الرئيسية / صفحات سورية / إشكاليات مهمة أنان.. معادلة جديدة في سورية

إشكاليات مهمة أنان.. معادلة جديدة في سورية


نور الحلبي

إن أهم ما وصفت به تلك المهمة بأنها المهلة الأخيرة والفرصة الذهبية التي تهديها واشنطن اليوم للنظام السوري ليخرج من الأزمة سلميا أو بالأحرى ليسقط سلميا، من أجل تجنيب البلاد حربا لا تشابه الصورة الليبية فحسب، بل تداعياتها ســتكون أشد وأقسى على السوريين بسبب اختلاف الطبـــيعة الاستراتيجية للأراضي السورية والتركيبة الطـــائفية المتنوعة للشعب السوري.

تدرك الولايات المتحدة فشل تلك المهمة سلفا بسبب إدراكهم لعقلية النظام السوري السياسية وتركيبته الأمنية، وذلك لن يخفى طبعا على السياسة الأمريكية والخبرة العسكرية والمخابراتية الأمريكية بشكل خاص، بل ربما يدركون الوضع أكثر من السوريين أنفسهم بسبب حساسية المنطقة وأهميتها بالنسبة لهم والتي باتت معلومة للجميع، وهنا تطرح الكثير من التساؤلات والتحليلات عن سبب الاستمرار بتلك المهمة رغم الخروقات الجسيمة التي حدثت منذ بدأ الدخول في تنفيذ بنود المهمة من قبل النظام، وخاصة مع استمرار الحملة العسكرية على حمص وإدلب ،والأطراف التي كانت تتحدث بقوة عن تسليح المعارضة والمناطق العازلة في سورية قبل تلك المهمة تبدو اليوم متأهبة ومترقبة لنتائجها، بل لإعلان أنان عن فشله فيها حتى ترجع تلك الدول للضغط على المجتمع الدولي لإيجاد حلول عملية في مساندة الشعب السوري وإنقاذه من آلة النظام القاتلة، أو ربما لتقوم بخطوة عملية تجاه حل الأزمة بعيدا عن مجلس الأمن الذي تعارض روسيا والصين قراراته بشكل متواصل، على الشاكلة التي دعا لها قائد المجلس العسكري الأعلى للجيش الحر (مصطفى الشيخ) من إقامة تحالف عسكري لأصدقاء سورية خارج مجلس الأمن، وهذا ما ترجم في اجتماع باريس الذي صرحت فيه تلك الدول بنبرة مرتفعة وتهديدية عن استعدادها للقيام بأي خطوات عملية لإنقاذ الشعب السوري، وطرحت فيه كلينتون مسألة تفعيل ميثاق حلف النيتو فيما يخص التعدي على الأراضي التركية الحدودية، ولوحت بعقوبات تحت البند السابع يمنع توريد الأسلحة للنظام السوري – رغم أن مسألة البند السابع يتوجب أن ينظر فيها حتى لا تؤثر على مسألة تسليح الشعب السوري- كل ذلك يبدو خطوة تمهيدية لتدخل عسكري غربي متوقع في المرحلة المقبلة في حال بقي النظام مستمرا بالقتل وغير متجاوب مع المهمة.

وما يتحدث به بعض المحللين الذين ينتقدون تلك المهمة بأن من سلبياتها الظاهرة: أنها ساوت بين الجلاد والضحية، إذ صورت الأزمة بشكل غير مباشر على شاكلة نزاع وصراع مسلح متكافئ، وتكمن خطورة تلك الفكرة في : أن النظام قد استثمرها في نسب ما يرتكبه من خروقات للمعارضة التي يسميها بالعصابات الإرهابية، وبالتالي أصبح من الاستحالة بمكان إيقاف النظام لآلته القاتلة للشعب بذريعة محاربته لتلك العصابات التي عاثت في سورية فسادا، وهذا ما صرح به النظام عن طريق مستشارته بثينة شعبان بأن ( من يقصف في المدن اليوم ومن يخرق بنود المبادرة هي تلك العصابات المسلحة وأن النظام مستمر في ملاحقتها )، وهذا ما جعله يرحب بتلك المهمة ترحيبا واضحا بعد حذر سابق أعطاه المهلة الكافية لدراسة أبعادها وبدا مطمئنا لها، وبالتالي فإن فشل المهمة سيكون مؤكدا وحتميا، وبالتالي فإن الاستمرار بتلك المبادرة مع تلك الخروقات سيؤدي لإطالة عمر الأزمة وتركها معلقة دون حل حقيقي لها وهذا ما لن تقبل به المعارضة اليوم أو دول أصدقاء سورية، خاصة دول الخليج التي تخوض اليوم حربا باردة مع إيران وكذا تركيا التي أصبحت آثار الأزمة السورية واضحة وجلية على أراضيها وهذا ما ترجمه اجتماع باريس لأصدقاء الشعب السوري.

