الرئيسية / صفحات العالم / الأمين العام الجديد للجامعة العربية والبداية «السورية» المتعثرة

الأمين العام الجديد للجامعة العربية والبداية «السورية» المتعثرة


بشير هلال *

فوجئت الانتفاضة الشعبية السورية سلباً، بالمواقف التي أعلنها الدكتور نبيل العربي، بعد اجتماعه بالرئيس السوري ووزير خارجيته في ثاني زيارةٍ له إلى الخارج اثر انتخابه بالإجماع أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية. وانعكس ذلك في كتابات أعضائها على موقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك.

إذ صرَّح العربي أنه سعيد بما «يحدث الآن من إصلاحات في سورية» وبتأكيد الرئيس «أن سورية دخلت مرحلة جديدة وتسير في طريق الإصلاح الحقيقي وهذا الأمر هام جداً». وكرَّر «رفض الجامعة الكامل لمحاولات التدخل الخارجي في الشؤون السورية ودعمها لجملة الإصلاحات التي تشهدها سورية»، مُعرِباً عن أمله بأن «تخرج أقوى مما كانت وبخاصة في ضوء الدور المحوري الذي تقوم به في المنطقة»، مُركِّزاً على وجود «أهمية كبرى للاستقرار السوري»، ومُضيفاً، رداً على تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية إزاء الرئيس السوري: «لا يملك أحد أن يقضي أن رئيس دولة فَقَدَ شرعيته. هذا أمر يقرره الشعب».

بهذه العبارات بدا الدكتور العربي متقاطعاً مع النظام في أكثر من مقولة، يُركِّز عليها الأخير ويجعلها حصان معركته: الأولى، مقولة التدخل الأجنبي الذي قدَّمه النظام ويُقدِّمه كصانعٍ أساسي للحركة الاحتجاجية السورية، في الوقت الذي بلغت هذه شهرها الرابع وسط صمتٍ عربي غالب، ودولي لم يتعدَّ عقوبات غربية اقتصادية وسياسية ذات سقف رمزي حتى الآن. وفي حين يبدو واضحاً أن المعارضة ترفض رفضاً قاطعاً أي تدخل عسكري، وأن تدخلاً على الطراز العراقي أو الليبي ليس مرغوباً أو ممكناً لأسبابٍ ليس أقلها انعدام مصلحة واستعداد الغرب لخيار مماثل في وقتٍ يستعد للانسحاب من أفغانستان ومن العراق، وللموقف الإسرائيلي المحكوم بالخشية من تغيير الستاتيكو الإقليمي وبخاصة بعد انهيار حكم الرئيس مبارك. وكان على الأمين العام أن يتذكَّر للمقارنة قوة وسرعة رد فعل الرئيس أوباما خلال الانتفاضة المصرية والتي لم يجِد ما يُنكِره عليها في حينه.

الثانية، التأكيد أن خريطة إصلاحات فعلية هي قيد التنفيذ، في حين كان اجتماعه بالرئيس السوري يتزامن مع قمع واعتقال المثقفين والفنانين المتظاهرين في دمشق وتواصُل حبس وقتل المتظاهرين في مدنٍ سورية أخرى بما يُظهِر لفظية الإصلاحات المُدَّعاة واستمرار سعي السلطة لضرب الحركة الاحتجاجية بالدمج بين الخيار الأمني ومحاولة تقسيمها بالوعود والمظاهر الحوارية الشكلية.

الثالثة، تشديده على «الاستقرار»، وكأن الانتفاضة المُتجَاهَلة في تصريحه، هي سبب لانعدامه في حين أنه متولِّد بنيوياً عن تغييب آليات التعبير عن الحراك الاجتماعي وتعويق قيام فضاء عام ولامعقولية الاستبداد والتسلط وزيادة التفاوتات الاقتصادية والمناطقية والاجتماعية.

الرابعة، انحيازه إلى النظام في تحديد الشرعية وتغييبه مُكوِّنها الشعبي على رغم استناده اللفظي إليها كفيصلٍ مبدئي للحكم بشرعية.

المفاجأة تأتي أيضاً من عدم اتساق تصريحاته مع سياق عمله في الشأن العام خلال السنوات الأخيرة. إذ عندما عُيِّن الدكتور العربي القاضي السابق في محكمة العدل الدولية ورئيس مركز التحكيم التجاري الدولي وممثل مصر في الأمم المتحدة، وزيراً لخارجية مصر، استبشر كثيرون خيراً داخل وخارج مصر، مِمَّن عولوا ويعوِّلون على الأثر الصحي للثورة الشبابية الديموقراطية في إنهاء نظام تسلطي شاء أن يصبح وراثياً وترك البلد العربي الأكبر يستنقع في حالٍ من تغييب الحريات الأساسية وتحلل المؤسسات والوهن والإفقار وضياع الدور الإقليمي. واستند هؤلاء خاصة إلى مُعطيين:

الأول، المواقف المتزنة للرجل الذي كان أحد المفاوضين المصريين على اتفاقيات كامب دافيد، وانتقد آنئذٍ هناتها وخصوصاً عدم كفاية ما طلبته للشعب الفلسطيني وعدم إصغاء الرئيس السادات لآراء الآخرين فيها وتهوينه من شأن التفاصيل، في حين وافق على مبدئها كمقايضة لانسحاب إسرائيل من كل الأراضي المصرية مقابل التطبيع معها كدولة من دون إعطائها مزايا نوعية. وهو مُصِّرٌ حتى الآن على أنها لا تعطي إسرائيل أية مزايا وعلى أنها لا تمنع تنفيذ معاهدة الدفاع العربي المُشتَرَك. وفي تصريحٍ لـ «المصري اليوم» بتاريخ 26 آذار (مارس) أكّد أنه «لو هوجمت دولة عربية وطلبت من مصر أن تساعدها، فيحق لنا مساعدتها ومعاهدة السلام لا تمنعنا من هذا». وبالمقابل، أشار إلى قابلية بعض جوانبها للتعديل وليس الإلغاء كالترتيبات الأمنية. كما فتح باب التفسير التاريخي القانوني للمعاهدة من موقعه كقاضٍ وخبير من منطلق إلزام إسرائيل بتطبيق كافة بنودها تحت طائلة إعادة النظر فيها، كالبند الخاص بالاتفاق «على أن إسرائيل تدخل في سلام مع جميع الدول التي تقبل الدخول في سلام معها وهذا ما لم يحدث، بدليل رغبة الفلسطينيين في الدخول في سلام مع إسرائيل وهي ترفض».

الثاني، دعمه الانتفاضة المصرية وتقديمه ضمن قائمة الشخصيات التي اقترح «ائتلاف شباب 25 يناير» ضمها إلى الحكومة الانتقالية، ومطالبته بإقامة دولة عصرية علمانية «يحكمها القانون الذي يطبق على الجميع» وبتقييد صلاحيات رئيس الجمهورية وبحكمٍ رشيد يحقق الديموقراطية وبتعديل الدستور والقوانين التي سادت خلال خمسين عاماً و «أعاقت التطبيق السليم لروح العدالة والحق الطبيعي في احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية» وبالتصديق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. فضلاً عن انتقاده السياسة الخارجية المصرية التي «لم تكن تعدو أن تكون ردود أفعال للأحداث» و «قرارات تتخذ بأسلوب فردي» وخصّ بالنقد الموقف من حصار غزَّة، وبدعم التحرك للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

البعض اعتبر حين اختياره أميناً عاماً للجامعة العربية أنه سيُثوِّرها، خصوصاً بعد حديثه عن دورٍ ممكنٍ لها في مواكبة موجة التغيير العربية. لكن تصريحاته في دمشق تعطي انطباعاً بالعكس، وتطرح التساؤل عمَّا إذا لم تكُن بمعرض الخروج من اللافعالية المُقيمة للتحول إلى دور القيادة الرمزية العربية لاستعادة الستاتيكو بعد إصلاحاتٍ تجميلية وتقنية في أنظمةٍ حان وقت تغييرها.

* كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 4

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...