الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رفيق شامي / اغْتيلَ صُحُفِيٌّ في المَقْهَى/ رفيق شامي

اغْتيلَ صُحُفِيٌّ في المَقْهَى/ رفيق شامي

(إلى حسين الشيخ.. تحية لعمله الدؤوب.. ضد المبني للمجهول)

اغتيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والمجهول هو القاتل. ويصح قول ذلك، إذا وجد إنسانٌ مقتولاً بطلقات رصاص على حافة نهرٍ مثلاً. أما هنا فالصحفي قُتل أمام أعين أصدقاء ومعارف له، والأصح أن يقال الفعل هنا مبني على «التعتيم»، لأنه، كما سنرى فيما بعد، القاتلُ معروف وغير مجهول إطلاقاً، وقد قام بجريمته في وضح النهار.. وكما نقول في دمشق على عينك يا تاجر.

الفعلُ ينحدر لغوياً من «غول» وهذا الفعل وكل أقاربه بمعنى سلبي، بما فيه الغول الذي كان يرعبنا كأطفال وسمي فيما بعد «البعث»، على ذمة «لسان العرب» و«القاموس المحيط» للفيروز آبادي، وقد قال الأقدمون حكمة فريدة: الغضب غُولُ الحلم.. أَي أَنه يُهْلكه ويَغْتاله. والغَوْلُ تعني أيضاً الصُّداعُ، والسُّكْرُ كقولهم:

وما زالت الخمرُ تَغْتالُنا   وتذهَبُ بالأَوَّلِ الأَوَّلِ

أَي توصِّل إِلينا شرًّاً وتُعْدمنا عقولَنا.

غاله الشيءُ غَوْلاً واغْتاله: أَهلكه وأَخذه من حيث لم يَدْر. والغُول: المنيّة. واغْتاله: قَتَله غِيلة … ويقال قَتل فلان فلاناً غِيلة أَي في اغْتيال وخُفْية، أو أن يخدَع الإِنسان غريمه حتى يصير إِلى مكان قد استخفى له فيه مَن يقتله… ومن هذا فإن الاغتيال يحمل معنى أن القتل جاء عن سابق إصرار وتعمد، والمعنى الثاني أن الضحية لم تعلم قبل بالموت القادم عليها وكانت تخطط بكل ثقة ليوم الغد ولعرس الإبن بعد أسبوعين… الاغتيال السياسي نادر في التاريخ لكن تأثيره كان كبيراً على الأغلب حتى ولو اتخذ ذلك ذريعة لتصفية حسابات قديمة ولتحقيق مطامع استعمارية ومن ذاك مثلاً، لا حصراً: الحرب العالمية الأولى.

وقد خصص المفكر العراقي الكبير «هادي العلوي» فصلاً كاملاً يتجاوز المئة صفحة عن الاغتيال السياسي في الإسلام في كتابه “فصول من تاريخ الإسلام السياسي”. وهو أهم وأشمل بحث قرأته ويعجب القارئ من ضخامة عدد الشخصيات المؤثرة في التاريخ العربي والإسلامي التي اغتيلت. قلة منهم عُرف قاتلُها كما في حال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فكلا القاتلين كان مصمماً أيضاً أن يموت إن كَلَّفَ الأمر.  الآخرون ماتوا ميتة مشبوهة كما يقول المؤرخون ومنهم مثلاً لا حصراً عمر بن عبد العزيز والمأمون…

أما في عصرنا الحديث فيُغتال الناس في وضح النهار حتى بتدبير مكشوف للعلن ورغم ذلك يستر من لهم مصلحة القاتل حتى ولو كان المقتول جون كينيدي فتراه يذهب “خَرَا سمك” كما قال جارنا العربجي أبو سليم بعد سماعه الخبر، ويقصد أنه لن يظل للقاتل أثر كبراز الأسماك في الأنهار والمحيطات.  إذن الحالة الإعرابية هذه وضع سياسي مدروس من آلاف السنين وكم من ملك وسلطان أو خليفة قتل على السكت فلا يعاقب أحد أو يعاقب مسكين ليس له لا ناقة ولا جمل في القضية. وقد مات كثير من الثوريين والثوريات غدراً واغتيالاً. حتى ولو سقطوا أسرى في يد عدوهم الديكتاتور الجبان.

