صفحات مميزة

بؤرة جهادية جديدة: دور التنظيمات المسلحة في الأزمة السورية


علي بكر

تتطور الأزمة السورية، وتتعقد أكثر فأكثر، باتجاهات مختلفة تمثل خطورة كبيرة في مجملها، لأن حدود هذه الأزمة قد تجاوز الموقع الجغرافي السوري ليتخذ أبعادا إقليمية ودولية. وقد تكون هذه الأبعاد سببا في تفاقم الأزمة، كما يمكن أن تكون في الوقت نفسه عاملا من عوامل إيجاد تسوية لها، في حال توافر شروط مناسبة.

ففي حين يحتدم الصراع السوري، لا تزال قوات بشار الأسد صامدة وفعالة بوحشية، بل ولا تزال أكثر إصرارا على دحض المعارضة. وبات الطابع الطائفي للحرب الأهلية يغذي إرادتها وعزيمتها، لا سيما وأن الجيش السوري الحر، وباقي الفصائل المسلحة التي تقاتل ضد نظام الرئيس الأسد، تضم في غالبيتها العرب السنة، في حين أن قوات بشار الأسد في مجملها من أبناء الطائفة العلوية. ورغم أن قوة المعارضة المسلحة لنظام الأسد تتراجع يوما بعد يوما، فإن نظام الأسد لا يزال صامدا إلى الآن، ويتصدي لقوات المعارضة في العديد من المناطق، ويتمكن من دحرها في أوقات عديدة، الأمر الذي يبرهن على أن نظام بشار الأسد قادر على الصمود والمواجهة على الأقل في المرحلة الحالية.

وقد أصبح من الواضح الدور الذي تلعبه التنظيمات المسلحة في سوريا، حيث أصبحت هذه التنظيمات، بشتي انتماءاتها الفكرية والعقائدية، تشارك في القتال والعمليات العسكرية. ومع مشاركة هذه التنظيمات، تتسارع وتيرة الأحداث في سوريا، وتتسارع معها التداعيات الداخلية والإقليمية. ويبقي تورط المنظمات المسلحة، بشتي أطيافها وانتماءاتها الحزبية في الحرب السورية، أحد أهم العوائق في إنهاء الوضع المتأزم، كما أنه سيكون الباب الذي تطل منه الحرب المذهبية القادمة في المنطقة، لأن تداعيات الحرب في سوريا لن تقتصر فقط على المنظمات المسلحة المشاركة في المعارك، بل سوف يتعداها إلى كل المنظمات المسلحة الموجودة في المنطقة.

أولا- التنظيمات المسلحة الموجودة في سوريا:

يوجد في سوريا الآن عدد من المنظمات المسلحة التي تشارك في القتال الدائر بصورة واضحة، وهذه المنظمات ليست ذات توجه واحد، وإنما هي متعددة الاتجاهات والأيديولوجيات. فهناك تنظيمات شيعية تقاتل إلى جوار بشار الأسد، وهناك تنظيمات جهادية اخرى تقاتل ضد بشار الأسد، وكل من هذه التنظيمات مدعومة من قوي إقليمية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لذا، أصبحت الساحة السورية ساحة صراع إقليمية لأطراف متعددة، تقاتل التنظيمات المسلحة بالوكالة عنها.

1- التنظيمات المؤيدة للنظام:

أ- فيلق القدس:

من التنظيمات المسلحة التي تدعم الرئيس بشار الأسد في وجه المعارضة “فيلق القدس” الإيراني، الذي يعد واحدا من أهم التنظيمات المسلحة التي تعمل الآن على الأرض في سوريا. وتشير الأنباء إلى انتقال مجموعات مسلحة تقدر بعدة آلاف من قوات “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني مسلحة بعتادها العسكري، من طهران إلى دمشق، للمشاركة في القتال الدائر في سوريا، من أجل مساندة قوات بشار الأسد في مواجهة قوات المعارضة، والقضاء عليها. كما أن قائد فيلق القدس، العميد قاسم سليماني، قد نقل مقر إقامته إلى دمشق، لكي يشرف بنفسه على العمليات والمهمات. و”فيلق القدس” هو الفرع الخارجي لقوات الحرس الثوري الإيراني، وقد تشكل إبان الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988 )، وتطورت نشاطاته تدريجيا، خاصة بعد الهجوم الأمريكي على أفغانستان والعراق.

