الرئيسية / صفحات الرأي / إنها لعنة الجمع بين السلطة والثروة

إنها لعنة الجمع بين السلطة والثروة

 


ماجد كيالي

منذ البداية بدا واضحا أن أحد أهم عوامل اندلاع الثورات الشعبية في البلدان العربية، من تونس وصولا إلى اليمن، إنما يتمثل بهذا التزاوج بين السلطة والثروة، أما هدفها فقد كان جد صريحا، وهو التحرّر من منظومات وعلاقات الاستبداد والفساد.

الواقع أن النظم السلطوية العربية استطاعت أن تعمّر كثيرا، إذ بات لها من العمر أكثر من نصف قرن من الزمن، وذلك بسبب من كونها انشغلت،في بداياتها، بالمشاريع السياسية الكبرى (مشاريع الوحدة العربية ومصارعة إسرائيل)، التي دفعت قطاعات مجتمعية واسعة للوقوف إلى جانبها، وغضّ النظر عن طابعها التسلّطي.

وفضلا عن ذلك فإن هذه النظم لم تجهد في مراكمة الثروة في يديها، بسبب انشغالها ب “القضايا الكبرى”، وبسبب شعورها بعدم جدوى ذلك، كونها تسيطر على موارد البلاد. وفوق هذا وذاك فإن هذه النظم استطاعت كسب فئات اجتماعية واسعة لصالحها، من العمال والفلاحين والحرفيين والمثقفين، إن من خلال توسيع مجالات التعليم، أو التوظيف في أجهزة الدولة، ومن خلال الجيش.

لكن الزمن عاند هذه المنظومة التي لم تستطع أن تجلب الوحدة، ولا إحراز انجازات في صراعها ضد إسرائيل، وقد شهدنا نتائج حرب حزيران (يونيو 1967) التي شكلّت ضربة موجعة، قوضت مكانة الأنظمة “الراديكالية” في المنطقة، من نظام عبد الناصر في مصر إلى نظام حزب البعث في سورية.

لم يقف الأمر عند هذا الحد إذ أن هذه النظم، بعدما فقدت مشاريعها الخارجية، انكفأت إلى الداخل، وهذا أمر طبيعي، حيث شهدت العقود الثلاثة الماضية نوعا من المراجعة للمسار الاقتصادي الذي كانت قد اختطّته، وقوامه بذل التقديمات الاجتماعية لأوسع قطاعات من الشعب.

وقد تزامنت تلك المرحلة مع صعود “الليبرالية الجديدة المتوحشة”، ومع وصفات البيوتات النقدية الدولية التي نادت بكفّ يد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية، وفتح المجال أمام الخصخصة والانفتاح الاقتصادي.

معلوم ان أنظمتنا تساوقت مع هذه التوجهات، بحيث قلّصت إلى حد كبير التقديمات الاجتماعية، حتى في مجالات أساسية مثل التعليم والصحة، ولم تعد الدولة هي المشغل الأساس للوافدين الجدد إلى سوق العمل، مافاقم من حدة البطالة (حتى بين الخريجين) بين الشباب، خصوصا مع ضعف مبنى الاستثمار الخاص، الذي ذهب إلى الصناعات الخفيفة والاستهلاكية.

بالنظر إلى كل هذه التطورات فقد باتت هذه النظم مكشوفة أمام مجتمعاتها، بعد أن تبيّن بأنها غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، في آن معا، والأنكى من هذا وذاك أن هذه النظم التفتت إلى الداخل، لتعظيم هيمنتها على المجالين المجتمعي والدولتي، للتعويض عن فشلها الخارجي وتكريس سلطتها داخليا.

عند هذا الحد حصل التحول في بنية الدولة التسلطية العربية. فبعد أن كانت مهيمنة على الحياة السياسية، فقط، قامت بالهيمنة على الحياة الاقتصادية، أيضا، بحيث جرت مصادرة، أو خصخصة، السياسة والاقتصاد، البلاد والعباد. ففي ظل هذا الوضع، بالضبط، بات احتلال مكانة السلطة في البلدان العربية بمثابة المصدر الأساسي لمراكمة الثروات، ذلك أن هذا الموقع يتيح لشاغليه الهيمنة على موارد الدولة (الطبيعية والبشرية)، والتحكم بتوجهاتها، وإدارة استثماراتها.

وعند هذا الحد، ايضا، يمكن القول بأن النظم التسلّطية باتت تفقد شيئا فشيئا من هيبتها، ومن مشروعيتها في مجتمعاتها. فثمة عجز إزاء الخارج، وتسلط في الداخل، وثمة طغمة حاكمة هي ذاتها، أيضا، المتحكمة بالموارد المالية والاقتصادية، في حين ان المجتمع يغرق في الفقر والتهميش.

بالنتيجة فقد حمّلت هذه الطغمة مسؤولية تحلّل الدولة والمجتمع، بما في ذلك تعثر قيام مجتمع المواطنين، بالنظر إلى تكرس الهويات والعصبيات الأولية (الاثنية والقبلية والطائفية والمذهبية)، كما تعثّر قيام الدولة، باعتبارها دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، وتحوّلها إلى مجرد دولة أمنية، في المجال الداخلي فقط، بعد أن عجزت عن الحفاظ على أمنها القومي إزاء الأعداء الخارجيين.

وكان بديهيا أن هذه الحال من الهيمنة الشمولية، على السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، لابد ان تؤدي إلى تفشي التحلل الاخلاقي، أو بمعنى اخر افساد الحياة السياسية والاقتصادية والقيم الاخلاقية؛ مايفسر اقتران الثورة على الاستبداد بالثورة على علاقات الفساد، لأننا هنا نتحدث عن فساد بنيوي، منظوماتي، تسلطي، وليس مجرد فساد شخصي.

لم يكن عبثا تحذير عديد من المفكرين (وفي مقدمتهم خلدون حسن النقيب) من مخاطر الدولة التسلطية العربية، أو من مخاطر تغوّل السلطة على الدولة والمجتمع، في آن. وكان مقدرا للثورات الشعبية في البلدان العربية، على عفويتها، ان تكشف العلاقة الوثيقة بين الاستبداد والفساد، وبين السلطة والثروة، من دون أية صلة بمعرفتها ب لورد أكتون (1834 – 1902) صاحب مقولة : “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

المثير هنا ان الواقع العياني يغني عن أية نظريات، بل إنه يكثّف هذه النظريات ويشرحها، حيث في أوضاع البلدان العربية مايفيض عن كل النظريات، إذ احتكرت السلطات تماما المجال السياسي، وقامت أيضا بمصادرة الثروات الوطنية، وهي بين هذا وذاك صادرت المجال العام (الدولتي والمجتمعي)، واحتكرته لصالحها.

هكذا شهدنا، أخيرا، وعلى وقع الثورات الشعبية العربية، بأن الأسر الحاكمة، حتى في بعض البلدان التي تقع مجتمعاتها تحت غائلة الفقر والتهميش والبطالة، كانت تحوز أموالا طائلة، وأملاكا باهظة الثمن، تقدر بمئات ملايين، وحتى ببلايين الدولارات. والأنكى أن هذه الأسر إما تضع أموالها في بنوك أجنبية، أو أنها تضعها في خزائن موصدة، أي أنها تتجنب حتى استثمارها لصالح مجتمعاتها.

معلوم أن هذه الثروة لم تهبط من السماء، ولم تأت لأفراد عوائل الأسر الحاكمة، والمقربين منهم، من مواهب أو من مهارات خاصة بهم، وإنما جاءت إليهم بسبب تسلطهم على موارد بلادهم، ومن خلال وضع أيديهم على أراضي الدولة، واحتكارهم حق احتكار بعض الخدمات والسلع، ومن خلال تدخلهم في مجالات الاستثمار، وتحكمهم بمجالاته وحدوده، في بلاد تفتقد للشفافية وحكم القانون وتكافؤ الفرص بين المواطنين، كما تفتقد لدولة المؤسسات.

المفارقة انه في حين كشفت الثورات الشعبية عن الثروات المنهوبة، والمهدورة، لدى بعض الأسر الحاكمة، والتي كانت تفضح الانحطاط السياسي والاخلاقي لها، كان بيل غيتس (صاحب “مايكروسوفت”) يتبرع بنصف ثروته، وتقدر بعشرات بلايين الدولارات، للعمل الخيري (صحف 9/3/2011)، وفي حين تبرع وارن بافيت زميله ايضا بنحو ثمانية بلايين دولار، موصياً بكل ثروته للأعمال الخيرية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي حملة غير مسبوقة قدم نحو 45 بليونيراً أميركياً بمذكرة، باسم “الصحة الضريبية لامتنا ولخير مواطنينا” يطالبون فيها بإلغاء الاعفاءات الضريبية، التي تمنح منذ العام 2001، بالنسبة لدافعي الضرائب الذين يزيد دخلهم السنوي عن مليون دولار، على امل المساهمة في تقليص الفارق الهائل بينهم وبين مواطنيهم من محدودي الدخل.

هكذا لم يكن محتوما ان تندلع الثورات الشعبية، لوضع حد للاستبداد، وللفساد، وقد كان بالامكان الحؤول دون ذلك، لو ان الانظمة المعنية تمتعت ببعد النظر، وبحد مناسب من العقلانية والاخلاقية والمسؤولية. إنها لعنة التزاوج بين السلطة والثروة.

المستقبل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...