الرئيسية / صفحات الرأي / الإمكان الفلسفيّ للربيع العربيّ/ علا شيب الدين

الإمكان الفلسفيّ للربيع العربيّ/ علا شيب الدين

 

 

 

الشعب يريد إسقاط النظام”، شعارٌ طرحَته غالبية شعوب “الربيع العربي” الثائرة. وقد طُرح الشعار المركزيّ هذا، في “الشارع”. نحن هنا، أمام طراز من طُرز الخلخلة، على مستويَي النظر والعمل، الخطاب والسلوك، المعقول والمحسوس، اللغة والمعنى، الدال والمدلول. فاللغة هنا، التي من شأنها إسقاط النظام (المركز – البنية)، صارت كأنها الكلمة (اللوغوس)، “تصنع” حدثاً على أرض العقل، يوازي الحدث الذي “يُصنع” على أرض الواقع (الشارع)، وتنقل الشعوب باعتبارها شعاباً (فروعاً)، إلى مركز يبدّد مركزاً (نظاماً)، وبنية تخلخل بنيةً (نظاماً) من الداخل، عبر إرادة الإسقاط. أو فلنقلْ، عبر التوق إلى “إماتة” بنيةٍ ما من البنيات، إماتةً باطنيّة. الإماتة هذه، هي الثورة في أصلها وفصلها.

إذ “نشدّد” هنا على عملية “الصناعة” على أرض العقل (عبر اللغة “الشعار”) وعلى أرض الواقع (عبر التظاهر “الجسد”)، العملية التي قد تنقل المفهوم عن الإنسان في العالم العربي، على مستوى فرديّ وجماعيّ، إلى فضاء لا يحدّه حد؛ نجدنا مرغَمين على التفكير مليّاً في “الشعب” الذي يريد إسقاط النظام، في “الشارع”. المفردة التي يبدأ بها الشعار هنا، أي الشعب، لم تعد دالاً منفصلاً عن مدلولها. لقد خلتْ من الجوهريّة الميتافيزيقيّة، و”انحلّت” في مدلولها الحيّ النابض في الشارع. في المقابل، أعاد “الشارع” إلى الشعب معناه الواقعيّ السياسيّ، محرِّراً إيّاه من “المثالية” التي طالما جمّدته فيها أنظمةٌ مستبدّة؛ مبيّناً بذلك، أن لغة الشعوب حيّة مترعة مفتوحة لا متناهية وغير محصورة في “سبب – نتيجة”، بينما لغة الأنظمة متناهية، محسومة وميّتة. هكذا، تكون شعوب “الربيع العربيّ” قد “صنعت”، عبر صهر الدال في المدلول، عبر كتابة الشعار (اللغة الثائرة) على الأرض لا الورق (في الشارع)، بالجسد الحيّ الثائر لا بالذهن الميّت، تكون قد صنعت مفهوماً جديداً لـ”الشارع” الذي طالما أُترع بمعاني الرعاعية والعوامية، لكنه صار من شأنه تحرير الإنسان في العالم العربي من “الثقافة” حين تعني “البناء” السلطويّ والمتسلّط، ليبيّن تالياً، أنّ الإنسان “المثقف”، أي “المبنيّ” بناء سلطوياً ومتسلطاً، المفعول به دوماً، إنْ هو سوى عبد. والعبد لا “يصنع” تاريخاً، ولا مفهوماً.

* * *

بحججٍ تتبصّر آنفاً في إمكانٍ فلسفيّ، يصبح في الإمكان الردّ على “استحالة” فلسفية حيال “الربيع العربي”، يجزم بها مَن يدعون إلى “النظر الفلسفيّ النقديّ الموضوعيّ”! ونتساءل: هل يستقيم النظر الفلسفيّ الخصب، ومنطق “الاستحالة” العقيم؟! يُرجع البعض “استحالة” أن تكون في المجتمعات العربية ثورات “نهضويّة”، إلى أسباب تتّصل بـ”بنية” هذه المجتمعات و”طبيعة” “العقل العربي”. وعليه، فإن ثورات “الربيع العربي” عندهم، هي مجرّد “ثويرات”، قام بها “فقراء مظلومون مسحوقون، يطالبون بقسط من العدل والمساواة، لكنهم لا يملكون الانعتاق من البنى الذهنية”، ولكي “ترتقي” هذه “الثويرات” إلى مستوى الثورات، يجب أن “تقتدي”، في رأيهم، بثورات “عظيمة” من مِثل الثورة البريطانية والثورة الأميركية والثورة الفرنسية.