ويعد فيلق القدس إحدي الأدوات المهمة في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول الجوار، حيث لعب دورا محوريا في أفغانستان، كما لعب دورا مهما في العراق، وقام بالعديد من العمليات على الأراضي العراقية، حيث تتهم الولايات المتحدة دوما فيلق القدس بمساعدة فيلق بدر الشيعي في العراق في تنفيذ عمليات عسكرية، خاصة ضد القوات الأمريكية في العراق، وذلك بناء على تصريحات لمسئولين كبار، مثل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، والقائد السابق للقوات العسكرية الأمريكية في العراق ديفيد بترايوس.

وعندما اشتعلت الأحداث في سوريا، أخذ فيلق القدس على عاتقه الوقوف بجوار النظام السوري، ومشاركته في القتال الدائر في سوريا. ففي مايو 2012، صرح إسماعيل قاني، قائم مقام قائد فيلق القدس في رده على وكالة إيسنا الإيرانية، بأن قواته تشارك في الحرب الدائرة في سوريا، حيث قال: “لو لم تكن الجمهورية الإسلامية موجودة في سوريا، لكانت المذابح ستأخذ أبعادا كبيرة .. قبل أن نوجد في سوريا، قتل المعارضون العديد من الناس، لكن الحضور المادي وغير المادي للجمهورية الإسلامية حال دون وقوع مذابح كبيرة في سوريا” وذلك على حد تعبيره.

ومن أهم الأدوار التي يقوم بها فيلق القدس في الحرب السورية “تدريب فيلق المجموعات العسكرية والقناصة”، ومساعدة الأجهزة الاستخباراتية السورية في مجال تجميع المعلومات حول المعارضة السورية، ويشمل ذلك رصد المواقع على الإنترنت والرسائل الهاتفية القصيرة. وقد قام الفيلق بتدشين قاعدة له في الزبداني، بالقرب من العاصمة دمشق، لتكون مقرا لعملياته.

“حزب الله” اللبناني:

ومثلما تأكد وجود فيلق القدس الإيراني في سوريا، تأكد أيضا تغلغل عناصر ومقاتلين لحزب الله في المناطق السورية، حيث ينتشرون بشكل أساسي في منطقة القصير، والقري المحيطة بها في ريف حمص، وفي مناطق الزبداني ورنكوس ومضايا في ريف دمشق، لكون هذه المناطق قريبة من الحدود اللبنانية، ويستطيعون الدخول والخروج منها بسهولة، ويتمثل دور عناصر حزب الله في عمليات القنص.

ويضاف إلى دور “حزب الله” في مشاركته في القتال الدائر على الأراضي السورية، دوره في العمليات من خارج الأراضي السورية، حيث بدأ الحزب في حفر أنفاق في المناطق الوعرة على طول خط الحدود مع سوريا، وقام بنقل منصات صواريخ، ومرابض مدفعية ثقيلة من جبهة إسرائيل إلى التلال والمرتفعات المشرفة على مناطق الحدود، لا سيما في الهرمل، القريبة من الحدود السورية، والمشرفة على مناطق البقاع المتاخمة تماما للحدود السورية، للمساندة وقت الحاجة، خاصة في حالة وقوع سيناريو سقوط الأسد.

