الرئيسية / صفحات الرأي / افتتاحية جدل : الطريق إلى الواقع العربي الجديد

افتتاحية جدل : الطريق إلى الواقع العربي الجديد

 


بات من الواضح بأن الشعوب العربية قد نهضت، واستعادت زمام المبادرة التاريخية، ممسكة ناصية التاريخ بقوة و إرادة تمكِّنها من تشكيل مستقبلها وبنائه بما يتلاءم مع مصالحها الاجتماعية والسياسية . ومن الأهمية بمكان أن من يفجّر ويقود ويحدّد اتجاهات التحولات الشعبية في سياق النهوض الثوري الذي يجتاح البلدان العربية هم المهمشون والعاطلون عن العمل والطبقات  الوسطى المهمشة في العملية الاقتصادية بفعل الإقصاء والاحتكار من قبل رجال أعمال السلطة، إضافة إلى الطبقة العاملة وقسم من الفلاحين المتضررين من سياسات الأسعار الجائرة وعمليات الاستيلاء القسري على الأرض من قبل أزلام السلطة. والقطاع الأبرز في الثورات الشعبية هم الشباب، في وقت يتراجع فيه دور الأحزاب السياسية القائمة والتي شاخت وترهلت بفعل الحصار الأمني الطويل والقمع المتواصل لنشطائها. ولم تعد كافية كتعبير عن مصالح مختلف شرائح المجتمع. وهي بذات الوقت تعجز عن قيادة التغيير الذي تستوجبه اللحظة الراهنة، وتستدعيه التناقضات المتفاقمة. إن هذا التحول في شكل الحركة الشعبية أعطى طابعاً جديداً لشكل الثورة السياسية،  فإضافة إلى طابعها السلمي، تميزت بمساهمة نشطة من قطاع الشباب غير المسيس.. وقد أوضحت الثورات التي تعصف بالدول العربية- مقتلعة ًالنظم السياسية الهرمة و المتكلسة التي باتت تشكل عالة على الشعوب، إضافة لكونها السبب الرئيسي للتخلف- بأن الشباب يمثلون ضمير الشعب ويعبرون عن طاقاته التي لم يتمكن القمع و الظلم أن يقهرها أو يطفئ جذوتها، وليس هذا فقط، بل أكدوا للعالم بأن اليافطات التي كانت تلوّح بها النظم السياسية الحاكمة والدول الرأسمالية بأن سقوط النظم السياسية العربية الحالية، سوف يقود إلى تحكّم الأصوليين الإسلاميين بزمام السلطة والمجتمع، لم تكن سوى فزّاعة لإرهاب المجتمعات العربية. وقد أثبتت الثورات السياسية الشعبية  التي نشهدها بأنه لا يوجد مكان فيها للتطرف أياً كانت أشكاله سياسية أو دينية. لقد بينت هذه الثورات في واحد من أهم دروسها بداية نهاية المد السلفي الظلامي الذي طبع المنطقة العربية والشرق الأوسط منذ ثمانينات القرن الماضي . فقد تجاوزت هذه الثورات كل ما هو عقائدي وجامد. وكل ما هو مذهبي وأثني . وقد أثبتت أيضاً بأن المجتمعات العربية ورغم إزمان تحكم الاستبداد وتعمق الاستغلال، فإنها ما زالت تمتلك إرادة الحياة، و أن التعدد الديني والتنوع المذهبي قد ساهم في النهوض الشعبي ضد الظلم والاستغلال، وشكل علامة غنى وتنوع ضمن الوحدة . وقد أعطت الثورات الشعبية في مواجهة الاستبداد صوراً رائعة من التلاحم الاجتماعي.

