الرئيسية / صفحات سورية / الاستعصاء السوري !

الاستعصاء السوري !


د.نصر حسن

مضى على ثورة الحرية والكرامة السورية أربعة عشر شهراً دامية ، وحيدة في مواجهة نظام فردي كشر عن أنيابه وحقده ضد الشعب ، أربعة عشر شهراً نقلت فيها العصابة المجرمة سورية إلى حالة غريبة لم تعرفها في تاريخها ، حالة تحلل فيها النظام المجرم كلياً في القتل والجريمة والتدمير وانتهاك الكرامات والكذب والتضليل ، والجميع يتفرج وكأنه أمراً روتينياً في ظل معادلة عربية إقليمية دولية تشي بأنها لا ترغب البتة في تغيير ديمقراطي سلمي في سورية ، حالة يتنفس فيها السوريون الصعداء ورائحة الدم والبارود ، و تتدحرج فيها سورية إلى المجهول بفعل خيار العصابة ” الحرب المفتوحة على الشعب  حتى النهاية”،  حالة فوضى أمنية سياسية ترافقت مع سلسلة طويلة من القتل وهدر دماء في حرب همجية وحشية راح ضحيتها خيرة الشباب والعقول المستنيرة ،لتصفية الأجواء الداخلية من موانع استمرار نظام الحكم الإجرامي  إلى الأبد .

فالمعطيات الموضوعية تدل على أن سورية تشهد مرحلة خطيرة تعصف فيها التجاذبات والتنافرات العربية والإقليمية والدولية ، سيدها القتل والتضليل وتأثير عوامل الموقع الجيو سياسي لسورية ، مدعوماً بدور عربي دولي سلبي ساهم في مط زمن القتل وانتهاك الحقوق على مرأى ومسمع جامعة الدول العربية والأمم المتحدة والعالم كله، مرحلة يحاول النظام المجرم عبر كل طاقته الأمنية العسكرية، واستثماره لصمت الصامتين وخوف الخائفين والنفخ في فوبيا التطرف والإرهاب ،واختراقه للكثير من واجهات العمل السياسي المعارض المدني والعسكري الداخلي والخارجي، وسيول السجال والخلافات الطافية على ساحة المعارضة ، وتراشقات إعلامية شتائمية من شتى العيارات بين الأوصياء الداخليين والخارجيين ،بمحصلته حاصر سورية بين حدين خطيرين الأول ،ثورة بطولية تصارع النظام المجرم وحيدة ،والثاني سيناريو عربي دولي غير مسؤول فقد قدرته على المساعدة في الخروج من الاستعصاء الدموي المستمر .

ففي تناقضات المواقف العربية والدولية ولبسها وبؤسها ،وبصرف النظر مؤقتاً عن فقدانها المعايير الأخلاقية في ممارسة العمل السياسي ،لابد من الإقرار بأن هناك رغبة خفية بإعادة إنتاج النظام المجرم بهذا الشكل أو ذاك ،والالتفاف على الثورة والتغيير الديمقراطي ، ولعل ذلك التخبط والبطء في التعاطي مع الاحداث من جهة ، والصمت على سياسة النظام الإجرامية وعدم الجدية في إلزامه بتنفيذ المبادرات العربية والدولية من جهة أخرى ، يمثل مشاركة للنظام المجرم باللعب الفاجر بدماء السوريين وبأوراق داخلية وإقليمية ودولية خطيرة، عبر تعميم نهج القتل وإشاعة التطرف والفوضى واعتبارهما وسيلة وغاية ، وتحويلهما إلى نسقاً سياسياً ثابتاً لتبرير الحاجة الدولية إليه وإعادة الاعتبار له ولدوره ، الأمر الذي يوفر له عوامل البقاء في حكم سورية بالقتل والقمع والفساد والتهديد والوعيد .