2- التنظيمات المناهضة للنظام:

أصبح تسلل التنظيمات المسلحة إلى سوريا، للقتال ضد قوات بشار الأسد أمرا واضحا للمتابع والمراقب، والسبب في ذلك هو النظام السوري، من خلال تهيئة البيئة الحاضنة لذلك، جراء ما يقوم به من ممارسات ضد الشعب السوري. والتسلل إلى سوريا للقتال لم يعد يقتصر على “الجهاديين” في الدول المجاورة لسوريا، بل يوجد الكثير من الجنسيات العربية والأوروبية، تشارك في التسلل للقتال هناك. ولكن يبقي تنظيم القاعدة هو أشهر التنظيمات المسلحة التي تقاتل إلى جوار قوات المعارضة السورية، وأصبحت هناك خشية من أن تتحول البلاد -التي تفقد فيها حكومة الأسد السيطرة على الأمور يوما بعد آخر- لدولة فاشلة ومأوي لما يسمي بالجماعات الإرهابية والمتطرفة، خاصة بعد الأنباء التي تحدثت عن تسلل العديد من مقاتلي تنظيم القاعدة إلى سوريا للمشاركة في إسقاط نظام بشار الأسد.

وزاد من هذا الاتجاه البيان الذي أصدره أيمن الظواهري، قائد تنظيم القاعدة، الذي أعلن فيه عن دعمه للانتفاضة في سوريا، وحث المسلمين في تركيا، والعراق، ولبنان، والأردن، على مساعدة الثوار السوريين في نضالهم ضد نظام الأسد. وقد عُدَّ هذا الإعلان بمثابة دخول “القاعدة” رسميا على خط الأزمة السورية، بعد أن دخلتها عمليا منذ الأشهر اللاحقة لبداية الاضطرابات في البلاد.

الوجود القاعدي في سوريا ليس جديدا. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق، وعناصر القاعدة القادمة من السودان واليمن تتخذ من سوريا محطة للانطلاق إلى داخل الأراضي العراقية. ومع مرور الوقت، تمركزت العناصر الجهادية في المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق، وقد استفادت هذه العناصر من قرار دمشق دعم المقاومين السنة ما بين عامي 2003 و2007. وبعد قيام الحرب في سوريا، غير تنظيم القاعدة مساره من التدفق نحو العراق إلى التدفق نحو سوريا. ويتطلع تنظيم القاعدة في الوقت الراهن إلى مساعدة السوريين السنة على تعزيز أنفسهم على حساب العلويين، المدعومين من قبل إيران، واستغلال عدم شعبية النظام العلوي بين المسلمين السنة كوسيلة لكسب موطئ قدم له في سوريا.

وبالإضافة إلى العناصر الجهادية المتمركزة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، والذين تدفق عدد كبير منهم إلى داخل سوريا، فإن بعض دول الجوار لسوريا، مثل الأردن ولبنان، تستضيف على أراضيها تيارات جهادية، تري فرصا في حالة الاضطراب في سوريا لنقل نشاطها داخل سوريا. وفي ضوء ذلك، توجه عدد من الجهاديين في هذه الدول نحو الأراضي السورية. وقد وردت أنباء عن تسلل العديد من أعضاء القاعدة إلى داخل الأراضي السورية، حيث ذُكر أن نحو 600 عنصر من تنظيم القاعدة قد دخلوا إلى سوريا عن طريق الأراضي التركية. والحديث الآن يدور عن عناصر القاعدة الذين شاركوا في إسقاط نظام معمر القذافي. كما ذُكر أيضا أن عضو المجلس الانتقالي الليبي مصطفي عبد الجليل سبق أن أبدي استعداد بلاده لفتح مكاتب لتجنيد المتطوعين لسوريا، وذلك دعما من بلاده للمعارضة السورية، ولإسقاط نظام الأسد.

وبوجود التنظيمات المسلحة السنية مثل القاعدة وغيرها في سوريا في مواجهة التنظيمات الشيعية، مثل فيلق القدس وحزب الله اللبناني، تصبح سوريا ساحة للصراع الطائفي الذي سوف تمتد تداعياته إلى المنطقة بأكملها، وقد يدفعها إلى حرب مذهبية تأتي على الأخضر واليابس.