وإذا دققنا في مضامين الثورات الراهنة للشعوب العربية، نرى بأنها قامت على  ثلاث مستويات : ديمقراطية ، وطنية ، اجتماعية / مطلبيه. فهي أولاً: رد ثوري على كافة أشكال النظم السياسية الاستبدادية  التي احتكرت السلطة والثروة وأفرغت المجتمع من السياسة وألحقت النقابات بها، وألغت التعددية السياسية الحقيقية والحريات السياسية والحريات العامة وحرية التعبير، وشوهت العملية الانتخابية، وفرضت حالة الطوارئ و المحاكم الاستثنائية بشكل دائم، وأسست لهيمنة السلطة التنفيذية على باقي السلطات . وكان من أهم تجليات ذلك الفساد  والبيروقراطية وخراب الحياة العامة .

 

إن الثورات الشعبية الحالية ذات طابع سياسي ديمقراطي تهدف إلى: إلغاء سيطرة الحزب الواحد ، وضمان حرية العمل السياسي قانونياً في إطار من التعددية السياسية والحريات العامة ، وتمكين الرقابة الشعبية ومكافحة الفساد، وإجراء تغيير حكومي ذي توجه شعبي  وفق قانون انتخابي جديد تحت رقابة قضائية.. ومن سيقوم ببناء الدولة الحديثة هو الشعب. إذ أن أولى تجليات الدولة الجديدة سيكون بناء المشروع الديمقراطي السياسي الاجتماعي الذي يعبّر عن مصالح كافة الفئات الاجتماعية من الطبقات الوسطى والطبقات المضطهدة والمستغلة ومن الجماعات المهمشة قومياً واجتماعياً. لذا فهذه الثورات سوف تمهد الأرض وتشكل المقدمة الضرورية لبناء المجتمع الجديد.

ــ أما في المستوى الاجتماعي فإن المد الثوري الحالي يشكّل رداً على الاستغلال الذي تمارسه السلطات السياسية من خلال طابعها الاقتصادي الرأسمالي المشوه/ اقتصاد السوق/ الذي قضى على الطابع الإنتاجي الصناعي والزراعي وأسس لأشكال من رأسمال مالي مضارب ريعي خدمي عقاري يقوم على استمراره وتعميقه فئات اجتماعية أمسكت بمفاصل الحياة السياسية، وراكمت ثروات شخصية من خلال نهب المال العام والثروات الوطنية وبيع القطاع العام في سياق تنفيذ سياسة الخصخصة وساهمت في انتشار الفساد وتعميقه، ولاحقاً سيطرت على القرار الاقتصادي وفق آليات تمكّنها من زيادة حدة تمركز الثروة وتمكنها من القبض على الاقتصاد بشكل كامل. إن السياسات الاقتصادية الراهنة قضت على شكل رأسمالية الدولة و كافة الأشكال التنموية الحقيقية وساهمت في زيادة حدة تمركز واحتكار الثروة في سياق التكيف مع ميول الرأسمالية العالمية، وأدت أيضاً إلى زيادة حدة الاستقطاب الاجتماعي، وإلى زيادة معدلات الفقر والبطالة وعمّقت الفساد والبيروقراطية وقادت إلى رفع تكاليف المعيشة وتدني مستوى الأجور وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية وقضمت ما تبقى من المكاسب الاجتماعية. وقد ساهمت هذه السياسات في تراجع دور الفئات الوسطى والبرجوازية الصناعية المدينية وإلى تهميشها في القطاعات الاقتصادية الرائدة والمربحة ، مما أدى إلى تفلّت هذه الفئات و فك ارتباطها بالمؤسسات الرسمية، ووقوفها مع المسحوقين والمفقّرين ضد السياسات الاقتصادية و الأشكال السياسية الراهنة. إن عدم استجابة السلطات السياسية لمطالب الجماهير المسحوقة وإصرارها على التمسك بسياسة الأمر الواقع سيزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي ويعجل باندلاع مزيد من الثورات ذات الطابع الشعبي.

