الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بطرس الحلاق / إلى متى الاستفراد بالوطن والاستقواء بغيره؟

إلى متى الاستفراد بالوطن والاستقواء بغيره؟


بطرس الحلاق

حمص، يا أخت حماه في الفجيعة ! “حجارك السود”، التي تغنى بها شاعرك المهجري نسيب عريضة، تتلون اليوم بالأحمر، ومنها تنزف دماؤنا! وقبلك بثلاثة عقود استبيحت حماه. استفرد بها النظام نفسه بعد أن استدرج بعض السُذّج إلى معركة أعدّ لها مسبقا، ففتك بأهلها كما لا يفعل الغزاة، وهيأ المناخ لشارون ليستبيح لبنان حتى عاصمته بالوحشية نفسها. فأي الهمجيتين أشد وقعا: همجية العدو أم همجية الحاكم الوطني؟ استفرد الحاكم وقتها بحماه بعد أن كان قد استفرد بكل القوى المناهضة له بما فيها نقابة المحامين الداعية إلى احترام القانون. استفراد بالوطن رافقه استقواء بغير الوطن، من دعم نفطي إلى تحالف مع السوفيات إلى استرضاء الغرب وإسرائيل بحجة أنه يدفع عنهم خطر التطرف الإسلامي. ودفع الغرب ثمن هذه الخدمة دعما شبه كامل على مدى أكثر من عقدين.

واليوم يستفرد النظام نفسه بك، بعد أن استفرد بشبيبة رائعة انتصبت عارية اليدين، سلمية، أخوية، تطالب بالكرامة باسم الوطن وتأسيسا لمواطنة راقية في خدمة المواطنين، كل المواطنين. استفرد بها ليُقزّم حراكها الفريد في تاريخ سوريا برمته ويردّيه إلى مستوى منطقه القائم على العنف المحض. وإن نجح في إفشال عملية الانتقال السلمي إلى الديموقراطية، فقد استنهض في الوقت نفسه عنفا مضادا، فدفع بمجموعات من الجيش الوطني، قسرا، إلى العصيان استجابة لضميرهم ونصرة لأهلهم وللوطن. وقد استفاد من هذا المناخ بعض المحترفين “الجهاديين” الانتحاريين الفئويي الهوى فأشاعوا عنفا أعمى، يستفيد منه النظام فيما يشوه نضال المقاومين الحقيقيين ذوي الشرف العسكري الذين لا يستعملون السلاح إلا للدفاع عن النفس، ولا يتصدرون صفحات التلفزات والجرائد كما يفعل القابعون في مراكزهم في تركيا وغيرها. هؤلاء الشجعان الحاملون عبء المواطنة بتجرد وعفة، نحني لهم احتراما: إنهم يكملون عمل الشبيبة.

يثابر النظام على استفراده بالوطن، ويستمر في الاستقواء بغيره من ورثة النظام السوفياتي في موسكو ومن حكام تيوقراطيين في طهران. وتستمر، بالرغم من وحشية القمع، مقاومة الشعب السوري السلمية، يحميها قدر المستطاع سلاح من هم عسكريون حقا ومواطنون حقا. وستستمر هذه المقاومة إلى أن يفك النظام قبضته عن مصير الوطن ويخلّي الساحة لحكومة وطنية توافقية، مهما طال القمع ومهما طال احتضار النظام القمعي.

أي وجه سياسي

ومن الواضح ولسوء الحظ أن هذه المقاومة لم تجد حتى الآن الوجه السياسي القادر على التعبير عن طموحاتها، بالرغم من تعدد الهيئات والتجمعات السياسية الشريفة. فمن جهة، لم تجد هيئة التنسيق، على ما تتمتع به من تاريخ نضالي فرض احترامه على الجميع بما لا ينكره إلا المعاند، نعم لم تجد الوسيلة الملائمة لتحقيق الآمال التي بثتها في المواطنين، من خلال “ربيع دمشق” و”حركة المجتمع المدني”، ولا للقيام بالمسؤوليات التي أناطتها بها ثورة الشبيبة السلمية. فتركت المجال لمعارضة من نمط آخر، لم تتخل عن العقلية السياسوية القديمة لأنها لم تستطع أن تستوعب الوعي الجديد الذي استنهض الشبيبة. هذه المعارضة الأخرى تقف في وجه النظام، ولكن بتبني منطقه الأساسي: استفراد بالوطن واستقواء بغيره. فها هي، منذ ولادتها القيصرية في “معامل” خارجية، تتصارع وتتناقض في ما بينها، ولكنها، بغض النظر عن الأشخاص وعن التصريحات، تلتزم مبدأين ثابتين صريحين.

