الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / إعادة التدوير للمعارضة المسلحة/ إياد الجعفري

إعادة التدوير للمعارضة المسلحة/ إياد الجعفري

 

 

لا رغبة في التعميم، لكن المعطيات تؤكد أن جزءاً من فصائل المعارضة المسلحة، التي رفعت لواء الثورة، بشكل أو بآخر، تخضع الآن لإعادة تدوير في المهام.

فإرث الغوطة الشرقية، اقتسمه الأتراك ونظام الأسد. وكان نصيب الأتراك هو الأكبر. فمعظم مقاتلي فصائل جيش الإسلام، وفيلق الرحمن وأحرار الشام، باتوا في الشمال السوري، حيث يخضعون، بإدارة وتوجيه من السلطات التركية، لعملية إعادة تشكيل، وتدوير في المهام، أعلنها صراحةً، قائد جيش الإسلام عصام البويضاني، حينما حصر أعداء جيشه، بالأكراد وهيئة “تحرير الشام”، و”الدولة الإسلامية”، قبل أن يشعر بشيء من الحرج، فيستذكر النظام، مشيراً إلى أن لا جبهات بينهم وبينه.

يسكن اليوم، جزء كبير من مهجري الغوطة الشرقية، في مقدمتهم، قادة ومقاتلون وعائلاتهم، في عفرين. فـ معادلة عفرين مقابل الغوطة الشرقية، أصبحت واقعاً متجلياً، حتى على الصعيد الديمغرافي، إلى حدٍ ما. في المقابل، فإن من بقي من مقاتلي المعارضة في الغوطة، انضوى تحت سلطة النظام، الذي حوّل أولئك المقاتلين إلى لجان شعبية، مُلحقة بالفرقة الرابعة أو الحرس الجمهوري، حسب المعلومات المتوافرة. وعلى غرار مقاتلي المعارضة في التل بريف دمشق، الذين تحولوا بعد المصالحة مع النظام إلى رأس حربة في قتال فصائل معارضة في مناطق أخرى، بقيادة وتوجيه من النظام، سيصبح من تبقى في الغوطة، من مقاتلي فيلق الرحمن وجيش الإسلام، كذلك.

أما في الشمال، فعلى مقاتلي تلك الفصائل، الخضوع للإرادة التركية، التي حددت لهم قائمة الأعداء، التي لا تتعلق، لا من قريب، ولا من بعيد، بالهدف الذي حملوا من أجله السلاح، قبل سبع سنوات.

تترسخ اليوم، بعد الجولة التاسعة من مباحثات أستانة، تفاهمات الثلاثي التركي – الإيراني – الروسي. ويُستدعى الأسد إلى سوتشي، ليُبلغ على ما يبدو، بأن عليه القبول بالتخلي عن إدلب، نهائياً.

قبل أسابيع، كان مدنيو الغوطة، ومقاتلوها، في حيرة من أمرهم بين خيارين مُرّين، أن يخرجوا إلى الشمال السوري، حيث المجهول، أو أن يبقوا في الغوطة المُسلّمة للنظام، حيث منسوب كبير من الذل، والتهديد بالخدمة العسكرية والاعتقال، ينتظرهم.

اختار بعضهم الخيار الأول، رغم مخاوفه من مجهول الشمال. فيما اختار آخرون الخيار الثاني، وراهنوا على فترة عصيبة ستمر في البداية، قبل أن تنقشع سحب الذل والخطر، رويداً رويداً، في تكرار لتجربة الحمويين بعد المجزرة الضخمة التي ألمت بمدينتهم عام 1982.

اليوم، يبدو أن مجهول الشمال، ينقشع تدريجياً. ليس فقط، شمال حلب، وشمالها الشرقي وجزء من شمالها الغربي، سيبقى آمناً تحت السلطة التركية.. بل يبدو أن إدلب باتت، قاب قوسين أو أدنى، من أن تكون “تركية”.

قبل التصعيد الأمريكي – الإسرائيلي حيال إيران، في الأسابيع الأخيرة، كان الإيرانيون يرفضون القبول بخيار تسليم إدلب للأتراك. لكن اليوم، يبدو أن على الإيرانيين الرضوخ. فبقاء إيران ضمن المثلث التركي – الإيراني – الروسي، ضمانة لمصالحها في سوريا. كما أن الأتراك سلفوها موقفاً داعماً، رافضاً لفض الاتفاق النووي. ليست إيران اليوم ، في وارد ترف المشاغبة على الطموح التركي في سوريا. كما أن الروس يفضلون بطبيعة الحال، تعزيز تحالفهم المثمر مع الأتراك، والذي ساعدهم في ليّ ذراع المعارضة السورية المسلحة، أولاً في حلب، ومن ثم قبل أسابيع، في الغوطة.

معلقون استبقوا ترسيخ المُرتقب، وأطلقوا عليها، “ولاية إدلب التركية”. لكن، قبل أن يترسخ ذلك، هناك صدام مُنتظر مع “تحرير الشام”، يجهز له الأتراك، ويحشدون في سبيل ذلك، مقاتلين من جيش الإسلام وفيلق الرحمن وأحرار الشام، ناهيك عن الفصائل الأخرى الموجودة أساساً في إدلب، والمناوئة لـ “تحرير الشام”.

في هذه الأثناء، تؤخر “تحرير الشام” لحظة الصدام مع الأتراك. وتتيح لهم نصب نقاط مراقبتهم، قرب مواقع سيطرتها. فخيار الصدام مع الأتراك وأتباعهم من السوريين، أرحم ألف مرة، من خيار الصدام مع الطيران الروسي وميليشيات الأسد والإيرانيين.

بات من المستبعد جداً، أن تتعرض إدلب لهجمة من النظام والإيرانيين، كما كان الأسد يأمل. فذلك الخيار تقلص، وأصبح مجرد رفاهية أمام التهديد النوعي الذي يواجه النفوذ الإيراني في سوريا، والمتمثل في الضغط الأمريكي – الإسرائيلي، بغية تقليص هذا النفوذ أو إنهائه.

في هذه الأثناء، ليس لدى الإيرانيين خيارات كثيرة. وأفضل تلك الخيارات، تعزيز تحالفهم مع الأتراك والروس. وفي هذه الأجواء، يبدو الأتراك من أبرز الرابحين في تحالفهم الثلاثي، على خلاف ما كان عليه الوضع قبل أسابيع فقط.

أما المعارضة المسلحة، التي حملت السلاح يوماً بغية إسقاط نظام الأسد، فلن يطويها النسيان. بعض فصائلها ومقاتليها يتعرضون اليوم لـ “إعادة تدوير”، بانتظار المهمات الجديدة المفروضة عليهم. والمتطوعون من المقاتلين، لن يكون هدفهم الدفاع عن بلداتهم أو إسقاط نظام الطغيان الذي أذاقهم المُرّ لعقود، هذه المرة. بل سيكون هدفهم راتب شهري بمعدل 200 دولار، وسطوة العسكرة التي ذاقوا طعمها ويصعب عليهم نسيانه. فمن يلبس البدلة العسكرية، ويذوق طعم التسلط على الناس، بواسطتها، يصعب عليه نزعها عن جلده، ثانيةً.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...