الرئيسية / صفحات سورية / إلى من (يهمنا) الأمر

إلى من (يهمنا) الأمر


عصام حسن

لستُ متشائماً بطبعي،لكن يحلو لي أن أطلق على نفسي صفة الواقعي.والغريب أن بعض الذين يعرفونني يطلقون علي صفة الحالم.لا أعلم كيف يمكن الجمع بين هاتين الصفتين.ولا أعلم إن كانت هناك منطقة وسطى بينهما.توقفَ عن الكلام ونظر إلي قائلاً ما رأيك أنت؟لم أعرف بماذا أجيب،كنت شارد الذهن أفكر بما يحصل في بلدي،ولم أسمع كلمة مما قال.فقلت معك حق!اكتشف صديقي شرودي واكتفى بأن ضحك.كأي واقعي.

 يقال أن رجال السياسة واقعيون،بينما الثوار حالمون.لطالما كرهت رجال السياسة.واعتقدت أن العالم سيكون أفضل بعدم وجودهم.إنهم غالباً أناس انتهازيون يستثمرون جهود غيرهم في تحقيق مبتغاهم.أليس من الجميل بربكم لو أخذنا كل رجال السياسة ورجال العسكر ووضعناهم في مدينة مسورة وأقفلنا عليهم الأبواب وتركناهم يختصمون ويتحاربون كما يشاؤون.هذه الفكرة مثلاً تعتبر حالمة رومانسية.ولم لا،فلتكن!أليست أفضل من فكرة واقعية تقول أن على الأمريكان أو غيرهم،احتلال العالم وقتل البشر،وتشريدهم من أجل النفط.أو اليورانيوم،أو أي شيء شيطاني آخر يريدونه؟

 اجتمع في سورية في ثمانينيات القرن العشرين أو قبل ذلك بقليل،مجموعة من الواقعيين وقرروا القضاء على الكورنيش الشمالي لمدينة اللاذقية وإقامة ميناء يمتد على طول الواجهة الشمالية البحرية للمدينة.وتم ردم البحر،أو تبليطه كما يحلو لسكان اللاذقية وصف ما حصل.وبذلك تم القضاء على الذاكرة الجمعية لسكان مدينة بأكملها.من ولدوا بعد عام 1970 لن يتذكروا ماذا يعني هذا الكورنيش لسكان المدينة.لن يعرفوا ماذا يعني أن تضع كفك على السور المنخفض وتمررها على سطحه المحدودب أثناء سيرك هناك.لن يشعروا بملمس سطح هذا السور الأملس من كثرة الأيادي التي لامسته.لن يعرفوا ماذا يعني أن يجتمع سكان المدينة عصر كل يوم في مكان كهذا يراقبون غروب الشمس.كبار السن يجلسون على المقاعد يدردشون والصبايا والشباب حلقات،حلقات. يضحكون، كالعصافير يتقافزون،يمارسون الحياة،يتغازلون.هنا مطعم على حافة البحر،هناك مكان للّعب والتسلية،بنادق ضغط،وأهداف صغيرة إذا أصبتها تربح جولة أخرى من التصويب.مسابح،وبرك سباحة على طرف الرصيف. وفي يوم رأس السنة تجد المدينة على هذا الكورنيش تستقبل العام الجديد.قُبلٌ وتهاني،ورقص،وجنون.وفي اللحظة الفاصلة بين عام ،وعام.تسمع صفارات السفن تدوي،تعلن.ها هو عام جديد.أي شيء جميل هذا.فرحٌ يملأ المكان ويملأ القلوب.وسعادة،لا تعلم أي مصير ينتظرها بعد حين.