ثانيا – دلالات وجود تنظيمات مسلحة في سوريا:

إن وجود التنظيمات المسلحة بصفة عامة، سواء المؤيدة لبشار الأسد أو المعارضة له، يعطي العديد من الدلالات المهمة، بالنسبة للوضع في سوريا بصفة عامة، منها ما يلي:

– اعتماد النظام السوري على الدعم العسكري والبشري الإيراني، والذي يمثل “فيلق القدس” إحدي صوره، وكذلك على الدعم البشري والعسكري من جانب “حزب الله” اللبناني، الأمر الذي يدل على أننا أمام حرب طائفية بكل المقاييس، هدفها تثبيت أركان نظام بشار الأسد العلوي.

حاجة الجيش النظامي السوري للمقاتلين من التنظيمات المسلحة، بما يثبت صحة الأنباء عن الانشقاقات في الجيش، وتحولهم لما سمي بالجيش السوري الحر، الذي يبدو أنه أصبح من القوة التي تستلزم طلب بشار العون والمساعدة من “فيلق القدس”، و”حزب الله” اللبناني.

– الدعم المتواصل للنظام السوري، بما في ذلك دعم التنظيمات المسلحة، يدل على أن موقف النظام السوري من الناحية العسكرية حرج للغاية، وأنه لم يعد في مقدوره البقاء في ساحة المعركة منفردا، وأن سبب بقائه الوحيد الآن هو ذلك الدعم المعلن أو المستتر من إيران وحزب الله.

دخول التنظيمات المسلحة السنية، مثل القاعدة وغيرها إلى سوريا للمشاركة في القتال، يؤكد أننا أما حرب طائفية بدرجة كبيرة في سوريا، وأن سوريا ربما تكون الباب الذي تطل منه الحرب الطائفية بين السنة والشيعة في المنطقة. وربما تكون الاشتباكات الطائفية التي وقعت أخيرا في لبنان بسب الأحداث في سوريا خير دليل على ذلك.

– إرسال إيران “فيلق القدس” إلى سوريا للقتال بجانب قوات بشار الأسد يؤكد أن إيران تفعل ما تراه متوافقا مع مصالحها وأيديولوجيتها، بصرف النظر عن الانتقادات، التي كانت قد وجهتها إلى قوات درع الجزيرة، عند مساندتها للحكومة البحرينية تجاه المتظاهرين الشيعة.

وجود عناصر تابعة لحزب الله اللبناني أكد أن هوية الحزب طائفية أكثر من أي هوية أخرى. فحتى فترة ما قبل الثورات العربية، كان لا يزال هناك لبس لدي بعض الشرائح العربية حول ما إذا كان الحزب طائفيا أم أنه غير معني بهذه الحسابات. لكن أظهرت الأحداث فيما بعد بشكل واضح وصريح في الحالة السورية أن الحزب غير معني بالشعارات والقيم الأساسية التي كثيرا ما ادعي أنه يعمل في إطارها، وهي الدفاع عن المستضعفين، ومحاربة المستكبرين والطغاة، وأن الرابطة الطائفية هي الأقوى بالنسبة للحزب.

وجود القاعدة على مسرح الأحداث في سوريا سوف يدفع الأمور إلى صراع طائفي دموي، فالمقاومة السورية تقاتل من أجل الحرية، وإسقاط نظام بشار الأسد، بينما الأمر مختلف بالنسبة لأعضاء القاعدة الذين يقاتلون في سوريا، حيث إنهم جاءوا من أجل الجهاد ضد العلويين الكفار والقضاء عليهم، والانتصار لأهل السنة، الأمر الذي من شانه أن يدفع سوريا ودول المنطقة إلى صراع طائفي، لا يعلم مداه إلا الله.

