الرئيسية / صفحات مميزة / إنما الأعمال بالنّيات (النَّمطية)

إنما الأعمال بالنّيات (النَّمطية)


براء الموسى()

لا يُغفِل القانون أهميّة وجود النّية المسبقة في معالجته لقضيّةٍ ما، لكنَّ الأزمة السوريّة الراهنة بطرفيها الأساسيين الشعب والنظام تشير إلى انحسار فكرة النّية عن معنى الفكرة الطارئة التي تسبق الحدث لصالح النّية النمطية، أو لنقل أنّها تنمَّطت عبر عقودٍ من الاستبداد. فكلا الطرفين مكشوفةٌ نواياه بالنسبة للآخر، الشعب المنتفض، والنظام القامع.

لقد ظهر أن النّوايا النائمة للسوريين ورغبتهم المكبوتة بإزالة النظام ليس سوى حالة سكون كامنة، لم يُفلِح النظام يوماً بإرسال تلك النوايا إلى غياهب النسيان، وإن تراءى له غير ذلك، فهو ظنَّ أن ذلك السكون علائم رضا.

النظام ونتيجةً لاسترخاءٍ طويلٍ بدا مزمناً وصل المقدمات بالنتائج. فلا حاجة للمرور بالإصلاحات والتعديلات الحقيقية طالما أن النوايا “الجينية” لهذا الشعب لن ترتضي إلا زواله.

فالفساد الذي غدا بنيوياً لا سبيل لإصلاحه، وعلى ذلك فإن النظام زجَّ ومنذ البداية بكل قواه العسكرية وغيرها للقضاء على المسوّلة نفوسهم بمعاشٍ لا تنتقص من كرامته حجَّة ممانعةٍ أو صمود.

كانت معالجات النظام زمن استرخائه الطويل لحالات التململ الشعبي المبطّن مقتصرةً على اقتطاع أذن الجمل من ناحيةٍ، واقتلاع كلتا الأذنين للملحّين في التململ، والتملّح في قمع هؤلاء المناوئين الأزليين بساديّةٍ تخفي وجهها بالإصلاحات التي سرعان ما تختفي هي الأخرى في الأدراج المظلمة، فقط كان ينجح- جزئياً بمعالجة قضية البطالة المتنامية بالعسكرة، وقد أفلح فعلياً في تجييش موالين له في القطاعات العامة “قبل خصخصتها نسبياً”، حيث أصبحت الوظيفة الحكومية ضماناً معاشيا بالحدِّ الأدنى أمام عولمة ما يسمى “باقتصاد السوق الاجتماعي” المرعب لقطاعات كبيرةٍ من صغار الكسبة. والسِّر في هذا الفلاح هو الخوف المزمن، والتخويف المضمر من الأسوأ المحتمل أو المجهول، ومع ذلك فقد فشل في انتزاع تلك النوايا الملعونة لدى السوريين بعمومهم، فمناوؤه يزدادون باطرادٍ، وموالوه يتناقصون بازدياد كما يبدو أخيراً.

بالنسبة للمتظاهرين السوريين، فنوايا النظام بدباباته المنثورة في الشوارع بحجة وردية الأمن والاستقرار، مفضوحةٌ على مبدأ “حارتنا ضيقة ومنعرف بعض” ولأن الأحلام التونسية المصرية ناوشت خيال معظم السوريين، فلا شك أن تلك النوايا المكبوتة مكشوفةٌ أيضاً منذ هتافات (الحرية) الأولى.

وما التسارع الاعجازي في وعي السوريين عندما جرى البحث عن (مصطلح الحرية) القابع فقط في القواميس والشعارات سوى إشارة للشباب السوري بيافعيه وكباره إلى القمقم المظلم. فما لبثوا أن استدعوا فانوس “البوعزيزي”السحري وفركوه غير آبهين بدخان القنابل التي ظنوها مسيلةً للدموع فقط!.

وعلى ذلك فإن تدرّج الهتافات تصاعدياً في انتفاضة الكرامة لا تشير إلّا إلى المعنى الواحد للهتاف الأول منه والأخير، وبعكس ما يدّعيه بعض أبواق النظام، كما بعض من فتّحوا عيونهم أخيراً.

