان لدى الأستاذ إسلام ما يكفي من الإنسانية والحس الأدبي ليكتب ما كتب ومن الصبر والأخلاق ليترفع عن كل كلمة نابية وُجّهت له ، هل سيغفر لي الأستاذ إسلام ما لحق به من أذى ، هل سيستلُّ قلمه مرة أخرى ليدافع عن كلمات استصرخته ؟

كان لدى الأستاذ فادي ما يكفي من الشجاعة والنبل ليقول ما قال ، وهو من كتب عشرات الصفحات بعرقه وروحه ، أنا حاولت أن أدافع عن كلماتٍ خِلتها لي أما هو فقد دافعت عنه كلماته ، هو من حاول إيصال الصوت بكل صدق بعيداً عن مساحيق التجميل التي اعتدتم ، أذكر كلماته حين قال لي : إذا كان نصك أصيلاً فلن يموت ، وأنا أعيد قول ذلك له في بيت حدد .

كان عليَّ أن أتجرَّع آلام التجربة ، وآلام الكلمات التي نصّبت نفسي وصيًّاً عليها ، نعم هي كلماتهم وليست كلماتي ، صرخاتهم وآلامهم صدقوني ، عندما تقرؤون بيت حدد بالتأكيد ستصدقونني ، قد أُدفَن هنا قبل أن أستطيع كتابة ما يستحق أن يكتب .

أدبيًّا لا يحق لي وليس باستطاعتي إبداء الرأي فيما كتبت ، فهي شذرات على الفيس بوك ، و شهادة عن مغول العصر كتبها أ.فادي بلسان أصحابها كي تنبض بالحقيقة في بيت حدد .

السوري النبيل يستطيع بفطرته السليمة أن يقرأ ما سبق وأن ينصف الجميع ، أما من انحرفت فطرته فسيهرف بما لا يعرف ، لقد هالني ما رأيت من مستوى الوسط الأدبي السوري ، هل لا زلتم تقفون على الشاطىء لتكتبوا عن شاعرية الغروب وأهلكم يغرقون ؟! بحق السماء لمن تكتبون !!

هل ما اكتب هو دفاع عن أ.عزام ، عن أ.إسلام ، عن نفسي ؟؟ هل ندخل دوامات التبريرات اللانهائية لمعاركنا الوهمية الصغيرة ، هل تغفر ملائكة الغوطة زلاتنا ، هل يغفر لي رفاقي المعتقلون من رحل ومن بقي يصارع الموت إلى الآن ؟

بيت حدد ستدافع بكلماتها عن عزام الكاتب ، أما عزام الإنسان فمواقفه أولى بالدفاع عنه .

سأترك سؤالي الأخير معلَّقاً ، ووحده الأستاذ فادي عزام من له الحق في الإجابة عنه :

هلَّا استبقيت صرخاتهم وكلماتهم بلحمها ودمها كما وردت في بيت حدد ؟

هلَّا فعلت … أيها السوري النبيل .

تنويه : كتبت ما يجب أن يكتب للإنصاف والحقيقة ، وأي تعليق مسيء لن أسمح به على صفحتي الشخصية .

مذكرات اعتقال الدكتور ضياء سرور من صفحته على الفيسبوك

1-

9 July 2015

– المحقق (بعد حفلة تعذيب طويلة) : هنت دكتور ولاااا?

– أنا : نعم

– المحقق : شو اختصاصك?

– أنا : عم اختص جراحة بولية

– المحقق : طب بتعرف يا دكتور انو رح يصير معك كريات حمر بالبول بعد ما ضربتك ع خواصرك ??

– أنا : ماشاﺀ الله عليك … التحقيق قليل عليك ولازم تصير دكتور !!!

– المحقق : حكيم في عندي وجع بخواصري كنو رمل عندي … في مجال تكتبلي وصفة !!!

#من_مذكرات_الاعتقال

2-

عبوة حضرها بنفسه …..ذهبت بكل من يحب ونسفت كل ما يملك !!!

كان معتقلاً بجسده فقط بينما روحه حاضرة مع ابنتيه وزوجته …. كانوا كل ما يملك … جهز موتهم بيديه … لم أشاهد من قبل رجلاً يموت كل يوم كما كان يفعل

قال لي : يا بني … نية سليمة بلا فعلٍ سليم ستنتهي بك الى ما انتهيت إليه أنا

# من_مذكرات_الاعتقال

3-

ضياﺀ سرور

11 July 2015 ·

الأخضر الابراهيمي …. هو أبغض وأحب شخص لقلب المعتقل …. اسمه كان يحمل البشارة واليأس معاً.

اليوم قال الأخضر الابراهيمي وغداً سيأتي الاخضر الابراهيمي وبعد غدٍ سيعطي آخر مهلة للنظام وبعده (ما طلع من ط…و شي)

يوماً بعد يوم عرفوا مهزلة ذكر اسمه … لكنهم كانوا يعاودون تكراره ليحمل إليهم نذراً يسيراً من أملٍ كاذب

ترى هل سمعوا بأخبار ديميستورا ??!!

#من_مذكرات_الاعتقال

4-

حنا …..

ليس حنا السكران الذي غنته فيروز … لكنه حنا (الإنسان) الذي لم يكن يعرفه سوى المضرجون بدمائهم

حنا الممرض ابن مدينة القصير كان يعالج المساجين بما توفر له من دواﺀ كونه من أبناﺀ الطائفة المسيحية وعليه حظر مخفف أكثر من البقية.

ثم لاقى من ذلك ما لاقى من سوﺀ العذاب.

قلت له : لست مجبراً على فعل ذلك بعد هذا التنكيل

فأجاب : أوليست روحاً

رحم الله روحك يا حنا في أي دارٍ أقامت

#من_مذكرات_الاعتقال

5-

ضياﺀ سرور

12 July 2015 ·

أبو محمد (رحمه الله)

كان المحقق الوحيد (الإنسان )

كان المحقق الوحيد (الغير قذر)

كان المحقق الوحيد (السوري)

كان المحقق الوحيد (الي جاي بالغلط)

كان المحقق الوحيد (الذي يمنحك سيجارة)

وهو المحقق الوحيد (الذي سمعت بتصفيته لاحقاً)

تساﺀلت : لو كان ابن قحبة لما مات !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

6-

ضياﺀ سرور

12 July 2015 ·

انتهى التحقيق بدمشق … تطيُّري من أيلول لم يُخِبْ ظني من قبل وها أنا الآن أُنقل إلى مهجع 3 حديد (ذو بابٍ حديدي)أو مهجع الموت كما كانوا يسمونه … لا يكاد يمر يوم إلا و تُستبدل جثة حيّ أو أكثر بجثة ميت من نزلائه … الموت والعدد ثابتان هنا… بضلعين مكسورين ومرفق متورم كان يجب أن أتاقلم مع عالم (البلاطة ونصف) الجديد …. البلاطة ونصف خاصتك لك الحق في الحياة والموت فيها …. مع بضع حبات زيتون ورغيف خبز تنتظر عشاﺀك الأخير منذ الصباح .. ترى في وجوه من حولك مسيحاً لم يتبعه أحد … يُصلَب صباح مساﺀ على يدي من كانوا معه !!!

السجان فقط كان يقود من يُسمَّون بال(سخرة) وهم مساجين قدماﺀ نسبيّاً إلى النكوص لغرائزهم البدائية وهم يتكفلون بالبقية مع رفاقهم… كان الشاويش سمير (السجين السجان!!!) يفقد السيطرة يوماً بعد يوم على مهجعنا…. المساعد اشتم رائحة تمرد وشيك فخسر سمير ثقته … استبدل بسمير الشيخ عبد الرحمن … كان الشيخ يحصل على امتيازات سمير سابقاً … طعام أكثر وثلاث بلاطات كاملة ونسمة من هواﺀ مثقلٍ برائحة (بوط) المساعد …لكنه كان حاذقاً … كان يقمع باسم الله ويُسكت الحناجر الظمآنة بالذكر المتواصل … كان خليفة الله و خليفة المساعد معاً في ذات المهجع !!! … يتبع

#من_مذكرات_الاعتقال

7 –

ضياﺀ سرور

12 July 2015 ·

شيخ القصير (كما كان يسمى) كان متنفسنا الوحيد في مهجع الموت … يغرونه ببضع حبات زيتون إضافية ليسرد ليلاً في الخفاﺀ ما يخشى الجميع ذكره نهاراً …. كان موسوعةً قابعةً على بلاطة ونصف … بجسدٍ هزيل ووجه شاحب ورِتم كلام بطيﺀ ولهاث متقطع بسعال ثقيل يتناول قصة من قصص الأنبياﺀ كل ليلة …. كنت أسرح معه بهذيانٍ ليلي : هل نحن في بطن حوت كما يونس (ع) !!! هل قاسى أيوب(ع) أمراض هؤلاﺀ ?? ألا معجزةٌ تنقذنا كما أُنقذ موسى(ع) من فرعون ???

