الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / إنتهاء زمن الحزب القائد

إنتهاء زمن الحزب القائد


بدر الدين شنن

كان من الصعب قبل الآن ، أن تتقبل العقول البعثية ما يكتب من نقد جاد ، حول انحرافات وأخطاء وإخفاقات حزب البعث الحاكم ، وخاصة ما يتعلق باحتكار الحزب قيادة الدولة والمجتمع ، بل كان هذا النقد يعتبر هجوماً مرفوضاً على الحزب . ثم يأتي الرد سرداً مبصوماً مكرراً يعدد إنجازات ” الحزب القائد ” ومآثره القطرية والقومية .

والمقصود ب ” الآن ” هو وجود وحراك عوامل عدة ، أولها وأهمها ، هو الأزمة الشاملة التي تعصف بالبلاد ، المتأتية مصادرها الداخلية عن ممارسات الحزب غير المتوازنة على مستويات عدة خلال قيادته للدولة والمجتمع في المرحلة الماضية ، ووجود وحراك لاعبين داخليين وخارجيين يستغلونها ويمتطونها لإسقاط النظام . وثانيها ، هو ما صرح به الأمين القطري للحزب ورئيس الدولة في آن بشار الأسد ، في نهاية شهر أيلول الماضي ، في لقائه مع وفد جمعية مسيحي الشرق ، الذي تضمن حرفياً ” أن الأحادية – أي صيغة الحزب القائد – غيبت المنافسة الحقيقية سواء بين الأحزاب المتعددة – في إطار الجبهة الوطنية التقدمية إذ لا أحزاب أخرى معترف بها خارج إطار الجبهة – أو في الحزب الواحد ، وأفقد حزب البعث القدرة على التفاعل مع نبض المواطنين ومواكبة تطلعاتهم ، وأدت هذه الأحادية إلى ترهل حزب البعث ، الذي بات يحتاج إلى نفضة جدية كاملة تشمل البنية التنظيمية كلها ” . وثالثها ، هو ما صدر عن أحد أعضاء اللجنة المكلفة لإعداد الدستور الجديد في سوريا المحامي محمد خير عكام – حسب جريدة الوطن والعديد من المواقع الإلكترونية السورية في 22/ 11 / 2011 – ” أن أعضاء اللجنة اتفقوا على إلغاء المادة 8 كلياً من الدستور ، مشيراً إلى صيغة لاعلاقة لها بصيغة المادة 8 تلغي الدور الاحتكاري لحزب البعث العربي الاشتراكي في قيادة العمل السياسي في سوريا .. ” .

