الرئيسية / صفحات الثقافة / الآن والآن فقط.

الآن والآن فقط.


فلورنس غزلان

الآن والآن فقط…تغص حلوقكم بدمي..تلفظون جثمان ولدي..وتعلن مشاعركم  بصوتها الأنثوي النائم فجأة..أنها حزينة للمطر الأحمر المنهمر غزيراً من سحابات الموت العربي فوق دمشق

الآن فقط يتبرع بعضكم بمالديه من فضل للوقت..ليجلس أمام العدسات ويشهق ..ليتلفظ بما يعطي المشاهد انطباعاً أنه يشاركني فجيعتي

يامن تأكلون لحمي منذ أشهر تقارب العام..يامن شاركتم القاتل في شحذ سكينه..كيف يمكن لحلقات ذكركم في “جامعة التفريق” أن تخلصكم من شباك دمي..؟ ستلاحقكم لعنته إلى أن يسابق الغيث سحاباته..ستلاحقكم لعنة دمي إلى أن تغرقون يوماً في دماء أولادكم ربما تفهمون حينها..أن دمي يستجير..ويجري في عروق أطفالكم..فهلا انبريتم لتفادي الحريق؟

أيمكن لمعاقٍ أن ينقذ مأتمي؟ أيمكن لعاجز أن يمد يد العون لحريقي من شمال الوطن إلى جنوبه، من ساحله إلى جبله؟

أيمكن لمعتوهٍ أن يعقل ويدرك معنى الحلم في  نزهات الأطفال على أطراف المدن المحترقة توقاً ..للحرية؟

تتبارى صوركم الملمعة في إعلان البراءة من الجريمة..تتبارى حلقاتكم في الانسحاب من مسؤولية سفح دمي

الآن أراكم على حقيقتكم… جيفة متعفنة….تصب عطر منشمٍ فوق سحابات رائحتها فتزكم الأنوف وتودي بالمزيد من الضحايا..دون أن تشعر بحجم الخطيئة.

أيها العرافوان الدجالون..كفوا عن تلفيق التهم لجثتي..فقد سفحتم دمي زوراً وبهتاناً..سأتحول لكابوس يأتيكم في صحوتكم كما ليلكم..فهل لبعضكم شيئاً من ضمير؟ هل من ندم على  لون  غيوم الرؤيا؟

الآن أخرجكم من أوردتي..بعد أن أوغلتم في تصفيتها مما يمنح الحياة ويهب الهواء الحُر..

الآن أخرجتكم من جلدي ولفظتكم أبدياً فلست منكم ولا أنتمي لعروبتكم الزائفة..اصعدوا أكثر فوق جثتي فربما تستطيع بصيرتكم أن ترى هرم جماجم أطفال الشام حيث تقضون أمسياتكم المترعة بالمجون..

الآن فقط أعزلكم من خريطتي وأبحث عن وعولي المنتشرة بين الوهاد الجنوبية وجبل الزاوية الحزين، فلم يعد لي من أبطال خرافية سوى من تركتهم يذهبون في حريتهم حتى الرمق الأخير.

.طاردوني حتى اللحد..طاردوني فأنا صيدكم الثمين..في توازنات العهر السياسي..وفي رعبكم التاريخي من خيال فارسي أو عثماني المصير.

أعطيتكم جسدي ..أعطيتكم قوتي..منحتكم حلمي فعبثتم بكل قيم الإنسان و سماحة اليسوع مذ خلق الكون وعرف وصايا موسى ومحمداً الأخير..

كفوا عني هذيانكم واعترفوا أمام ضمير الطفل والشيخ…أنكم مجرد حرس لأبواب موصدة تحرس جثثكم وتؤجل الغد..لكنه سيأتيكم على سفينة الحرية من دمشق وحمص وحوران والدير…

لسنا نحتاجكم ..أبناء آوى..فقد نالنا من هواكم الشيء الكثير..نالنا منكم ما جعل القيامة تحتل مدننا وجهنم إليها تذهب عباءاتكم فمالكم عنها من مهرب ومصير

لاترسلوا بمبعوثكم فقد أتلف المحصول قبل أن يزرع..وأتلف التاريخ على يد السفير..عودوا لمضاجعكم وانعموا باللحظة الميتة من عمركم القصير.

لاتحتاج سوريا لمراثيكم ولا لفتات موائدكم .فقد أغنتها حريتها وعنفوانها التاريخي الغزير.

كوني ياسوريا ..حريقاً، كوني موتاً..لمن أراد لك الموت..كفي ياحمص عن النحيب ..فتراتيل الميلاد قادمة تحمل لك الحرية فوق الأثير.

ــ باريس 21/12/2011

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...