ــ أما المستوى الوطني فإنه يشكل السمة الرئيسية للثورات الشعبية، فقد عبّرت هذه  الثورات عن كافة التناقضات والإشكاليات التي يعاني منها المواطن العربي، وتجلت في سياق مشاركة اجتماعية وطنية تشمل كافة الفئات الاجتماعية.  فهي من جانب ترى الوطنية من بوابة التأكيد على ضرورة تمكين المواطن من كافة حقوق المواطنة التي هدرتها النظم الاستبدادية، ومن جانب آخر تؤكد على رفض التدخل الإمبريالي في القضايا الداخلية، وهي بذات الوقت لم تنحدر لتكون تعبيراً عن قضايا اثنيه،عشائرية، مذهبية، جهوية، بل نهضت على أسس وطنية تجاوزت كافة هذه التشكيلات والتجليات ما قبل الوطنية، في سياق المحافظة على الوحدة الوطنية والأهداف الوطنية. لهذا يمكننا التأكيد على أن كافة الثورات الشعبية العربية الحالية بمختلف تجلياتها، تعمل على إنجاز مشروع ديمقراطي سياسي واجتماعي في إطار وطني.

ومن الواضح بأن شكل الثورات الشعبية التي تشهدها الدول العربية، والتي يقودها المتضررون من تناقضات النظام الرأسمالي بكافة تجلياته وأشكاله، ستعمق رفض السياسات الأمريكية تحديداً والغربية الإمبريالية عموماً، وتعيد بناء العلاقة بين هذه الأطراف وفق معايير جديدة. فهي أي السياسات الأمريكية لم تكن أبداً تسعى إلى مساعدة الشعوب العربية في تحقيق الديمقراطية، بل كانت تهدف من خلال أساليب الاحتلال والتدخل إلى المحافظة على مصالحها السياسية والاقتصادية،على قاعدة تفتيت المنطقة العربية و إعادة شعوبها إلى مكوناته الأولية. وبذات اللحظة فإنها تعمل على ضمان استمرار المشروع الصهيوني المرتبط بالمشروع الإمبريالي بنيوياً وعضوياً.

ونؤكد أيضاً، بأن التحولات التي تشهدها المنطقة العربية تشكل رداً واضحاً على التحولات الاقتصادية الهيكلية والخصخصة التي طالت هذه البلدان ، والتي ليست سوى سياسات لـ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهما الذراعان الماليان للنظام الإمبريالي خاصة الأميركي، والتي أدت إلى مزيد من الإفقار والتبعية الاقتصادية والارتهان السياسي والتفتيت الاجتماعي. وكانت هذه الثورات بذات الوقت رداً واضحاً على دعوات الديمقراطية الإمبريالية؛ ديمقراطية المكونات المذهبية والاثنية التي تماهت مع النموذج الأمريكي الذي يعتمد منهجية التفتيت الاجتماعي والتقسيم الجغرافي على أسس وعوامل تحت وطنية. بالتالي فهذا النموذج الأمريكي لا يعبّر عن مصالح وأهداف المواطن العربي، بل يقع منها بموقع النقيض. وهذا المشروع بتجلياته المتنوعة الذي يشرف عليه النظام الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وأيديولوجياً وثقافياً يقوم على نهب ثروات المنطقة العربية و السيطرة عليها ، وهو ما يوضحه صمت هذه الدول عما حصل ويحصل من انتهاك لحقوق الإنسان، ومن حالات إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب  في الدول العربية التي تشهد نهوضاً ثورياً، وتحديداً في ليبيا. لذلك نرى بأن تأخر الدول الإمبريالية في التعبير عن موقفها الحاسم أو المناورات الخبيثة، لا يمكن تفسيره إلا من منظور انتظاري لاستيضاح ملامح التغيير ومستوياته. وعلى أساسه يتم تحديد مواقفها من التحركات الثورية، وأشكال التدخل التي تمكنها من الحفاظ على مصالحها. وقد توضحت هذه السياسات في مصر أولاً ثم البحرين. ومن ثم ليبيا حيث ظهر تنافس أوربي أميركي على النفوذ والسيطرة على هذا البلد ،لأن الدول الغربية الإمبريالية معنية بشكل مباشر وسريع ليس فقط للتعبير عن رأيها، بل بمتابعة التطورات وضبط توجهاتها وأشكال تطورها لكون هذه الدول تشكل لها مجالاً استراتيجياً ونقاط ارتكاز لا يمكن التخلي عنها في سياق مشاريعها الإمبريالية.  وبالتأكيد توجد دول أخرى من المرجح بأنها ستواجه نهوضاً ثورياً و لها أهمية إستراتيجية وأدوار محورية، لا يمكن للدول الغربية أن تتخلي عنها، بل من الممكن أن تتدخل بأشكال مختلفة لضمان استقرارها وضماناً لمصالحها الحيوية والإستراتيجية السياسية والاقتصادية. وكلنا يعلم بأن مصر تشكل عمقاً وبعداً استراتيجياً على المستوى العربي والإقليمي والدولي، و كذلك البحرين والعراق والعربية السعودية.. مما يعني بأن أي تحول غير مرغوب في هذه المناطق يمكن أن ينبئ باختلال المصالح الأمريكية والغربية والإسرائيلية، وقد يستدعي سياسات تدخلية واستباقية للحيلولة دون حدوثه. وبهذا فإن الحكومات الغربية وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية التي تدّعي تحمّلها مسؤولية نشر “الديمقراطية” تتيح للنظم الاستبدادية مجالاً أكبر لاستعمال القمع العنيف ضد الانتفاضات الشعبية ومثال ذلك، ازدياد حدة القمع والإبادة التي تقوم بها القوى الأمنية الليبية والمرتزقة ضد الشعب الليبي وكذلك قوات الأمن البحرينية معززة بقوات درع الجزيرة السعودية والإماراتية والقطرية. إن النظام الليبي ليس استثناءً عن القاعدة في استخدامه القوة ضد الشعب . ففي مصر وتونس نصحت الحكومة الأميركية قيادات الجيش ذات التأهيل الأميركي بعدم التورط في صدامات مع الشعب حتى يسهل على النظام الأميركي احتواء الانتفاضة وضبط تقدمها بواسطة جيوش النظم المتداعية . و حتى الدول الغربية تستخدم ذات الأساليب، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى. لذا فإن تدخلها بشكل مباشر( عسكري) أو غير مباشر، يجب أن ننظر له من زاوية مصالح الدول الاستعمارية، حتى لو كان تدخله تحت شعارات إنسانية وديمقراطية.