وكان من الصعب قبل الآن أيضاً ، أن تجد الكتابة النقدية لحزب البعث الحاكم ولو بأسلوب يتسم بقسوة النقد والتشريح ، من يتقبلها من المعارضة الحاملة لشعار الإسقاط الفوري للنظام . والمقصود بالآن هنا ، هو عوامل ذات صلة ، لعل أبرزها ، أن هذه المعارضة ، قد تبين لها أن ليس لديها الإمكانيات الذاتية الداخلية ، وليس من جدوى قابلة للتحقيق للاستقواء بالخارج وعلى الأخص التدخل العسكري الدولي أو الإقليمي ، لتحقيق شعارها إياه بالسرعة والمصداقية التي تريد . يترادف مع هذا العامل عامل لايقل أهمية ، هو أن الخارج الذي اتكأت عليه هذه المعارضة مكشوف عداؤه الاستعماري التاريخي لشعبنا ، وهو الذي بحكم امتلاكه القوة والمال والسلاح والآليات اللوجستية يقود هذه المعارضة وليس العكس ، وبالتالي يستخدمها لتحقيق أطماعه وأهدافه في سوريا ، وهو جاذب للاستنفار الوطني ضده ، مما يلحق بمن يتعاون معه الضعف والخسارة على المستوى الشعبي والأخلاقي . ثم أن هناك عامل وجود مناخ سياسي يتحرك فيه حزب البعث كلاعب أساس في إعادة بناء العملية السياسية ، ما يطرح واقعياً أهمية الإقدام على الحوار معه تحت السقوف العالية أو المعتدلة ، إن من حيث وجوده في السلطة أو من حيث تحمله موضوعياً وواقعياً مسؤولية مواجهة قوى مشروع الشرق الأوسط الجديد ، المتمثلة بأميركا والاتحاد الأوربي والكيان الصهيوني وأدواتها العربية ، أو من حيث كيفما ستفضي به الأمور كأحد مكونات العملية السياسية إن لم يفز في انتخابات تشريعية قادمة . إضافة إلى أن حزب البعث كتجربة سياسية خاضها ملايين السوريين الذين انخرطوا في صفوفه أو والوه عقائدياً أو مصلحياً منذ تأسيسه حتى الآن ، لم تعد متعلقة حصراً به ، وإنما هي تجربة سياسية مؤثرة بماهية وبنية البديل المنشود . فنزعات ” الحزب القائد ” ليست فعلاً يخص حزب البعث ، وإنما هي بأ شكال أخرى تشمل معظم إن لم يكن كل القوى السياسية المعارضة الحاضرة في المشهد السياسي . إذ ان هناك أكثر من مجرد احتمال ، أن يكون للقوى الإسلامية أو القوى القومية والاشتراكية ذات المرجعيات العقائدية الشمولية ، أن يكون لها توق لممارسة دور الحزب القائد أي احتكار السلطة ، إذا ما توفرت الشروط المحلية والدولية لاستلامها السلطة ، خاصة إن تحقق لها ذلك بالقوة المسلحة . بدلالة عدم طرح هذه القوى حتى الآن برامج سياسية اقتصادية اجتماعية متكاملة .

وكما يتضح مما يدور في المشهد السياسي ، أن التعاطي مع العومل الآنفة الذكر ، عند مقاربة ” زمن الحزب القائد ” يحتاج إلى أكثر من جهد فردي للتوصل إلى نتائج مطابقة لوقائع تاريخية هامة جرت في الماضي ، ولحاجات التصدي للأزمة العاصفة بالبلاد ، ولحاجات بناء بديل مغاير . بيد أن من الممكن ا ستناداً إلى تجربة الحكم الأحادي طوال الأربعين عاماً الماضية ، وإلى ما تأتى عن ذلك من أزمة وطنية سياسية اجتماعية شاملة ، أظهرت مدى تجويف الداخل من مقومات القوة في الحقول كافة لاسيما السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وفتحت في المجال للقوى الخارجية لاستغلالها والتهديد بالانقضاض على الكيان الوطني وتدميره ، وا ستناداً إلى ما صرح به الأمين القطري الرئيس بشار الأسد ، وإلى ما أعلنه المحامي محمد خير عكام حول إعداد الد ستور الجديد ، المشار إليها آنفاً ، من الممكن الولوج بداية إلى عتبة المقاربة اللازمة لموضوع إنتهاء ” زمن الحزب القائد ” .

منذ أن وضعت الحركة التصحيحية ( 1970 ) يدها على السلطة بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد ، بمساندة قوى قومية ناصرية واشتراكية ، وبمهادنة قوى إ سلامية ، كانت جميها معارضة مقموعة في العهد الشباطي ( 1966 – 1970 ) وتواطؤ الحزب الشيوعي السوري الذي كان حليفاً لذاك العهد ، بدأت القيادة الجديدة بإرساء أ سس نظام نوعي جديد يرتكز على آليات توفر القوة والاستقرار والاستدامة للعهد الجديد .

الهدف الأول للنظام الجديد ، كان مصادرة السياسة وحصرها بقوى وآليات النظام . فكانت ” الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث ” لاحتواء وتقنين الأحزاب التي كان لها حضور ملموس في الحراك السياسي العام ، والتي تشكل في خلفياتها وشعاراتها القومية والاشتراكية والتقدمية بؤراً منافسة لحزب البعث وهي ( حزب الاتحاد الاشتراكي – الوحدويون الاشتراكيون – الاشتراكيون العرب – الحزب الشيوعي ) بدلالة المادة 8 من الدستور ، التي تنص على أن ” حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في الدولة والمجتمع ” وبدلالة الفقرة الأخيرة من مقدمة ميثاق الجبهة ، التي جاء فيها ” وتتجسد قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للجبهة بتمثيله بالأكثرية في مؤسسات الجبهة جميعاً .. وبأن يكون منهاج الحزب ومقررات مؤتمراته موجهاً أساسياً لها في رسم سياستها العامة وتنفيذ خططها ” وبدلالة المادة 7 من مهمات الجبهة على صعيد القطر في الميثاق التي جاء فيها ” إن الأطراف غير البعثية في الجبهة تتعهد بألا تقوم بأي تنظيم أو نشاط حزبي أو تكتل داخل الجيش والقوات المسلحة .. وكذلك المادة 9 من مهمات الجبهة على الصعيد المذكور ، التي جاء فيها .. إن أطراف الجبهة من غير البعث تتعهد أن تعمل على وقف نشاطاتها التنظيمية والتوجيهية في قطاع الطلبة ” أما القوى القوى الاسلامية وغيرها التي استبعدت من الجبهة ، ومن ثم الكتل المنشقة عن الأحزاب المنضوية تحت الجبهة التي تحولت لاحقاً إلى أحزاب ، فكان نصيبها الحظر السياسي ، وعند حراكها المزعج للنظام يتصاعد الحظر إلى مستوى القمع دون رحمة .

وقد انعكس هذا البناء السياسي الأحادي للنظام سلباً على كل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والنقابية العمالية والمهنية والجمعيات والنوادي واتحادات الطلبة والصناعة والتجارة والزراعة .. ألخ .. كما انعكس على البنية التعليمية والثقافية والفكرية وعلى الصحافة والإعلام . ونشر الروح الاتكالية على المسؤولين في مراكز اتخاذ القرارات الانتاجية والخدمية في القطاع العام . وفتح في المجال شيئاً فشيئاً لتفشي روح الوصولية والانتهازية والفساد . وأصبح هذا البناء معوقاً لمواكبة البلاد لوتائر التطور المتسارعة في بلدان أخرى . وأفقد التوسع الكمي العددي المليوني للحزب ، أفقد الحزب السيطرة على انحرافات ونوازع كتله وتياراته . وبدا واضحاً ، أن هذا البناء كلما أوغل في القدم ، أزمنت فيه وفي البلاد الأزمات وا ستعصت على الحل .

وقد اتضح من سياق مجريات الأمور ، منذ نحو أربعين عاماً ، منذ أن بدأ العمل بالأحادية الحزبية في قيادة الدولة والمجتمع ، أن من وضع أسس بناء هذا النظام الأحادي – عبد الحليم خدام كان أحدهم كما قال – قد اقتدوا بنماذج الأنظمة الأحادية في بلدان أخرى لها ظروفها وحيثياتها الخاصة التي قومتها لاحقاً ، وفي الحقيقة خدعوا أنفسهم وحزبهم والأحزاب التي قبلت بقيادة البعث لها . وما أ سسوه كان نظاماً مفخخاً بقنابل موقوتة ، تتمثل بخيار البنية السياسية الأحادية ، وبالثقة الزائدة بالذات الحزبية البعثية والشخصية ، وبممارسة الإخضاع لا الإقناع في العلاقة مع الآخر ، وبتفصيل الزمن على مقاس ما يخططون ويحلمون . ما أدى إلى أن تتماهى الدولة بالحزب ، وإلى ا ستخدام الدولة وسيلة لاستدامة غير ديمقراطية للسلطة وللإثراء غير المشروع .. وقد انفجرت هذه الأفخاخ عام 2011 في مختلف المدن السورية بوجه الجميع وضد الجميع .

