الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمير سليمان / إنهيار العقد الإجتماعي وتحلل الدولة السورية: سمير سليمان

إنهيار العقد الإجتماعي وتحلل الدولة السورية: سمير سليمان

سمير سليمان

    قد لايعطي المستقبل تاريخا محددا لنهاية الدولة البعثية في سوريا , إذ سيكون إعلان موتها , على الأرجح , تدريجيا . ولكنه سيحفظ تاريخ 8 / 7 / 2013 , باعتباره آخر مؤتمر للقيادة القطرية لحزب البعث , قبل تواري هذا الحزب وتلاشيه نهائيا . وإذا بقيت الأوضاع السورية تجري على هذا النحو السيء الذي نشهده , فسيكون هذا التلاشي مقترنا مع اكتمال التحطم الشامل للدولة البعثية , وانفراط العقد الإجتماعي والوطني السوري , وانتهاء هذا الشكل من الإجتماع السوري الذي تكرس خلال نصف القرن الماضي .

      ليس حزب البعث وإجتماعاته مايهمنا هنا , بل هو ” العقد الإجتماعي السوري في سورية خلال العهد البعثي ”  , تشكله وتحولاته , ثم تحطمه بفعل الثورة . ثم دخوله أخيرا مرحلة التحلل الشامل , بسبب استطالة الصراع وانسداد آفاقه المنظورة , واشتداد العنف المادي والتمزق الإجتماعي , ثم الهجرة المكانية والثقافية لكتلة كبيرة من المجتمع السوري . وليس من مدخل  لهذا الموضوع , سيكون أفضل من التأمل في ذلك الشعار الثلاثي المعلق فوق رؤوس البعثيين المجتمعين : ” وحدة . حرية . إشتراكية ” . فهذا الشعار الأصيل لحزب البعث , والذي استفرد بإسمه حكم الدولة السورية لمدة نصف قرن بالتمام والكمال , كان الشعار التأسيسي للعقد الإجتماعي الذي يتهاوى الآن , بفعل الثورة من جهة , ونظام فاشي مجنون من جهة أخرى .

     فبعد إنقلاب 8 آذار من العام 1963 , استقر العقد الإجتماعي السوري , كما نعلم جميعا , على نمط من الحكم الإستبدادي العسكري , القائم على الشرعية الثورية لأيديولوجيا البعث . وهي أيديولوجيا دوغمائية تمحورت حول قضية الوحدة العربية ( وحدة ) والقضية الفلسطينية ( حرية – من الإستعمار ) , وارتكزت طبقيا وسياسيا على الشرائح الدنيا والوسطى من البرجوازية الصغيرة , وعلى شريحة واسعة من الفلاحين الفقراء , الذين هللوا للإستيلاء على  أراضي الملاكين الزراعيين الكبار , ثم احتفلوا بتأسيس بؤسهم الجديد , بتقسيم هذه الأراضي وتوزيعها بموجب المراسيم الثأرية للتأميم , والتي اقتضتها ( الإشتراكية ) . وليس في كلامنا هذا شيء جديد , ولكن مانود إبرازه هنا , أن تلك الشرعية الثورية , المستندة إلى ماهو خارجي , فوق وطني ( الوحدة العربية وقضية فلسطين ) , قد اقصت الإنتماء الوطني واضطهدته , ثقافيا وسياسيا . واعتبر الكلام في الوطنية السورية , والمغاير في لفظه ومدلوله لمديح النظام , شيئا يقارب ” خيانة ” الثورة وأهدافها في نظام البعث وإيديولوجيته القومية العربية . وأغرقت الدلالة التامة لكلمة ” الوطنية ” بكليتها في المسألة الفلسطينية كما يراها النظام .

