الرئيسية / صفحات الثقافة / الاستخبارات والسياسة في صناعة نجوم الثقافة/ محمد حجيري

الاستخبارات والسياسة في صناعة نجوم الثقافة/ محمد حجيري

 

 

في زمن غابر، كان “الغرب السياسي” يختار بعض الادباء الروس والأوروبين الشرقيين المنشقين (سولجنتسين، برودسكي، كونديرا…) ويدعمهم بقرار سياسي لمحاربة الشيوعية وتمددها وثقافتها. بعض تلك الأسماء كان جديراً بالقراءة وبعضها الآخر لم يكن يستحق أي اهتمام. لفظة “منشق” كانت كافية لإثارة الغواية الأدبية ولفت الانتباه والمتابعة والرواج العالمي، مع التذكير بأن كاتباً مثل التشيكي إيفان كليما فضّل أن يكون كنّاساً في بلده على أن يكون منشقاً في أحضان الغرب.

كتاب “الحرب الباردة الثقافية” لفرانسيس ستونر سوندرز يزخر بأسرار تدخل الاستخبارات الأميركية في توظيف الأدباء في المجال السياسي.. على مدى أكثر من عشرين عاماً كانت وكالة المخابرات الأميركية تدير جبهة ثقافية عريضة في معركة ضارية بدعوى حرية التعبير. أسماء كبيرة تورطت في هذا المجال، من جورج اورويل إلى جان بول سارتر.

لبنان الأدبي كان له حصته في القرارات السياسية الغربية، كتب الناقد المصري غالي شكري في رسالة إلى رئيس تحرير مجلة “حوار” الشاعر توفيق صايغ :”يا لضيعة العمر. فبعد كل الشقاء والحرمان وأسوار المعتقلات أراني في لحظة واحدة أكلت خبزي، وأكل أولادي معي، من الكتابة في مجلة يمولها الاستعمار”، وذلك عندما كشفت “نيويورك تايمز” عن تلك العلاقة التي تربط المجلة بالمخابرات الأميركية وتمويلها.

مجلة “حوار” كانت صدرت في مطلع الستينيات وتوقفت في العام 1967، من المجلات الثقافية البيروتية صدرت بعد مجلة “شعر”، وقد طالتهما الأقاويل حول علاقتهما بالمخابرات الأميركية لأنهما كانتا تمولان بواسطة “منظمة مؤتمر الحرية للثقافة” الممولة من “مؤسسة فورد”. بالطبع، من يعطيك شيئاً يريد منك أشياء، مهما يكن، كان لبنان خاصرة جميلة لتسويق التيارات الأدبية وهذا امر إيجابي.

حتى حضور الكثيف للشعراء العرب لا يبتعد عن القرار السياسي. محمود درويش كان السياسة بحد ذاتها، ربما هو المناضل قبل أن يكون الشاعر. كثيرون وجدوا فرصة لكتابة الشعر على اجنحة الثورة الفلسطينية، بعضهم “استفاد” أو تسلق، وبعضهم الآخر تدحرج، وبينهم استطاع درويش أن يكون شاعراً مركزياً بقرار سياسي. شعره استطاع أن يكون رأس حربة سياسية، ولاحقاً استطاع أن يخرج من شرنقة القرار السياسي نحو الأدب بحد ذاته.

مع سقوط الشيوعية في نهاية الثمانينات، بدأت تظهر ملامح أيديولوجيا جديدة تحاول أن تكون بديلاً من فراغ نهاية الشيوعية. برز الإسلام الإحيائي والإنتحاري والجهادي وتنامت الهويات العرقية والاثنية، وبدأ الغرب يبحث عن مواجهة خصومه بمشاريع ثقافية، أو توظيف الأدب في السياسة، من أفغانستان حيث برز عدد لا بأس به من الروائيين، إلى الجزائر متمثلة بالروائي ياسمينا خضرا. لا أحسب أن هذا الأخير اختير لأدبه بل لخلفيات مواقفه وحركاته.