أن ذلك التساوي قد أخرج الدول المؤيدة للنظام من الإحراج العالمي، في حالة من التأكيد لما تتحجج وتتذرع به من تأييدها للنظام بأن: (من حق النظام السوري الدفاع عن نفسه إزاء تلك العصابات المسلحة التي تحركها المؤامرة الكونية عليه)، على عكس ما أرادته واشنطن من الضغط على تلك الدول وإحراجها بخرق النظام لبنود المبادرة الذي تدرك فيه أمريكا سلفا فشل النظام بالالتزام ببنوده، ويدل على ذلك ما قاله لافروف في كلام استبق فيه اجتماع باريس لأصدقاء سورية بأن: العصابات المسلحة تحاول إفشال المهمة من خلال خرق بنودها واستفزاز النظام السوري وأن دول أصدقاء سورية تدفع لفشل تلك المهمة.

أن من أخطر ما خلفته تلك المهمة أو ما يرمى منها أنها كانت في حقيقتها كأداة مانعة لتدفق السلاح للداخل السوري الذي يطالب به الشعب اليوم للدفاع عن نفسه بعد التخاذل الواضح للعالم وعجزه عن تقديم الحماية للسوريين من الانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها كل يوم، في محاولة من السياسة الغربية أو الأمريكية تحديدا: منع التكافؤ في القوى بين الشعب والنظام القاتل كما حصل في ليبيا، للإبقاء على طرف الشعب العنصر الأضعف في الأزمة، إذ ظهرت تلك المهمة من خلال تزامنها في التوقيت مع مؤتمر أصدقاء سورية الثاني كوسيلة لتبريد نار الاندفاع الإنساني للدول التي تحدثت عن تسليح المعارضة وإقامة المناطق العازلة، لاسيما وقد أصبحنا اليوم بعد تفعيل تلك المهمة من خلال موافقة دمشق عليها نلمح التخفيف من لهجة الإصرار على التسليح من قبل السعودية وقطر والكويت… خصوصا بعد التهديدات الإيرانية التي وجهت للسعودية من قريب، والتي عادت اليوم وعلت بصوت أقوى في اجتماع باريس بعد تيقن أصدقاء سورية من عدم التزام النظام بالبنود مع التلويح والتهديد – كما أسلفنا سابقا- بخطوات عملية في حال استمرار النظام في خرق تلك البنود.

السياسة الأمريكية بدأت تدرك اليوم أن النظام السوري قد فقد السيطرة السياسية والقانونية على البلاد: أن ما يفوق (65) بالمئة من البلاد قد باتت خارج السيطرة الحكومية ؛ ليس السياسية فحسب بل الأمنية أيضا، إذ بمجرد ما تخرج فرق الجيش والأمن من المناطق الساخنة تعود المظاهرات إليها وترجع السيطرة للسكان المنتفضين وللجيش الحر عليها، وأما المدن التي يعجز عن السيطرة عليها أمنيا بسبب تواجد الجيش الحر فيها يقوم بقصفها بكل ما أمكنه من الأسلحة الحديثة والمستوردة في محاولة منه لإعادة السيطرة عليها كما حدث في بابا عمرو ويحدث اليوم في باقي المدن التي تتعرض للقصف في إدلب وحماه وريف العاصمة دمشق وريف حلب ودير الزور…