ولنعود للجريمة التي حصلت في المقهى لنتعلم عبر وصفها خباثة “المبني للمجهول”. حدث ذلك في الثالث من نيسان 2010. دخل رجل مخابرات وأطلق النار بكل برود وكأنه روبوت أو أنه فقد عبر مخدر آخر ذرة للوعي الإنساني. أصابت الرصاصات مقتل الضحية وقد قام أحدهم بتصوير الجريمة بجواله خلسة، ولم يدر أن رجلين يراقبان المقهى من الرصيف المحاذي.  بعد أن غادر القاتل  المقهى بشكل نظامي، والنظامي تعني أنه تابع للنظام، واستقل سيارة سوداء بلا نمرة، دخل رجلان كل منهما كاف لوحده لسد الباب والهواء على الحاضرين فانقبضت أنفس رواد المقهى واصفرت وجوههم وسقطوا في حالة “ذهول يلجم الحواس”. وقف أولُهما المفتول العضلات على الباب ليمنع دخول مزيد من الهواء وخروج أي من الشهود، وتوجه حفيد الغوريلا الثاني للرجل صاحب الجوال ورفعه من رقبته وكانه دجاجة فلعبط الرجل وصرخ دون أن يسمع أحد صوته لأن رقبته أحاطها كاتم صوت.. ولأن الحضور انهاروا للمرحلة الثانية “فقدان حاسة السمع والبصر”.

هات الجوال يا إبن الأحبة”، قال الغوريلا بلهجة دمشقية، الرجل المعلق برقبته حاول أن يصل بقدميه الأرض ليشعر بدورانها بعد هذا العذاب كرائد فضاء، لكنه لم يفلح. مد يده اليمنى وأشار إلى جيبه فدخلت مجرفة بشرية على شكل يد إلى جيب البنطال وأخرجت الجهاز. كل هذا واليد الأخرى لا تزال تحمل الرجل من رقبته رغم احتقان وجهه. ألقى الغوريلا الجوال على الأرض وداس عليه دوسة قدم بقياس خمسين وببسطار عسكري مجهز يمسامير حديدية لكي لا يتزحلق أمثال هذا المناضل المغوار عندما يلاحق ورفاقُه فلولَ الجيش الإسرائيلي المنهزمة في الجولان!

صرخت الإلكترونات بصوت خافت ودخلت شظايا الغلاف إلى قلب الجهاز فأحالته إلى مزبلة. أعاد الغوريلا الهرس والدعس حتى تحول الجوال لبيتزا معدنية بلاستيكية ثم ألقى بالمغضوب عليه فوق ركامه وصاح بزميله، “تعال، أبو الهول، شو واقفلي مثل خيال صحرا، تعال فهمه للحيوان لحتى ما يعيدها”.

“شو خيال صحرا أبو ساطور؟ انا واقف حتى أحرس الباب لحتى ما يطلع حدا.”

” لك تعا وبدي شوف مين إبن الشرموطة اللي بدو يطلع قبل ما يشوف الحفلة لآخرها.” صرخ الغوريلا وحدق بعيون تظنها عيون تمساح بالحاضرين الذين سقطوا في ما يسمى في الطب الحديث “غيبوبة آنية” وهي  المرحلة الثالثة للمرض المنتشر في كل البلدان المحكومة من ديكتاتور.

هجم حفيدا الغوريلا على المسكين المبطوح أرضاً وتناوب كلاهما في ضربه وركله حتى لم يبق مساحة بحجم جواله بدون لكمة أو رفسة. ويقال أن الرجل صاح: “وامعتصماه” لكن الرجل أخطأ عبر فقدان رشده بالقرن الذي يعيش فيه. فالمعتصم صارت عظامه “مكاحل” كما نقول في دمشق عمن مات منذ دهر.

نفض الرجلان يديهما بعدها وصاح ذاك الغوريلا وهو يلهث باحثا عن أكسجين بعد هذا التدريب الرياضي: “شفتوا شي يا عرصات؟” لم يجب أحد. وغادر الأسدان ساحة السيرك وهما يقهقهان ضحكاً.

صُحَفيٌ: نائب فاعل مرفوع بضمتين لازمتين لإحكام التمويه والتورية التي حصلت وحولته من قتيل لنائب فاعل أي أنه قتل نفسه نيابة عن رئيس فرع المخابرات الذي أرسل القاتل مع مرافقين إلى المقهى ليقتل الرجل أمام اعين الصحفيين والكتاب المجتمعين هناك لأن هذه الجريمة كانت أيضاً درسَ تربية من العيار الثقيل.

كان الصحفي  من رواد المقهى يرتاده يومياً إذا لم يقبع في سجن ما، فلقد زار في حياته ثلاثة سجون وأربعة معتقلات. لكنه لم يكف عن تحرشه ونبشه للمستور… وسنعود في حلقة قادمة لمناقشة وظيفة الصحفي ومخاطرها…

في: حرف جر صغير الحجم لكنه أقوى من جرافة ضخمة ويستطيع جر قبيلة، مدينة ووطناً إلى مأساة أو إلى الدمار، فكل ما يأتي بعده مصاب بكسرة واضحة.

