الرئيسية / صفحات مميزة / إضاءات سورية – حتى لا نفقد الدهشة!: عبد السلام إسماعيل

إضاءات سورية – حتى لا نفقد الدهشة!: عبد السلام إسماعيل

عبدالسلام إسماعيل

ثمة سردية رائجة حول النظام، تعاظمت أثناء الثورة، تفيد أن النظام مجرم والسلطة فاجرة والمخابرات لا ترحم أحدا . . العنف طبيعة ثابتة لهذا النظام.

عاش السوريون حياتهم بضوابط هذه السردية، وبفضلها بقي قسم لا بأس به من الشعب على الحياد وخوفا من بطش النظام، وبعضهم الآخر حمل الثوار مسؤولية ما يجري لهم من قتل عندما كان يستخدم النظام الكلاشينكوف في تفريق المظاهرات. لأن النظام يتصرف وفقا لطبيعته وبما هو متوقع منه، أما الذين قتلوا فسوء خياراتهم هي التي أودت بحياتهم!

بدأ النظام بمضاعفة جرعات العنف (مدفعية، دبابات، هاون، مجازر بالأسلحة البيضاء . . الخ)، لم يثر ذلك شعورا بالدهشة لدى غالبية السوريين، أثار مشاعر القهر والغضب والرغبة في الإنتقام وكل شيء عدا الدهشة . . هذا ما هو متوقع من النظام!

ربما استخدام طائرات الميغ أدهشنا قليلا، فهي سابقة حقيقية في التاريخ. ومع براميل ال TNT زالت الدهشة وحل محلها الغضب. ولو أردت تعريف الدهشة أو تمثيلها، لما وجدت أفضل من صفقة تبادل الأسرى التي أجراها النظام مع الثوار وأطلق بموجبها سراح سوريين مقابل أسرى إيرانيين. وأن يصرح مسؤول في دولة أجنبية أن سورية هي المحافظة الـ 35 ولا يصدر أي استنكار رسمي على الأقل فهو منتهى اللامعقولية خصوصا أنه نظام لطالما اعتقل السوريين بحجة النيل من هيبة الدولة ويقتلهم اليوم بدواعي السيادة!

واليوم يستخدم النظام صواريخ سكود في قصف المدن! صواريخ سكود هي صواريخ باليستية، كان يتفاخر بها وبمنظومته الصاروخية الرادعة لإسرائيل، دفعنا ثمنها من عرقنا ولقمتنا وحريتنا، يلقي بها بكل أعصاب باردة على مدن سورية! لغتي لا تسعفني لإظهار حجم الدهشة مما يحدث . . إنه نظام مدهش حقا!

نعم النظام مجرم ومتوقع منه كل الفظائع والشناعات، لكن لا ينبغي لنا أن نفقد شعور الدهشة مما يجري. الدهشة شعور سوي وفطري حيال ظواهر وتصرفات غير معقولة، إنها تؤشر إلى أننا بشر طبيعيين بمشاعر غير متبلدة ذات حساسية إزاء الصواب والخطأ، الجريمة والعقاب، الحق والباطل، المعقول وغير المعقول . . أن نفقد الدهشة جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم في حقنا.

*********

توجد لعبة إسمها Subway Surf على الهواتف الذكية، اللعبة مسلية، ينبغي للاعب الهرب من الحواجز والمعوقات ومع كل خطوة تخطوها للأمام يزداد رصيدك. الجميل فيها أنها تطلعك على رصيد أصدقاء الفيسبوك الذين يلعبونها أيضا مما يخلق شيئا من التنافسية. من بين الأصدقاء ظهر لي إسم حسين العودات “عضو هيئة التنسيق”، رصيده ليس بالمرتفع، وفي تقديري لا يعود ذلك إلى ضعف حسين في تجاوز العقبات، وإنما لأنه لم يفهم منطق اللعبة ومفتاحها.               يوجد في اللعبة مهمات، يجب على اللاعب إنجازها وبذلك تكتسب كل خطوة تخطوها إلى الأمام قيمة مضاعفة، وكلما أنجزت مهمات أكثر كلما ازداد وزن خطواتك في عداد الرصيد، وأصبح لاستمرارك على قيد الوجود معنى مثمر أكثر.

أعتقد أن هامشية المعارضة السورية، ووزنها المتطاير في ميزان الإعتبار الشعبي والدولي يعود إلى نفس الأسباب التي جعلت رصيد حسين العودات منخفضا في لعبتنا المثيرة . . أيها السادة لديكم مهمات كثيرة تكلم عنها الجميع، ليست متعلقة بالخارج كما تتوهمون، بل مرتبطة بالداخل السوري، لم يفت الأوان على إنجازها رغم التأخير، ومن إتمامها ستكتسبون قيمة وقدرة على إنجاز مهمات “الشأن الخارجي” وسيصبح لكم رصيد يلفت نظر العالم إليكم.

بالنسبة للعزيز حسين العودات وعلى قولة المصريين “إنجز”.