ما كنت متأكداً منه أنه لن يصفح هؤلاﺀ إن قُدّر لهم كما فعل المسيح (ع) ??? …. انتهت قصة شيخ القصير بنقله لمهجع آخر إثر وشاية … كانت أشبه بغربة في الجحيم … ساﺀت حالته على إثر ذلك ونُقِل لغرفة المرضى أو بالأحرى (غرفة الموتى) كما أسموها … كانت تحضيراً لمن ساﺀ به المقام ليأخذ رقماً على جبينه كمن سبقه بانتظار الوداع الأخير .

#من_مذكرات_الاعتقال

8-

ضياﺀ سرور

14 July 2015 ·

تأجل موتي مرةً أخرى حين حالفني الحظ بالخروج من مهجع الموت إلى مهجع الصدر (المهجع الأكبر والوحيد الذي تلامسه خيوط الشمس)

سماكٌ (مرض جلدي) وجرب بالإضافة لنحول شديد انتهى عليه ابن قرية جدية الشيخ حسين ذو ال28 عاماً

لكنها لم تؤثر على صوته العذب الشجي … كانت أناشيده تحرك قلوباً تجمدت شهوراً طويلة بلا حراك على (بلاطة ونصف) … تارة يتلو القرآن بصوت عبد الباسط الشجي وتارة ينشد بصوت العفاسي مبكياًّ معظم من يسمع رائعة النقشبندي :

أغيب وذو اللطائف لا يغيب

وأرجوه رجاﺀً لا يخيب

كان اعتقاله الثاني لكنه الأخير …وحده رفيق دربه (وقد سميته حسين 2 لاني كنت أنسى اسمه دوماً) من كان يأمره بالتوقف عن الإنشاد … لئلا يصيبه أذىً …. كانا متلازمين كتوأم … يأكلان معاً ..ينامان ذات الساعة … ويمرضان أيضاً معاً … ساﺀت حالة الشيخ حسين … وصفت له علاجات متعددة للإسهال والسماك والجرب … هناك ميكروبات من نوع آخر تنغل بأجسادٍ لا مناعة لها … قرر طبيب السجن نقله لغرفة المرضى ….هاج المهجع وماج … إنه أمر دبر بليل !!!

بين مد وجزر يذهب لغرفة المرضى ليسلم الروح بعد يومين … لم يستطع حسين 2 البقاﺀ طويلاً …. قضى بعذاباته بعد أسبوعٍ فقط رغم وضعه الجسدي المقبول … شهدت ولادات توأمية من قبل … لكنها أول مرة أصادف فيها موتاً توأمياً !!!

لروحكما أيها الحسينين السلام.

#من_مذكرات_الاعتقال

9 –

ضياﺀ سرور

15 July 2015 ·

مهجع الصدر وهو الأكبر بالفرع 215 كان يحوي بين 170-160 معتقلاً بمساحة لا تتعدى 30 متراً مربعاً … كان مهجع الميؤوس من خروجهم … تهمٌ تجمع الكوميديا والتراجيديا معاً … متهمون موزعون على كل أنحاﺀ البلاد … (كل البلاد متهمة) …. طلبة جامعيون … حرفيون … أساتذة .. عمال … فلاحون … قاصرون … عجزة ومسنون … رياضيون … فنانون … صحفيون … عسكريون … أطباﺀ ومهندسون … نعم … الشعب كان يقبع هناك .. وعلى بلاطة ونصف !!!!

كان الزحام لا يطاق … هدير الذكر والاستغفار يمتزج مع البكاﺀ والأنين يتخلله بعض صيحات (الكفر) …. يمتزج كل ذلك في مونولوجٍ يقطع عليك ذكريات المستقبل لتقبع حيث أنت … منتظراً اللاشيﺀ !!!!!

أبو عبد الله (الأصلع) كما كان يُلقب … ابن حمص القديمة .. شكيمته القوية لم تكن تنبئ بهول ما عاشه … لا زالت آثار الليلة السوداﺀ(كما يسميها) رازحةً على جسده … كان نادماً على نسيان الموت له …. جمعته المخابرات العسكرية وقطعان الشبيحة مع أخوته وأولاد أخوته وأبناﺀ الحي في أحد المستودعات المعدة للتخزين وقاموا بإفراغ ما في جعبتهم من رصاص وحقد أزلي … قُتِل الجميع باستثناﺀ أبي عبد الله … وجده الجيش صباحاً بثلاث رصاصات تحت أبناﺀ أخوته وحيه ليقتاده جريحاً للمعتقل… كان الناجي الوحيد … والشاهد الوحيد على مجزرة نجا منها القاتلون و جسده فقط .

#من_مذكرات_الاعتقال

10-

بدا روتين العذابات رتيباً … انتظار يتكرر … قصص مكررة … آهات وأوجاع مكررة .. صلوات وأدعية مكررة … الزمن يتوقف هنا …. مشفى الأسد الجامعي حيث لازلت طالب ماجستير في السنة الثالثة حين اعتقلت لا يبعد عني سوى عشرات الأمتار والأيام … كُتِب علي أن أشاهد هنا أمراضاً وعللاً عُدَّت منقرضة أو من الأدب الطبي …سلّ وجرب وبثور وموات والتهابات نوعية وغير نوعية وإسهالات وهستريا وانهيارات عصبية … جوائح تفتك بالعشرات خلال زمن وجيز …. كان هذا نتيجة طبيعية لغياب الشمس والهواﺀ النقي وتردي حال النظافة والاكتظاظ الشديد وسوﺀ الغذاﺀ كماًّ وكيفاً .

في يومٍ صيفيٍ كئيب توقفت مولدات الفرع عن العمل مما أدى لتوقف مضخة سحب الهواﺀ (الديسبيراتور) قضى على إثرها 19 معتقلاً اختناقاً … بعدها بأيام جائحة إسهال حاد فتكت بالعشرات … كان مرورنا للحمامات صباحاً ومساﺀً فرصةً لمعاينة الموت عن قرب … أرقام تُلصق على جبين الجثث الملقاة في الممر … كان مشهداً كافياً ليموت من بقي على قيد الحياة منتظراً رقمه… وقفت مشدوهاً لثوانٍ كانت كافية ً ليباغتني أحد أفراد سخرة الحمامات وهم من قدامى المعتقلين بضربة معتادة يُسيّر بها رتل مهجعنا … رددتها له لاشعورياً بلطمةٍ أوقعته أرضاً … دخول المساعد كثورٍ هائج أوقف المشهد في حينه….منظر بطل الجمهورية في الملاكمة يساعده اثنان من رفاقه على المشي إلى الحمام يبعث على انعدام أي أملٍ في النجاة …. نهايتي هنا بلا شك ….

#من_مذكرات_الاعتقال

11-

ضياﺀ سرور

16 July 2015 ·

بدأ رأسي يتورَّم بالذكريات كما قدميَّ التي تورمت بالبثور والجروح المُنتنة … كما تفاهات من بجواري تتورم لعراكٍ بالأيدي على سنتمترات من مساحتهم المخصصة أو غرامات زيدت لهذا على ذاك من قصعة الطعام المخصصة …. كانت الأجساد ستائر مسدلة بالية على أرواح خالية …. رباطة جأشهم النهارية تتحول لسمفونية نواحٍ ليلية بالخفاﺀ …

(يا إله العرش …. أخرجني أو أمتني إن كنت تسمعني)

صاح فادي ابن حي زملكا بجانبي…كان قابعاً هنا منذ 6 أشهر .. يصارع ماضيه منتصراً تارةً ومهزوماً تارةً أخرى …(لو عاد الزمن لما تمكنوا مني …لحفرت نفقاً بأظافري تحت ذاك الحاجز اللعين الذي ظهر فجأة) … سألني عن حال زملكا وما حولها … حدثته عن مجزرة زملكا الرهيبة حيث زُرعت عبوة غريبة من نوعها أثناﺀ مرور تشييع أحد الشهداﺀ … كانت الحصيلة عشرين شهيداً أو أكثر وعشرات الجرحى ممن حُرقوا بمادة أشبه بالفوسفور … تبعهم عناصر الأمن والشبيحة لمشفى الفاتح بكفر بطنا ليقتحموه … كنا قد تطوعنا مع بعض الرفاق لعلاجهم في أقبية بعيدة عن الأعين منقذين ما استطعنا إنقاذه… كان هول المشهد أعظم من أن يوصف … قلت له : لتلك المجزرة منظر ورائحة لا يُنسيان .

