الرئيسية / صفحات الرأي / إنها ليست «داعش» بل هي الثقافة المعطوبة من أساسها!/ مرزوق الحلبي

إنها ليست «داعش» بل هي الثقافة المعطوبة من أساسها!/ مرزوق الحلبي

 

 

حتى لو صحّت نظرية المؤامرة بخصوص «داعش» أو غيرها من تسميات لفرق الموت في أرجاء الشرق الأوسط، فإن هذا الضباب الذي يلف نقطة المبتدى لهذه الكيانات لا يُمكنه أن يحجب عنا بعض الحقائق. وهي حقائق غارقة وسط صحاري الكلام وهذا الفائض من الخيال المؤسس على فرضية أن ما نراه غريباً عن شرقنا وثقافتنا وإسلامنا وإنه محض زرع غربي يُقصد به شرّ الأمة ووصمها بالعار والشنار! هذا، فيما يذهب الجزء الآخر من الكلام في شجب هذه المسوخ وجرائمها والترحّم على ضحاياها وحضّ العالم على فعل أي شيء لإيقاف طوفا الدم المسفوح بأسنان هذه الكيانات وخناجرها وسط هتاف يقطر دماً كأننا أمام قطعان دراكولا لا يستقيم عيشها بغير أنهار من الدم!

مهما يكن من مآلات هذه الكيانات ومفاعيل حضورها فإننا نشهد بشكل واضح أن من القوى المحلية في الحيز العربي والإقليمية والعالمية من يستثمر هذه الكيانات لتحقيق مصالحه. فمنها مَن يستعملها فزاعة للتدليل على «اعتداله» ولزومه. ومنهم من يدفع بهذه الكيانات باتجاهات محددة لتحقق له مصالح استراتيجية أو تكتيكية في حالة السيولة الشديدة الراهنة. بمعنى، أن هذه الكيانات تحظى بتواطؤ قوى إقليمية وعالمية تتقاطع معها في مصالحها وغاياتها ولو الموقتة.

لقد كشفت هذه الكيانات بوصفها اختباراً لذاك الاستعداد الفطري لدى الإنسان ـ وهنا العربي والمسلم ـ للانتماء إلى «يوتوبيا» كاذبة معمّدة بالدماء محكومة لنص شديد الصرامة والبأس (سبقتها يوتوبيات مماثلة أنتجت الخمير الحُمر مثلاً أو الستالينية او النازية) ينشد الغيب ويُشيد الجنة بواسطة السيف والنار! بمعنى أن الإنسان الذي سُحق حتى النُخاع كفرد وكجماعة هو كائن سريع الاشتعال باليوتوبيا الدموية. ولأنها مُشادة بالكامل على الرماح والقوة العمياء تبدو له الأكثر لمعاناً وبريقاً والأكثر وعداً بالخلاص على مستوياته. وبينما تُشكّل الخلافة والخليفة الوعد فإن الطريق إلى الوصول، فيها من خلاص الذات من عذاباتها ومن أزمتها الوجودية بخاصة إذا ترافق ذلك مع امتلاك القدرة المُطلقة على القتل وهي أقصى درجة من التحكّم بمصائر الآخرين!

وجدنا أن حركات الإسلام السياسي الأصولية القائمة على عبادة النص وطرح اليوتوبيا نفسها والتي لم تحظَ إلى الآن بـ «شرف» التحكّم بمصائر الآخرين وجزّ أعناقهم، تشير باطمئنان إلى أنها أهون الشرّين قياساً بالكيانات الدموية المذكورة والأفضل أن تحظى هي بالشرعية وأن تُرفع على الأكفّ لأن البديل هو «داعش» وأخواتها. والأمر ذاته فعلته الأنظمة القمعية (إيران وسورية والمالكي قبل رحيله) للتغطية على شرورها وعُنفها المدمّر. ووجدنا أن كثيرين بخاصة في الغرب حيث معدلات فوبيا الإسلام بلغت أوجها ولأسباب وجيهة منها ما يتصل بالإسلام السياسي والثقافي ذاته، ينتهزون الفُرصة لإثبات نظرياتهم الجازمة بشأن «دموية الإسلام» و «عنفه» وكونه مناهضاً للسياسة والدولة في مُبتداه ومنتهاه.