وتزامنا مع فقد سيطرة النظام على الشعب المنتفض تلمح أمريكا أن المعارضة السورية قد بدأت تقوى من خلال تلاحم أطرافها السياسية والعسكرية وكذا المعارضة الشعبية المتمثلة بالمظاهرات السلمية والتي تعتبر الشعلة الحقيقية لقوة المعارضة السياسية اليوم والتي يسعى النظام للقضاء عليها وإخمادها بشتى الطرق، وهذا التخوف عبرت عنه كلينتون في مؤتمر أصدقاء سورية الثاني حين قالت: (أن المعارضة السورية قد باتت اليوم أقوى وأن على النظام الالتزام بتلك المبادرة)، وما تفضله أمريكا اليوم أن لا تخرج سورية من الأزمة عن طريق دعم المعارضة في طرفها المسلح للثورة المتمثل بالجيش الحر بالسلاح وبالوسائل اللازمة للخلاص من هذا النظام، رغم أن المعارضة اليوم تفضل الخلاص على هذه الطريقة بعيدا عن تدخل عسكري غربي في البلاد، فالمعارضة في نظر الغرب أيا كان توجهها دينيا أو علمانيا، معارضة – في غالبها- تحمل في طياتها الفكر المقاوم للاحتلال خاصة مع تأكيد المجلس الوطني في الوثيقة الوطنية على السعي بكل الوسائل المتاحة لاستعادة الجولان، وهذا ما تعتبره أمريكا اليوم خطرا حقيقيا على أمن المنطقة وتهديدا للسلام الذي تضمر في طياته (سلام إسرائيل) متذرعة بالخطر الإيراني الذي لا ينكره العرب أصلا وإنما تحاول أمريكا تضخيمه وإشعال الطائفية في المنطقة من خلاله من أجل الإبقاء على الصراعات في المنطقة العربية بعيدا عن الصراع الحقيقي الذي هو الصراع مع الكيان الصهيوني المحتل المتواجد في قلب العالم العربي والذي يجب أن يحتل المرتبة الأولى من الصراعات في المنطقة العربية خصوصا بعد الربيع العربي، ولذلك ستسعى واشنطن لمنع تسليح المعارضة، وإن فرض على المجتمع الدولي اليوم التدخل في حل الأزمة فتفضل أمريكا فيه حلا يكون بعيدا عن تمكين المعارضة من القوة المتوازنة مع النظام ولذا كان التأخر والمماطلة من المجتمع الدولي لتسليح الشعب السوري.

وما يُقرأ في كلام هيلاري كلينتون الذي استبقت به اجتماع أصدقاء سورية في باريس، الذي وجــــهت من خلاله تحذيرا للنظام بأنها الفرصة الأخيرة له… وتحدثت فيه عن عدم تقصير أمريكا في دعمها للمعارضة بالمال وبوسائل الاتصال… تلمح تخوفا خفيا من تحرك المعارضة وتحقق دعمها بعيدا عن الولايات المتحدة…

وما قد يقلب المعادلة بالنسبة للمجتمع الدولي اليوم في شأن التدخل العسكري في سورية التواجد الإيراني في قلب الأزمة السورية الذي بدأ يزداد في الآونة الأخيرة وبدأ يشكل خطرا حقيقيا على المنطقة بالنسبة لأمريكا واسرائيل لأنه يترافق اليوم مع فقد النظام لسيطرته على الدولة كما أسلفنا سابقا، إضافة لضغط دول أصدقاء سورية وسعيهم لدعم المعارضة ومحاولتهم لحل الأزمة خارج مجلس الأمن بضغط من المعارضة السورية المتمثلة بالمجلس الوطني، وخصوصا تركيا التي تحاول اليوم تحريك الحلف لحل الأزمة والدفاع عن أراضيها دفعا للمجتمع الدولي لحل الأزمة السورية، والسبب الرئيسي في ذلك إصرار الشعب على الخلاص من هذا النظام الإجرامي ومواصلة نضاله الذي يقابله مواصلة النظام في استخدامه للغة القوة والقتل لإسكات الشعب، مما يفقد الدولة تماسكها يوما بعد يوم.