من هذه النوايا الكامنة لا تستطيع عين المحلل إغفال الإشارة إلى عمق “أزمة الثقة” المتبادلة والتي هي مجموعةٌ هائلةٌ من الأزمات المتراكمة عبر عقودٍ، ليس أهمها، كما يسوّق النظام أزمة الحوار، بل ما قبل الحوار بكثير.

الأنظمة التسلّطية في تكلّس أفكارها العريق، ودورانها حول ذات الإصبع بعينه ( كونه الهدف لذاته) هذه الأنظمة سعت إلى تطوير آليات دراسة النوايا تجاه رعاياها المفترضين “الفراسوية” لا العلمية، فما عاد ثمة داع ٍ للأدلة والمعطيات في معالجة مقدماتٍ نتائجها معروفة بحسب نيّاتها.

وفي راهن السوريين الآني يتم الدوران حول الوسائل وليس الغايات، ومن ضمن دائرة الوسائل المغلقة تلك، تظهر المعادلة بطريقة الاستعراض العضلاتي لميزان القوى فقط، وبإغفال متعمّدٍ للنتيجة، وعلى هذا الحال والحال كذلك فلا تزال الهوة تزيد ترويعاً بين شكلٍ غير واضحٍ البتّة ومضمونٍ غير مفهومٍ أيضاً.

هذه الرسائل داخلية، أما تلك الأخرى فسيُستخدم سلاح رفض الشعب والمعارضة للحوار ذريعةً لقمعٍ كائنْ، يواجه به النظام القوى الخارجية المتألبة عليه (إعلامياً فقط) ولسان حاله يقول: ((لا وجود لمحاورين لدينا، كما هو الحال بإنكاره وجود المعتقلين سياسياً)).

بالنسبة للغرب فإن النوايا المجهولة للشعب السوري تقف حجر عثرة ٍ أمام ما يبدو تواطؤاً مع زمن القمع ريثما تنجلي الصورة.

في العقود السابقة سادت العادات المتوارثة بالتواتر- في ممارسة النظام السوري لمهامه على الأرض على طريقة تراكم الخبرة وتعلم المهنة. فمن مجلس الوزراء وحتى أصغر وحدةٍ حكوميةٍ. لا دور للقوانين والدساتير بشكلها الأوليِّ إلا بحسب متطلبات طبيعة المرحلة الأمنية، هذا التراجع للقوانين لصالح روحيتها المتماشية بحسب الظرف المُشتمِّ من نوايا المواطنين. فقد كانت على سبيل المثال النكتة السياسية المتداولة بالخفاء تهمة ً جنائية ً تستدعي أقسى العقوبات الجنائية الواردة في قانون الطوارئ السيئ الذكر، وبالمقابل فإنّ سرقة المال العام بالحجم العائلي وما فوق بمثابة جنح ٍ يطالها العفو كلَّ حينٍ….” هذا إن تمّ إدانتها أصلاً”، وميزان العدالة دائماً يميل لصالح النوايا غير السيئةٍ تجاه الوطن “بما انزاحت إليه دلالة كلمة وطن”.

الموالون للنظام في الأزمة الراهنة اكتسبوا هذه الخصيصة في اشتمام رائحة نوايا المحتجين.مما جعل هذا التواطؤ صورةً لعلاقةٍ متماهيةٍ حتى مع الرغبات المضمرة للنظام المتسلّط ، وأضحى كتفسيرٍ لجملةٍ تقريريةٍ ((إنما الأعمال بالنيات)) مقتطعة ً من سياق المعنى الواردة فيه.

وعندما يكون الحال قد وصل إلى هذا الحدّ تغدو الإشارة إلى ممارسات النظام واقعةً ما قبل السياسة أو دونها ،بينماالشعب السوري الذي انتفض لكرامته المهدورة، يدرك أن التظاهر فعلٌ في صلب السياسة كما هو موضوعيٌّ عالميا،مما يضفي بعدا واضحا لعدم جدوى “الحوار المزعوم”.فمحاورة نائمٍ امتشق ((دبابته)) من تحت الوسادة للقضاء على كابوسٍ يلاحقه، دون أن يدرك أنّ عليه أن يستيقظ أولاً، أشبه بالمستحيلة إن لم تكن كذلك بداهة.

() كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...