ورأينا في الحيز الإسلامي والعربي مَن يحاول أن يفسّر لنا الظاهرة بالادعاء أنه سبقها في التاريخ ما كان مثلها وأبشع من حيث شكل العنف المستعمل وطبيعته وعدد ضحاياه. ومنهم مَن يُشير إلى القرون الوسطى ومحاكم التفتيش ومنهم مَن يُشير في العصر الحديث إلى الماركسية وما أفرزته من كيانات دموية أبرزها الستالينية والخمير الحُمر في كمبوديا أو النازية وما أحدثته من شرخ في التاريخ البشري باعتماد الإبادة الجماعية وفق مخطط منهجي. هذا صحيح من حيث حصوله لكنه لا يُمكن أن يُشكّل تبريراً لما هو حاصل في حضن الإسلام وباسمه ولا يبرّئ ساحته أو يُخفف من هول هذه الكيانات وخطورتها. فالجريمة المتقدّمة لا يُمكنها تبرير الجريمة المتأخرة ولا العنف باسم الشيوعية يُمكن أن يكون أفضل من العنف باسم مقاومة الشيوعية! كما أن جرائم الإبادة الجماعية باسم القومية وبناء دولتها في كل مكان في العالم لا يُمكن أن تشرعن الجرائم الإبادة الجماعية باسم الإسلام.

ورأينا في حمأة ما يحصل من قتل جماعي على الهوية أو على صيغة الصلاة أن رهطاً من الذين دانوا العنف الاستعماري الغربي ومُحدثيه وتصدوا للقهر والاستبداد إنما يصمتون اليوم حيال العنف التدميري للكيانات المذكورة أو أنه يعبر بخجل عن تفهمه له بل وتماثله معه!

كل الحقائق التي أشرنا إليها إنما تشكل حقيقة كُبرى واحدة وهي أن الثقافة العربية كما تطورت في العصر الحديث وفي حقبة الاستقلال وما أعقبها وفي حقبة الإسلام السياسي وصولاً إلى أيامنا هذه غير بريئة مما يحصل. على المنتمين لهذه الثقافة الانطلاق من هذه المسلّمة. فلا التبرير ولا التهويل ولا ردّ التهمة ينفع أحداً. إن الإقرار بهزيمة الثقافة على كل مذاهبها وعمقها التاريخي هو المدخل للخروج بشيء ما من هذه اللوثة الشاملة. كم حاول مفكرون إصلاح صورة الإسلام وترميمه، وكم حاول قوميون إصلاح تنظيراتهم المبتسرة، وكم حاول شيوعيون عرب الدفاع عن الهندسة البشرية في صلب العقيدة وكم حاول البعثيون أن يُحدثوا ثورات تصحيحية في مشاريعهم الجهنمية وكم حاول الإسلام السياسي ترميم خلافته ـ جهود أخفقت لأن شيئاً ما معطوب في الجذر. لأنها ثقافة انغلقت على العقل وأرجأته بقوة النصّ المقدّس وختمته بالشمع الأحمر منذ قرون، منذ انقلاب المتوكّل على المأمون وانتصار الحديث على القرآن (حسب جورج طرابيشي) منذ خلصت إلى ماضوية مُفرطة أقلعت نحوها عكس الزمن وحركته والاعتقاد بإمكانية ردّ التاريخ إلى بدايته الإسلامية. فالحاكم المستبدّ أنتج نقيضه والعنف السلطوي أنتج العنف المعارض والوطن المغلق أنتج المنفى المفتوح وغياب دولة المواطنين أنتج القبيلة من جديد وغياب سلطة القانون أنتجت أنظمة المباحث والأمن وكلها في المحصّلة أنتجت عنفاً غير محدود سحق الإنسان في صميم وجوده وكرامته وحوّلته إلى وحش بالاحتمال وفرت له حالة السيولة الهائلة فرصته فأتى دوره ليُنتج عنفه الخاص في شكل «داعش» أو كيانات مثلها! إنها ليست «داعش» إنها هذه الثقافة المعطوبة من أساسها ومن تاريخها!

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...