الذاكرة الثقافة والكولونيالية لها حصتها في توظيف الأدب لمصلحة السياسة، بعد سنوات قليلة على انتهاء الحرب اللبنانية وبدء إعادة الاعمار، وجدت فرنسا أن إعادة مجد الفرنكوفونية المتصدعة في لبنان باتت واجباً، فدعمت الروائي أمين معلوف بقرار سياسي، قد ينزعج البعض الآن، لكن كثيرين يعرفون أن فوزه بجائزة “غونكور” عن روايته “صخرة طانيوس” غلب عليه الطابع السياسي اكثر منه الأدبي.. حتى محاولة محو الإثم الكولونيالي ما زال محور اهتمام في فرنسا، إذ يتم دعم بعض الكتاب العرب من أجل هذا الغرض. لنتخيل مدى الدعم الذي لقيته رواية “معارضة الغريب” للجزائري كمال داوود، فقد ترجمت إلى عشرات اللغات بتمويل فرنسي. من يقرأ الرواية سيسأل لماذا كل هذه المبالغة بترجمة رواية عادية ترد على رواية “الغريب” لألبير كامو؟

غواية المنشق ما زالت سائدة وإن بوتيرة أخف.. ثمة أكثر من روائي منشق أتوا من الصين واشتهروا في باريس، أبرزهم غاو غيسنغيان. أكثر من إيراني وإيرانية لهم حظوظهم في أميركا وأوروبا، آذر نفيسي نموذجاً. لا يتختلف الأمور في العالم العربي، الثقافة الغربية تبحث عن غواية ما تمجدها في إعلامها، فعدا عن عالم “ألف ليلة ليلة”، هناك وتيرة الأقليات، يمجد الغرب الإنشقاق، وتستهويه فكرة المثلي الإسلامي، أو الشيعي الذي يحب الغرب، أو العلوي الكاره لآل الأسد، أو العربي الذي يتهم الإسلام بالارهاب، أو عربي يتماهى مع إسرائيل الخ.

والحال أنه مع ما ذكر أعلاه، لطالما كان اهتمام الإعلام الغربي ببعض الأدب العربي وبترجمته من المشكلات التي تحمل كثيراً من التأويلات والمعطيات حول أدوار العلاقات العامة والنفوذ واللوبيات في الثقافة. ولطالما كانت الكتابة في الصحف الغربية عن الأدب العربي مشكلة، تتجلى في اختيارات الغربيين أولاً، وفي أهدافهم وطموحاتهم. هذه القضايا تطرح أسئلة منها لماذا يختار الغرب أدباً ما بحد ذاته؟ ما هي المعايير الشخصية والهوياتية والسياسية والدينية والجندرية التي تجعلهم يتبنون هذا ويتغاضون عن ذاك؟

لا شك في أن “الإنشقاق” يغوي، إذ يلجأ المنشق عادة إلى تعرية الواقع والسلطة ويتحدى السلطة والنظام ويزعزع المفاهيم، وهذا لا يعني بالضرورة أن كل منشق هو ناجح في مهمته، فثمة منشقون أشبه بفقاعة، أسماء عابرة وسط ثقافة الموجة.. قد يسفيد هذا أو ذاك منهم لمرة واحدة من مبيعات كتبه ثم يتقاعد ويلفظه الزمن. وبالنتيجة، ليس بالمقالات التسويقية يحيا الأدب، مع العلم أن من ينتقد المبالغة في الاهتمام بأديب بعينه يساهم في التسويق أكثر من غيره.

ذات مرة سئل كونديرا: “هل أنتم شيوعي؟”. “لا، أنا روائي”. “هل أنت منشق؟”. “لا، أنا روائي”. “هل أنت من اليمين أو اليسار؟”، “لا يمين ولا يسار، أنا روائي فقط”.

أعتقد أن كثيرين لا يفهمون قصده، ويفضلون الإنشقاق على الأدب.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...