في خصوص البنية والطبيعة

بالاستهجان نفسه، الذي نقابل به عادةً عداءَ المرأة لنفسها، في مسايرتها ما روّج له الرجال على مرّ العصور، أنّ “عقل المرأة أقلّ من عقل الرجل”، وردّ ذلك إلى “الطبيعة”؛ يمكننا مقابلة عداء بعض المثقفين العرب لأنفسهم ولشعوبهم، في مسايرتهم ما روّج له الأوروبيّون أنّ “العقل العربيّ أقلّ من العقل الغربيّ”، أو مسايرتهم القضية التي أثارها مستشرقون مشكّكون في قدرة “العقل العربيّ” على التفلسف، أو معدِمون لهذه القدرة، وردّ ذلك أيضاً إلى “الطبيعة”، إلى تفوّق “العقل الغربيّ”– بالطبيعة- على “العقل العربيّ”! لكن “طبيعة العقل البشريّ واحدة”، والاختلاف إنما هو وثيق الصلة بـ”التاريخ”، بـ”الظروف” و”الكيفيات”، لا بـ”الطبيعة” ولا بـ”البنية” بوصفها لفظة مائعة عائمة. تالياً، ليس العرب “عالماً ثالثاً”، بـ”الطبيعة” وبـ”البنية”، إنما هناك عالم “أوّل” رأسماليّ جشع ولئيم، وعالمٌ “ثانٍ” اشتراكيّ قمعيّ ومستبد، تتواطأ معهما أنظمةٌ عميلة ومتآمرة على شعوبها، همّها “أبديّة” الاستيلاء على السلطة والثروة، ومهمّتها، بمعيّة هذين العالَمين وإسرائيل، إبقاء شعوب هذه البقعة من الأرض، كائنات من الدرجة الثالثة، وقمع كل محاولة من شأنها الانعتاق، الانبثاق، والانطلاق.

هناك حاجة إلى تحطيم البنية اللغوية، باعتبارها أداةً ذهنية تلجأ إليها “العقلية” المثقفة المنافِحة، الطامحة إلى تخليد “النموذج الغربيّ”، باعتباره بناءً صورياً، وإيديولوجيا تصطنعها “العقلية” نفسها، لمواجهة دعاة الحرية والثورة. هناك حاجة، من جهة أخرى، إلى التمييز بين العقل، والعقلية. فالأول، من شأنه النقد والتبصّر، والثانية، من شأنها المنافَحة والتعصّب. وعليه، يجدر بالنقد أن يصوَّب إلى “العقلية”، لا إلى “العقل العربيّ” (بالمفرد)، المنظور إليه كـ”بنية” تتخذ طابعاً استاتيكياً سكونياً. في فلسفة العلم، تهدم الظاهرة السلبية الواحدة صفة “الكلّية أو العمومية” للقانون العلميّ. يمكن استناداً إلى هذه القاعدة، أو انطلاقاً منها، بيان الخطأ الجسيم الذي يقع فيه البعض، حين يتحدثون عن عدم قابليةٍ “بنيوية” لدى “عموم” العرب، للديموقراطية والحرية والتفكير الفلسفيّ. لكن إذا بيّنا أنّ هناك شخصاً عربياً واحداً، خارج “العمومية” هذه؛ فإننا نهدم من خلال الشخص الواحد هذا (الظاهرة السلبية الواحدة)، ما يعتبره البعض “قانوناً” له صفة الكليّة أو العمومية، يندرج تحته العرب “كلّهم” باعتبارهم كائنات غير قابلة للنهوض؛ فما بالك بملايين من العرب، ممَّن يشكّلون “ظواهر سلبية” (بالجمع)!