ـــ من جانب آخر فإن من الضروري استعراض أوجه التشابه بين الدول العربية على المستويين الاقتصادي والسياسي، خاصة في سياق التزاوج بين احتكار الثروة واحتكار السلطة السياسية في ظروف عودة هيمنة النظام الإمبريالي وتفكك النظام السوفيتي.

أولاً: يتحدد الشرط الدولي من جهة في محاولة النظام الإمبريالي تحت القيادة الأميركية لاستعادة المبادرة واستعادة الأجزاء التي تفلتت من الشبكة الإمبريالية بعد الحرب العالمية  الثانية وعلى أثر تفكك النظام السوفيتي . هذا أولاً ، وثانياً ، أدى تعمق وانتشار سياسات التحرّر الاقتصادي والمالي (1990-2010) وما تركته هذه السياسات الليبرالية الجديدة من آثار سلبية وكوارث اجتماعية فيالعالم العربي إلى بلوغ  حالة من الخطر لا يمكن الاستهانة بها.حيث أدت إجراءات المؤسسات المالية الدولية و”نصائحها”(أوامريتها) إلى التحول الهيكلي في اقتصاديات البلدان المتخلفة ومنها الاقتصاديات في الأقطار العربية، وما رافقها وما جرته من أعباء اقتصادية اجتماعية . وقد وقع عبء التعديل البنيوي (التحول الهيكلي) على عاتق الفئات الشعبية بشكل حصري، بينما وفي نفس الوقت وُلدت فئة جديدة من رجال الأعمال الكبار المقرّبين من المسؤولين السياسيين والذين راكموا ثروات هائلة من وراء عمليات الخصخصة، وتحرير التجارة الخارجية والأسواق الداخلية، وزيادة الفوائد المصرفية إلى مستويات غير مسبوقة، والتعامل مع الشركات المتعدّدة الجنسيات كوسيط بينها وبين الحكومات المحلية خلال تدفّق الاستثمارات الخارجية وعمليات الخصخصة.

