اختطاف ثورة/ علي العبد الله

مر اسبوع على اختطاف اعضاء “مركز توثيق انتهاكات حقوق الانسان في سوريا” المكون من الناشطين  رزان زيتونة، سميرة خليل، وائل حماده، وناظم حمادي، دون ان تُعرف بالتحديد الجهة التي خطفتهم او الجهة التي نقلوا اليها. إلا ان المعروف ان المكتب قد تعرض منذ قرابة الثلاثة أشهر( يوم 24/9/2013 تحديدا) لتهديد مصحوب بإطلاق رصاص من قبل عناصر من “جيش الإسلام” الذي يقوده السيد زهران علوش وإخوته، ولمطالبة بمغادرة دوما خلال ثلاثة ايام وإلا سيقتلون. وقد جرت في حينها اتصالات مع جهات قيادية في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وأخرى مع جهات عربية، وهذا ما يؤسف له شديد الأسف ان يكون قرار جهات سورية في دول خارجها، ترعى وتشغل الجيش المذكور لاحتواء الموضوع وسحب التهديد والإنذار، وقد وعد السيد زهران علوش بعدم التعرض للمركز وان “عليهم الأمان”.

غير ان الروايات ظلت تتواتر عن استياء السيد علوش وجيشه من المركز، ونُقلت عبارات محددة عن “تكسير رؤوس يابسة”، الكلام عن الاستاذة رزان تحديدا، ووعيد بـ “ارسال من يربيهم”.

لماذا يستاء السيد علوش وجيشه من وجود “مركز توثيق انتهاكات حقوق الانسان في سوريا” في دوما ويطلب منه مغادرتها. أهي الوظيفة والدور أم الرفض المبدئي، او العقدي كما يقال في رطانة الاسلاميين، لمنظمات مجتمع مدني، أم الإحساس بالتهديد نتيجة حضور حالة غير منمطة ولا تخضع للاملاءات، ام لإحساس دفين ضد المرأة، الذي تجسده رزان زيتونة، ككائن وكيان ودور.

 يبدو لي انه لهذه الاسباب مجتمعة، فالإسلاميون، والسلفيون الذين ينتمي اليهم السيد علوش وجيشه بخاصة، لا تستهويهم الشراكة والتعايش مع الآخر المختلف، حتى مع اطراف اسلامية تختلف معهم بالفروع والتصورات والتقديرات الميدانية، ويميلون بقوة الى الانفراد والهيمنة والسيطرة والأمثلة متوفرة اكثر مما يحتاجه العرض والبرهان: التنافس البيني حول تمثيل الإسلام، وفرض الارادة والقرار على أفراد مجتمعات علاقتها بالإسلام حميمة لكنها تتعاطى مع مفرداته ومستدعيات الانتماء اليه وفق شروط واقع صعب ومرير بالنسبة لإمكاناتها وقدراتها على التفكير والتدبير وتأمين حياة مقبولة لهم ولأسرهم. في هذا المناخ نبت “مركز توثيق انتهاكات حقوق الانسان في سوريا” كحضور ادبي وفعالية انسانية تتعاطى مع الجميع بذهنية القبول والتفهم والتعايش، وتقديم مساعدة على تجاوز عقبات معيشية في ظرف شديد الخطورة والتعقيد، والتطوع لتقديم خدمات، خبرات، دعم معنوي وإنساني للجميع دون تمييز أو خلفيات وأطماع حزبية. لم يرق للسيد علوش وجيشه المسمى بجيش الإسلام، مع ان كثيرا من سلوكه لا يمت الى الاسلام بصلة، ان يكون له شريك في ساحة يعتبر نفسه سيدها ومالكها، فهو لم يقبل كيانات أقل تمايزا عنه وتحديا لهيمنته وسطوته (المجلس المحلي لمدينة دوما، المحاكم المدنية التي اسسها حقوقيون من أهل البلدة، قال لدى سؤاله عن تبني الجبهة الاسلامية، التي شارك في تأسيسها مع ألوية سلفية، للدولة الاسلامية انه لا يعرف احدا في سوريا يرفض الدولة الاسلامية؟ فكيف بمركز يرصد مخالفات وانتهاكات، ربما يقوم بها عناصر من جيشه، وينقلها الى العالم الخارجي(؟؟). ناهيك عن قيامه (المركز) بالتحدث مع عناصر في الكتائب المتواجدة في الغوطة من دوما الى عربين، سقبا، مسرابا، المليحة، حمورية، جوبر، حرستا، وحزة، حول الالتزام بالقانون اثناء تعاملهم مع الأسرى من جيش النظام وشبيحته، وعدم التعرض للمدنيين..الخ. وسعيه لمعرفة اوضاع السجون التي تتبع هذه الكتائب، ومراقبة سلوك الشرطة المحلية وطبيعة تعاطيها مع المواطنين، والهيئة الشرعية التي أخذت على عاتقها النظر في الدعاوى والخلافات والتجاوزات وطريقة عملها والأسس القانونية التي تعتمدها في أحكامها.