في خصوص ثويرات لا ترقى إلى ثورات

في الآتي، مقاربة تاريخية، لا يُبتغى منها التقليل من شأن ثورات الشعوب الأخرى، مثلما فعلَ البعض حيال ثورات شعوب ننتمي إليها، معتبراً إياها “ثويرات” قام بها “فقراء مظلومون مسحوقون، يطالبون بقسط من العدل، لكنهم لا يملكون الانعتاق من البنى الذهنية”، وغير ذلك من ضروب التجنّي. إنما الغرض، من خلال عودةٍ سريعة إلى بعض الجزئيات التاريخية في الثورة البريطانية والثورة الأميركية والثورة الفرنسية؛ بيان أنّ الإنسان واحد، وأنّ العالم واحد لا ثلاثة (هكذا يُفترض أن يكون)، وأنّ الشعوب واحدة، من حيث هي واقع سياسيّ، لا مفهوم مثاليّ مجرّد، ومن ناحية جدارتها بالحرية. تالياً، جلّ الثورات ذات الطابع الشعبيّ هي “ثويرات” – إذا شئنا الموافقة المبدئية على هذا التصغير اللغوي للثورة- في بداياتها، إذ غالباً ما تكون أسباب اندلاعها المعلومة المباشرة والأساسية، الفقر والمظالم عموماً. الثائرون دوماً كانوا، في غالبيتهم، “فقراء مظلومين مسحوقين، يطالبون بقسط من العدل والمساواة”، لا بل، إن ثورات “الربيع العربي” ربما تتفوّق على الثورات الثلاث المشار إليها هنا على سبيل المثل، من حيث ارتباط الديموقرطية فيها بالسلمية في الطور الأول منها، ومن حيث لم يحرّكها الفقر في المقام الأول، أو في جزء كبير منها، بل الحرية بما تتضمّنه من كرامة وحقّ وعدل وخير وجمال. هناك أدلة يصعب حصرها في هذا الشأن، لعلّ في هتاف “الشعب السوري مو جوعان” الذي قابلَ به السوريون، زيادةً في رواتب موظفي الدولة، كانت ترمي إلى إسكات الأصوات الثائرة في بواكيرها الأولى، دليلاً واحداً من بين أدلة ناصعة كثيرة.

كان من بين الأسباب المباشرة التي أفضت إلى الثورة في بريطانيا في العام 1649؛ استياء الكاثوليك، من معتنقي المذاهب البروتستانتية الأخرى، جرّاء الاضطهاد الذي كانوا يلاقونه من ملوك إنكلترا الأنغليكان.

أما الأميركيون، سكان المستعمَرات، ممّن كان يهمّهم الاستقرار عندما هاجروا إليها، وكسْب العيش والخلاص من الاضطهاد، ولم يهتموا كثيراً في السياسة أوّل الأمر، فقد اندلعت ثورتهم على إثر فرضِ الإنكليز ضرائب جديدة على مستعمراتها الأميركية، لغاية سدّ العجز الماليّ المتمخِّض عن حروبٍ خاضتها إنكلترا، في أوروبا والمستعمَرات، عُرفت بـ”حرب السنوات السبع” (1756-1763).

في فرنسا، كانت الطبقة الثالثة أو طبقة الشعب، وهي أكثرية تؤلّف 96 إلى 98 في المئة من سكان البلاد، محتقَرة وتعمل بالسخرة، لذا كانت تربة خصبة للثورة. أشعلَ الثورة عمّالٌ يشكّلون في ضواحي المدن الكبرى جمهوراً من البائسين واليائسين، وفلاّحون لا يملكون سوى عملهم، يعيشون في بؤس شديد، يرزحون تحت عبء الضرائب، وتدهمهم مجاعات دوريّة، أشهرها تلك التي حلّت في العام 1789 وساهمت في الاستياء العام والتمهيد للثورة. أما “صغار الأشراف” الذين يعيشون في الأرياف، ولا تغطّي واردات أراضيهم نفقاتهم، ولا يصلون في الجيش إلى الرّتب العالية، فكانوا ناقمين، بسبب ذلك، على النظام القائم، فانضمّوا إلى الثورة عندما اندلعت. معلومٌ أنّ في يوم 14 تموز 1789، ثار أهالي باريس، وهاجموا “قلعة الباستيل” التي باتت رمزاً للحكم المطلق، بعدما حوّلها لويس الرابع عشر سجناً سياسياً، يُحتجَز فيه الموقوفون من دون محاكمة بواسطة “الرسائل المختومة”؛ وأجبروا حاميتها على الاستسلام؛ فكان هذا أوّل حادث دمويّ، لجأ إليه الشعب وانتصر فيه على الملَكية.