وخلال مدّة قصيرة انقسم العديد من المجتمعات العربية انقساماً حاداً بين قلّة من المستفيدين من الأوضاع الجديدة وطبقات وسطى تدنّى مستوى معيشتها إلى حدّ بعيد، (وهم موظفو القطاع العام وغالبية موظفي القطاع الخاص والتجار المتوسطين والصغار). وكذلك فئات واسعة من الطبقات الفقيرة التقليدية سواءً في الأرياف أو في المدن، مع زيادة الهجرة من الأرياف إلى المدن والعيش في أحزمة بؤس ودون أي نوع من السكن اللائق المزوّد بالماء والكهرباء. وكان لهذا الوضع المتفجر أثر سياسي بليغ ظهر في انتشار أنواع مختلفة من الأصوليات الدينية والمذهبية التي لعبت دور استيعاب النقمة الشعبية ونقمة الطبقة الوسطى أمام هذا التردي لمستويات المعيشة. وقد وصل هذا الخيار (خيار النكوص السلفي) إلى حدوده القصوى وبدأ  بالانحدار مما يمهد لظهور الخيار الاجتماعي- الاقتصادي الشعبي غير المشوش من قبل الصراعات المذهبية، كخيار حقيقي وفعال أمام الشعوب العربية المنهوبة والمهمشة.

من جانب آخر نرى بأن أشكال النمط الرأسمالي المسيطرة في هذه الدول يغلب عليها الطابع الخدمي والإنتاج السلعي الصغير والبسيط والمتخلف الذي لا يتمتع بأي سمات مقارنة ولا يمتلك القدرة التنافسية، نظراً لتخلف وسائل الإنتاج وانخفاض الإنتاج وفائض عمالة في القطاع الإنتاجي مما يعني ارتفاع الكلف الإنتاجية، وازدياد الفجوة في بنية وتركيب الرأسمال العضوي بين الدول الصناعية المتقدمة والدول الطرفية المتخلفة. وهذا يدلل على أن الرأسمالية في الدول الطرفية تفتقد للبنية الصناعية المتطورة وتعتمد على الربح السريع الذي يمكن أن يتوفر في صناعات اللمسة الأخيرة وفي تحرير التجارة والأسواق وحركة رأس المال. وننوه بأن الجامع بين السلطة السياسية المسيطرة والرأسماليين على المستوى العربي هو الميل الواضح للخصخصة وبيع القطاع العام وإطلاق الحرية لحركة رأس المال المالي والخدمي والريعي والمضارب مقابل هروب رأس المال من القطاع الصناعي والزراعي. إن هذه الأشكال يتخللها – بحكم التزاوج بين رأس المال و السلطة اللتين تتراكبان في بعض اللحظات مع الشكل الطائفي، القبلي- فساد معمم ونهب للموارد الوطنية وتحويلها إلى ملكيات شخصية وعائلية، مما أدى إلى ظهور تناقض وتفارق واستقطاب اجتماعي يقسم المجتمع إلى فئتين: فئة لا تتجاوز نسبتها 20% تستحوذ على80% من الثروات الوطنية، و80% يملكون 20%  من الثروة الوطنية. كل هذا أدى إلى اصطفاف قطاعات شعبية مختلفة في مواجهة الاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي.

ــ في المستوى السياسي يمكننا ملاحظة التشابه في مستويين: السلطات السياسية العربية/ التشكيلات السياسية المعارضة. فعلى مستوى الشكل السياسي المسيطر فإنه يتجلى عبر: نمط استبدادي احتكاري وراثي يدمج بين السلطات الثلاث تحت سيطرة السلطة التنفيذية .