والأخطر بالنسبة للسيد علوش وجيشه هو نشاط المركز مع الناشطين في الغوطة بعامة ودوما بخاصة، دوما لها مكانة خاصة ووزن في حساباته كونه منها ومنافسته داخل عرينه، أو على أرضه كما يقولون في عالم الرياضة، اهانه كبيرة لرجولته، وربما لفحولته،  ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم على العمل والتنظيم وإقامة مؤسسات مجتمع مدني لخدمة ابناء المنطقة ومساعدتهم على حل مشكلاتهم اليومية وتأمين متطلبات عيشهم وأسرهم من خلال اقامة مشاريع صغيرة تشغلهم وتبعث فيهم الأمل حيث تم تأسيس منظمة “سوريات من أجل التنمية” وثلاثة مراكز للنساء في الغوطة تحت اسم “النساء الآن” لمساعدة النساء على القيام بأعمال ذات مردود مادي عبر انتاج مصنوعات يدوية وبيعها، تم اقامة معرض لهذه المنتجات، وكانت ثالثة الاثافي كما قالت العرب: فتح مكتبات وتغذيتها بالكتب وقاعات للمطالعة في عربين وحمورية، كانت العملية جارية على قدم وساق لفتح مكتبة وقاعة مطالعة في دوما قبيل اختطاف فريق المركز، كتب ثقافية وأدبية وسياسية من النوع الذي يرى السلفيون في تداولها الكفر الصراح.

هل رأى السيد علوش في ظاهرة “مركز توثيق انتهاكات حقوق الانسان في سوريا” ونشاطاته المتعددة تحديا سياسيا ام ثقافيا ام للهيمنة والسيطرة التي يحاول فرضها على بلدة دوما وجوارها تحت ضغط السلاح، اهي ظاهرة مدنية تقض مضجع العساكر ام ظاهرة تحررية تؤرق ثقافة الهيمنة والتغّلب وتكسر جدار الخوف وتدخل في تحدي وجودي في صراع الافكار والبرامج والسياسات.

لم يقم الخاطفون بخطف أربعة نشطاء كانوا منذ انطلاق ثورة الحرية والكرامة في الصفوف الأولى حيث واجهوا الاخطار وتصافحوا مع الموت مرات ومرات، بل يحاولون خطف ثورة دفع الشعب السوري مئات الالاف من الشهداء والجرحى والمفقودين وملايين النازحين واللاجئين والبيوت المدمرة من اجل الخروج من مستنقع الاستبداد والقهر، ولكن ما لم يدركه هؤلاء جيدا هو ان الشعب الذي قدم كل هذا الدم والدموع والتضحيات لن يسلّم وطنه وحياته لجلاد جديد او مستبد طامح.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...