الرئيسية / صفحات الرأي / استعادة للغيب واللامعقول

استعادة للغيب واللامعقول

 


كرم الحلو

يفتح علي فياض في مقاله «نحو نظرية سياسية للتحولات العربية» السفير 14 نيسان 2011، باباً واسعاً للنقاش والجدل. فقد عرض لقضايا اشكالية وطرح مفاهيم ومصطلحات ملتبسة لم يحسم أياً منها، ما جعل خطابه السياسي متردّداً، ولم يفضِ في المحصّلة الى صياغة النظرية السياسية المنشودة للتحولات العربية.

إلا أن ذلك لا يعني اننا نرفض طروح الكاتب في مجملها، بل إننا نوافقه ونؤيده في بعضها. نوافقه في أننا امام مرحلة انتقالية، غامضة المآل تواجه عوامل إعاقة قبلية وجهوية ودولية، وفي أن التحولات الراهنة على الساحة العربية تاريخية ومفصلية ومصيرية. ونوافقه في تشديده على دور أدوات التواصل الالكتروني في تسارع وتيرة التغيير، وفي أنه لم يعد مبرراً الانشغال عن قضايا الإصلاح والتغيير، في حين باتت المسائل السيادية متداخلة مع المسألة الاجتماعية، وأصبحت المنعة الاجتماعية والممانعة السياسية جزءأً من منظومة متصلة. لكننا في المقابل نأخذ على الكاتب ما يلي:

أ ـ ليس في المقال كما وعدنا عنوانه، اضافة ذات شأن الى الأفكار المتداولة في الخطاب السياسي العربي الراهن بصدد الانتفاضات الشعبية العربية، ودور أدوات التواصل الالكتروني في تحريكها وتسارعها، بل انه استعاد اكثر تلك الافكار مضيفاً اليها بعداً ميتافيزيقياً مفترضاً خارجاً على العقلانية والتفسير الاجتماعي التاريخي.

ب ـ يقرأ الكاتب التحولات الراهنة بخطاب مرتبك، فهل هي، كما يقول «عتبة لولادة عالم جديد تمهد لتحولات أكثر جذرية» ام إنها «تغيير في أنظمة الحكم يعتمد آليات الاعتراض الشعبي، وفي أحيان مواجهات جزئية وفي أحيان أخرى مواجهات شاملة» أم أننا «امام صنف جديد من الثورات» أم إنه زلزال يضرب بركة الركود العربي؟

أسئلة لا تجد اجابة لدى الكاتب غير القول إن المرحلة تاريخية استثنائية وغير متوقعة، وفي المحصّلة تبقى مصطلحات «انتفاضة، تغيير نظام، ثورة» ملتبسة ومختلطة وتشير الى معانٍ فضفاضة وغير محددة.

ج ـ تشبيهه حراك المجتمعات العربية الراهن بالحراك الذي عاشته أوروبا في القرن الثامن عشر يفتقد الى الدقة. فثمة مقدمات للتحولات الاوروبية، اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية وتاريخية غير تلك التي تقف وراء الحركات العربية الراهنة. فالتحولات الاوروبية انما جاءت على خلفية فلسفية أكدت مركزية الانسان في الكون والمجتمع والسياسة، وحريته المطلقة في ما يتصل بوجوده السياسي والاجتماعي، وأرست مفاهيم الأمة والوطن والعقد الاجتماعي وحقوق الانسان الطبيعية غير القابلة للتنازل، والسلطة السياسية واسسها ومصدر شرعيتها. فهل نحن في العالم العربي إزاء ثورة كهذه؟ وهل ثمة خلفية إيديولوجية ليبرالية ترفد حراك العرب الراهن كتلك التي وقفت وراء الحركات الأوروبية في القرن الثامن عشر؟ وهل من أفق ايديولوجي موحّد او متشابه تتطلع اليه الانتفاضات العربية الراهنة في ما يخص موقع الانسان العربي عموماً او موقع المرأة او موقع الأقليات في أي نظام عربي جديد؟ وهل هناك أصلاً تصور محدد لمثل هذا النظام؟

د ـ يبدي المؤلف أسفه لكون معظم موضوعات علم السياسة ومفاهيمه قد ولدت في رحم التجربة الغربية، انطلاقاً من هيمنة تلك التجربة على المجتمعات الاخرى بما فيها مجتمعاتنا التي جرى اخضاعها لاشكاليات ومنهجيات هي في احيان كثيرة غريبة عنها ولا تصلح لها، ليدعو أخيراً الى استعادة الثقة بمفاهيمنا التي تملك قدرة تفسيرية للظواهر التي تختص بها مجتمعاتنا على غرار ما فعل يوماً ابن خلدون.