في المقابل نرى بأن الممارسة السياسية للقوى السياسية المعارضة تعاني من أزمات متعددة تتجلى بشكل واضح في نخبويتها وانفصالها عن الطبقات الكادحة والفئات المهمشة والعاطلة عن العمل  وتخليها عن التعبير عن قضايا المواطن الأساسية نتيجة لتحول غالبيتها إلى العقيدة الليبرالية. هيمنة خطاب أيديولوجي مفوّت عند غالبية التشكيلات السياسية العقائدية.عدم تجذّرها في الوسط الشعبي التذرّر والتشرذم والتبعثر.غياب الاستراتيجيات والبرامج السياسية الواضحة التي تقوم على قراءة نافذة للعلاقات الاقتصادية/ السياسية القائمة. الابتعاد عن العمل السياسي التغييري والالتزام بأشكال سياسية إصلاحية تجميلية. تراجع دور القوى السياسية اليسارية والماركسية. وقد أثبتت الثورات الشعبية بأن جماهير الشعب تحتاج لقوى سياسية يسارية حقيقية قادرة على تمثيل مصالحها وأهدافها القريبة والبعيدة. إن ما ذكرناه يتباين ويختلف في أشكال تجلياته ومستوياته بين قطر عربي وآخر.

ــ أخيراً نؤكد على أن التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية سيكون لها تأثير واضح في أشكال ومستويات العلاقة بين الدول العربية من جهة وبينها وبين الدول الغربية الإمبريالية من جهة ثانية وسوف تشكّل مدخلاً لعلاقات جديدة تكون المصالح الوطنية/ القومية بوابتها الأساس. ، والجانب الآخر يتجلى في إمكانية انتقال الثورات الشعبية إلى مستوى اجتماعي أكثر جذرية ، وهو ما سوف  يؤثر على استقرار الدول الرأسمالية الغربية التي كانت وما زالت تحل مشاكلها على حساب شعوب الدول الطرفية وشفط ثرواتها عبر الكتل النقدية المودعة في بنوكها، إضافة إلى سيطرتها على الموارد الطبيعية وتحديداً النفطية.

وفي ضوء استمرار الثورات الشعبية و تحوّلها إلى أشكال ومستويات اجتماعية أكثر تجذراً، ينبغي إعادة النظر بالقوى السياسية القائمة، وتحديداً من زاوية أن التحركات الشعبية تجاوزت بداهة القوى السياسية الدوغمائية المصابة بالترهل والتكلس، والتي تفتقد لخطاب تغييري يقربها من المجتمع … إن ما ذكرناه يفترض منا التأكيد على خطاب سياسي: ديمقراطي،اجتماعي،وطني، تغييري، سلمي، يقطع مع كافة الأشكال الأيديولوجية المغلقة والجامدة وينفتح على الواقع المتغير وعلى مصالح الشعب.

ولكون الثورات الشعبية لم تخرج من عباءة القوى السياسية ، ولكون الشباب هم المساهم الأبرز في هذه الثورات ، فإنه يتوجب دراسة التجارب الشبابية الحالية والالتصاق بها للاستفادة منها ليس لكون الشباب هم من فجر هذه التحولات وليس لأنهم الطاقة الاجتماعية والسياسية الرئيسية فقط، بل لكونهم يتمتعون بقدرة على التكيف والتعامل مع التطورات التقنية المتسارعة وكونهم أصحاب عقول منفتحة لم تُصب في الحد الأدنى بأمراض القوى السياسية القديمة.. والأهم أنهم مستقبل هذه الأمة، لذا فإن مشاركتهم في صناعة مستقبلهم ومستقبل الأمة إن لم نقل بضرورة قيادتهم للتغيير، يشكل الأساس الموضوعي والبوابة الحقيقية للخروج من التخلف ودخول بوابة المستقبل بأدوات ومفاعيل ووسائل وعقول مختلفة عما هو سائد. ويؤكد ما نقول التجذّر المستمر للتجارب الثورية العربية وتفتحها على كل ما هو جديد من أشكال إبداعية وحضارية في مواجهة الترهل والتخلف والقمع.

