صفحات الرأي

الخطاب الديني وعصر المعرفة/ إبراهيم غرايبة

 

 

هل يمكن الحديث عن خطاب ديني معرفي مستمد من اقتصاد المعرفة الذي يهيمن على الاقتصاد اليوم ويعيد تشكيل المجتمعات والثقافات؟ تمكن بوضوح ملاحظة تطور الخطاب الديني مصاحباً التحولات الحضارية من الزراعة إلى الصناعة، ومن ثم يمكن الحديث عن خطاب ديني زراعي وخطاب ديني صناعي، وفي التحول نحو اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها لا بد من تشكل خطاب ديني «معرفي».

تقتضي المقولة هذه عرض العلاقة بين تشكل الخطاب الديني والحالة الحضارية والاجتماعية السائدة وتطوراتها، ثم محاولة فهم وتقصي الأبعاد الاجتماعية والثقافية لعصر المعرفة واشتقاق الاتجاهات والأفكار المتوقعة والمتعلقة بالخطاب الديني في هذه المرحلة، لكن المساحة المتاحة تبرر القفز مباشرة إلى فكرتين لهذا المقال، وهما ضرورة نقد الخطاب الديني القائم بما هو ينتمي إلى مرحلة آفلة أو على وشك الأفول، وملاحظة العلاقة بين أزمة الخطاب الديني القائم وأزمة المرحلة بعامة بما هي انتقالية مرتبكة تلقي بعدم اليقين على كل الحالة السياسية والاجتماعية والموارد والأعمال والعلاقات والأسواق والمجتمعات والمؤسسات بما في ذلك السلطات السياسية ودورها.

لقد تشكل الخطاب الديني السائد في أواخر ستينات القرن الماضي بتأثير حالات محيطة بالدول والمجتمعات، مثل التحديات التي واجهت الدولة الحديثة وروايتها للتنمية والهوية، وحالة عدم اليقين التي سادت في العالم مصاحبة صعود «المعلوماتية»، والتي سميت لاحقاً عصر المعرفة.

كانت العودة إلى الدين حالة اجتماعية عالمية تستجيب لحالة القلق والشعور بالضياع والمراجعة للمجتمعات والثقافة الصناعية، ووجدت فيها أنظمة سياسية فرصة لإعادة بناء شرعيتها وتعزيز هيمنة النخب واستمرارها، ومن ثم لا يمكن عزل الظاهرة الدينية بكل تجلياتها وتطبيقاتها عن التحولات المصاحبة نهايةَ الصناعة والانتقال إلى اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها ومواردها وعلاقاتها التي تشكلت أو في طور التشكل، ومنها على سبيل المثل الانتقال من الهرمية إلى الشبكية وتغير دور الدولة ومشاركة الأسواق والمجتمعات والمدن في السياسة والتنظيم الاجتماعي، وصعود الفردية… ويبدو مؤكداً في عصر النهايات هذا أن تنتهي الظواهر والحالات الاجتماعية والثقافية القائمة/ ما زالت قائمة. وبطبيعة الحال، يمكن الحديث اليوم عن خطاب ديني شبكي يشارك جميع الناس في صوغه وفي التأثير فيه ونهاية الخطاب الهرمي الذي تحتكره مؤسسة أو سلطة، وعن مشاركة الأسواق والمجتمعات في تنظيم الشأن الديني مع السلطة السياسية، وفي صعود الفرد وفرصه الهائلة في الشبكية وفي الأعمال والموارد والقدرات والعلاقات يكون الخطاب الديني موجهاً أساساً إلى الفرد وملاحظة تطلعاته واحتياجاته وأسئلته الجديدة…

سينتهي بالتأكيد الخطاب الديني الذي تقوم عليه الدولة وتنشئ لأجله الوزارات والكليات والمناهج التعليمية والسلطات والقوانين، ففي انسحاب الدولة من إدارة وتوفير الخدمات والسلع وامتلاك المؤسسات العامة ستنسحب من الدين أيضاً وتتركه للأفراد والمجتمعات، ولم يعد ممكناً ولا متقبلاً أن تخصخص الدولة الكهرباء والاتصالات والتعليم والصحة والتموين… وفي الوقت نفسه تواصل تأميم الدين!

غالباً ستتحالف السلطة والنخب السياسية والاجتماعية مع تيارات ومؤسسات دينية اجتماعية وتعليمية وشخصيات وجماعات تقوم على التدين والمتدينين، لكنه تحالف أقرب إلى الاحتواء أو المشاركة وتبادل التأثير والمصالح وليس علاقة تبعية، وتعتمد هذه التحالفات في عمقها وتأثيرها على مدى حضور الدين في حياة الأفراد والمجتمعات، وهذا سؤال مستقل يستحق أن تفرد له مساحة خاصة، ولكن في هذه التحولات سيغير الخطاب الديني في محتواه وأدواته ليستجيب للتحولات والاتجاهات الجديدة، ويستخدم مداخل التأثير الجديدة والتطلعات المتوقع أن تنشأ لدى الأفراد والمجتمعات أو الفراغ والقلق الذي تنشئه التحولات، ولن يواصل وجوده وتأثيره المستمد من المؤسسات الرسمية والقوانين والتشريعات المنظمة لحياة الناس، والتي تفرض عليهم أسلوب حياتهم وأفكارهم.

ربما يكون تحولاً في الخطاب مؤلماً وفوضوياً، لكنه على أي حال فوضى شاملة في الأفكار والمؤسسات لن ينجو منها خطاب اجتماعي وثقافي، وفي هذه الفوضى تجرب المجتمعات والأفراد خياراتها وتنشئ أفكارها وتصوراتها…

 

* كاتب أردني

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى