الرئيسية / صفحات سورية / الاحتجاجات في سورية: لماذا الأطراف وليس المركز؟

الاحتجاجات في سورية: لماذا الأطراف وليس المركز؟

 


أحمد كالو

حاول سوريون عدة تقليد محمد البوعزيزي لايقاظ نخوة الناس وبعثهم من تحت التراب، وعلى رأسهم الشاب حسن عقلة في الحسكة الذي احرق نفسه احتجاجا على النظام السوري، لكن محاولته لم تفلح، بل نزعم أن السلطات الأمنية كانت مستعدة لتقديم الوقود للاستمتاع بالحرق ومشهد النار، إلى أن اعتقل صبية وأطفالا كتبوا شعارات مساوية لشعارات الثورات الثلاث في تونس ومصر وليبيا على حيطان مدارس درعا، وقد تصرف النظام كما عهدناه، بالبطش والتنكيل غير عابئ بأعمار الأولاد، فلم يتحمل أهلهم، والاهل هم الطبقة الثانية الحاكمة في النظام، وهم بعثيون بمجملهم. أنهم هنا يشبهون النبي موسى عليه السلام الذي تربى في حضن فرعون.

الأطفال المعتقلون كانوا أطرافا في جسم المجتمع، ودرعا كانت مدينة طرفية على الحدود مثلها مثل الحسكة وحمص وحماة حتى دمشق العاصمة هي مدينة حدودية جغرافيا وان كانت العاصمة سياسيا! كيف يمكن تفسير هذا الأمر إذا؟ هل هي مؤامرة كما يدعي النظام وأبواقه المحلية واللبنانية أم نفسرها بقصة الكاتب زكريا تامر: النمور في اليوم العاشر؟ نفسرها بمهنة ترويض الشعب السوري بالدم والبطش والجوع طوال نصف قرن؟

يطلب النمر السجين طعامه فيقول المروض له: أنت نمر في الغابة أما هنا فأنت عبد. ويتوجه المروض لتلاميذه بالقول: سترون كيف يتحول النمر إلى قط، ويتذكر النمر الأبي الجائع أيام ‘الاستقلال’، وكيف يركض في غاباتها الخضراء حرا، يشكل أحزابا ويسقط الحكومات فيرفض النمر الأبي الطعام وتمر أيام ثلاثة فيشترط المروّض على النمر أن يطيعه مقابل الطعام. والطلب بسيط وهو أن يقف. ويخضع النمر وينهض ويأكل طعامه جائزة على الطاعة، وتتوالى الأيام، والمروض يطلب طلبات ترويضية متنوعة مثل المواء والخوار ثم في اليوم السادس يصل بالنمر الأمر إلى الخضوع و النهيق، وفي اليوم السابع يلقي المروّض خطبة ممانعة ومقاومة يقول فيها: أيها المواطنون .. سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من القضايا المصيرية، هذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية وسننتصر. ويطلب المروض من النمر التصفيق.

يدّعي النمر انه لم يفهم الخطبة. فالتصفيق يتم على الأفعال لا على الأقوال، لكنه يصفق، فهو جائع ثم أن إرادته فسدت منذ الخضوع الأول، ويتهمه المروض بتهمة هو مرتكبها وهي: النفاق! وفي اليوم التاسع يكافأ النمر المندس في القفص بالحشائش بدلا من اللحم. ثم يتعود عليها، وفي اليوم العاشر يصبح النمر مواطنا و القفص مدينة.

تمّ للمروض ما أراد مع النمر في عشرة أيام وقد مرت 48 سنة عجفاء جمراء،على النمور السورية، يأكلون الحشائش، ويقفون بالدور على أبواب الأفران حتى الآن، ويعيشون في العتمة، ويخرجون في مسيرات عفوية معروفة بالساعة والأسماء مصفقين للمروضين، حتى أتى عصر الانترنت والمعلومات الطائرة في الفضاء والتي يحلبها السوريون من المواقع حلبا بالتهريب السيزيفي. فالويكيبيديا (وهي موسوعة وليست بيانا سياسيا للمعارضة) لا تزال محجوبة، مع أنها متاحة للمقاومة في لبنان ولحماس في غزة ولسجناء غوانتانامو و’لجرذان ليبيا’!

المدن السورية لا تشبه المدن في كل أنحاء الدنيا، فهي مدن أقفاص. عمرانيا هي كثيفة و محاطة بالمدن العشوائية غير الشرعية، وامنيا هي ريفية يعرف فيها ‘المختار’ وأزلامه دبة النملة، والمثـــقفون عموما منكفئون على فحص بصمات ‘الحيوان في الشعر الجاهلي’ أو منكبون عن البحث عن ‘الرق في الوحي القشيب’ أما شــــيوخ المساجــــد فهم احـــد اثنــين أما شــــيخ تحول إلى بوّاب للسماء أو شيخ ليست له من مشيخته سوى العمامة.

البطش في المدينة لا يقل عنه في الريف، لكن المدينة موحشة، وتمتلئ بالغرباء والمخبرين، أما الريف فلا يزال يحتفظ بالأواصر العائلية والعلاقات الرحمية التي يمكنها التآزر و التراحم، وتخزين الطعام في البيوت، والاعتماد على الحيوانات في الغذاء، ونور القمر في السماء والماء في الآبار. أما ابن المدينة فقد أمسى قطا في اليوم الألف. أضف إلى ذلك أنّ المروضين استعمروا المدينة، وسعوا إلى بناء مدن للتسلية والتربح المتوحش ( نجد مثاله في كازينو المطار في دمشق ) وأهملوا الريف إهمالا تاما، وهو ما زاد في نقمة أهل الأرياف الذين باتوا يتحسرون على عداد كهرباء أو ساعة ماء أو زيارة احد خدم الولاة المروضين ليصفقوا له لكن لا حياة لمن تصفق.

يكرر السيد حسن نصر الله مقولة في كل خطبه، وهي أن ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ويحصرها بالأرض المحتلة، والمؤكد أنّ مقولته صحيحة في كل حق.

نذكّر بحادث غريب معطوف على قصة النمور في اليوم العاشر، لم تشهد له الكرة الأرضية مثالا، ففي يوم الكسوف الشمسي الأخير، والذي كان سكان المدن الأوروبية يستأجرون طائرات بأسعار باهظة للاستمتاع بالشمس وهي تضع ‘النقاب’ القمري، اختفت النمور السورية في جحورها، وأقفرت الشوارع من أهلها. السؤال: كيف يقاوم شعب عدوه ويمانعه وهو يخاف من مشهد عناق عاطفي بين الشمس والقمر؟

حتى الآن ما يحرك الشارع السوري هو الدم، فالمدن والقرى التي يجري فيها الدم تستيقظ وتثور، وعلى السلطات السورية أن تحرص على عدم إراقة الدماء في دمشق المدنية وحلب المتخمة بالحشائش وإلا استيقظ النمر السوري في اليوم الحادي عشر بعد نصف قرن من العشب والأقفاص الحديدية.

 

‘ كاتب سوري

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...