وهنا نسأل هل لا يزال نص ابن خلدون في القرون الوسطى على عبقريته وإبداعه، قادراً على تفسير واقعنا العربي في القرن الحادي والعشرين، وتجاوز الفارق التاريخي بين عالمنا وعالمه، بين همومه وهمومنا؟ هل يجيب نص ابن خلدون على التحدي الذي تشكّله ثورة العلم والعولمة وتبعاتها غير المسبوقة في التاريخ؟ هل ثمة خصوصية بعد لمجتمعاتنا في وقت بات العالم فيه قرية كونية واحدة متداخلة الأواصر والسمات؟ وهل إن ما أنجزه الغرب على صعيد العلوم الاجتماعية والانتروبولوجية والسياسية يختص به من دون سواه ام إنه إرث انساني عظيم للعالم كله ويجب ان نستخدم منهجياته من دون أية عقد او إحساس بالدونية؟ هل إن ما يجري في العالم العربي على تعقيده وغناه لا يمكن اخضاعه للدراسات الاجتماعية التي تبلورت في الغرب، وإدراجه ضمن رؤيتها التاريخية العامة المتجاوزة للحدود والخصوصيات؟ وهل لدينا حقاً أداة ايديولوجية بديلة لفكر الغرب وأدواته المنهجية؟

ذ ـ تكرر غير مرة في مقال فياض التركيز على عنصر المفاجأة في التحولات العربية الراهنة وعلى «البو عزيزي سندروم» كأنها غير قابلة للتوقع المسبق، او للعقلنة إلا جزئياً، ما يجعلها أقرب الى «رقية صوفية» او الى «فعل هبط من السماء» حتى أنها أقرب الى «الميتافيزيق» منها الى المبادئ الواقعية. ولو قرأ الكاتب، وهو الأستاذ الجامعي، الواقع العربي بالأدوات المنهجية التي زودتنا بها علوم الغرب، بدل ارتداده الى الغيب واللا معقول، لرأى في هذا الواقع كل عوامل التحول والانفجار، وأن المجتمعات العربية التي زعم ركودها عقوداً من السنوات، كانت تتجه الى مواجهة شبه حتمية مع نموذج الدولة التسلطية السائد الذي كان من مآثره غير الحميدة، انحدار العالم العربي على كل المستويات الاقتصادية والتربوية والثقافية والاجتماعية والعلمية، وتفاقم الفجوة بين الفقراء والأغنياء الى معدلات قياسية، في مقابل تكلس النخب السياسية الحاكمة وبقائها في منأى عن روح العصر.

إن الذين لم يتوقعوا ما حدث في العالم العربي ورأوا المجتمعات العربية في حالة جمود في العقود الأخيرة، لم يلاحظوا الانقلاب الديموغرافي العاصف في هذه المجتمعات وتحولها الى مجتمعات مدينية. ولم يلاحظوا كذلك أن أكثر من نصف العرب هم من الشباب دون الثلاثين من العمر وأن 25 في المئة من هؤلاء عاطلون عن العمل.

إننا نوافق الكاتب على أن ثمة ما هو مفاجئ في التاريخ، لكن ثمة ما هو متوقع أيضأ لمن يقرأه جيداً، مستخدماً العلم وأحكامه ومستعيناً بالدراسات الاستشرافية وتوقعاتها. إن مجتمعات راكدة لا تخرج من رحمها مقاومات كتلك التي عرفها لبنان وفلسطين في العقود الأخيرة، وما انتفاضات الشعوب العربية الراهنة إلا امتداد لإرث تاريخي تمتد جذوره من القرن التاسع عشر الى اليوم، ولم تكن ظاهرة البو عزيزي استثناء في أمة قدمت ملايين الشهداء في تاريخها الحديث.

هـ ـ في رأي الكاتب أن ماركس ذهب الى القول باستقلال الاقتصاد في تكوين المجتمع الحديث، لكن الماركسية، مع إقرارها بدور الاقتصاد الحاسم، رأت أن مختلف عناصر البناء الفوقي تؤثر هي أيضاً في مجرى النضال التاريخي، وأن النظريات السياسية والحقوقية والفلسفية والآراء الدينية تلعب دوراً معيناً وإن لم يكن الدور الحاسم. وقد نبّه الى ذلك جورج لوكاكش بقوله «إن ماركس لم يكن اقتصادياً خالصاً، وكان يبحث في التطور الاجتماعي في شموله الحقيقي».

في المحصلة نخرج من مقال علي فياض بركام من الأفكار والاجتهادات والاستنتاجات المستعادة في ظل منظومة إيديولوجية مفتقدة الى التماسك والرؤية الفلسفية الجامعة، مما يبقي النظرية السياسية الموعودة للتحولات العربية في إطار فضفاض يزيدنا ارباكاً ولا يقدّمنا فعلياً نحو اكتناه مستقبل الحركات الراهنة على الساحة العربية.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...