المقهى: أقهى في العربية تعني امتنع عن تناول الطعام، ولم يشتهه، ليس لمرض أَلَمَّ به بل لشربه القهوة، والقهوة عند العرب القدامى تعني الخمر، وأما في أيامنا فهي الشراب الناتج عن غلي البن المحمص والمطحون. والمقهى (بالعامية الدمشقية: قهوة).. هو المكان العام حيث تُشرب القهوة وغيرها. والمقهى مجرور ومكسور وإن لم تظهر كسرته فهي مختبئة لخجلها تحت ذنب الألف المقصورة مثل اختباء الستالينيين وراء وتحت حذاء الأسد. وكلما رأيت سحنة أحدهم وهو يعلك دفاعاً عن النظام قلت في نفسي وهل من الصدفة أن تخسر الشيوعية والاشتراكية معركتها في كل أنحاء العالم وأحزابها تحفل بمثل هؤلاء الأوغاد الذين لم يفهموا من الشيوعية سوى إشاعة الفساد والخوف ومن الاشتراكية سوى أن يشاركوا في تجويع الفقراء. وبالمناسبة فإن أول مقهى في العالم افتتحه دمشقي تحت اسم قهوة الوردة عام 1530 وأول قهوة خارج سوريا افتتحها سوريان (يقال من حلب) في إسطنبول عام 1574. وللمقهى تاريخ حافل ومتقلب وصل لحد تحريم دخول المقاهي وأحياناً حتى منعها بأمر السلطان العثماني بعد أن حرضه شيوخ الجوامع على ذلك هامسين في أذنه أن المقاهي مراكز للتآمر على سلطته. وهم قالوها لأن المقاهي صارت تنافس الجوامع في استقطاب الرجال. ولكن المقاهي تعيش عصرها الذهبي فقط في ظل الحرية وتصبح هناك بورصة للأخبار والإشاعات.. وأما في ظل الديكتاتورية فتتحول المقاهي لمسرح من الدرجة الثالثة يلعب فيه الرواد أدواراً سيئة الإخراج ويقولون ما لا يعتقدون ولا يصدقون ما يقال لهم…

إعراب الجملة

جملة خطيرة سياسية من كعب الدست كما نقول في دمشق. وهي بنفس الوقت سخيفة البنية لا تصمد أمام تحقيق بسيط.

وتبدو هكذا جملة في قمة سخافتها عندما نكتب: عُصِرَت البرتقالة او قُذِفَت الكرةُ، فكيف للبرتقالة أو الكرة أن تنوب عن فاعلها؟

نائب الفاعل يتحمل مسؤولية كاملة كالفاعل.. فعبد الحليم خدام الأسد لا يزال لليوم يثرثر ويهذي عن ماضيه المجيد عند الأب الأسد ويتأوه للتخريب الذي قام به بشار الإبن. يتحمل هذا «الخَرْفان» إذن مسؤولية قتل آلاف الأبرياء في حماة والسجون الأسدية الأبوية. ولهذا وبعد هذا المثال البسيط لا يجوز تسمية الضحية في المقهى نائب فاعل بل هو مفعول به ومهضوم حقه. وعملية الهضم هذه تشبه هضم تفاحة من الفاعل الشره وسقوطها ممعوسة الأنف إلى معدته وهي تصيح انتبهوا يا ولاد أنا نائب الفاعل وبكسر راس أي واحد منكم… وحسب هذه الكذبة فإن الصحفي هذا يتضرج بدمائه على الأرض مبتسماً لأنه على الأقل وبعد كل هذه السجون أصبح  في هذه اللحظة نائب فاعل ويستطيع تفتيل شواربه فخراً.

في مجتمع حر يقل استعمال الأفعال المبنية للمجهول فيقال في هذه الحالة. أطلق «سميح ل. » النار على الصحفي فلان الفلاني فأرداه قتيلاً. وهذه اللام مع النقطة (ل.) ليست للتورية إنما حذر ضروري ريثما يقول القضاء كلمته احتراماً لحق الإنسان أن يظل بريئاً ما دام لم يثبت جرمه. وللقضاء حديث آخر…

رفيق شامي- 2013 ©

نشر المقال بوافقة الكاتب

موقع كش ملك

http://kishmalek.com/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D9%84-%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D9%87%D9%89/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...