ثالثا- تداعيات الحرب في سوريا على التنظيمات المسلحة:

مما لاشك فيه أن الأحداث في سوريا سوف تكون لها تداعياتها المهمة والخطيرة على التنظيمات المسلحة بمختلف أطيافها، سواء التنظيمات المسلحة المشاركة في سوريا، أو حتى على التنظيمات المسلحة الموجودة في المنطقة. ورغم أن هذه التداعيات ترتبط ارتباطا وثيقا بنتائج المواجهات العسكرية في سوريا، وما إذا كان نظام الرئيس بشار الأسد سيسقط أو يصمد إلى النهاية، فإنه من المرجح أن نظام بشار الأسد سيسقط، عاجلا أم آجلا، لأن مجريات الأحداث الداخلية والإقليمية تصب في هذا الاتجاه.وسيكون لهذا السقوط تداعياته المهمة على التنظيمات المسلحة. فبالنسبة لـ “فيلق القدس” الإيراني:

– يعني سقوط بشار الأسد الفشل الذريع لأحد أهم التنظيمات العسكرية الإيرانية، التي تعتمد عليها إيران في المهمات الخارجية، مما سيعطي سمعة سيئة لجميع التنظيمات المسلحة التي أنشأتها إيران، وظلت تتباهي بها فترة طويلة من الزمن، وتهدد بها خصومها السياسيين خارج إيران، خاصة فيلق القدس الذي كثيرا ما زعمت إيران أنها أنشأته لتحرير القدس من أيدي الصهاينة، الأمر الذي سيكون له أسوأ الأثر على سمعة القوات الإيرانية غير الرسمية، مثل الحرس الثوري الإيراني، وفيلق بدر، والتأثير في معنوياتهم، لأنهم فشلوا في مساندة النظام السوري، برغم كل الإمكانيات المتوافرة لهم، في مواجهة مقاتلين يفتقدون الإمكانيات والخبرة والتدريب المتوافر لهذه التنظيمات، الأمر الذي يشكك في قدرة هذه التنظيمات على القيام بعمليات عسكرية خارج الأراضي الإيرانية.

– كما سيدل ذلك أيضا على أن هذه التنظيمات الإيرانية، التي يخشاها العديد من دول المنطقة، إذا وجدت المقاومة الجادة، فسوف يتضح أنها عبارة عن بطل من ورق. أما في حالة صمود الأسد وبقائه في سدة الحكم وانتصاره على المعارضة، فإن أسهم التنظيمات المسلحة الإيرانية، وعلى رأسها فيلق القدس، سوف ترتفع بقوة، وتصبح اليد الإيرانية التي يمكن أن تبطش بأعدائها في الخارج، وتفتح الباب أمام إنشاء العديد من التنظيمات المسلحة، لكي تكون أداة قوية لتنفيذ السياسية الخارجية الإيرانية في المنطقة.

وبالنسبة لـ “حزب الله” اللبناني:

فسيكون موقفه في غاية الصعوبة، حال سقوط نظام بشار الأسد، نظرا للعلاقة القوية بين الاثنين، والدعم القوي الذي تمنحه سوريا لحزب الله. فسقوط الأسد يعني عزلة إقليمية لحزب الله، وانقطاع الدعم الإيراني الذي يأتي عبر البوابة السورية. وهذا الانقطاع سيؤثر بشكل كبير في تلقي الحزب للدعم المالي والعسكري الإيراني، كما سيؤدي إلى انقلاب سريع في المشهد اللبناني لغير صالح حزب الله وإيران. وحتى لو بقي حزب الله صامدا خلال الفترة الأولي لهذا الانقطاع، فإن موارده وقدراته ستنفد مع مرور الوقت، خاصة في حال قيام نظام عربي سني جديد في دمشق.

– سيواجه الحزب أيضا عزلة داخلية، فسلاح الحزب بدأ منذ عام 2000 يثير انقساما في لبنان حول مدي مشروعيته، والاستثمار السياسي له. وقد تعمق هذا الانقسام بشكل كبير بعد عام 2006، والاعتداء على بيروت وأهلها في عام 2008، إضافة إلى اتهام المحكمة الخاصة برفيق الحريري عناصر تابعين لحزب الله. كل ذلك، مع انقطاع الدعم الخارجي، سيحجم من حزب الله داخليا، ولن يكون باستطاعته الاستقواء على شركائه في الوطن، كما فعل ويفعل، كما أنه سيكون في موقع أضعف.

– ويبقي التفكك والانهيار أخطر التداعيات التي يمكن أن تواجه الحزب، في حالة سقوط بشار الأسد. فالحزب يعاني منذ عام 2006 من الخروقات الأمنية لصفوفه، بالإضافة إلى النقمة الشعبية اللبنانية عليه. كل ذلك إذا ما أخذ في الحسبان مع العزلة الخارجية والداخلية التي ستفرض عليه، فإن ذلك سيكون مؤشرا قويا على إمكانية انهياره. لذا، فإن أسوأ سيناريو بالنسبة لحزب الله هو أن يسقط الأسد، على الرغم من أن ذلك غير محتمل في الوقت الحالي. أما في حالة انتصار الأسد، وهو أمر مستبعد إلى درجة كبيرة، فإن وضع حزب الله لا شك سوف يتغير إلى الأفضل، خاصة أن شبح الانهيار والتفكك سوف يكون بعيدا عنه، إضافة إلى أن وضعه على الساحة اللبنانية سوف يتحسن كثيرا في مواجهة خصومة السياسيين، بل إن الحزب سوف يلعب دورا أكبر مما هو عليه على الساحة الإقليمية.

وبالنسبة لـ “لتنظيمات الجهادية” المناهضة لبشار الأسد، وعلى رأسها “تنظيم القاعدة”:

– ففي حالة سقوط نظام الأسد، فان تنظيم القاعدة سوف يصبح خطرا حقيقيا على كل الأنظمة الموجودة في المنطقة، لأنه لديه مشروع جهادي، لا يسعي فقط إلى تطبيقه، بل يسعي أيضا إلى تصديره إلى كل دول الجوار، ومن بعده إلى كل دول العالم الإسلامي، لأن هذا المشروع الجهادي هو الوحيد القادر على تحقيق حلم إقامة الدولة الإسلامية الكبري (دولة الخلافة الإسلامية)، الأمر الذي من شأنه أن يهدد كل الأنظمة المجاورة في المنطقة.

رابعا- الأزمة السورية والعنف المسلح في الشرق الأوسط:

من الواضح أن الأزمة السورية ستكون لها تداعياتها المهمة على الأوضاع الأمنية في دول الجوار. فبالنسبة لتركيا، زاد العنف المسلح داخل أراضيها بعد استئناف حزب العمال الكردستاني المعارض نشاطه، نتيجة دعم الرئيس السوري بشار الأسد له، ردا منه على سماح تركيا بإيواء ودعم عناصر المعارضة السورية المسلحة. حيث سحب الأسد قواته من منطقة شمال شرق سوريا، ذات الأغلبية الكردية، ليتركها أمام قوات حزب العمال الكردستاني التركي المعارض. يضاف إلى ذلك عودة العمليات الانتحارية من جديد إلى تركيا، حيث وقع هجوم انتحاري في مدينة اسطنبول في حي سلطان غازي، الحي العمالي الذي تسكنه غالبية كردية، والانتحاري استهدف مركزا للشرطة التركية بقنبلة.

وفي لبنان، وبمجرد بدء الصراع في سوريا، وجدنا المواجهات المسلحة المتكررة بين منطقة درب التبانة السنية المذهب والمؤيدة للمعارضة السورية، ومنطقة جبل محسن العلوية والمؤيدة لبشار الأسد. تم توإلى العنف في لبنان، تأثرا بالأوضاع في سوريا إلى درجة وصلت إلى حد اختطاف الأجانب. يضاف إلى ذلك أن لبنان أصبح معبرا للجهاديين، الذين يريدون الدخول إلى سوريا للقتال ضد نظام بشار الأسد، الأمر الذي يعني إمكانية أن يصبح لبنان في المستقبل إحدي القواعد الجهادية، وبالتالي سوف يترتب على ذلك زيادة العنف الديني والطائفي الذي لا يمكن أن يتحمله لبنان.