 نفسهم الواقعيون قرروا بناء المدارس على شاكلة السجون! لماذا،غير الله لا يعلم.هل من المعقول أن يكون التصميم الهندسي للمدرسة أشبه بأي سجن في هذه البلاد؟ متوازي مستطيلات بطوابق له نوافذ مغطاة بشبك  من حديد،وله ساحة تحيطه،يحدها سور.وأبواب حديدية سوداء اللون تقفل بجوزة،وجنزير.إذا زرت إحدى هذه المدارس وقرأت الكتابات على جدرانها ستعرف أي تأثير لهذه المستوعبات على طلابنا،وأي علمٍ فيها يتعلمون.قرأتُ بعض هذه الكتابات وصوَّرتها.سأنقل لكم هنا ما تيسر.ستقرؤن في الصورة المرافقة عبارة تقول نحن جيل المستقبل بخط أنيق،وتحتها كتب أحد الطلاب والشرمـ…. والجهل.وفي مكان آخر اليوم خمر وغداً أمر وهذه ألطفها.ونقرأ كذلك العبارة التالية مكتوبة بالانكليزية فَكْ يو ثم عبارة تقول مدرسة المياعة وهناك رسم لجمجمة القراصنة وغيرها الكثير.ناهيك عن الجدران القذرة التي لا تليق بزريبة فما بالك بمدرسة.أرجوكم لا تقولوا لي هذه حالة خاصة لقد تنقلت بين العديد من المدارس منذ عام 1984 وحتى اليوم،ولم أجد من الفوارق الكثير.

 لن أتكلم عن واقعية المشافي وصراصيرها،وروائح البول تزكم الأنوف التي تستقبلك فور دخولك إليها،ولا عن غرف العناية المشددة ،وما يحصل فيها من جنون،والممرضات،والممرضين ملائكة الرحمة.كيف،وأين يدخنون.لا يوجد مسؤول  سوري رفيع  المستوى يرضى بعمل جراحة بإحدى مشافي بلده،لماذا يا ترى؟سؤال يُسألْ.لماذا يرسلون زوجاتهم ليلدوا في باريس،أو لندن،أو فرانكفورت،أو لا أعلم أين.يا رجل!يفضلون مشافي عمّان على مشافي الشام! ثم لماذا يضعون نقودهم في بنوك الغير،ومن أين لهم هذه الملايين والمليارات أصلاً.لماذا لا أستطيع أنا المواطن أن أراهم بأم العين،وماذا سأقول لأقول!

  يا أيها المسؤول حياتي أتّي إن لم يشعر المواطن أنه يساويك بالحقوق والواجبات – حسناً سنعترف لك ببعض الخصوصية – فلن يصدقك مهما فعلت.لن يصدق الوعود،ولن يصدق العهود،وخاصة أن هناك تاريخاً من السلب،والنهب.حفر صورة في عقله لن يمحوها تلفاز،ولا جريدة،ولا خطاب.وهذا الذي تفعل الآن لن يفيد.نفس البدلات الرسمية،نفس السحنة المتكبرة،نفس الحديث المتعالي،نفس السيارات الفارهة.لن يصدقك الأخ المواطن إن لم تكن تشبهه، يا رجل أنت شكلك جاي من المريخ ونحن سكان أرضيون تواضع يا سيدي،اضحك على عقولنا قليلاً،قم بالتمثيل،تكلم لغة نفهما،نحن الرعاع.من المدرسين،والمهندسين،والفنانين،والأطباء،والمحامين. وباقي أفراد الشعب المساكين.اخرج من واقعيتك قليلاً،وأرنا وجهك الثوري،ولو بخلع ربطة عنقك،أو إذا اقتضى الأمر بترك سيجارك في البيت،أو غليونك،أو بتغيير رائحة عطرك الثمين.نحن يا سيدي موعودون بإصلاحات،وهذا حلم نحلم به منذ عقود.لا أعلم عن سكان مدينتي ماذا يريدون لكني أريدكم أن تعيدوا لي ذاكرتي أهذا مستحيل؟! حسناً أتنازل عن الذاكرة.أريد أن أسهم معكم بصنع ذاكرة لأولادي وأحفادي.أريد أن يكون لي رأي فيما تفعلون.من أنا؟! ستسألني هذا السؤال عرفت ذلك من رمشة عينيك، أرأيت؟أعرفك أنا، وأعرف كيف تفكر،وماذا ستقول.أنا يا سيدي الذي لم تسمع صوتي من قبل.كنت جباناً يا سيدي.كنت رعديداً،ولكن الوضع تغير اليوم ولست اليوم شجاعاً،أرجوك لا تخطئ التقدير. فو الله ليست شجاعة،ولكنه الجنون.نعم ياسيدي الجنون.

– رسام كاريكاتير سوري – 2011.7.8

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

50 − = 45

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...