#من_مذكرات_الاعتقال

12

ضياﺀ سرور

17 July 2015 ·

اليأس الذي خيَّم عليَّ رغم حداثة وجودي بالفرع بدأ يُعدي من بجواري … كانوا يُمنُّون النفس بفرجٍ إلهي … مروحة قنوط وأمل تدور بخَلَد الجميع … كنت أسمع الأحاديث تتوالى عن عفوٍ قريب أو إفراج .. الجامعة العربية تضغط وترسل مبعوثاً لها .. الأخضر الابراهيمي يُدرج بند المعتقلين أولاً !!!!

لم أشأ أن أقول لهم أن هذا الكلام مضحك وأنه جرعة تخدير آن لكم الاعتياد عليه …لكنني مثلهم أحببت سماع هذي الأحاديث علَّني أنسى أن البديل هو النهاية في هذا الجحيم المنسي .

كان الفرع في هذه الأوقات يغص بالمعتقلين … الحركة باتجاه واحد … لا تحويل خارج الفرع إلا لعدد قليل بفترات متباعدة ولا أحد يعلم إلى أين … تضاعف العدد في القبو حيث بات العدد أضعاف ما كان قبل وصولنا … كان الأمل يضعف بمرور كل يوم وتضعف معه أجسادنا الهزيلة….

(النهاية هنا إن لم نفعل شيئاً ) قالها بهمس مُريب ….محمد ابن حي كفرسوسة الذي اعتقل مع ثلة من صحبه الدمشقيين بتهمة تشكيل (شبكة إرهابية) … نظرته المعلَّقة في الفراغ توحي بانتظاره للأسوﺀ … (الغريق لا يخشى البلل) قالها مع زفرة محروقة.

الموت هو الحادث الوحيد الذي كان يُبدّد روتين الانتظار المرتسم على ذات الوجوه لتحل محلَّها وجوه جديدة ليست أحسن حالاً ….. يتبع

#من_مذكرات_الاعتقال

13

ضياﺀ سرور

18 July 2015 ·

الأخبار المحمولة من خارج الفرع على ألسنة المعتقلين الجدد لم تحمل أي جديد … مجزرة هنا ومقتَلة هناك … وجرعات تخدير تنهال من مراكز صنع القرار في العالم .

منصة مهجع الصدر (وهي مكان مرتفع قليلاً في المهجع) تؤوي قدامى المعتقلين وعلى رأسهم العمدة (أقدمهم) بدت على غير عادتها تشهد تنقلات كثيرة … أحاديث الدين والثورة والسياسة والطبخ والأمراض بدأت تخفُت شيئاً فشيئاً لتخفي تحتها همساً تُنبئ نظرات العيون المتفحصة هنا وهناك عن خطورته .

كان نظام القبو في الفرع قائماً على انتداب المساعد لعدد من المساجين القدماﺀ (سخرة أو شاويش) ليقوموا ببعض مهامه :

توزيع السجناﺀ الجدد على المهاجع … توزيع الطعام … ضبط حدود المحتجزين ضمن البلاطة والنصف المقدسة… فك نزاعات المساجين .. مقابل حصولهم على امتيازات كان الجميع يتطلع إليها …. أورث هذا حقداً على أولائك لا يخفى على أحد … ازدادت صلاحياتهم لتشمل الضرب وتوجيه الإهانات … وإفشاﺀ جرعات الإشاعات المخدرة بشكل مكشوف … استطاع السجان أن يُخرج أسوﺀ ما بداخلهم رغم أنهم اعتقلوا بتهم تخص الأحداث الملمَّة بالبلاد لكن معظمهم افتقر لشيﺀٍ من التعليم .

بقيت منطوياً على نفسي منذ قدومي إلى مهجع الصدر … لكن شيئاً يدور في المنصة دفعني لاشعورياًّ لفك هذا الحصار الداخلي …. يتبع

#من_مذكرات_الاعتقال

14-

ضياﺀ سرور

19 July 2015 ·

كان لكل معتقل حكاية حبلى بالآلام والآمال …. من مات هنا فقد ماتت حكايته وأبقى لي تركةً منها … لكنها بالتأكيد ليست كل الحكاية.

أخوة بابا عمرو الثلاثة على يساري كانوا رغم فارق السن بينهم يبدون لي شخصاً واحداً بأعمار مختلفة … ثلاثيني وأربعيني وستيني … كانوا أشبه بلوحة تكعيبية لبيكاسو .

أصغرهم كان ينتظر مولوده الجديد بشغف … أوسطهم كان ينتظر محاصيله المثمرة …. بينما أكبرهم كان ينتظر موسم الصيد …. حاجز على أطراف باب عمر احتجزهم وأخذهم لفرع الأمن العسكري بحمص … ليحرمهم من طفل ومحصول وصيد منتظر .. وهناك عليك أن تعترف بما يُملَى عليك من الصفعة الأولى ….

كان قسم كبير من معتقلي هذا المهجع كما كل المهاجع من بابا عمرو والخالدية وحمص القديمة والرستن و درعا و إدلب واللاذقية وحماه ودير الزور.

وحدتهم عذاباتهم وقهرهم ونزعات موتهم المرتقب وأملهم برؤية شمس يومٍ قريب … لكن فرقهم جوعهم وغريزتهم للبقاﺀ … كناَّ في نهاية الأمر في غابٍ يحكمه البقاﺀ …. كان أخوة بابا عمرو رغم دماثتهم وطيبتهم محكومين بذلك … لطالما تعارك الأخوة على سنتمترين أو أقل يضمن نومهم لساعة من نهار أو ليل …. أو قطعة خبز خبؤوها نهاراً ونسوا تقسيمها ليلاً … كان للجميع معاركهم الجانبية في خضمّ الزحام … بينما كان للمنصة معركة من نوع آخر !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

15-

ضياﺀ سرور

20 July 2015 ·

بدأ الهمس يعلو شيئاً فشيئاً في مهجع الصدر … كان الخروج للحمامات في مناسبتين يومياً فرصةً لرؤية المعتقلين الجدد وتلقف آخر الأخبار خارجاً وداخلاً …

(زير اللجاة ) قريباً مني كان يتلو على مسامعنا بعض مغامراته العاطفية والثورية … كان بطوله الذي لا يتجاوز 150 سم و طريقته الملفتة في الحديث يُضفي على من حوله مرحاً غريباً في المهجع القاتم .. اعترافاته كما صرَّح لنا تجاوزت 200 صفحة حتى أُصيب المحقق بالتعب وتوقف !!!

محمد (الكفرسوسي) كان يجس نبض مجموعته خارجاً … شباب المنصة كانوا في تنسيقٍ مستمر مع مجموعتهم من باقي المهاجع …. بحكم قدمهم في قبو الفرع كانوا يعرفون تفاصيله بدقة …. لكنَّ الفريق المطلوب لا بُدَّ أن يكون من ذوات الثقة ….

كانوا يوحون للجميع بأننا نعمل لتحسين ظروف الاعتقال لذا فلا بُدَّ من التكاتف … عناصر السخرة كانوا شرّاً لا بدَّ منه ولكنهم على أصنافٍ أيضاً … منهم من اضطر لهذا كي يضمن عدم موته جوعاً أو مرضاً ومنهم من كان يُمارس ساديته بكل سرور …. كانت شكايات المعتقلين الصحية تدفعني للاحتكاك بمعظمهم والتعرف عليهم عن قرب …..

كنت في حيرة من الاقتراب أو الابتعاد …. لكن حقيقة أنني لن أخسر شيئاً أكثر مما خسرت دفعتني لأقتحم عالمهم السري …

#من_مذكرات_الاعتقال

16-

ضياﺀ سرور

21 July 2015 ·

كانت وشايات ضعيفي الأنفس أمراً محتوماً حتى في ظل هذا الجحيم …وكأنها شيﺀٌ جُبِل عليه هذا الجيل … لا أدري ما الذي دفعني لأقول صراحة لمحمد (الكفرسوسي) :

– عليكم أن تكونوا أكثر حذراً

– رد بامتعاض مستغرباً قولي : نحن نحاول تحسين ظروفنا المعيشية هنا فقط

– قلت له ساخراً : من أنتم ??!!