وبالنسبة لباقي دول المنطقة، فإن التيارات الجهادية قد اتخذت من الأحداث في سوريا ذريعة لتجنيد المئات من الشباب بحجة الجهاد في سوريا، ومناصرة أهل السنة على العلويين “الكفرة”، مما أدي إلى زيادة كبيرة في أعداد أفراد التيارات الجهادية. ففي مصر، على سبيل المثال، انضم العديد من الشباب لتنظيم “أنصار الجهاد” الموجود في سيناء، والذي أعلن مبايعته من قبل لأيمن الظواهري، زعيم القاعدة الأم، بحجة الذهاب إلى سوريا. ولكن التنظيم احتفظ بالجزء الأكبر من هؤلاء الشباب، وهو ما جعل التنظيم قوة كبيرة عن ذي قبل، مكنته من القيام بعمليات كبيرة ضد قوات الأمن المصرية، كان أكبرها مقتل 16 ضابطا ومجندا من قوات حرس الحدود، وأيضا التفجير المتكرر لخطوط الغاز، والاعتداءات المتكررة على أقسام الشرطة، ونقاط التفتيش، إضافة إلى أنه أصبح الآن في مصر شبكة جهادية تقوم بتجنيد العديد من الشباب تحت شعار الجهاد في سوريا، مما سيجعل مصر مرتعا للقاعدة في المرحلة المقبلة.

وفي المملكة العربية السعودية، ساعدت الحرب في سوريا على انضمام العديد من الشباب السعودي إلى القاعدة، تحت شعار وجوب مناصرة أهل السنة ضد الشيعة. أما في منطقة المغرب العربي، فقد قام تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” بتجنيد العديد من الشباب بحجة الجهاد في سوريا، فذهب منه النذر اليسير إلى سوريا، وأصبحت الأغلبية أعضاء في التنظيم، بعد إقناعهم بفكر التنظيم، مما أدي إلى زيادة مفرطة في قوة التنظيم عن ذي قبل، مما مكنه من القيام بعمليات خطيرة، مثل الاستيلاء على شمال مالي، وخطف العديد من الأجانب والدبلوماسيين، مثل خطف القنصل الجزائري في مالي وقتله، والاعتداءات المتكررة على حدود دول المنطقة، مما جعل العديد من المراقبين يتخوف من “أفغنة” شمال إفريقيا بسب هذا التنظيم.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن زيادة العنف المسلح في المنطقة أصبحت أحد أهم التداعيات الإقليمية للأزمة السورية. فبقاء بشار الأسد في الحكم فترة أطول سوف سيؤدي إلى زيادة التيارات الجهادية في سوريا والمنطقة العربية، من أجل رفع راية الجهاد ضد الشيعة والعلويين في سوريا. أما في حالة سقوط بشار الأسد، فإن التيارات الجهادية سوف تكبر وتتضخم في المنطقة، وتصبح أكثر ضراوة، لأن سقوط الأسد سوف يشعرها بالقوة والفخر، ويحيي الأمل في نفوس التيارات الجهادية بإسقاط كل الأنظمة العربية الموجودة، وإقامة الدولة الإسلامية الكبري (دولة الخلافة)، حيث تنظر التنظيمات الجهادية إلى كل الأنظمة العربية القائمة، باعتبارها أنظمة غير إسلامية، وبالتالي يجب إزالتها، حتى تلك التي نشأت بعد ثورات الربيع العربي في مصر وتونس، لأن أي نظام سياسي لا يعتنق الفكر الجهادي يجب إسقاطه. وبالتالي، فإسقاط النظام السوري سوف يدفع التيارات الجهادية إلى مزيد من العنف من أجل تحقيق أهدافها، مما يفتح الباب لموجة جهادية جديدة في المنطقة، وربما تكون هذه أحد أهم التداعيات للحرب في سوريا.

عن مجلة السياسة الدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى