الرئيسية / صفحات سورية / الإخوان المسلمون في سوريا.. الانعطاف المتجدد/ هوازن خداج

الإخوان المسلمون في سوريا.. الانعطاف المتجدد/ هوازن خداج

 

 

التغيرات الإقليمية والدولية الكبرى الحاصلة مؤخرا على خلفية الموقف من الإرهاب ومن مموليه وداعميه، فرضت على فروع الإخوان في أكثر من قطر عربي ضرورة الانحناء وتقديم مبادرات تكتيكية تفيد بأن الجماعة تستجيب لمقتضيات الدولة المدنية الديمقراطية. فمن وثيقة حماس إلى ميثاق إخوان سوريا وغيرهما، يتبين أن الإخوان والتنظيمات المتطرفة بصدد مواجهة رياح عاتية.

 

الوضع الصعب الذي تعيشه الفصائل المسلحة وتعرضها لضغوط من دول خارجية لها دورها الوازن في الملف السوري من الناحيتين السياسية والعسكرية، أدخلها في نفق مظلم وأجبرها على إعادة حساباتها في العديد من الأمور، وإظهار بعض الواقعية في التعامل مع الوضع السوري.

المتغيرات الدولية والإقليمية التي تمثلت في تصاعد وتيرة الحرب على الإرهاب وإصرار المجتمع الدولي على إيجاد حل للحرب السورية بأي ثمن، وتغيير تركيا لوجهتها السياسية نحو موسكو، إضافة إلى خسارة الفصائل المسلحة لمواقع هامة في كل من حلب وريف دمشق، عوامل مجتمعة أدت إلى تضاؤل خيارات هذه الفصائل على اختلافها، ودفعتها نحو تغييرات مفادها إعادة ارتباطها بسوريا والسوريين، مثل خطوة مشاركة العديد من الفصائل المسلحة حضور المحادثات السياسية ضمن تشكيلات “الهيئة العليا للمفاوضات”، ما يدل على إظهار جاهزيتها لتقديم تنازلات أهمها قبولها لروسيا كضامن وراع للمباحثات السياسية المتعلقة بمصير سوريا في أستانة، والمصادقة على مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في سوريا الذي توافقت عليه المعارضة في الرياض.

إن القبول بمدنية الدولة السورية وإعادة الارتباط بالسوريين الذي تحوّل إلى مدخل جيد تستخدمه الفصائل الإسلامية للخروج من ضيقها وانسداد الأفق السياسي أمامها، مهّدا الطريق لجماعة الإخوان لتبنيه كمشروع قادم عبر إطلاقها في 9 يونيو الجاري وثيقة “ميثاق وطني لمواجهة تقسيم سوريا”، المؤلفة من 12 بندا، تشدّد فيها على تمسكها بالمجتمع المدني الموحد والدولة المدنية التعددية، المبنية على قواعد المواطنة المتساوية بعيدا عن تصنيفات الأكثرية والأقلية، وتؤكد فيها على مسألة العيش المشترك التي تجمع السوريين، وأن “المجموعات المتطرفة لا يمكنها أن تخطف التمثيل للمكونات المجتمعية الأصيلة”.

 

الميثاق الذي تحاول فيه الجماعة من خلاله العودة إلى أحضان المجتمع السوري، ليس جديدا فقد قدمت ما يشبهه في 11 سبتمبر من العام 2016 في رؤيتها عما آلت إليه الأوضاع ومحاربة الإرهاب ونظرة الجماعة إلى شكل الدولة السورية في المستقبل، لكن كليهما لم يأتيا نتاج تطور في قناعات الجماعة السياسية أو مراجعتها النقدية لتجربتها الفاشلة خلال الفترة الماضية، إنما حصل نتيجة المتغيرات الإقليمية والدولية التي دفعتها إلى تبني سياسة الانفتاح على الشعب بكافة أطيافه وشرائحه.

القبول بمدنية الدولة وإعادة الارتباط بالسوريين تحولا إلى مدخل تستخدمه الفصائل الإسلامية للخروج من ضيقها

وما قامت به من تسلط على تشكيلات المعارضة منذ بدء عمل “المجلس الوطني” الذي تمت أخونته سياسياً يشكل عبرة للجميع، فهي لم تمكن أحدا من صوغ أي توجه فكري سياسي عصري يرضي السوريين قبل غيرهم، فضلا عن تراخيها في تقديم إسلام مدني تجنباً لإشكالية توصيفه بالليبرالي، كما أن رفض الجماعة منح أي دور لشخصية علمانية بارزة أدخل المعارضة في الفشل.

تحذير إخوان سوريا من فكرة التقسيم وقيام الكيانات باعتبارها “خطوة قد تثير الفوضى في هذه المنطقة لعدة قرون، وأن المجتمع الدولي لم يستطع أن يحتوي حتى اليوم تداعيات إنشاء الكيان الصهيوني حتى يقدم على تجارب إنشاء كيانات أخرى على نفس الطريق”، كما جاء في الميثاق، فسر على أنه تحذير موجه للأكراد، لكون الوثيقة سُبقت باحتجاج الإخوان على تسليح الأكراد في بيانها الصادر في 10 مايو 2017، ففكرة الكيان الكردي مرفوضة لدى معظم السوريين، إلا أن الإشارة إلى الكيان الصهيوني وربطها بفكرة “الكيان الكردي” حسب نص الميثاق دلت على كيفية تعاطيها مع الآخر وحقوقه.

واضح أننا إزاء ميثاق ساقته المتغيرات الخارجية العارمة، وخاصة وضع الجماعة على قائمة الإرهاب من قبل دول إقليمية عديدة، وذلك رغم محاولة الجماعة التنصل من التهمة واعتبار نفسها “ضحية للإرهاب” حسبما وضحت في الرسالة الموجهة إلى الرياض قبيل القمة الإسلامية الأميركية، والتي تتجاهل فيها علاقتها مع جبهة النصرة، رغم أنها بقيت حتى الأمس القريب تدافع عنها وتقف ضد وضعها على قوائم الإرهاب رغم كل ما ارتكبته من مجازر.

جماعة الإخوان التي عادت إلى التاريخ السياسي السوري من خلال رافعة الثورة، بعد خروجها منه في ثمانينات القرن الماضي، وصلت إلى طريق مسدود في كيفية التأقلم مع الواقع وتثبيت معالم مشروعها وهذا لا يقتصر على سوريا وحدها.

فتجربة الإخوان في مصر والدولة التي نشدوا بناءها مازالتا حاضرتين في الأذهان، وتجارب استبداد الدول الدينية لم تغب عبر التاريخ، وطرح الإخوان الآن لبعض التغييرات الاستراتيجية والانعطاف نحو دولة مدنية لأجل إعادة التموضع والخروج من ضيق التنظيم والتي قد تعطيهم دوراً مهما في صياغة مستقبل سوريا حسب تقديرهم، لن تلغي أن أزمة جماعة الإخوان تتجاوز السياسة إلى السلوك والرؤية، وهذه التغيرات التي يتم تسويقها في السنوات الأخيرة لن تمحو رغبتها في بناء الدولة الدينية ولن تقدم لها ما يفيد براءتها في المستقبل.

العرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...