الرئيسية / صفحات الرأي / إعادة إنتاج الطائفية – فتوى ابن تيمية نموذجا

إعادة إنتاج الطائفية – فتوى ابن تيمية نموذجا


حمزة رستناوي

لن أتوقف كثيرا عند ازدواجية المعايير و المحتوى العنصري لنص فتوى ابن تيمية فيما يخص الأخوة العلويين “النصيرية” , فهذا ليس موضوع تفصيل مقالي هذا في هذه العجالة.

فأبن تيمية توفي في عام 728 هجري و مع ذلك ما تزال مفاعيل فتاوهُ حاضرة بشكل أو آخر, و لم تتحوّل بعد إلى فتوى تخص أناس عاشوا في زمن مضى , لهم فتاواهم و لنا فتاوانا.

و قدرُ فتوى ابن تيمية أن تطلّ برأسها في زمن الأزمات , فثمّة من يعيشون خارج العصر و من معتلي البداهة يخطبون وِدَّهَا, و يسارعون لاستخدامها سلاحاً في وجهِ خصومهم الافتراضيينَ من أبناء جلدتهم ووطنهم, و في الحقيقة أن هذه الوصفة مُجَرَّبَة جداً و قد أثبتتْ فشلها بامتياز.

استخدمتها الطليعة الأخوانية المقاتلة في أواخر السبعينيات و بداية الثمانينيات من القرن الماضي في سوريا لتبرير جرائم قتل على أسس طائفية ” مجزرة المدفعية ” و تصفية شخصيات عامة تنتمي للطائفة العلوية, وسط صمتٍ أو تواطأ عموم تيارات الأخوان المسلمين آنذاك.

و استُخدمتْ هذه الفتوى كذلك تيارات من السلطة في سوريا بالمقابل لتبرير انتهاكات و تحقيق تحشيد طائفي مضاد يضمن استمرار الهيمنة و الامتيازات , و بما أدّى في نهاية الأمر إلى زيادة أسهم قوى القصور في مقابل القوى الحيوية و الوطنية الاتجاه في طائفة الأخوة العلويين بل و عموم الوطن السوري.

و مع انتشار الثورة المعلوماتية و الانترنت و الفضائيات: عاودت فتوى ابن تيمية الظهور في العديد من الفتاوى لرجال دين سلفيين و كمثال Lفتوى في تحريم استقدام عمالة من النصيرية من جنوب تركيا لابن الجبريين رقم الفتوى 7623″)

لقد ازدادت الحاجة إلى فتوى ابن تيمية في ظل الاستقطاب الطائفي السني الشيعي الذي أريد له أن يكون عنوانا لصراع سياسي على النفوذ في منطقة الخليج و الشرق الأوسط. و آخره في سوريا , و كأن أحداث الثمانينات الفظيعة في سوريا لم تكن قرينة كافية على فشل هذا الخطاب في تحقيق أي فائدة للسوريين و لمستخدمي هذه الفتوى قبل غيرهم؟!

في الحقيقة دافعي لكتابة هذه المقالة هو فتوى لرجل دين سعودي هو الشيخ اللحيدان يعيد فيها إنتاج و توظيف فتوى ابن تيمية وسط حريق سوري راهن ليس بحاجة لمن يصبّ البنزين عليه.” راجع صحيفة اليوم السابع – تاريخ : 23 ابريل 2011″

أقول إن خصوصية المجتمع السوري و تركيبته الطائفية لا تحتمل تسويق هذا الفكر السلفي الفئوي, و التحدّي هو في محاولة تطويق و إطفاء فتيل هذا الفكر المحرّض على الكراهية و الفرقة , و لا أقول القضاء عليه فهذا غير ممكن , ففي كل المجتمعات يوجد متطرفين و عنصريين

و لكن هل يكون لهم وزن مؤثر في اتخاذ القرار العام و الوطني أم لا؟

هؤلاء المتطرفون موجودون ضمن الطائفة السنية في سوريا و هم لا يشكّلون أغلبية بأي حال من الأحوال , و لكنهم غالبا ما يمثّلون الصوت النشاز و هذا الصوت لكونه نشازا يكون مسموعا ربما أكثر من غيره, و الحلول الأمنية الصرفة غير مجدية في القضاء عليه بل قد تكون نتائجها عكسية و لو بعد حين.

و سأحاول تقصي منْ لديهم مستقبلا ت نوعية تستجيب لفتوى ابن تيمية.

و سأسميهم بظالمي أنفسهم و هذا لا يعفيهم من مُستحقَّات ظلم الآخرين:

أولاً: الذين يعيشون في الماضي البعيد “معركة صفين و ما جاورها” و يتداولون الكتب الصفراء و كتب الشقاق و أدبيات الفرقة الناجية هم ظالمي أنفسهم.

ثانياً: الذين يعيشون في الماضي القريب ” أحداث الثمانينات في سوريا” و يمنّون النفس بالثأر هم ظالمي أنفسهم, فالمطلوب هو المصارحة و العدالة و المصالحة بدل الثأر و التحريض.

ثالثاً: الذين يخوّفون السوريين من بعضهم هم ظالمي أنفسهم, فالذين يحاولون تخويف طائفة الأخوة العلويين من أشقائهم السوريين مستقبلون نوعيّون لفتوى ابن تيمية و هم ظالمي أنفسهم.

ثمّة مستقبلون و مهلّلون لفتوى ابن تيمية “عن النصيرية” بدوائر متفاوتة :

دائرة إقليمية: الإسلام السلفي التكفيري مقابل إسلام ولاية الفقيه, فهما – أي كلا الاسلامين- وجهان لعملة واحدة.

دائرة عالمية : مصالح المشروع الصهيوني و الأمريكي في تفتيت المجتمعات العربية , و الحروب العبثية بالوكالة.

*كيف يتم مجابهة و استيعاب فتوى ابن تيمية و من يمثلها

الجواب بسيط:

– الاعتراف بوجود متطرفين و عزلهم فكريا و سياسيا .

– مزيد من الانفتاح على الآخر المختلف , و البحث عن المصالح المشتركة بين أبناء الوطن الواحد.

*ملاحظات على الهامش:

أولاً: لا يمكن اختزال التجربة الفكرية و السياسية لابن تيمية في فتواه المذكورة , و لكن موضوعنا في هذه المقالة فتواه هذه بالخاصة.

ثانياً: كقرائن على تبني و استخدام تيارات من الأخوان المسلمين في سوريا لهذه الفتوى :يمكن مراجعة على سبيل المثال : ( نشرات النذير – كتاب الأخوان المسلمون المؤامرة على سوريا ليوسف رزق..الخ)

ثالثاً: الفكر التكفيري و فتاوى القتل بسبب الانتماء الديني لا تخص لون طائفي دون آخر, بل هي موجودة عند غلاة الإسلام السني و الإسلام الشيعي كذلك (الشيرازي- حازم الأعرجي.الخ) تجد إحداها على الرابط:

رابعاً: كمثال ايجابي على رفض الفكر التكفيري , صرّح أحد رجال الدين في حوران (عبد السلام الخليلي) بعبارات مسيئة تجاه الأخوة في الطائفة الدرزية و الزعيم الوطني سلطان الأطرش, حيث أصدر رجال دين من حوران بيانا يرفضون فيه تصريحات الخليلي جاء فيه:” الشيخ الخليلي أساء لأهلنا في السويداء ، وأساء لكل حوران ، وقائد الثورة السورية هو رمز حوران الأول ، ومن تلفظ بكلمة سوء بحق إخوتنا وأخواتنا من أهلنا في السويداء ليس منا وإنما هدفه إثارة الفتنة).

خامساً: جرت العادة من قبل قطاع من “المثقفين الكسالى ” على تخوين أو اتهام كل من يتناول موضوعات الفكر الطائفي و لو من وجهة نظر نقدية

أقول لهم : كيف يمكن علاج مرض ما دون اعتراف المريض بمرضهِ, ودون القيام بالتشخيص الدقيق للمرض.

سادسا ً: و الختام بلازمة وطنية أحبُّها:

لا للعنف ..لا للطائفية.. لا للتدخّل الأجنبي

سوريا دولة مدنية ديمقراطية

سوريا و طن واحد لكل السوريين

و الحمد لله رب العالمين.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...