* * *

(تعلّمنا دروس التاريخ أنّ كل الثورات الشعبية، قد تكون عُرضة للنكوص إلى ما اندلعت ضدّه أصلاً، للاختطاف والعنف والإرهاب والفوضى والتطرّف الدينيّ وغير الدينيّ، قبل أن تحقق المأمول منها، كلّه أو بعضه، بعد أمدٍ قد يطول وقد يقصر. ولمّا كان الاستقلال والحرية أمرين حيويَّين بالنسبة إلى الشعوب كافة؛ وجبَ أن تكافح من أجل تثبيتهما).

ليس مستغرباً ظهور جماعات دينية متشددة، تركب موجة ثورات “الربيع العربي”، وتسعى إلى اختطافها من أهلها الأصليين، عقب القمع الذي جُبهت به هذه الثورات، وخصوصاً في سوريا، وجرّاء تآمر مدروس وحثيث طوّقها محلّياً وإقليمياً ودولياً. لكن ما يثير الاستغراب، خلط البعض بين ثورات حقيقية قامت بها شعوب حقيقية من أجل الحرية، وبين ما طرأ على هذه الثورات مما يناقض الحرية. “الحوثيون” الذين يتظاهر الناس ضدهم في اليمن مثلاً، أو “الداعشيون” الذين طالما تظاهر السوريون ضدهم مثلاً أيضاً، هؤلاء حتماً ليسوا الثورة، وهُم لا يستقوون بشعوب المنطقة، بل عليها. البغدادي، زعيم تنظيم “داعش” الذي يريد أن يشيد “دولته”، سالكاً إلى ذلك، طريق التكفير والإرهاب والحرق والذبح وغلق المدارس وقمع الحريات؛ ربما يذكّر، في معنى ما، بكرومويل الذي لجأ إلى التعصّب الدينيّ، لكي يضمن نجاح مشروعه. كان يعتقد بأنه أداة في يد الله الذي يلهمه، فألّف جيشاً من المتديّنين، اعتبروا الحرب ضد أتباع الملك في بريطانيا، نوعاً من “الجهاد المقدّس”. انتصرَ على الملَكية في العام 1645، وأقام “جمهوريته”، منفرداً بالحكم فيها حتى وفاته في العام 1658؛ فسادت إنكلترا ديكتاتورية عسكرية. استُغلَّت الحرية وانتهت الثورة إلى الديكتاتورية.

كان الرأي العام العالمي إلى جانب الأميركيين في ثورتهم، وقد كسبوا تأييد دولٍ كفرنسا وإسبانيا وهولندا. تروي كُتب التاريخ، أنّ هذه الدول أيّدت استقلال الأميركيين، لا حبّاً بالحرية؛ بل نكاية بإنكلترا وبالأسطول الإنكليزيّ بصورة خاصة.

عندما قامت الثورة الفرنسية، استقبلها الرأي العام الأوروبيّ بالترحيب. أمّا الملوك فقد رأوا فيها، في البداية، إضعافاً لقوة فرنسا، لكن سرعان ما أخذوا يخشونها، ولا سيّما بعدما حدّت من سلطة الملك، وأخذت تسير نحو الجمهورية، ففكّروا في القضاء عليها، قبل انتشار مبادئها في بلادهم. ربما يشبه الخوف من انتشار الثورة هنا، التي أعلنت استعدادها لمساعدة الشعوب الراغبة في التحرّر؛ خوفَ الحكّام في البلاد العربية التي لم يصل إليها “الربيع العربي” بعدُ، من وصوله. بدا ذلك واضحاً حيال الثورة السورية مثلاً.

تكتّلت دول أوروبا ضد الثورة الفرنسية، وأعلنت الحرب على فرنسا. عُرف هذا بـ”التحالف الأول”. هنا أيضاً يمكن ملاحظة تشابهٍ ما، بين “التحالف الأوّل” و”التحالف” العربي- الدولي، ضد الثورة السورية مثلاً، الذي اتخذ في ما بعد شكلَ طائرات، بدا واضحاً أنه تدخّل (أخيراً)؛ لا لكي يخلّص الشعب السوري (مثلاً) من مأساة مستمرّة منذ أعوام، ولا لكي يقضي على ميليشيات طائفية إرهابية جاءت إلى سوريا لكي تشارك في قتل أبنائها، من مِثل “حزب الله” اللبناني- الإيرانيّ (حالش) وغيره، ولا للقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) حتى، بل من أجل “إضعافه”. إحدى الوقائع التي يجدر التذكير بها، أنّ في يوم 22 أيلول 2014، اليوم الذي باشرت فيه طائرات “التحالف” مهمتها في سوريا؛ قصفت حيَّين سكنيَّين في قرية كفردريان بريف إدلب. معظم سكان الحيَّين كان من الأطفال والنساء، لم ينوجد فيه عناصر مسلّحة من تنظيم “داعش” أو غيره، بحسب أهالي القرية، دمَّرهما “التحالف” بالكامل، ما أدّى إلى سقوط شهداء وجرحى من المدنيين. طالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في ما بعد، بفتح تحقيق في شأن قصف “التحالف” القرية المذكورة. رأى بعض السوريين في “التحالف” محاولة للقضاء على الثورة، وتظاهرَ بعضهم في مناطق عدة ضده. سُمِّيَت إحدى الجُمعات: “السوريون لا ينقصهم قتلة دوليون” 26 أيلول 2014.

في العام 1792، أعلن “المؤتمر الوطنيّ”، في أُولى جلساته، سقوطَ الملَكية رسمياً، وبَدْء العهد الجمهوريّ في فرنسا. في العام نفسه، جرت مذابح وسيطر الإرهاب على البلاد، إذ نصّب دانتون، أحد زعماء حزب “الجَبَل”، نفسَه ديكتاتوراً على باريس، وصرّح بأن خطته ستكون “إرهاب الملَكيين”. انفردَ “الجَبَليون”، بالحُكم، وفرضوا على البلاد جوّاً من الإرهاب. كانت “المحكمة الثورية” التي أقاموها ترسل المواطنين بالمئات إلى “المقصلة” لمجرّد “الشبهة”. شمل الإرهاب والتقتيل رجالَ الثورة أنفسهم. انقسم “الجَبَليون” بين مؤيّد للإرهاب، ومعتدل يرى في الإرهاب تشويهاً للثورة، وبرز روبسبيير الذي استغلّ هذا الانقسام ليضرب الطرفين وينفرد في الحكم. لُقّب بـ”الإرهاب الأكبر” أو “الإرهاب الأسود”، كان دانتون ولافوازييه عالِم الكيمياء الشهير، من أشهر ضحاياه. كان ذلك قبل أن يُقتاد هو وجماعته أيضاً إلى “المقصلة”. ربما يكون في هذه الجزئيات التاريخية، تقاطعات مع ما يجري في ثورات “الربيع العربي” من انحرافات، وما يدور في داخلها من نزاعات وصراعات عسكرية وسياسية وعقائدية وإيديولوجيّة ومسلَكيّة وقيميّة.

الانحراف الأوضح ربما للثورة، كان في العام 1804، عندما تُوج نابوليون أمبراطوراً؛ فعاد الحكم الفرديّ المطلق، لكن هذه المرّة تحت اسم “الأمبراطورية”، كون “الملَكية” باتت ممقوتة لدى الشعب. في ضوء التفاصيل التاريخيّة الأخيرة هذه، يمكن- في العودة إلى الربيع العربي- الالتفات إلى رأي معقول يقول إن بعضاً من الشعب المصريّ، انتخبَ، بعدما خلعَ بثورة 25 يناير2011 ديكتاتوره العسكريّ، شخصاً محسوباً على “الأخوان المسلمين”، خاضَ معركة الانتخابات الرئاسية ضد مرشّحٍ محسوب على نظام عسكريّ قامت الثورة ضده، بسبب تخوّفه من عودة الديكتاتورية العسكرية. لكن الشعب المصريّ الذي ضاق ذرعاً بحكم “الأخوان” بعد مرور سنة، ثار يوم 30 يوليو 2013 ضد هذا الحكم، وبعد ثلاثة أيام، وقع، في رأي البعض، انقلابٌ عسكريّ على حكمٍ شرعيّ، فعاد حكم العسكر، وعاد الناس الرافضون لهذا الطراز من الحكم، إلى الهتاف مجدَّداً: “يسقط يسقط حكم العسكر”.

 

كاتبة سورية

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...