الرئيسية / صفحات المستقبل / إضاءات “سورية” 2

إضاءات “سورية” 2

 


يسألني بعض الأصدقاء والمتابعين، لماذا لم تعد تكتب جديدا، فالشهور الخمس المنصرمة معين لا ينضب لآلاف المقالات والأفكار، خصوصا أن نار البوعزيزي وصلت مضاربنا ? . . لم أكتب شيئا لأن روعة اللحظة وإعجازها يجعل من متابعتها غاية بحد ذاتها، لم أكتب لأن زخم الأحداث يحتاج إلى تعليقات مختصرة مكثفة، لم أكتب لأن الذين على الأرض يكتبون التاريخ والمستقبل بدمائهم.

**********

وعلى سيرة الكتابة . . لم أجد في غالبية المقالات المكتوبة جديدا بشأن الوضع العربي عموما والسوري خصوصا، ببساطة لأن معظم المقالات – رغم الجهد المشكور لكتابها – تناقش البديهيات وتعيد طرح الحقائق والوقائع المعلومة والماثلة بأذهان الشعب كمسلمات كرسها الواقع اليومي المعاش في ظل هذه الانظمة.

هل نحتاج حقا إلى كل هذا المنطق المكثف لنفند ادعاءات النظام ؟ هل نحتاج إلى فيديوهات وصور ومشاهدة بأم العين لنعرف كيف تتعامل السلطة مع الشعب ؟ ألا يكفي المواطن – أي مواطن – تاريخ حياته اليومية ليعرف الحقيقة ؟

إنها معركة رجعية . . ويبدو أن خوضها ضرورة محتمة للأسف!

**********

بعد النذر الأول وقبل الثورة سافرت إلى سورية . . وبجولة صغيرة زرت قرية القرداحة، مر بقربي سيرفيس على زجاجه الخلفي صورة القائد الخالد، والفارس المظلي، والرئيس الدكتور والضابط الماهر وبأعلى الزاوية صورة لفتى صغير “حافظ الثاني” . . الصورة تلخص طبيعة الحكم في سورية لكن صاحب السيرفيس أراد اختصار التأمل لمن يتأمل ويكتب النتيجة: من أسد إلى أسد في سورية الأسد.

**********

في بداية الثورة وقبل أن تصبح ثورة –عذرا أدونيس – جمعني حديث عن الوضع برجلين، أحدهم قال: أخي الشعب بده . . فعاجلته مكملا العبارة: يريد إسقاط النظام. كملدوغ قال: أستغفر الله يا رجل!

**********

في حوار قديم مع أحد الأصدقاء . . قلت:

الناس هنا لا يملكون هذا الوعي وان امتلكوه فلا يملكون الجرأة على الفعل وعلى تطبيقه . . بأحسن أحوالهم ينوحون بصمت أو يمارسون السباب في الأماكن المقفرة خشية أن يسمعهم أحد . . وكفاك برفع اسعار المازوت وغلاء المواد الغذائية دون أن ينبس المواطن ببنت شفة.

ما تتحدث عنه يحتاج الى شعب حر من الداخل، الى شعب يؤمن بحقه ويقاتل من أجله . . للأسف الوطن مدجنة كبيرة.

وفي مقام آخر قلت: لو وصل ثمن رغيف الخبز إلى ألف ليرة لن ينطق هذا الشعب إلا بحمد سيده.

عذرا أيها الشعب العظيم . . عذرا أيتها الدماء الطاهرة، واحدكم بألف رجل مما يحسبون.

**********

في رواية هاري بوتر ذائعة الصيت . . الطفل الصغير هاري لا يتمتع بأي ملكات سحرية مميزة، على عكس الساحر المرعب اللورد فولدمرت، الأخير رغم قوته الإستثنائية صدق نبوءة تقول أن هناك طفل صغير سيولد وهو القادر على القضاء عليه، يحاول فولدمرت قتل الصغير فينتقل جزء من قواه السحرية إلى بوتر . . النبوءة تتحول إلى حقيقة.

الحكمة من الموضوع، فولدمرت بوهمه صنع عدوا قادرا على القضاء عليه . . الشعب اليوم بدد الأوهام وحطم الأوثان.

**********

في بلدان الإستبداد عموما وسورية على وجه الخصوص . . الرئيس أيقونة مقدسة، ركن ثالث من أركان الثالوث المقدس، الذي يجمع عليه الجميع . . . الله سورية الرئيس وبس. بدون فواصل، بدون حروف عطف من شأنها الحط من قيمة أي ركن إزاء الركن الآخر، هي أركان متساوية القيمة والقداسة. وإن كان مسموحا النيل من الركن الأول سبا وشتما وإنكارا، والنيل من الركن الثاني سرقة ونهبا وتخريبا، فالركن الثالث محشوم عن كل ذلك هو القدس الذي يسلبك كل شيء ولا تملك إلا الهتاف بحياته، من هنا تتضح أهميته الإستثنائية إزاء الأركان السابقة . . بعد ثلاث خطابات أصبح الرئيس مساحة خصبة للتندر والتهكم.

النظام سقط نفسيا لدى الشعب.

**********

في خطابات الرئيس الثلاث، لم يثبت النظام سوى إصراره الكبير على العنف، محاورة الذات والقدرة الهائلة على الإنكار . . يقول الرئيس لن نقفز في الهواء بعد خمسين عام.

لكنكم لستم على الأرض أيضا.

الخمسين عام هي إشارة على عجز النظام عن النهوض بالبلد وقدرته فقط على مراكمة المشاكل . . أكثير على الشعب إن قال لم نعد نريد نظاما غير قادر على الإنجاز، فاشل بتحقيق كل الأهداف التي يضعها لنفسه ؟

**********

ترتعد فرائص الكثيرين من فكرة إسقاط النظام، كما لو أنها المكافئ ليوم القيامة . . الوطن = النظام، سقف الوطن = سقف النظام . . والسؤال البديهي ما الذي سيحدث لو سقط النظام ؟

سيأتي نظام جديد، الحياة مستمرة وسورية باقية حتى لو أزال المعلم أوربا عن الخريطة.

**********

لم يعد يوجد في العالم مثيل لنظامنا سوى النظام الكوري الشمالي الديمقراطي . . أليس حري بنا الحفاظ عليه من باب الحرص على الأنواع النادرة من الإنقراض ؟

**********

قطفوا الزهرة ..

قالت:

من ورائي برعم سوف يثور ..

قطعوا البرعم ..

قالت:

غيره ينبض في رحم الجذور ..

قلعوا الجذر من التربة ..

قالت:

إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور ..

كامن ثأري بأعماق الثرى ..

وغداً سوف يرى كل الورى ..

كيف تأتي صرخة الميلاد ..

من صمت القبور ..

تبرد الشمس ..

ولا تبرد ثارات الزهور!

(أحمد مطر)

http://www.3bdulsalam.com/

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

35 − 34 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...