الرئيسية / صفحات سورية / الأسد: أقتل..أقتل..أقتل، حتى يصدقك!

الأسد: أقتل..أقتل..أقتل، حتى يصدقك!


هوشنك بروكا

“القتل هو الحل!”

هذا هو شعار النظام السوري، الذي اختاره للخروج من أزمته، منذ حوالي 11 شهرٍاً.

وهذا ما أكده الرئيس السوري بشار الأسد، على مدى خطاباته الأربعة، التي أصرّ فيها على ضرب ما سماهم ب”القتلة والإرهابيين” بالحديد والنار، ل”إسقاط المؤمرات الخارجية”. في كلّ كلامه طيلة حوالي 11 شهراً من الأزمة السورية، كان الأسد “رجل حربٍ” أكثر من أن يكون “رجل سلام”. كان في كلامه الطويل والعريض، من التهديد والوعيد، ليس ما يكفي ل”زلزلة” سوريا فحسب، وإنما ل”زلزلة” المنطقة برمتها، كما أكدّ على ذلك أكثر من مرّة، حينّ شبه سوريا ب”الفالق” المهدد بأكثر زلزال. والأنكى أن وزير خارجيته وليد المعلم قد جدد دفاعه، قبل أيام، عن “ضروة” الحلّ الأمني والعسكري، لأن “الشعب يريده” كما قال.

من هنا، لم يرَ النظام أزمته، حتى اللحظة، من منظار السياسة في كونها فناً لأي ممكنٍ قد يكون، وإنما رآها ولايزال في كون السياسة فناً، أو آلةً للقتل والتعذيب والإعتقال والتنكيل والتشريد والتمثيل بالكرامة الإنسانية.

“أقتل.. أقتل.. أقتل، حتى يصدقك الناس!”، بهذا الشعار السادي الخطير، أراد النظام السوري ولا يزال، تمرير كذبته، بأن “الشعب السوري يريد الإرهاب!”

بحسب منظمات وجهات حقوقية متخصصة، بلغ عدد الذين قضوا على أيدي أهل النظام من الشبيحة والأمن وقوات الجيش، حتى الآن، أكثر من 6500 قتيلاً بينهم أكثر من 300 إمرأة وحوالي 447 طفلاً. أما عن أعداد المعتقلين والمفقودين، فحدّث ولا حرج، حيث تتحدث بعض المصادر عن أكثر من 100 ألف شخص.

بعد طرح الجامعة العربية، الأحد الماضي، لمبادرتها الجديدة القاضية بضرورة “تفويض رئيس الجمهورية نائبه الاول بصلاحيات كاملة”، والتي لاقت ترحيباً دولياً واسعاً، وأصبحت الآن على جدول أعمال مجلس الأمن، ثارت ثائرة النظام، ما أدى إلى حدوث تحوّل نوعي، في عمليات القتل المنظّم، التي يمارسها النظام بحق الجماهير المنتفضة، الرافعة لشعار إسقاطه منذ منتصف آذار الماضي.

أمس فقط، سقط في جمعة “حق الدفاع عن النفس”، 102 شهيد في مناطق متفرقة من سوريا.

تصعيد النظام في عمليات القتل والإزدياد الملحوظ في وتيرته، فيها رسالة أكثر من واضحة، يريد النظام إبلاغها للسوريين والعرب والعالم، بأنّه ماضٍ في صناعة القتل، وعلى نهجه “المقاوم” في “مقاومة” شعبه “المتآمر”، “الخائن”، “الإرهابي”، وأنّ لا خيار فوق خيار “القتل بالجملة والمفرّق”!

 الأسد، رغم كلّ المبادارت وخرائط طريق والنصائح التي تقدّم بها الأصدقاء و”أنصاف الأصدقاء” و”الأعداء”، ك”حلول ممكنة” للخروج من أزمته، إلا أنه لم يأخذ حتى الآن بأي شيءٍ من ذلك. كلّ ما أخذ به الأسد، ولا يزال مصرّاً عليه، هو إرهاب الشعب السوري بكل ما أوتي من قوةٍ، علّ وعسى يكسر من إرادة الثورة، ويعيد عقارب الساعة إلسورية، إلى أكثر من وراء.

لا شك أنّ تعويل الأسد على الفيتو الروسي، وتحصنه به منذ حوالي 11 شهراً، كان سبباً أساساً في ركوبه الحلّ الأمني، وإغلاق كلّ الأبواب أمام أيّ حلّ سياسي ممكن، سواء في إطار الجامعة العربية، أو مجلس الأمن. لكنّ السبب الآخر والأساس أيضاً الكامن وراء تعنت الأسد ونظامه على كلّ ما من شأنه أن يصبّ الزيت على النار السورية المشتعلة، فهو طبيعة النظام الديكتاتوري الأمني العسكري، نفسه، هذا فضلاً عن اختبائه منذ أكثر من أربعة عقودٍ من الزمان، خلف عباءة الطائفة، والتسلّح ب”عدتها” و”إيديولوجيتها”، رغم علمنا بأنّ الأسدين(الأب سابقاً والإبن لاحقاً)، لم يكن يهمهما من الطائفة العلوية، إلا الدائرة الضيقة من العائلة، كما هو أمرٌ واقع.

هذه حقيقة باتت معروفةً منذ الأول من صعود الأسد الأب، كرسي الحكم على أكتاف علويين من أصدقائه المقربين، حين إطاح بصلاح جديد، الرجل الأول في الدولة السورية، آنئذٍ، ذي الميول اليسارية، والمنحدر من الطائفة العلوية، وسجنه لمدة 23 سنة، إلى أن توفي وراء القضبان، في 19 آب 1993.

نظام الأسد ليس ب”نظام حلول”، وإنما هو “نظام مشاكل” بإمتياز.

هو، ليس “نظام سلام”، بقدر ما هو نظامٌ سعى، ولا يزال يسعى، على الدوام إلى صناعة حروب الجيوب، مع جيرانه بإستثناء “الجارة العدوة” إسرائيل، ناهيك عن صناعته للحرب ضد شعبه، كما حدث في بدايات ثمانينيات القرن الماضي، ويكرر المشهد ذاته، الآن، انطلاقاً من الآيديولوجيا الطائفية ذاتها، التي تتخذ من الأمن والمخابرات والعسكر أساساً وقوةً لها.

منذ 11 شهراً والقتل هو سيد الموقف في سوريا. تجاوز عدد القتلى المعلومين 6500 شخصاً، أما المجهولون فلا أحد يستطيع حتى الآن الوصول إلى أعدادهم. الأمم المتحدة نفسها، اعترفت أكثر من مرّة، بأنها عاجزة عن إجراء إحصاء دقيق، لعدد القتلى الذين سقطوا حتى الآن في سوريا.

كلما أستمعت إلى خطابات الدكتور بشار الأسد و”فلسفته” الدعائية، أتذكر الألماني الشهير الدكتور جوزيف غوبلز، مهندس البروباكاندا السياسية، في زمن ألمانيا النازية، الذي انتحر مع زوجته وأولاده، في الأول من مايو أيار 1945.

الدكتور غوبلز، مسخ الصدق إلى كذب، حين كان يقول بإصرار، قبل سبعة عقودٍ ونيف: “أكذب..أكذب..أكذب، حتى يصدقك الناس!”

أما الدكتور الأسد، فيريد الآن، أن يمسخ الشعب إلى “قتلة”، والثورة إلى “إرهاب”، والثوار إلى “سلفيين”، حين تقول آلة نظامه: “أقتل..أقتل..أقتل، حتى يصدقك الناس!”

غوبلز الدكتور، كان “يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة مثقف”، كما هو معروف عنه.

أما بشار الدكتور، فيبدو من ركوب نظامه الحل الأمني والعسكري، كحلّ وحيد لتصفية الثورة وأهلها، أنه يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة ثورة، أو كلمة “شعب يريد إسقاط النظام”!

إذا كان كذب غوبلز على المانيا، قبل كذبه على العالم، قد انتهى به ك”كذاب نادر”، إلى انتحارٍ “نادر”، فإنّ لا أحد يعرف أين سينتهي كلّ هذا القتل بالأسد ونظامه ك”قاتل نادر”، أو أيّ “تاريخٍ قاتل” ينتظره؟

الأكيد المعروف، هو أنه لا يزال أمام سوريا أشواطاً أخرى وأخرى، مجهولة، من القتل الكثير، التي سيكون فيها السوريون، كلّ السوريين، بكلّ اتجاهاتهم وقومياتهم وانتماءاتهم وأديانهم وطوائفهم، أوّل وآخر، وأكبر وأكثر الخاسرين.

كل السوريين، سيخسرون الكثير من كلّ سوريا.

وسوريا كلّها، ستخسر الكثير من كلّ السوريين.

ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...