كان محمد مندوب تسويق لإحدى شركات الهاتف المحمول العالمية المعروفة … كان يمضي كثيراً من الوقت في شرح مزايا الأجهزة لي … لكنني عرفت أنه يحاول استمالتي إليه وأخذ الثقة لا أكثر … شيئاً فشيئاً بدأ يقفز فوق حاجز خوفه بحرية … كان الإقدام على علاج بعض المرضى يضعني في دائرة الوشاية للمساعدين لكنه كان يخرجني من دائرة شك من حولي … كان الجميع مشكوكاً فيه حتى يثبت العكس … تجاربهم السابقة علمتهم أن ليس كل معتقلٍ هو أهل للثقة .

زوارٌ جدد من أهل البيت هذه المرة … معتقلو الطابق الرابع المعاقبون كانوا يُنزلونهم للقبو لبضعة أيام كعقوبة لشغب أو سوﺀ سلوك …. كانوا أحسن هنداماً وصحةً …. 4 سنوات مرت على الشيخ أبو عبد الله المعتقل بتهمة الانتماﺀ لتنظيم أجناد الشام المحظور … كان دمثاً وهادئاً بشكل يعد غريباً لمعتقل أمضى سنين طويلة هنا … كان هذا ظاهراً للعيان كما ثراؤه الذي يتحدَّث به الجميع …

تولّّى أبو عبد الله تأمين الدواﺀ واللباس لمن يحتاج … كان جليّاً حدوث ذلك تحت أعين المساعدين ودونما اعتراض من أحد !!!!

لم يستغل المرضى وجوده فقط وإنما شباب المنصة كانوا على موعدٍ من غير ميعاد معه … احتاجوا خبيراً مثله ليستكملوا لوحتهم المنقوصة !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

17

ضياﺀ سرور

22 July 2015 ·

كان شباب المنصة مع شباب من مهاجع أخرى قد شكلوا شبكة كاملة … جمعوا المعلومات بدقة إضافة إلى ما عايشوه بأعينهم هنا … مواقيت تبديل المساعدين وحارس بوابة القبو … المسافة من باب القبو إلى باب الفرع

كان ينفقصهم رجل مثل الشيخ أبي عبد الله ليحوزوا منه ما يملك من معرفة بدهاليز الفرع … هم بحاجة لمعرفة ما بالخارج فقط … استطاعوا معرفة معلومات بدئية كانت غير كافية ….

بدؤوا برسم آمالٍ عريضة … بدا محمد بابتسامة قلما شهدتها .. فادي يحدثني عن تفاصيل بيته الدمشقي في زملكا دون أن ينسى أي تفصيل … أخذوني رغماً عني إلى عالمٍ كنت أنسى يومياًّ جزﺀً منه …

لم يدُم وجود أبي عبدالله الشيخ كثيراً في القبو … كان أشبه بسحابة صيف ساقتها الأقدار لتظلل مأساة كثيرين ….

كان الموت مستمراً في حصاده دون توقف … كان الكثيرون يغبطونهم … والبقية يتمنون موتاً يليق بحكاية بطل إغريقي تتناقلها الأجيال !!!!

وحدهم من عقدوا العزم على فعل مالم يسبقهم إليه أحد من قبل كانوا يرون إحدى الحسنيين !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

18

ضياﺀ سرور

24 July 2015 ·

كان يوماً مختلفاً عن باقي الأيام …. إشاعة تفيد بأن العميد رئيس الفرع سينزل إلى القبو تناثرت إشاعات عدة … منها ما يحب أن يسمعه كل معتقل من عفو بالجملة أو تحويل لسجن دمشق المركزي بعدرا أو أو أو … ومنها ما يقض مضجعهم بهول أمر رهيب قد يحدث …

في ظهر ذاك اليوم تم إقفال جميع المهاجع لمدة ساعة … القلق والتوتر بعيون الجميع لا يخفى … وابتسامة بلهاﺀ على شفاه البعض لا تجد لها تفسيراً سوى عقد الاعتقال النفسية.

علمنا فيما بعد مما سربه المساعدون أن المساعد (الديري) متهمٌ بتصوير المعتقلين بهاتفه الجوال ونشر تلك الصور للعلن .. ولم نرَهُ منذ ذلك الحين … كان ذلك يبعث على ارتياح الكثير ممن كانوا معنا … لكنني لم أرَ فيه أي شيﺀ … ولم أشعر بشيﺀٍ … كانت المأساة مستمرة ولم تعد تجدي معها أي مسكنات !!!!

لم تكن لهذا المساعد فائدة سوى سجائر الحمرا الطويلة التي كان يسربها باستمرار لقاﺀ أموال بعض المعتقلين الجدد …. حصلت على سيجارة أخيراً لكن تأثيرها كان سلبياًّ تماماً … تبخر مع دخانها كل أمل ممكن … لكنني دخنتها بشراهة لأنها قد تكون الأخيرة …. وبما أنني وقتها جلست قريباً من المساعد المذكور فقد خطر ببال رفاق المهجع أنه قد سرَّب إلي بعض الأخبار … ناسين أنه كان مصاباً بالجرب مثلنا وأنه ربع معتقل لأنه مضطر لنوبته في القبو كل 4 أيام …. دخلت المهجع بعدها والعيون ترمقني :

– خير دكتور … بشّر دكتور … شو في دكتور

رافعاً يدي :

– ابشروا يا شباب …

الجميع في ذهول مشوب بفرحة خفية ينتظر ما سأقول

– ما حدا منا رح يطلع عايش !!!!

ينهار المهجع بين بكاﺀٍ ونحيب ولعنات تنهال علي وعلى ماهم فيه !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

19

ضياﺀ سرور

31 July 2015 ·

كانت مشيته العرجاﺀ المترنحة تُنبئ الجميع بقدومه قبل سماع صراخه المفتعل …. ضربة كبله الرباعي على باب مهجعنا معلنةً بدﺀ نوبته توحي بيأسٍ قديم قدم إصابته.

طلب مني أن أعاين كتفه التي تتألم عند كل حركة وأكتب له وصفة.

– أنت شو جابك لهون?

– حاجز طيار !!

– ضيعت مستقبلك …روح الله يفك أسرك !!!!

قالها بعيون تشعر بالأسى والاستغراب …. لكني لم أستطع سوى أن أكرهه في تلك اللحظة

المساعد (السمعولي -نسبة لكونه من الطائفة الاسماعيلية) كان لا يجمع صفات الحيونة والقذارة المفترضة في المساعدين … حتى ضربات كبله كانت توحي بندمٍ قديم على دخوله في سلك المخابرات … لكن عتهَهُ البادي للعيان كان يساعده على الاستمرار في عمله ولو إلى حين .

#من_مذكرات_الاعتقال

20

ضياﺀ سرور

10 August 2015 ·

آخر من كان يُتوَقع انضمامه لهذه المؤامرة كان عناصر السخرة … ممارساتهم بحق زملائهم كانت تشي باستحالة الثقة بهم لكنهم كانوا شراً لا بد منه … علاقتهم بالمساعدين ومعرفتهم بمواعيد تبديل النوبات كانت عوامل حاسمة … ناهيك عن إشباع نهمهم النسبي للطعام والنوم عكس البقية والذي كان دافعاً للبحث عن الخروج بعد أن يأسوا منه.

كان الجميع يلمّح دون تصريح … لكني فقدت السيطرة وسألت محمد الكفرسوسي بشكل مباشر عن مغامرتهم :

– ستكون النهاية إن لم تنجحوا

– النهاية هنا إن لم نفعل شيئاً

– هل تعلمون ما ينتظركم في الخارج?

همس باذني قائلاً : هل شاهدت مسلسل prison break من قبل دكتور ???!!!

– نحن لسنا في أميركا يا أستاذ … هذه البلاد بأكملها سجن !!!

#من_مذكرات_الاعتقال

21

ضياﺀ سرور

11 August 2015 ·

الوافد الجديد لمهجع الصدر أبو ماهر (من بيت سحم) … كان الجميع يرمقونه بنظراتهم … بعضها كان شفقة محضاً وبعضها تخفيفاً لمصابهم إذا ما قورن بمصابه وأخرى حبلى بالتساؤلات عمّا يشعر به … ومعظمها مجرد نظرات بلهاﺀ تائهة في بحر بؤس الرجل …

كان مجرد جثة تمشي على قدمين … حملقته المتخشبة في أي شيﺀٍ أو شخصٍ أو حدثٍ كانت تعطي انطباعاً بأنَّه معتقل بجسده فقط أما روحه فكانت تسري في عوالم أخرى ….

كان يعيد قصته في الاعتقال لكل متسائلٍ عنها بصدر رحب وكأنه ابتكرها وسيلة تعذيب لنفسه عله ينتهي من هذا الكابوس الذي يعيش ويمسي عدماً يشتهيه …

عبوته التي بدﺀ مع بعض الرفاق بتجهيزها تركوها في غرفة مجاورة لمنزله مع أحدهم وحين عاد على وقع صوت انفجار هائل في بلدته … وجد بيته وزوجته وطفله وابنتيه ركاماً !!!

كان كل من يسمع قصته يبدأ بذرف الدموع رغم أسلوبه الروبوتي في إعادتها ….. قال لي بنبرته المضطربة :

– رغم كل ما حدث لي يا دكتور فأنا مؤمن بقضاﺀ الله .. سوف ألتقي بأطفالي وزوجتي في الجنة … الله كريم.

قابلته بالصمت والموافقة الآلية دون النظر في عينيه … كان يكفي أن يغمضهما ليلتحق بأهله !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

22

ضياﺀ سرور

14 August 2015 ·

أبو حسن ….. ببجامته النظيفة وصحته الجيدة وصلاحياته المماثلة لصلاحيات المساعدين كان يمثل مشهدا” مصغرا” لمأساة هذه البلاد … تم ضبطه بتهريب شحنة من الأسلحة …. لكنها لا تقتل على ما يبدو كأسلحة (العراعير) !!!

لهجته الساحلية الثقيلة كانت جواز سفر وشهادة حسن سلوك معترف بها في الفرع

لم يكن يبدو عليه أي أثر للتعذيب …. كان (خالي العلام ) كما المكان الذي أتى منه …. ومستثنى من الإهانات والتجويع ومأساة البلاطة والنصف التي تقض مضجع الجميع .

كان رجوعه لأطفاله وأهله مسألة وقت … بينما موت البقية كان مسألة وقت أيضا” !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

23

ضياﺀ سرور

22 August 2015 ·

استطاع شباب المنصة تشكيل خلايا مع باقي المهاجع … بدت ترتيباهم سريعة … وقت أطول يعني فرصة أكبر لكشف ما كانوا يخططون له … فادي بجانبي كان يطمح بالاستيلاء على حذاء رياضي … كان من فريق الجمهورية بالتايكواندو …. ظننته يحاول تنشيط جسمه الخامل واستعادة ذكرياته الرياضية … حصل على حذاء رياضي أخيرا”…. قال لي :

الحاجز الذي أمسك بي سوف أقفز فوقه هذه المرة لن يمسكوا بي بعد اليوم !!!

كانت ساعة الصفر بانتظار التحديد … لم يعلم بها أحد بعد …لكن الأكيد أنها عند فجر أحد الأيام القليلة القادمة … المهمات وزعت على الجميع … عناصر السخرة أساسيون … بدا البعض شاردا والبعض الآخر متوجسا حين يختلي بمخيلته … قليلون من كانوا صامدين بصمت دون خوف أو وجل منتظرين يومهم الموعود .

#من_مذكرات_الاعتقال

24

ضياﺀ سرور

22 August 2015 ·

أصوات انفجارات قريبة من الفرع بعضها داخل أسواره بدأت تسمع بشكل مريب … خشي الجميع أن يعطل ذلك المخطط المرسوم بعناية طوال أسابيع مضت … لكنها كانت سحابة صيف عابرة كعبور خيوط الشمس أعلى جدران مهجعنا .

الموعد حدد بعد صلاة العشاء .. قبيل صلاة الفجر القادمة ستطلق شيفرة التحرك … كانت ليلة مختلفة عن باقي ليالي الفرع …. البعض انهمك بصلواته وتسابيحه فقد تكون ليلته الأخيرة … آخرون كانوا يسرحون بخيالاتهم بعيدا هناك في أحضان زوجاتهم وقبلهم الحارة لأطفالهم ….بدا برد كانون مناسبا ليتذرع البعض به عن ارتجاف أطرافه لكن قطرات عرق الخوف كانت فاضحة …. هذيان تلك الليلة كان وباء حقيقيا يسري في الفرع كطاعون خاطف …. لم استطع النوم كما البقية لكن هواجس الماضي كانت تمر كشريط سينمائي أمام عيني ….ذكريات الطفولة … أيام المراهقة … أول صيحة .. أول مظاهرة … صوت الضابط الذي اعتقلني :

عوين ماخد هالدوا ؟؟ ع بصر الحمير ما هيك !!

لم يقطع هذه المتوالية الحالمة سوى صوت المساعد قبيل ساعة الصفر :

مين فيكن بصلي الفجر يا عرصات !!!!

#من_مذكرات_الاعتقال

25-

ضياﺀ سرور

27 August 2015 ·

اتجهت اتهامات الوشاية لعناصر السخرة دون غيرهم … كانوا أشبه ب(بالوعة قذارة) للسجان والسجين على حد سواء … معظمهم من المدمنين والمتعاطين للمنشطات والمخدرات .. أجسادهم المرشومة بالوشوم المختلفة وسوابقهم ما قبل الثورة وضعتهم موضع احتقار وعدم ثقة الجميع .

توقع الجميع حفلات تعذيب متوالية تطال المتآمرين الحالمين بالهروب … لكن كان للسجان رأي آخر !!!

أراد لهم الموت البطيء والعذاب المقنن على أيدي أبناء جلدتهم ورفاقهم المفترضين … تم ترحيل قسم من المشكوك بتآمرهم لمهاجع أخرى ….

(دفن الميت بقبر آخر لن يغير في موته شيء) … كان هذا رأي محمد الكفرسوسي ورفاقه …. غرق الحالمون بحدوث شيء في بحر اكتئاب جديد …

ذات الليلة يسمع محمد وأعضاء شبكته المتهمون أسماءهم ..

يصيح محمد : الله أكبر …. كنت أعلم أنك ستفرجها يا رب …

فرح الكثير بهذه الحركة بعد طول ركود في الفرع المقيت … هللوا وغنوا أغنية الفرح برفاقهم :

قد تمم الله مقاصدنا …. وزال عنا جميع الهم …

ودعني محمد بفرح وتفاؤل … طلب أن نسامحه ووعدنا بمتابعة موضوعنا إن قدر له الخروج .

علمنا صباح اليوم التالي بعد خروجهم أنهم قد رحلوا لصيدنايا !!!

قلت لنفسي : زال عنهم بعض الهم … وجاءهم هم أكبر … فليكن الله في عونهم .

#من_مذكرات_الاعتقال

فصل من رواية بيت حدد موضوع الخلاف

من الصفحة 251 إلى 261

( 26 )

أنيس

وضعوه في مهجع كبير. كان ذلك المهجع في الأساس حقلاً للرمي داخل الفرع نفسه، حيث احتوى على العديد من الآلات الغريبة، بينما كانت الجدران كلها ملبّسة بالخشب والفليّن والكاوتشوك لصدّ طلقات التدريب. المكان يقع طابقين تحت الأرض، على يسار مدخل قاعة الاحتجاز، أمّا على اليمين زنزانات عديدة للمعتقلين.

عدد المحتجزين في حقل الرمي قرابة ثلاثمئة معتقل وكانوا يتناوبون على النوم جالسين. وخلال الأيام الستة الأولى يتمّ ضرب المعتقلين بشكل جماعي، ينهال العناصر عليهم بوحشية بالسياط. كل معتقل يناله ما بين مئة ومئة وخمسين جلدة يومياً، لكنهم بطريقة ما يتجاهلونه ما يصله أقل من الباقي بعد أن يتم فرزه وهو وبعض الآخرين على جنب.

مضى الأسبوع الأول حاول فيه التماسك والبقاء يقظاً. ليلا استدعاه الحارس.

مشى معه إلى آخر الممر المعتم، دخل غرفة المحقق الذي أشار إليه بهدوء أن يجلس:

-إنت بتعرف أنو موصى فيك ما حدا يمد إيدو عليك، اعتبر هاي سياحة ومعاملة خمس نجوم دكتور. هلق صار لازم نحكي.

-شو المطلوب مني بالضبط؟

-مطلوب تسلمنا سامية.

-بس أنا ما بعرف وينها.

-بس أكيد فيك توصل لها. موجودة بالغوطة الأمر بسيط، الليلة بتتحمم وبتنام بغرفة نظيفة ومن بكرا بتطلع الصبح وبتبلش تتواصل معها. معك ثلاثة أيام، إذا قدرت تسلمنا إياها، بتحمل حالك معزز مكرم وبترجع على لندن. وإذا ما سلمتنا إياها راح تندم عالساعة يلي ولدتك أمك فيها.

-وشو الضمان أنو إطلع من هون بعد ما سلّمكن ياها.

سأل محاولا أن يستجمع قوته لتبدو نبرة صوته واثقة، فانفجر المحقق بعنف في وجهه صائحاً للمجنّد:

-خدو لهالحيوان على المهجع ستة. واضح أن المعاملة الكويسة ما بتمشي معو..

-بدي إحكي مع السفارة البريطانية …

-أهلين سفارة … يا عميل يا وسخ.. مفكر حالك بسكتلانديار يا بخش يا قلب..

خدوا خلي يحكي مع السفير..

كان للتو قد بدأ تعامله مع الجحيم وأهله. أُدخل غرفة التعذيب. تم تجريده من ثيابه وربطه من يديه ورفعه على بكرة حتى أصبح كتلة من اللّحم المتدلي. قدماه لا تلمسان الأرض.

استدعى المساعد ثلاثة عناصر قائلاً لهم:

-اسمع أنت وياه، هادا واحد من أعداء الوطن والخونة عميل للمخابرات البريطانية، ضبطناه وهو عم يحط متفجرات بالسوق. أنتو الثلاثة بدي شوف مين أكثر واحد فيكم بحب سيادة الرئيس، بينزل ضرب بالكبل بدون ما تتعب إيده. ويلي بوقف منكم بالأول راح ينحرم من الإجازة، وآخر وأكثر واحد بيصمد فيكم بينزل ليلتين مبيت وبياخذ صورة مع برواظ لسيادة الدكتور بشار. جاهزين.. واحد اثنين ثلاثة.

انطلق المتسابقون الثلاثة في جلدٍ وحشيٍ همجيٍ، صراع لتدمير قطعةِ اللّحمِ المشبوحة. بعد دقائق فقد الإحساس بأي شيء كانت السياط تهوي على جسده تاركةً علاماتها للدم المحبوس في الظهر والبطن والمؤخرة والأرجل، يغيب عن الوعي لتوقظه رشقة ماء بارد. ينظر إلى الثلاثة وقد كدّهم التعب وقد إنهار أحدهم من اللهاث.

فك المساعد وثاقه فانهار ككومة لحم، شحطه أحد السجانين من قدميّه منفذاً الأمر:

-خدوه لهالخنزير عالمهجع رقم ثلاثة.

يسمونه مهجع الموت، تُستبدل يومياً جثة حيّ أو أكثر بجثة ميت من نزلائه. حافظ المكان على احتشاده، الموت والعدد أربعة وأربعون ثابتان هناك. بأضلاع مكسورة وركبة متورمة، وظهر متشقّق كان عليه التعايش مع عالم جديد على مساحة بلاطة ونصف. في غرفة لا تتجاوز الأربعة أمتار للطول وثلاثة أمتار للعرض. يوسع له معتقل آخر مكانا وهو يقول:

-مبارح مات ثلاثة معتقلين، وأنت إجيت لحالك..

ثم قرأ آياتٍ من القرآن على كسرة خبزٍ مبلّلة ووضعها على مكان أكثر الجراح نزفاً.

-بإذن الله سيخف الألم..

-ونعم بالله.

أجابه بدون أن يجد القدرة على رفض كرمه معه، ففي اللحظة الأولى ما بعد التعذيب تصبح أي لحظة تعاطف، مهما كانت بسيطة أو ساذجة، لا تقدّر بثمن.

البلاطة والنصف خاصتك هي حيّزك في هذا العالم، كل ما تملكه الآن على هذه الأرض. تحيا فيها إن استطعت، أو تستجدي عزرائيل كي يحررك من ثقل وكثافة الجسد. التجويع منظّم، والطعام لا يأتي إلا على مزاج إدارة معتقل الجحيم. مرة يرمون بضعة أرغفة يابسة على كل رغيف منها ملعقة من الحمص. في الظهيرة، يأتون بدلو من المرق على شكل شوربة عدس هي في الحقيقة ماء مسخن بطعم المازوت. وبضعة أرغفة في المساء وخمس حبات زيتون بالعدد لكل واحد.

لشيخِ الخالدية الحمصي صوت رخيم ومخزون لا ينضب من حكايا الأنبياء والصحابة. يمزج فيها الواقع بالخيال، المكتوب بالموجود، يثير الإعجاب بقدرته على تهدئة المعتقلين وإخبارهم أنه كلما كانت عقوباتهم وألمهم أشدّ كانت مغفرتهم أكبر.

يقول لهم بأنهم أشبه بالقديسسن والمصطفين وأحفاد النبي أيوب. فالصبر ليس مفتاحا للفرج فحسب بل هو المقاومة الوحيدة للفوز برضى الله. كان شيخ الخالدية المتنفس الوحيد في هذا الضيق. يبدأ كل ليلة بتلاوة القرآن بصوت شجي هامس، فتخفت الأنات وآهات المتوجعين والنازفين ومكسّري الأضلاع. يتبعه بقصّة يونس بن متى وكيف رماه القوم في البحر فحمله الحوت في ظلمات بطنه، فلم يشك يونس ولم يخف ولم يفزع رغم الألم والجوع والمرض بل كان يستغفر الله ويردد دعاءه، لا إله إلا أنت سبحانكَ إني كنت من الظالمين. يجاهد شيخ الخالدية في جعل ظروف يونس في بطن الحوت تشبه حالة المعتقلين. كانت الحكايات هي وسيلتهم الوحيدة للتشبث بالأمل والنجاة. ينطلق الخيال مع الصوت الرخيم، تهمد قطعان الأوجاع. وبقوة الحكاية، يشتمون بدل النتانة والعفن والتفسخ روائح المسك والعنبر ويغرقون في لذه الخيال. يعقدون رايات الأمل، سننجو مثل يونس وسيلفظنا الحوت إلى الشاطىء وسنجد الناس وقد آمنت بانتظارنا.

وفي لحظة التجلي تلك، والخدر اللذيذ يبلسم الأجساد المنتهكة العاجزة، ينطلق صوت مشروخ من الزاوية المقابلة لأحدهم وقد انتصب واقفا:

-وينو الله وينو… كس أختكن يلعن سماكم..

ثم يركض متعثراً بالأجساد المتكومة وهو يتبول على نفسه، وسط محاولات المعتقلين لتثبيته بالأرض وتكميم فمه، خوفا من قدوم السجان والعقوبة التي ستطال الجمع.

يهمس أحدهم بالجوار

-فَصَلْ، هيك عم يصير كل فترة بيفصل واحد بيطق عقلو وبيفقد السيطرة وببلش يخربط.

نجحوا في تثبيته، فاقترب شيخ الخالدية من أذنه وبدأ بتلاوة القرآن حتى هدأ.

في صباح اليوم التالي سُحِبَ الشيخ من مهجع الإبادة إلى مهجع الترقيم، وهذا يعني أنه سيعذّب حتى الموت، وينتهي برقم ملصق على جبيه وتؤخذ له صورة للأرشيف، ويبعد جسده إلى مقبرة جماعية مجهولة المكان.

تفشى المرض بعد عدة أسابيع جرب، قمل، إنتانات، وجاءت جائحة الإسهال. تحول المهجع إلى غرفة خليط القيح والدم والبراز والبول البشري.

كانت الرائحة النافذة والمناظر المقززة بمثابة تعذيب معكوس للسجانين، فأصبح المعاقبون منهم هم المشرفون على المعاقبين. كان يفتح الباب وهو يكمم أنفه بخرقة ويحاول ألا يلمس أحدا من الموجودين. وباتت الجثث تخرج يومياً بين ثلاثة إلى أربعة. وتطوّع أنيس لإخراجها مع آخرين. يرمون لهم ببطانية يضعون عليها الجثة، يحملون كومة الكائن البشري المبقع بالقروح ويمشون بها إلى الممر، يديرون وجههم إلى الحائط. حتى يوضع لكل جثة رقم على جبينها، ثم يسحبونها إلى الأسفل، متكومة في مستودع ريثما تأتي سيارة الدفن لنقلها إلى الخارج. كانت تلك اللحظات بمثابة المتنفس الوحيد والفرصة لإخفاء أي شيء قد يكون مفيدا.

حتى تم نقله إلى مهجع الصدر.

بمساحة لا تتعدى ثلاثين متراً مربعاً يتكدّس تقريبا مابين مئة وستين إلى مئة وسبعين معتقلاً. شروطه أحسن بقليل، فالشمس تدخله. أما المتهمون فهم شرائح من كل أنحاء البلاد. مراهقون وعجزة، أغنياء وفقراء، متديّنون وملحدون، أبناء ريف وأبناء مدن، بدو رحل وأكراد. يعملون في كل أنواع المهن، أستاذة جامعات وأطباء ومهندسون وعمال مياومون ومزارعون…

كانت البلاد معتقلة لأن أهلها طلبوا بمساحة أكبر من قبر فأعطوهم هنا بلاطة ونصف. أن تكتظ مع هذا الحشد البشري الخانق، وتلتحم معه يعني أن تصبح كائنا ذو رؤوس كثيرة، جسدك متصل مع أجساد الآخرين، أيُّ حركة من أي جانب قد تسبّب لك الألم. أدخلوهم من الباب وحين أراد الحارس إغلاقه لم يفلح نظراً للاكتظاظ. فاستعان بسجانين ليشاركوا معه بكل عزمهم لدفع الباب الحديدي، عاصرين الأجساد على بعضها وهو يكيل لهم كل أنواع الشتائم مهدداً بأنه إذا سمع صوتاً:

-راح إحسب الله ما خلقكم.

ينغلق الباب ويبدأ القدماء بتنظيم الأمور. هنا تتقلص المسافة إلى البلاطة والربع حيزك. يجلس المعتقل ويفتح قدميه ليجلس أخر بحضنه ويأتي الكبيس وهو أضخم الموجودين يضغط بقدميه ليكدس الموجودين. في مهجع التكديس هذا يتناوب الواقفون والجالسون، ويصبح الكسر الوحيد للروتين هو تغيير المكان الذي يؤلم، وصوت الأسبيراتور يمتزج بالتوجعات والتفجعات والأدعية والاستغفارات والاستغاثات لله. تتفشى الهستيريا فيبدأ أصحابها بالهذيان، التبول، الصراخ أو كل ذلك معا.

إذا قدر للعالم يوما أن يرى حقيقة ما يجري فقط داخل هذا الفرع المخيف لاستحى من الكلام عن الهمجية والإرهاب.

شافط الهواء تعطّل فجأة، وخلال يوم واحد كان أكثر من أربعين معتقلاً قد قضوا من الاختناق. ليغادروا مبتسمين إلى غرفة الترقيم، ارتاحوا أخيراً تاركين لهم مساحة أكبر لمن بقي.

بدا روتين العذابات رتيباً. ارتقابٌ مكرور، قصصٌ معادة للمرة الألف، أنينُ توجعٍ مكظوم، دعاءٌ واستجداءٌ للسماء البكماء. يتصمّغ الزمن. يتخيل الدكتور ما هي ردة فعل المجتمع العلمي والطبي في لندن إن أخبرهم أنه كان شاهد عيان على أمراض وأوبئة تعدّ منقرضة لم تعد تدّرس إلا في تاريخ الأدب الطبي، سلّ، جرب، بثور إنتانية غريبة موات والتهابات نوعية وغير نوعية،إسهالات وهستريا وانهيارات عصبية، جوائح تفتك بالعشرات خلال زمن وجيز. كان هذا نتيجة طبيعية لغياب الشمس والهواء النقي وتردّي حال النظافة والاكتظاظ الشديد وسوء التغذية كماًّ ونوعاً وكيفاً .

البلاد كلها تتعرض لجائحة والسعيد من يموت بهدوء أويهرب منها وينقذ ما يمكن إنقاذه.

كان يود فقط أن يرى سامي، وفي اللحظة التي فكر فيها به انتبه أنهما يشتركان بنفس الاسم، سامي وسامية، كيف تعطيك الحياة هذا النوع من العلامات ولا تنتبه!

اشتقاق لبيته في وليزدن، إلى عمله، إلى لندن الباردة الراسخة الصامتة التي لم يحبها يوما، لكنها اليوم تبدو المكان الوحيد في العالم الذي يجب أن يكون فيه.

قبل صلاة الفجر استدعاه الحارس، فتوجه إليه يسير بصعوبة شديدة. كان صوته هادئاً وخالياً من الشتائم. دخل غرفة التحقيق في آخر الممر، أمره المحقق بالجلوس بهدوء. طلب له كأسا من الشاي وقنينة ماء وصحن فاكهة فيه بضع حبات من التفاح والبرتقال والموز. لم يصدق ما يرى كانت هذه الأشياء بمثابة وجبة من الجنة. مشككاً نظر في وجه الضابط، شعر أنه يعرف هذا الرجل لقد التقاه في مكان ما. لم تطل حيرته حين قال:

-آخر شي كنت أتوقعه إني شوفك هون!

ذكّره بأنه كان مرافقا لزوجته في لندن منذ سنوات حيث أجرى لها الدكتور أنيس نفسه عملية قلب مفتوح.

-بتذكرك..

الاحتراس من كل الافخاخ جعله بارداً. كان الجوع في تلك اللحظة أعلى من كل الآمال التي حملها له وجود رجل يقدِّر مكانة الدكتور، لم يمد يده إلى شيء، فما زال يتوقع الأسوء وأن في الأمر مكيدة ما. عاجله بتبديد غيوم الشكوك راح أتركك عشر دقائق وراجعلك خوذ راحتك وبس ارجع منحكي.

وغادر، تاركاً إياه مع هذا النعيم غير المتوقع.

حين عاد، كانت معدته التي داهمتها الوليمة تقدم فروض الامتنان صوتيا.

-دكتور أنيس من بكرة أنت راح تنتقل على غير مكان، أنت مكانك مو هون. حتى الليلة ما ترجع على المهجع تبعك.

كان لديه رغبة بتوديع من تركتهم هناك، فبشر تلتصق بهم كل تلك الأيام الجحيمية سيكون صعباً عليك أن تتخيل حياتك بدونهم في لحظة نزعك عنهم. لكن لم يقل ذلك خاف أن يفصح عن هذه الرغبة الحقيقية، ركّز على طوق النجاة خوفا من خسارة هذا الأمل الذي أشرق من قاع العدم.

تابع الضابط الغامض كلامه بهدوء:

-سيتم نقلك إلى مكان مريح لا أعرف أين بالضبط ولكن أعلم أن هناك واسطة قوية من أجلك.

تجربته علمته أن لا يجادل ولا يستفسر فقط يصغي بهدوء، لا يبني أمالا ولا يتوقع إلا الأسوأ.

-في البداية ستستعيد عافيتك وبعدها ستكون أمورك بخير.

جمع كل طاقته الداخلية وسأله بصوت خجول:

-هل سيكون هناك إفراج؟

ظهرت علامات الامتعاض على وجهه:

-لا دكتور جريمتك كبيرة وعقابها الموت بالعفن هون، كل شي بقدر أعملك ياه هو إنك ما تموت هون أو ما تموت هلأ. راح تتحمم الليلة، وبكرة بيشوفك طبيب الفرع وبعد كم يوم بتنتقل من هون؟ هاد أقصى شي فيني أعملك ياه.

-لوين حتنقلوني؟

-لمكان أفضل بكثير، ولكن إذا كنت غبي وما بعتقد إنك هيك، راح ترجع لهون وساعتها لا أنا ولا غيري منقدر نعملك شي.

قاطعه لأستعمل ورقتي الأخيرة التي تركتها حتى اللحظة:

-إسمع، أتذكرك جيدا يوم خرجت من العمليات، وأخبرتك بنجاح العملية لزوجتك. أتذكر دمعتك، وامتنانك وشكرك، أتذكر أنك قلت لي شو بتطلب دكتور رقبتي سدّادة. أنا ما بدي شي بس بدي أعرف لوين؟

-راح تكون بمكان ما بعرف عنه شيء غير أنه أفضل بألف مرة من هالمهجع. من يوم عرفت إنك هون وأنا عما فكر بطريقة لطالعك، يمكن ما يعجبك، يمكن ترفض، بس على الأقل بكون أنا بريت ذمتي باتجاهك.

دكتور، نحنا ما عدنا شعب واحد، نحنا صرنا بحرب يا قاتل يا مقتول. محتاج أخلص من عبء مساعدتك بأي طريقة. لأعرف أشتغل من يوم ما عرفت أنك هون وأنا مشوش. رغم إني مدرّب على فصل شغلي عن حياتي، وجودك موجعني، برجع عالبيت وبشوف زوجتي وولادي، بحس بالامتنان إلك.

مطرح ما أنت رايح مو مكان مثالي كثير، ويلي بعرفوا عنو قليل. لكني عملت المستحيل لأقدر أطرح اسمك. أكثر من هيك ما عندي. وهيك منكون خالصين دكتور.

قرع الجرس فجاء الحارس:

-وصّل الدكتور على غرفة المبيت تبعي، خليه يتحمم وعطيه ملابس جديدة.

الحارس المليء باللؤم والغباء بدا مضحكا وهو يتعامل معه. فقال وهو يرشده بقرف إلى الغرفة:

-كلكن أخوات منيوكة.

ويخرج صافقا الباب.

كانت الليلة الأولى التي يحظى فيها بسرير وملابس نظيفة منذ أسابيع طويلة. كان شيئاً أقرب إلى اللاتصديق. لم يحسن التعامل مع المساحة، بدت له هذه الغرفة على صغرها شاسعة أكثر مما ينبغي يضيع ولا يعرف كيف يجلس. تحول السرير إلى فراش من المسامير المدبّبة التي تنغرز في مساماته. كان تعذيبا من نوع آخر أشد فتكاً لمجرد التفكير بالقابعين على بعد أمتار منه في الزنازين. غادر التخت ليتكور في الزاوية بمساحة بلاطة ونصف، حينها فقط استطاع أن يغفو.

في اليوم الثاني تم نقله إلى المشفى العسكري، خلال أقل من شهر بدأ يستعيد صحته.

وبعدها جاء أمر نقله إلى المركز الثقافي.

وُضع في فان مغلق بعد أن كُلبشت يداه وطُمّشت عيناه، وسار ما يقارب الساعة والنصف بدأت فيها أصوات الضجيج تنخفض فقدر بأنه صار خارج دمشق

أدخلوه مطمّشا إلى الداخل، كانت الأصوات الهامسة خالية من الشتائم واللغة السوقية التي اعتاد سماعها في الفرع وحتى بالمشفى.

قاده الحارس عبر الدرج نزولا عدّ أكثر من ثلاثين درجة، أمره بالوقوف سمعه يتحدث مع شخص أخر يقول له:

-هذا هو الدكتور…

بعد لحظات تم اقتياده من جديد، فُتح باب ما وأُدخل منه. فُكت قيوده وحُررّت عيناه من الطماشة. وحين اعتاد الرؤية وجد نفسه في غرفة مرتبة ونظيفة للغاية، فيها سرير نظيف، وخزانة ثياب، وطاولة صغيرة مع كرسي وفريزر صغير وبتوغاز صغير وبضعة كؤوس وفناجين وصحون. غادر الحارس دون أن يتكلم معه بعد أن أقفل الباب من الخارج.

مرت أيام، كل ما يفعله هو استقبال طعامه والانتظار. الزمن لا يتغير فقط الحارس يفتح الباب من الخارج ليقدم الطعام ثلاث مرات، يعرف من خلالها الفرق بين الصباح والمساء. الجو المعتدل وعدم شعوره بالبرد يؤكد أن الوقت في الربيع أو على أعتاب الصيف. بقي الأمر هكذا حتى دخل عليّه رجل بمنتهى الأناقة يرتدي بدلة بيضاء، مشذب الشارب تفوح منه رائحة عطر ثمين.

سأله بمزيج من الود واللؤم:

-ان شالله مرتاح بالغرفة.. فيك تسميني المدير.

-كل شي تمام..

– أكيد عندك أسئلة.. باختصار صار وقت الشغل..

-أي نوع من الشغل؟

-هون عنا متبرعين بقلوبهم، مهمتك ببساطة أن تجري عمليات نقل القلب برفقة فريق طبي. سمعت أنك كنت تشتغل بلندن وإنك جراح ممتاز.

-بتقصد إني راح أعمل عمليات زراعة القلب هون؟

-لاء بس عمليات نزع القلب هون، الزراعة راح تتم بمكان آخر.

-مين هنن المتبرعين؟

استفسر لإسكات الشكوك التي بدأت تشرقط في رأسه.

-مادخلك بهالموضوع، على كل راح يكون في بعض الطلبات الإضافية، مثل الكبد والقرنية والكلى أعتقد إنك بارع وما راح يصعب عليك شي. ولكن حالياً راح نكتفي بالعمليات الي بتتقنها وبدي ياك تستعد من اليوم.

-ماجاوبتني مين هنن المتبرعين؟

-بنصحك دكتور ما تسأل كثير، قوم بعملك بهدوء وجهز نفسك لغرفة العمليات. إذا احتجت أي شي خاص اكتبه ومنأمنلك ياه.

لم يطل الوقت، دخل غرفة عمليات مجهزة بشكل معقول. أنهى التعقيم وتقدم إلى طاولة المريض يتفقد الأدوات. يرافقه ثلاثة مساعدين. كان المريض الأول تحت التخدير العميق وعلاماته الحيوية جيدة. نظر في العيون المطلّة من خلف الأقنعة الطبية، كانت جامدة وقلقة. الجسد العاري المسجى أمامه تظهر عليه علامات الهزال الشديد، يبدو شابا لم يتجاوز الثلاثين من العمر. وقف متجمداً. ما سأقوم به عملية إعدام لإنسان حي.

تراجع للخلف واستدر باتجاه الباب. رفض الحارس خروجه. واستدعى المدير عبر الهاتف فجاء بسرعة غاضبا، آمراً الحارس أن يرافقه إلى غرفته وتبعه إلى هناك بعد دقائق:

-اسمع دكتور، عادة هون ما بتتم الأمور بهالطريقة، عندي بعض الأصدقاء مهتمين بأمرك وكرمالهم عم عاملك بالحسنى. إنت هون ما بتملك خيارات. مهمتك تنفذ وبس. راح أتغاضى عن سلوكك لأنه على ما يبدو ما فهمت الأمر كما يجب. الأمر ما بيحتمل التأجيل. ماعنا وقت، يا بتقوم بمهمتك منيح يا برجعك مطرح ما جيت. أنا لا بحب التهديد ولا الوعيد ولا بجبر حدا يشتغل معي.

بدا الأمر خياراً وحيداً أو العودة لمهجع الصدر والجحيم. هنا على الأقل يستطيع البدء بالبحث عن مخرج. هناك معناه التعفن والموت بأي لحظة.

-مهما حاولت ما راح اقدر اقتل إنسان.

-مو مطلوب منك تقتل حدا، اعمل يلي إنت شاطر فيه، طلع القلب معافى وسليم وغادر غرفة العمليات. معك دقيقتين، لا تضيع الوقت رجاء. ماني حابب رجعك عالفرع واضح إنو مالك غبي. يلي بشتغل معهم ماحدا منهم ممكن يسمعك أو يناقشك. صحيح أنا صبور وبتفهّم، بس بصراحة ماعندي وقت لإقناعك.

بعدها بدت لهجته هادئة ودودة:

-كل اللي بقدر ساعدك فيه هو حطلك موسيقى مناسبة لعملك الفني. شو رأيك بيناسبك فاغنر، والا بتفضل شتراوس، بس إياك تقول موزارت، بزعل منك.

صدمة لا يصدقها، يحاول فتح عينيه ربما كان في كابوس ويجب الاستيقاظ منه بأسرع وقت.

-بعد دقيقتين، اطلع لحالك والحارس بيوصلك لغرفة العمليات، دقيقتين ونصف، بتطلع من هون عالفرع. بعتقد إنك ذكي فلا تمتحن جديتي.

تركه عالقاً في شباك عنكبوت ضخم، يبصق عليه خيوطه مثبتاً إياه في حمأة من دبق غامر. كان واقعا حقيقيا وعليه التعامل معه. التملص منه مستحيل وجديته واضحة. لم يكن مستعدا للمقامرة أو المناورة كان عليه أن ينجو مهما كلف الأمر. نتر نفسه من خيوط هواجسه، وحزم أمره، فتح الباب وقال للحارس:

-خذني لغرفة العمليات.

وكأنه مخدر تماما بدأ بالعمل، على موسيقى فاغنر، تذكر أن الهولوكوست كانت تنفذ على إيقاع موسيقى فاغنر المتعطشة للقوة، وحتى اللحظة لا أحد يحب سماع فاغنر في إسرائيل تذكر أنه قرأ شيئا كهذا.

طاقة تخلي منك العاطفة، تحرّض بك تلك البقع السوداء المبهمة التي لا تحفل بالتفاصيل الصغيرة. موسيقى تحتفي بالعظمة والمجد، وعلى إيقاعها العسكري الصاخب المدوي شقّ الجلد، نشر القفص الصدري، وبسرعة ودقة قطع الشرايين ونزع الكتلة الحمراء النابضة فتناوله منه أحد المساعدين ليضعه بصندوق مبرّد خاص بالحفظ، يغلقه بإحكام وينطلق به خارجا. غادر بتثاقل إلى الحمام استفرغ مافي جوفه، عاجزا عن التفكير يطفو فوق هلام من كابوس، كل ما يتمناه أن يستيقظ منه ويكاد لا يصدق أنه فعلها بهذه البساطة. لقد قتل إنسانا للتو.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...