أولها، أنها تعلن وتكرر – دون أي تفويض يقره الواقع – أنها الممثل الوحيد للشعب السوري، فترفض انطلاقا من هذا المبدأ أي تنسيق وحوار مع المجموعات المعارضة الأخرى، وخاصة الميدانية منها. فكيف توفق بين النضال ضد الحكم الاستبدادي وإرادة الاستفراد بالقرار، وهو الاستبداد بعينه؟ إن كانت تسعى إلى الديموقراطية، فالطريق إليها هو الديموقراطية، أقله مع الذين يسعون إلى الهدف نفسه. إن لم تكن ديموقراطيا الآن، فكيف تكونه وأنت في سدة الحكم، يا صديقي؟ وكم من مرة دعوناها إلى الاعتبار بتجارب حركات المقاومة الناجحة في التاريخ الحديث، للاستفادة منها في تلمس الطريق المناسب للتغيير! إلا أنها بقيت مصرة على موقفها تصمّ أذنيها عن كل مناشدة. فهل كانت المقاومة الفرنسية أثناء الحرب ضد النازية وعملائها الفرنسيين على خطأ، حين توحدت على برنامج سياسي -عرف بـ”برنامج المجلس الأعلى للمقاومة”- جمع ما بين الديغوليين والشيوعيين والاشتراكيين والمسيحيين التقدميين والمقاومين اليهود الوافدين من أوروبا الشرقية والمستقلين، ووضع خطة متكاملة لإنجاز النصر، ثم للنهوض بفرنسا اقتصاديا واجتماعيا (الضمان الاجتماعي والصحي، النقابات، حقوق العمال…) وثقافيا (ما حققه الوزير أندريه مالرو) وسياسيا (استقلالية القرار الوطني حتى عن الحلفاء)؟ فهل فشل المقاومون في فرنسا؟ أم هل أخطأوا حين سعوا للمّ الشمل؟

استقواء بغير الوطن

وبدل أن تستمد زخمها من الإرادة الشعبية – وهذا الأمر الثابت الثاني – استقوت هذه المعارضة هي أيضا بغير الوطن. الكل يعلم أنها قامت بتوافق بين تركيا ودول خليجية، وبتمويل منها. ثم استمالت فرنسا، التي انتشى رئيسها المتهافت بنصر له في ليبيا، نصر لم يستفد هو منه سياسيا كما أنه لم يحقق إلا اليسير من طموح الشعب الليبي (التخلص من الطاغية الأرعن)، بالرغم مما خلّفه من ضحايا (لا أقل من مئة ألف قتيل – خمسون ألفاً حسب المصادر الرسمية) ومن دمار مدن بكاملها ومن تفكيك الاقتصاد بكامله ومن توجه إلى تبني مواقف من المرأة لا تشرف أي مجتمع حديث. وها هي، بعد محاولة فاشلة لتسليم الملف السوري إلى مجلس الأمن بالرغم من أنف مدير الجامعة العربية مما جعله يترك النقاش الجاري ويعود إلى القاهرة، تعيد الكرة لتفويض الأمم المتحدة بمصير الديموقراطية في سوريا. وأية أمم هذه؟ هل همها الدفاع عن الديموقراطية؟ فمتى، على امتداد تاريخنا العربي الحديث، أدى أي تدخل أجنبي إلى دعم الديموقراطية؟ أفي العراق والوضع فيه بعد الاجتياح يفقأ العين؟ أم في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي؟ أم في فلسطين، فضلا عن افغانستان وغيرها؟ هل كان هاجسهم يوما دعم الشعب السوري؟ أوَلم يساندوا النظام على امتداد أربعة عقود غير آبهين بصيحات الديموقراطيين السوريين؟ هل وصل بنا العمى إلى درجة تجاهُلِ ما يصرحون به صباح مساء؟ ومفاده: استغلال الورقة السورية لضرب إيران نصرةَ لإمارات النفط ولمصالحهم الاقتصادية، ولضرب حزب الله إرضاءً لإسرائيل وغيرها. وما لنا وذاك؟ هل نرضى أن نصبح وقودا لحرب لا يستفيد منها إلا الآخرون، أيا كانت تيوقراطية إيران، تيوقراطية تتساوى بها مع جيران لها في الخليج يريدون لنا الديموقراطية، وأيا كانت طائفية وتيوقراطية تردّى إليها حزب الله ففرّط بإرث نضالي رائع حصّله في مقاومة بطولية في مواجهة إسرائيل لا يستطيع أن يدّعيها أي نظام عربي؟ ألم ندرك، بعد كل ما حلّ في بلدان الجوار، وأهلها امتداد لأهلنا بالنسب والثقافة والتاريخ، أن القبول بمنطق التدخل الخارجي لا يؤدي إلا إلى حرب أهلية، بل إنه انتحار جماعي، يردّنا إلى درك حيوانيةٍ لا تنتج إلا الحيوانية؟ تلك حرب لا غالب فيها إلا الموت ولا مغلوب إلا الوطن؟ فلنستمع إلى من دفع الثمن باهظا. من الطبيعي، بل من الواجب أن نحشد الجهود لنصرة قضيتنا، لكن ذلك لا يكون إلا برهن كل مساعدة خارجية للمشروع الوطني الذي يعبر عنه الحراك الداخلي وبشروطه. أما الجري وراء وسيط يسترضي “معلمه” للتدخل على هواه، فمقامرة خاسرة أصلا، أقله بالنسبة لمستقبل الوطن.

منطق المثقف التحديثي

لا تزال هذه المعارضة أسيرة لمنطق استشرى فينا في العصر الحديث، أدّى عمليا إلى إجهاض النهضة وتبذير تضحيات شعوبنا على مدى ما يزيد عن قرنين: هو منطق المثقف “التحديثي” المعلم والقائد والمرشد للشعب، مهما افترضنا حسن نياته. فمنذ محمد علي في مصر، وأحمد باي في تونس، حتى الثورتين البعثيتين في سوريا والعراق، اعتمد هذا المثقف (مهما كان زيه، مدنيا أم عسكريا) تحديثا يبدأ بالجيش وتأهيله بالعتاد والتحصينات والطرق والجسور، ثم يمتد إلى الاقتصاد ولا يمس المجتمع إلا في آخر مراحله، بل لا يمسه إلا بعد تأطيره سياسيا وعقائديا وأمنيا. فكان أن تعرّض هذا التحديث للانهيار، إن لم يكن بسبب غضب الشعوب، فبفعل تغيير الحكم أو تدخل الأجنبي. والسبب أن المؤسسات الفوقية، لا سيما المجتمعية منها، بقيت هشة، فتهاوت بسقوط “النخبة” التي فرضتها. فوجدنا أنفسنا مثلا بعد غياب عبد الناصر، وهو أفضل من عبر عن طموحات “العامة”، في وضع قريب مما كان قائما قبل الثورة الناصرية. بل أسوأ بكثير، لأن التاريخ حين يحاول أن يكرر نفسه يُتأتئ ويتردّى. وكل مرة، نعود إلى البناء من جديد. تلك الدورة تكررت في تاريخنا الحديث أكثر من مرة بعد انهيار مشروع محمد علي … وسقوط حكم فيصل … حتى سقوط القذافي، وإن اختلفت ظروف الانهيار وسياقاته. لا تحديث ولا وطن إلا بحراك داخلي ينبثق من وعي الشعوب والأفراد. وأما ما يُفرَض من عل ومن الخارج فبناء متهالك لا يني أن يتهاوى. “ومتى تسوقون الناس، حتى إلى النعيم، رغم أنوفهم؟”.