وما يقال في مهمة أنان أنها في حقيقتها قد اتخذت كوسيلة تمهيدية سهلة ومتمهلة للتدخل العسكري من خلال دخول قوات حفظ السلام للمنطقة على شكل دفعات بحجة مراقبة وقف القتل والعنف بين الطرفين والذي يبدو متمهلا وحذرا بسبب رفض النظام لأي تدخل في الشأن السوري، فقد طرحت الكثير من التساؤلات عن جدوى إرسال المراقبين لسورية مع قدرة الغرب للتأكد من تطبيق البند المتعلق بسحب الآليات العسكرية ورصد الوضع عن طريق الأقمار الصناعية واستخباراتهم الموجودة أصلا في البلاد، خاصة مع إثارة موضوع إدخال الطائرات التابعة للأمم المتحدة بحجة رصد الأوضاع مما يثير اليوم تخوفا وحذرا من المعارضين الرافضين للتدخل الغربي في سورية، فما يقال اليوم: أن تلك الخطوة هي بداية تدخل غربي في البلاد يحضر له من قبل مجلس الأمن في تحرك يقصد من خلاله أن يكون سابقا لتحرك المعارضة التي تسعى لاستجلاب الدعم العالمي لإنقاذ الشعب السوري .

وربما يستخدم التحرك للمراقبين عن طريق الطيران من أجل رصد مدى التواجد الإيراني العسكري في البلاد أولا، وربما هو من أجل تحديد مواقع قيادة النظام العسكرية المتواجدة على الأرض وغيرها من المعلومات الاستخبارية العسكرية في خطوة تحضيرية لضرب مواقع النظام الحساسة في حال الإجماع على التدخل عسكري أو الإضطرار لهذا التدخل، إذ تدرك الأمم المتحدة أن تلك المهمة قد ولدت ميتة وأن وجود المراقبين لن يشكل ضغطا على النظام الذي يطلق رصاصه على الشعب أمام المراقبين كما حصل في دمشق في منطقة عربين التي كانت أولى محطات عمل المراقبين، وإنما قد اتخذتها وسيلة لتحقيق الأهداف التي ذكرت سابقا بعد محاولة لتجمـــيع سقطات النظام السوري من خلالها.

ومع حاجة الشعب السوري للنصرة من أجل الخلاص من هذا النظام القاتل تلمح التخوف في الداخل السوري من التدخل الغربي وخصوصا الأمريكي في صور سيئة سابقة لم تمح من الذاكرة العربية ككل في العراق وفي أفغانستان وخصوصا في هذا الوقت المتأخر بالذات من اندلاع الأزمة السورية الذي وصلت فيه سورية لحال لا تحسد عليه، حيث فقد النظام السوري في ظل تلك الأزمة قدرته في الدفاع عن نفسه وفقد سيادته المخترقة – التي مازال يتبجح بها إلى الآن- بمجرد سماحه للتدخلات الغربية المستمرة في البلاد من إيران وروسيا وخصوصا بعدما وطأت القدم الأمريكية الأرض السورية، إضافة لضعف قوة الدولة العسكرية وتفككها، وكذا الأحوال الاقتصادية المتردية للبلاد التي تزداد يوما بعد يوم، فترى أمريكا تتمهل وتماطل وكأنها تنتظر كما قيل: أن تضعف سورية في تلك الأزمة حتى تقوم بالتدخل العسكري فيها ليس لإنقاذ الشعب بل لتخوض معركتها الحاسمة مع إيران في سورية كما يقال، ولتضمن أمن إسرائيل ثانيا التي تعتبر أكثر دول الجوار تخوفا من تداعيات الأزمة، ولذلك كان التدخل الغربي متأخرا على عكس التدخل السريع في ليبيا الذي استغل من خلاله الغرب الموقف لأغراض اقتصادية فيها، وهذا ما يجب أن يدرك حقيقته العرب قبل أصدقاء سورية إن كانوا أصدقاء حقيقيين، فهل ستتغير المعادلة في سورية ؟ وهل سيكون تغيرها في صالح الشعب السوري إن حصل ذلك بعد كل هذه المقاومة والنضال وكل تلك الأثمان التي دفعها الشعب السوري من أجل حريته ؟ سؤال سيجيب عليه وعي الشعب السوري وخصوصا المعارضة بخطورة تلك المرحلة مع استمرار هذا الشعب العظيم في نضاله.

كاتبة سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...