الرئيسية / صفحات الناس / “الإخبارية السورية” عن حصار دير الزور: الطائفية هي السبب!/ وليد بركسية

“الإخبارية السورية” عن حصار دير الزور: الطائفية هي السبب!/ وليد بركسية

 

 

اقتربت قناة “الإخبارية السورية” الرسمية من تحقيق معجزة، بالمعنى الحرفي للكلمة، عندما قدمت فيلماً وثائقياً شديد الالتصاق بفكرة المعاناة الإنسانية التي عاشها المدنيون في مدينة دير الزور بفعل الحصار الذي فرضه تنظيم “داعش” على المدينة منذ العام 2015، من دون تسييس للحالة الإنسانية الطاغية، لكن الدقيقة 39 من الفيلم الذي تبلغ مدته 40 دقيقة، شهدت تحولاً سريعاً عادت به القناة إلى جذورها الدعائية، بإلقائها اللوم على فكرة الثورة في ما حصل لدير الزور وأهلها.

 

ورغم أن تنظيم “داعش” هو العدو الأول للنظام، حسب دبلوماسيته وإعلامه عموماً، وتحديداً في دير الزور، إلا أن الفيلم يتناول التنظيم بعمومية شديدة رغم أنه كان الطرف الأبرز في الحصار المزدوج على المدينة، وكانت الحوارات كلها تدور حول صعوبات الحياة في ظل الحصار القاسي وتحديداً من ناحية تأمين الطعام والمياة النظيفة والوقود والكهرباء وغيرها، من دون الحديث عن الطرف المتسبب في المأساة الإنسانية ومن دون التطرق الكثيف لفكرة “انتصار النظام ونجاح جيشه في فك الحصار عن المدينة، ما جعل القصص مؤثرة وعاطفية.

 

هذا التهميش للتنظيم له أسبابه بكل تأكيد، حيث يشكل التحشيد العاطفي طوال مدة الفيلم تمهيداً لإلقاء اللوم على ما جرى من خراب ودمار في سوريا، على أبنائها المعارضين ناكري الجميل الذين ثاروا “لأسباب طائفية”، وهي كلمات لا يتم التفوه بها بشكل مباشر بقدر ما يمكن تلمسها في نهاية الفيلم التي حولته إلى بروباغندا خالصة.

 

وكانت المدة الزمنية لقصص الفيلم محصورة بالفترة منذ إعلان “داعش” حصار المدينة في الأول من كانون الثاني/يناير 2015 وحتى الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري عندما كسر جيش النظام الحصار المفروض على بعض أحياء المدينة، ليتحدث كل المدنيين أمام الكاميرا عن صعوبة الحياة خلال السنوات “الثلاثة” الماضية، لكن نهاية الفيلم تشهد مقابلة مع شخص لا يتم التعريف عنه ليتحدث عن أن السنوات “الست” الماضية أدت لتراجع حالة البلاد والسوريين اقتصادياً: “لولا الأحداث التي مررنا بها لعشنا أفضل من أهل الخليج”.

 

ويتوسع الحديث عن التطور وفرص العمل التي أحدثتها الدولة قبل الثورة وأن “أوضاع الناس” تحسنت من خلال الكهرباء والخدمات والشوارع والثروات في المنازل بفعل “الزيادات في الرواتب”، وأن المتسبب في كل ما جرى هم المعارضون الذين تنهال عليهم الدعوات: “الله لا يسامحهم”، خصوصاً أن “تفكيرهم طائفي”، وكأنها تذكير خفي بتصريحات العميد عصام زهر الدين، الذي يقود قوات النظام السوري في مدينة دير الزور، التي توعد فيها اللاجئين السوريين بالعودة إلى سوريا قبل أسابيع، من منطلق أنهم “معارضون” بالدرجة الأولى.

 

ويجب القول أن النظام لا يبالي بحياة من ظهر في التقرير من البسطاء الذين يتحدثون عن أكثر تفاصيل حياتهم قهراً وإذلالاً، في تطفل قبيح من العدسات التي تقترب بشدة من وجوههم لإجبارهم على أحاديث مؤلمة لا يريدون البوح بها، بما في ذلك تفاصيل مقتل أطفالهم وكيفية جمعهم للمواد الغذائية والوقود للتغذية، وكانت مذيعة النظام الشهيرة رانيا الذنون تقود جلسة التحقيق تلك وكأنها محققة متحجرة القلب في مخابرات النظام، مع شعورها الواضح بالقرف أو الضيق من جلوسها وتنقلها مع الفقراء والمساكين والمشوهين والأطفال المنهكين الذين تنتهي مهمتهم جميعاً ، بنظر النظام ومعدي التقرير، مع ابتعادهم السريع عن الكاميرا التي اقتحمت خصوصيتهم واستغلت فقرهم وحياتهم البائسة بشكل بشع، من دون أن يعرفوا ربما أنه تم استغلالهم.

 

والحال أن الضخ الدعائي الذي تقدمه “الإخبارية” في تقريرها ليس الوحيد من نوعه حول دير الزور، فمنذ بداية معركة تدمر مطلع العام الحالي بدأ إعلام النظام وحلفاؤه ضخاً موازياً عن دير الزور التي كانت هدفاً أساسياً للنظام في معركة البادية، خصوصاً بعد التطورات العسكرية هناك والوجود الأميركي في محيط دير الزور، عبر مساعدته ودعمه لـ “قوات سوريا الديموقراطية” ذات الغالبية الكردية في معركة تحرير شرق سوريا من تنظيم “داعش”، وقدم الإعلام الرسمي عدداً كبيراً من الأفلام في هذا السياق أبرزها “محرومون هم” الذي مهد للعملية العسكرية في دير الزور قبل حصولها.

 

ومن المثير أن التصوير بالكامل جرى في حي “الجورة” في دير الزور، الذي تحول إلى أكبر الأحياء الموالية للنظام مع مرور السنوات، رغم أن قوات النظام نفسها قامت بمجزرة مروعة هناك العام 2012، وهو ما أعادت إحياءه منظمة “العدالة من أجل الحياة”، وهي منظمة حقوقية دولية، في تقرير أصدرته الأسبوع الماضي بعنوان “الجورة والقصور الجريمة المنسية”، وثقت فيه تورط قوات النظام بعمليات إعدام ميداني ومجازر جماعية، راح ضحيتها المئات، خلال اقتحام حيي الجورة والقصور في أيلول/ سبتمبر 2012، مطالبة بإحالة المتورطين، من ضباط وعناصر جيش النظام إلى محكمة الجنايات الدولية، لثبوت تورطهم بارتكاب جرائم حرب.

 

وكان حصار حي الجورة والأحياء الملاصقة له، محور حملات متعددة من قبل معارضي النظام في تضامنهم مع المدنيين في الأحياء المحاصرة، وتشير التقارير الإعلامية ذات الصلة إلى أن الحصار هناك تفاقم العام 2016 رغم تقديم النظام مساعدات غذائية وطبية عبر المروحيات، لكن الفساد القائم جعل معظم تلك إلى المقرات الأمنية وتجار السوق السوداء، وهو أمر يظهر بشكل خفيف في أحاديث السكان خلال الفيلم، عند تطرقهم لحالة الأسعار التي تحكم بها تجار السوق السوداء من دون تحديد هويتهم، بسبب طبيعتهم الأمنية – العسكرية من دون شك.

 

يؤكد ذلك على المعطى العام بأن ادعاءات النظام بالانحياز للفقراء والمهمشين، هي كذبة لا يمكن تصديقها حتى من قبل الموالين أنفسهم الذين يتهمون حكومة النظام باتباع سياسات اقتصادية اجتماعية قائمة على الاستغلال والتمييز، علماً أن هذه السياسة والنظرة الدونية تجاه ديرالزور وأهلها ليست جديدة أو طارئة، بل هي سياسة بعمر النظام نفسه الذي اتبع منذ السبعينيات سياسة تهميشية تجاه المدينة “المنسية”، بموازاة تعمده تصوير سكان المدينة في الإعلام الرسمي والدراما المحلية، على أنهم بشر غير متمدنين وأناس بعيدون عن الحضارة السورية – الدمشقية، بحياتهم العشائرية وقلة تعليمهم والخدمات القليلة التي تقدم لهم من قبل الدولة، وكانت المدينة في الخيال الشعبي، نتيجة لتلك السياسة، أقرب لمنفى بعيد موحش في نهاية العالم.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة إلى أسامة نصّار/ مرسيل شحوارو

      كان أسامة نصّار قد كتبَ من الغوطة الشرقية نصّاً عنوانه في القهر ...