ولأن سوريا ليست جزيرة معزولة عن العالم ، تنحصر في محيطها فقط قضاياها ومشاكلها ، بل هي كما يقول الجميع تتمتع بمركز جغرافي متميز يؤثر ويتأثر بمحيطه ، وهي حاملة مشروعاً قومياً مقاوماً على امتداد الزمن ، فإن منعكسات الخارج الطامع والصديق تفرض عليها مهاماً كبيرة إضافة لمهام الداخل ، بل وتضاعف صعوبات الداخل وتسهم بتأزيمها ومضاعفتها .

لقد تأخر الاعتراف الرئاسي كثيراً ، بأن ” الأحادية ( هي تسمية ملطفة للديكتاتورية ) غيبت المنافسة ( أي صادرت السياسة وأن الأحزاب في الجبهة لم تمارس دورها كأحزاب عندما ارتهنت لأغلبية وتوجهات ومقرارات حزب البعث ) وأن الأحادية أفقدت حزب البعث القدرة التفاعل مع نبض المواطنين ومواكبة تطلعاتهم . وأن هذه الأحادية أدت إلى ترهل حزب البعث ( أي أصابته بالعجز ) وأن الحزب يحتاج إلى نفضة جدية كاملة تشمل البنية التنظيمية كلها ” . وكان مطلوباً منه أن يسترسل فيقول ، إن مابني على هذه الأحادية كان خطأ قاتلاً لم يطاول الحزب فحسب ، وإنما الوطن كله .

ويمكن لكل مراقب أن يكمل من عنده ، أن هذه الأحادية قد أحدثت فراغاً سياسياً كبيراً في الداخل السوري لم يدرك حجمه الكبير الكارثي إلاّ عندما قرعت الأزمة الشاملة أجراس الشؤم في الشام ومدن الشام ، وعندما حل فرسان الفيس بوك المجهولين والفضائيات المغرضة لملء هذا الفراغ .

ما ذكر آنفاً يستتبع الكثير من الأسئلة . من هو المسؤول عما جرى كله ، منذ أن وضعت اللبنة الأولى في نظام الأحادية حتى الآن . من سيحاسب من قام بكل ذلك .. ومن سيرد المظالم لأهلها نتيجة ممارسة هذه الأحادية .. وما هي النفضة ومن هو النافض وكيف سيصبح المنفوض .

ما صرح به المحامي محمد خير عكام عضو لجنة إعداد الد ستور الجديد ، يشير إلى عمل يجري لإحداث تغييرات دستورية في المسائل السياسية والديمقراطية وفي التوجهات الاقتصادية والاجتماعية . هكذا قال العكام . لكن ماذا سيحصل فعلاً .. وماذا سنقرأ في مشروع الد ستور الجديد .. هل حسم المشروع مسألة إنهاء الأحادية الحزبية بكل أشكالها فعلاً ؟ .. هل اهتم وكرس المشروع المكتسبات الاجتماعية فعلاً ؟ .. هل ستنجز عملية إعداد الد ستور الجديد في المواعيد المعلنة حقاً ؟ .. هل يمكن القول أن زمن الحزب القائد قد انتهى .. وأن الفراغ السياسي الكارثي الذي تأتى عن الأحادية في قيادة الدولة والمجتمع قد انتهى أيضاً ؟ ..

لقد كانت مسألة إلغاء الأحادية الحزبية في الحكم وتعديل الد ستور هي الأهم والخطوة الأولى لأي إصلاح جاد في البلاد . لقد مضى ثمانية أشهر ونيف على الأزمة التي هي الأخطر في تاريخ سوريا الحديث ولما تزل هذه المسألة تئن وتزحف دون الوصول إلى التحقق . لكن وقائع الأمور والعوامل المتفاعلة في وحول سوريا ، تؤكد أن الشعب السوري يغز السير على دروب النضال لاستعادة حقوقه السياسية كاملة.. واستعادة المبادرة بتعزيز وحدته الوطنية لحماية البلاد من أي تآمر وأي تدخل خارجي وخاصة التدخل العسكري ، الذي تلوح به القوى الصهيو – أميركية – الأطلسية وأدواتها العربية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...