إن تنوع وتعدد أشكال تجليات الثورات في الأقطار العربية، وتطور مهامها بأشكال تعبّر عن مطالب شعبية تتلاءم مع الواقع المتعيّن والملموس، يؤكد على القدرة الإبداعية وقوة الإرادة والحس بالمسؤولية وحب الحياة عند المواطن العربي. وبذات الوقت فإن التجارب الثورية توضح تباين المجتمعات العربية في كل قطر في سياق تنوع أشكالها إبداعياً وبما يتناسب مع خصوصية كل مجتمع، وبالمقابل فإن رد السلطات السياسية كان يتمايز ويتباين رغم تشابه أشكالها الاستبدادية التي يمكن أن تتجلى في افتعال فتن طائفية،عشائرية،عرقية، اثنيه…في سياق توظيف التنوع الإثنوغرافي والديني لزيادة حدة الاحتقان الاجتماعي، ويمكن أن تحوّله في لحظات محددة ليكون أحد عوامل تفجير وتمزيق البنية الاجتماعية من الداخل، إضافة إلى ارتكابها جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سياق مواجهتها النهوض الشعبي الثوري. و يمكن أن يشكّل التمادي في هذه السياسات مدخلاً للتدخل العسكري الأجنبي، إذا كان هذا التدخل يؤمن مصالح الدول الإمبريالية الغربية ويساهم في فرض سيطرتها. وفي سياق مرتبط  نرى بأن الإعلام قد ساهم  نسبياً في ضبط وتحجيم ممارسة القمع العاري، ونؤكد بأن جرائم النظام الليبي القمعية رغم جسامتها، كان من المؤكد أن تكون أعمق وأشمل في حال غياب الإعلام. ويجب أن نؤكد في هذا الإطار بأن وسائل التواصل الحديثة وتحديداً النت كان له الدور الأبرز في تفجير الثورات الشعبية والحفاظ على استمراريتها في سياق متصاعد ومتوسع رغم محاولات النظم السياسية إحكام سيطرتها عليها، لكن من الواضح بأن كافة هذه المحاولات باتت من مخلفات الماضي،وارتبط مع النت الفضائيات التي كان لها دور بارز في التأثير في التحركات الشعبية و ضبط أهدافها وآليات عملها من خلال برامج سياسية وثقافية كانت تساهم في توجيه التحركات الشعبية وتحديداً على المستوى السياسي. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي الذراع الضاربة للقنوات الفضائية من جهة متابعة الشباب لمجريات الأمور ورصد الممارسات القمعية ومتابعة التحركات الشعبية والتعاون مع الفضائيات.

علينا أن ننوه أن التحرك الأميركي لاحتواء تقدم الثورات الشعبية غير منفصل عن الدور الذي تقوم به فضائيات رئيسية ونافذة كالحرة والعربية والجزيرة ، وغير معزولة عن تنظيرات الشيخ القرضاوي، فليس غريباً أن تكون قطر مكاناً للقرضاوي ومحطة الجزيرة الفضائية ومكاناً لقيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط ..

وأخيراً يجب التحذير من نشوء ثورات مضادة داخلية أو مدعومة من قوى خارجية تقودها أطراف سياسية أدمنت على التحكم بزمام السلطة والثروة الوطنية، أو من قبل أطراف سياسية تحاول ركوب موجة التغيير وتحديداً في حال لم يتم تأطير قوى الثورة وتمكينها وتعميق التحولات الشعبية.

وإذا لم يتم التخلص من النظام السابق وتطهير الجيوش التي بنتها هذه النظم بالتعاون مع الدول الإمبريالية و كافة أدواته السياسية والأمنية في سياق يتقاطع مع  القضاء على بنية وشكل الدولة القديمة من قبل قوى سياسية تمثل المصالح الحقيقية للجماهير الشعبية، لن تكون الثورات الشعبية في الأقطار العربية قد بلغت غايتها المنشودة. لكن من المؤكد بأن المواطن العربي الذي تحرر من عقدة الخوف وأخذ ينظر لآفاق جديدة من الحرية والديمقراطية ومن مشاركة حقيقية في الثروة الوطنية.. هو من سيحدد مستقبله ومستقبل مجتمعاته، ولن يكون بعد هذه اللحظة مكان للتراجع لأن قطار التغيير قد بدأ .

هيئة التحرير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...