     تحت هذه السقيفة الإيديولوجية , اجتهد نظام البعث على فصل اية علاقة بين شرعية سلطته وبين مسألة التنمية في مختلف حقولها للمجتمع السياسي السوري . ولم يقتصر الأمر على ذلك , بل سارت الأمور عكسيا , وخصوصا بعد حرب تشرين , فقد امتلك نظام الأسد الأب , بعد هذه الحرب , فائضا من الشرعية المستمدة من الخارج الإقليمي والدولي . مما سمح له بلا عناء , أن يعمل بدراية وتأني , على ” هندسة إجتماعية ” تربط مجمل الشرائح الإجتماعية بالدولة , في الوقت الذي كان يتم فيه تضخيم هذه الدولة ودمجها بالسلطة , مستفيدا ببراعة وموهبة , من تجارب أصدقائه الشيوعيين في كوريا الشمالية ورومانيا والإتحاد السوفييتي السابق ( الأنظمة الشمولية ) . وكان أحد أبرز أوجه مفاعيل هذه الهندسة , تغيير واستبدال الولاءات الأهلية القديمة , وتقويض الأشكال القديمة لعلاقات المجتمع الأهلي , ومنع نمو المجتمع المدني ونشاط السوق , وحشر كل أنشطة الشرائح الإجتماعية وعلاقاتها في أقنية ومسارب أجهزة الدولة وحزب البعث . في الوقت الذي أتم فيه دمج الدولة بالسلطة , لينتج مايصح تسميته الدولة – السلطة , أو الدولة السلطوية , أو , وهو الأصح , الدولة الأمنية . وفي النتيجة , تم مصادرة الوجود الإجتماعي والسياسي لجموع السوريين , كأفراد أو كجماعات , أو كعلاقات إجتماعية , ليوضع تحت هيمنة وإشراف مؤسسات الدولة الأمنية . ففي جميع المراحل العمرية بعد سنوات الطفولة الأولى , يجد الفرد السوري نفسه مقيدا بمؤسسات الدولة الأمنية هذه . فالمنظمات الطلائعية , والشبابية , والرياضية , والطلابية , والإتحادات المهنية , والنقابات , والمنظمات الشعبية , وقطاع الدولة , والتعيينات الوظيفية , والمؤسسات الثقافية والتعليمية , والمدارس , والجامعات , والمؤسسات الإستهلاكية والتموينية .. الخ كل هذا أبقى المجتمع السوري ضمن اقنية المراقبة والضبط والسيطرة . وطبعا لانتكلم هنا فقط عن الأجهزة المختصة بالضبط والسيطرة , أي الأجهزة الأمنية والحزبية , بل عن ” الدولة الأمنية ” بشموليتها , بكل مؤسساتها وهياكلها . بل ” بمجتمعها ” الذي يراقب ويضبط نفسه بنفسه . هذا ماكانه شكل ” الإجتماع ” الذي فرضه الأسد على السوريين بعصاه الغليظة .

………………………………………………………….

    ضمن هذه البنية الإجتماعية- السياسية المرتبطة وثيق الإرتباط بالدولة السلطوية الأمنية , استقر نوع من العقد الإجتماعي الذي فرضته السلطة الأمنية , وقبله المجتمع السوري بامتعاض حينا , وبالتصفيق أحيانا . وقد عملت على صيانته منظومة أخطبوطية متعددة العناصر من الفساد المالي والوظيفي , والرشوة الإجتماعية المعمّمة , والإستبداد السياسي الثقيل , والقمع الأمني الدائم اليقظة , والإنحطاط الأخلاقي الصريح , والبؤس الثقافي المموّه . وأعطته أشكاله ومضامينه , وحدّدت آفاقه .

   ايضا , لعب عامل رئيسي آخر , في ربط العقد الإجتماعي السوري بسلطة البعث , وبسلطة حافظ الأسد خصوصا , وبسلطة وريثه على الأخص . وتمثل هذا العامل في إندماج الشرائح البرجوازية السورية العليا في بنية هذه السلطة , سياسيا وإقتصاديا وثقافيا . وفي ظهور شرائح جديدة منها في رحم هذه السلطة , في مرحلة لاحقة , مرحلة وريث الجمهورية .

     فالبرجوازية السورية لم تخلق مجالها المستقل الخاص في عملية الإنتاج – إن كان هناك من إنتاج – والتسويق وتحقيق الأرباح , باستقلال عن الدولة السلطوية , بل كانت جزءا عضويا منها ضمن منظومة الفساد المالي والسياسي . وقد بدا هذا واضحا في العقد الأخير من العهد الأسدي , الذي بلغ فيه تحالف المال والسلطة حدّا تخلى فيه عن تقديم ضمان الحد الأدنى للشرائح الإجتماعية الدنيا , واستباح نهب المال العام وفائض الدخل القومي . كما تخلى عن صيانة مؤسسات الدولة ذاتها , وعن استقلال القرار الوطني , والسيادة الوطنية , وعن حماية الطبقات الدنيا والوسطى , لصالح الإنفتاح المرتهن لإيران في السياسة , ولتركيا في الإقتصاد . ليغدو الفساد ” مؤسسة ” تتغطّى بهياكل الدولة السلطوية , و” أسلوبا رئيسيا غير معلن ” للكسب , يمارس في أعلى مستويات القرار السياسي والإقتصادي والأمني , للإستيلاء على الثروة القومية . وبكلمة , لقد غدا العقد الإجتماعي السوري يعني بالنسبة لغالبية السوريين , القبول بهيمنة عصبوية الشكل لأقلية تحتكر السلطة والقرار في السياسة والإقتصاد , بتوسل العنف العاري لعموم المفقرين الرافضين , وبمشاركة الأقلية المستفيدة من منظومة الفساد والنهب وغياب المحاسبة .

     وبالرغم من غياب الدراسات الإقتصادية التي تعطي فكرة دقيقة أو تقريبية للوضع الإقتصادي لطبقات المجتمع السوري , ودوره في الثورة . إلاّ أن ملاحظة تطابق جغرافيا الثورة منذ انطلاقتها , مع المستوى المعيشي المتدني للطبقات الإجتماعية الثائرة , يؤشر بوضوح أن ذات الشرائح الإجتماعية التي أسس عليها إنقلاب البعث شرعيته , أي ابناء الريف والزراعة , والشرائح المفقرة من البرجوازية الصغيرة , هذه الشرائح هي ذاتها التي انتفضت على دولة البعث في طورها الأخير . لقد وقف البعث ضد ماكان تاريخيا جمهوره . بينما بقيت الطبقة البرجوازية العليا , والمتواجدة أساسا في دمشق وحلب , على تحالفها مع النظام طالما لم يتأكد سقوطه . أما الشرائح العليا من الطبقة الوسطى المدينية , فهي وإن لم تدعم النظام , إلا أنها بقيت خارج الحراك الثوري , باعتبار أن الثورة لم تقدم لها مايغريها , بل على العكس , فقد أثار الوجه الإسلامي للثورة خشيتها على نمط حياتها من مستقبل مجهول في حال سقط الأسد .

   أما مؤيدو النظام من جمهور الطائفة العلوية والأقليات الأخرى , فلا يفسر موقفهم بوضعهم الإقتصادي والمعيشي , بل فقط بمحمولهم الإيديولوجي المصاب بالعمى والإنحلال بقوة السلطة . وقد تبدى ذلك منذ بداية الثورة , ففي حين كان ” شباب الثورة ” يقارعون النظام على أرضية سياسية تحررية , كان أتباع الأسد يقارعون الثورة بولاء إيديولوجي غير مبرر إقتصاديا للنظام , كان الوجه الطائفي أحد أوجهه الثانوية , وليس وجهه الوحيد , ولا الرئيسي . وهنا , يمكن القول أيضا , أن الوجه الإسلامي المتشدد للمعارضة , قد أمدّتهم بيقينية حول صحة مايعتقدون . يقينية لم يكونوا يمتلكونها في بداية الثورة . وهذا موضوع يختلف عن موضوع ” تطمين الأقليات ” السخيف .

وقد ذهب مؤيدو الأسد هؤلاء , على غرار الشبيبة الهتلرية , حتى النهاية مع النظام في تحطيم المجتمع والدولة , بشرا وحجرا , بأسلوب فاشي لاسابق له في التاريخ . معلنين من جهتهم , وباستتباع حرفي للنظام , عن تحطيم العقد الإجتماعي الذي أسسته سلطة البعث الأسدي . ويبدو الآن , أن جميع أطراف الصراع , ولأسباب متناقضة تمام التناقض , تعمل على تحطيم ماكان يسمّى : سورية الأسد .

……………………………………..

   لقد كان الشعب السوري ينتظر اللحظة المناسبة لإرساء عقد إجتماعي جديد , أكثر عدالة من ذلك الذي صممه الحكم الأسدي . وقد خاب حلمه أول مرة في ربيع دمشق , ثم خاب مرة أخرى في ارتدادات مقتل رفيق الحريري . وعندما خرج شباب الربيع العربي في سوريا ليحققوا حلمهم بأيديهم , سارع النظام قبلهم إلى تدمير ماكانوا يريدون تغييره . لقد دمّر الأسد الإبن خلال سنتين , بواسطة الطائرات والمجازر والبراميل المتفجرة , مابناه الأسد الأب وعمل عليه حزب البعث لمدة نصف قرن .

  ويبقى السؤال الصعب : ماهو العقد الإجتماعي الجديد الذي يأمله السوريون بعد سقوط الأسد ؟

وباختصار : ماهو برنامج الثورة الحالي , لليوم التالي ؟

2013-07-20

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...