*********

قرار الإئتلاف الوطني بتعليق مشاركته في مؤتمر روما قرار خلافي بالتأكيد، هناك من يعتبره خطوة مبدأية وصفعة للضمير العالمي وأنه لازم لفضح تكاذب الدول بشأن الدم السوري، إذا لا معنى لحضور مؤتمر يسمي نفسه أصدقاء الشعب السوري، والشعب السوري يذبح يوميا بأفظع الأسلحة ويتعرض لأكثر أشكال التدمير همجية وسط صمت الأصدقاء القاتل، فضلا عن عدم جدوى مؤتمرات سابقة.

كل ذلك صحيح، غير أن المقاطعة أو تعليق المشاركة لا قيمة له إلا إذا كان صادر عن جهة قوية مؤثرة، بحيث سيحاول المجتمعون إزالة الأسباب التي جعلت هذه الجهة تقاطع، وهو أمر غير محقق في وضع الإئتلاف الحالي. وبما أن المؤتمر يتعلق بالشأن السوري، فيقتضي التعليق بالمشاركة، وجود خطة بديلة أو خيارات أخرى سيقوم الإئتلاف بالعمل عليها، وهو أمر غير محقق أيضا. ولو تسائلنا عن الغاية من تشكيل الإئتلاف وقبله المجلس الوطني وهيئة التنسيق، لوجدنا أنها ممارسة السياسة وتمثيل الثورة سياسيا . . وهو أمر غير محقق حتى اللحظة أيضا.

كل ما يمكن قوله بصرف النظر عن جدوى الحضور أو المقاطعة وبصرف النظر عن صوابية القرار من عدمه، أن المقاطعة وفقا لما ورد أعلاه هي إعلان استقالة من الغاية التي تشكل من أجلها وتعليق للدور المناط به. بكلمات أخرى رفض إنجاز حتى أهون المهمات التي أوكلها الشعب السوري لهم . . رصيدكم سيبقى منخفضاً أيها السادة.

*********

حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والعمرانية في سورية مهول جدا ومؤلم جدا، يفني المواطن السوري عمره كدا وكدحا ليحصل على حلم متواضع بمساحة 100 – 140 متر، ما بناه في سنوات يتهدم في زمن وصول قذيفة أو صاروخ باليستي . . مدن وحارات كثيرة مسحت من على وجه البسيطة.

أذكر أول زيارة لي إلى دمشق جيدا، أنا القادم من مدينة نائية مهملة منسية، أحمل في مخيلتي صورة دمشق المرسومة في القصائد وكتب التاريخ. عندما وصلت ورأيتها، سألني أحد الأصدقاء كيف وجدت الشام؟! أجبت بخيبة أمل كبيرة: إنها لا تستحق لقب العاصمة ولا شرف أقدم مدينة في التاريخ . . إنها مدينتي مضاعفة في الحجم عدة مرات!

ما ينطبق على دمشق وعلى مدينتي “الحسكة” ينطبق على بقية المدن السورية، السكن العشوائي وغياب التنظيم ورثاثة البنايات وغياب الحداثة سمة عمرانية أصيلة في سورية الأسد.

ربما الجانب الإيجابي الوحيد في جريمة تدمير سورية اليوم، هو أنها أعطت فرصة لإعادة إعمار مدننا كما نحب ونشتهي!

*********

في السابق، أيام دولة الخلافة، وتحولها إلى ملك عضوض، وصل الخلفاء إلى الكرسي بحد السيف وأورثوه لأبنائهم من بعدهم، تماما مثلما فعل حافظ الأسد. في ذلك الوقت الصراع على الحكم والشرعية على أشده بين فرقاء لا يطعن أحد بإسلامهم، ولم تكن إسرائيل موجودة آنذاك ولا فلسطين محتلة ليستمد أحد الشرعية منها.

الدين كان مصدر الشرعية، غير أن القرآن لم يفصل في قضية الحكم وتركها شأنا دنيويا ليتدبر الناس أمورهم بنفسهم، رغم وجود ادعاءات شاذة تفيد بغيرذلك. الأحاديث النبوية لم تكن مدونة، مجرد أقوال يتناقلها الناس شفاهاً بصياغات متغيرة وفق تغير الراوي. هذا أمر مفيد وملهم فعلا، الأحاديث يمكن لها أن تعطي الشرعية. فصار كل فريق ينظم أحاديث على هواه، تقوي مواقفه وتجعل من حكمهم مسألة قدرية أو أمر إلهي على لسان الرسول.

ربما يكون هذا الجو قد ساهم في التشجيع على “أدلجة السنّة النبوية” ورفع الأحاديث إلى مصاف القرآن من حيث الإلزام التشريعي، وفي أحيان أخرى جعلت ناسخة للقرآن، أي متقدمة عليه في الهيمنة الشرعية.

لا أحتاج  إلى صحيح البخاري ولا إلى تحقيقات الألباني لأعرف أن الحديث الذي أورده البوطي في خطبته الأخيرة “الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّا كان أو فاجرا . . الخ”، حديث مكذوب يشبه أحاديث الممانعة والتوازن الإستراتيجي.

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...