ولمَ نتغاضى إلى هذا الحد عن تاريخ رائع من الحراك المدني، القائم على رؤية سياسية واضحة تعتمد الديموقراطية أساسا، انبثق في قلب مجتمعاتنا أكثر من مرة في هذا التاريخ الحديث نفسه؟ منه حركة فلاحية قامت منذ أكثر من قرن ونصف، أصاب النخبة بالهلع فحوّلته إلى صراع طائفي؟ إنها حركة طانيوس شاهين الفلاحية التي انفجرت عام ١٨٥٨ في المنطقة الماورنية من جبل لبنان. حركة لم تكن “ثورة خبز” كما تكررت في تاريخنا وتاريخ الشعوب، أو كما تجلت في تظاهرات تونس عام ١٩٧٧ ومصر عام ١٩٧٨، ولم تكن حركة “عوام” أو “غوغاء”. تثبت الوثائق التاريخية أنها كانت حركة ثورية شعبية ببرنامج سياسي واضح، يرتكز على المبادئ التي نادت بها حركات الشعوب الأوروبية ابتداء من ثورة ١٨٤٨ الفرنسية وامتدادا إلى باقي بلدان أوروبا. وإلى هذه الثورات تحيل أدبيات حركة طانيوس شاهين، التي اختمرت في الوعي انطلاقا من حركات شعبية مشابهة قامت منذ ١٨٤٠ في جبل لبنان، مما عرف بـ”عامية أنطلياس” و”عامية لحفد”. ثورة الفلاحين الموارنة هذه ضد الإقطاع الماروني امتدت إلى المنطقة الدرزية، فبدأ الفلاحون الدروز بالتململ ضد إقطاعيتهم. فتحالفت النخبتان الإقطاعيتان واستقوتا بالخارج فتحول الحراك الشعبي المدني إلى صراع طائفي. سيناريو تكرر أكثر من مرة في لبنان. وشبيه به ما حصل، في ظروف مختلفة، للانتفاضات الفلسطينية الشعبية إلى أن استولت النخبة على مقاديرها. فلمَ لا نعود إلى هذا الإرث العظيم الذي انبثق من صميم حضارتنا مستجيبا لحركات التحرر العالمية؟

أنساق قويمة

عسانا نخرج يوما، أنظمةً ومعارضةً، من منطق الاستفراد بالوطن والاستقواء بغيره! ولا بد لنا، نحن المثقفين بالذات، أن ندرك أن وعي الشبيبة قضى، أقله تجريبيا، على أنساقنا الفكرية القديمة، وأسّس لمرحلة جديدة. فهل نتشبث بالعتيق دفاعا عن مواقعنا، أم نجدد ما بأنفسنا ونتبنى الوعي الجديد فنخدم مجتمعنا ونبرر موقعنا الاجتماعي الحقيقي، أي رديفا للحراك الشعبي ونصيرا للقرار الوطني؟ ولا بد أن نقلع عن وهم طالما دغدغنا به نرجسيتنا: وهو أن الديموقراطية الغربية صنيعة المثقفين، من أمثال فولتير وغيره. التاريخ الاجتماعي يفيد عكس ذلك. يثبت أن الديموقراطية عملية بطيئة تقوم على مصالح اقتصادية وإنسانية تجمع فئات من الشعب، تخلق مؤسسات ملائمة، وتتوسع شيئا فشيئا لتشمل الأمة بكاملها. وإن كان للمثقف (بمعناه الحالي) دور فيه، ففي تحليل الواقع لاستدراك الأخطاء وتدارك مواطن الضعف، وفي استشراف أفق المستقبل قدر الإمكان. دور المثقف في المواكبة، بذلك فخره. وكل مرة استأثر بالسلطة بحجة أنه مثقف لا أكثر، جلب الكوارث. قول أكرره منذ بدايات الربيع العربي، ولا ينفيه مسار الانتفاضات التي نجحت. وفي مقال سابق بعنوان “لئلا يكون المجلس الوطني حجر عثار”، دعوت الإخوان إلى عدم اعتبار احتفاء الشعب بهم تكريسا لهم، بل تعبيرا عن استبشاره بهيئة قادرة على دعم حراكه، وعليها أن تكون على مستوى الاستبشار. والويل! كل الويل لمن يخون الأمال المعقودة عليه. إن كان للمثقفين دور – لا سيما الموجودين خارج البلاد – فليس قطعا بتوجيه الحراك وكأنهم قيّمون عليه، بل في دعمه، بالتعبير عنه، وحمل طموحاته إلى كل المحافل، والتنبيه إلى مواطن الضعف فيه واستشراف آفاقه المستقبلية. ما أحوجنا إلى أن نصبح مواطنين يعملون في مجال الثقافة على تعددها، بعد أن اعتدنا أن نكون قيمين ومعلمين وأحيانا قادة ملهمين!

لا أخشى أن أكرر: إن شبيبتنا تسدد مسارنا وتهدينا إلى ذواتنا. فهل نُخلص لها فنخلص لذواتنا؟

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...