فالنظام السوري رغم كل ما يظهر فيه ويمارسه من قتل وانتهاك حقوق الإنسان وتسلط وفوضى ومشاغبة دموية وتهديده الأمن والاستقرار الإقليميي والدولي ،لازال رغم كل الكلام الذي يقال بين الحين والآخر ،يمثل رغبة إقليمية دولية على اعتباره حكم أقلية ” علماني ” في محيط أكثرية سنية مقتولة مقموعة مهمشة وغير مرغوب ديمقراطياً فيها ! تلك هي إحدى مفارقات السياسة الدولية التي تمثلها “لعبة الأمم ” الذي تناغم معها كلياً النظام عبر عشرات السنين ، وجعل منها ثابتاً سار عليه الأسد الأب ويسير عليه مطمئناً الابن، تلك الثوابت جعلها النظام ركيزة أساسية في نهجه ، هدفها الأول والأخير هو المحافظة على استمراره في الحكم ، إذ رغم كل ذلك القتل والتدمير والعنف المنفلت من كل قيود والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان ، لازال مرغوباً فيه وبتجديد دوره في حكم سورية ،إحدى مفارقات السياسة العربية والدولية أيضاً، هي تغطية أفعال النظام ودعمه  على اعتباره يمثل حكم أقلية طائفية في سورية ، بصراحة  ووضوح هذا هو بيت القصيد في استمرار النظام بالقتل والتدمير دون رادع ، وماعدا ذلك من تجليات الأحداث وتشعباتها هو ثانوي يندرج في سياق المتحولات العربية والدولية ،وما أكثرها وما أغربها وما أخطرها على  سورية والعالم العربي .

إذ مابرح النظام المجرم يؤكد أن رهانه الثابت الأساسي هو حماية حكمه من أكثرية على مستوى سورية ومحيطها من جهة ،ومن ثانية طمأنة أهل الحل والعقد على المستوى الإقليمي والدولي ، والأهم في ” إسرائيل ” ( بيضة القبان ) السياسي العربي إلى أن في دمشق شريكاً قوياً يعتمد عليه عند الحاجة ويعرف حدوده معها ولا يتجاوزها ، وهدوء الجولان المحتل مثالاً صارخاً ، أكثر من ذلك هو قادر بفاعلية على تغييب وترويض كل بوادر ومطالب الاصلاح على مستوى سورية ومحيطها التي تشكل خطراً على إسرائيل ، تلك رسالة  كانت مشفرة في السابق واليوم باتت مفتوحة واضحة، مؤداها بأن أمن الجيران لا يمكن أن يتحقق سوى عبر سلطة في دمشق قمعية فالتة مطمئنة مسنودة إقليمياً ودولياً ،وممسكة بكل أوراق المنطقة واستقرارها من الحركات الاصلاحية إلى السلفية ،وقادرة على ضبطها في طابورها،لهذا السبب كانت هناك موافقة عربية وغربية عامة بتفويض النظام بالوصاية على الشرق العربي وترسيخ هذا التفويض ،والإقرار بأهميته على اعتباره دور ثابت في شرق مضطرب تلفه صواعق التطرف والعنف والفوضى الخلاقة !.

على أن تبني النظام اللفظي الغوغائي وأحياناً التصعيدي لصياح الممانعة ، هو في حقيقته أداء تنفيسي تضليلي ، سمح للنظام كسب رضا كبير في صفوف الشعوب العربية البائسة المهمشة المحبطة من تكرار الهزائم والعجز عن فعل شيئ يذكر أمام عدوانية الاحتلال وتدخلات النظام الفارسي في الشؤون العربية، ورغم تموضع النظام المجرم إقليمياً بشكل مكشوف مع طهران ،ودفع الأمور إلى حالة التخندق والاستقطاب المذهبي الحاد بين الشيعية السياسية ممثلة بإيران ، والسنية السياسية ممثلة بالسعودية والخليج ، ورغم احمرار أعين المجتمع الدولي مؤقتاً على النظام الفارسي على خلفية برنامجه النووي ودعم حزب الله ، راوح المجتمع الدولي في حالة الإرتباك مراهناً على تطور الأمور على الأرض وعدم انتشار الاضطراب إلى خارج سورية ،

قد يكون النظام لعب بفجور ومهارة  تجعل إسرائيل” تضحك في عبها”  كما يقال لأنه نفذ في لبنان وفلسطين والعراق سابقاً واليوم في سورية، ما لم ولن تستطع إسرائيل تنفيذه لعشرات السنين ، لهذا لم تكن إسرائيل قلقة على امتداد أكثر من نصف قرن من هكذا نظام ،ولا من تحالفه الاستراتيجي  كنظام حكم ” قومي عربي علماني ” مع نظام ثيوقراطي مذهبي فارسي ! الإشكالية هنا أن إسرائيل والغرب لم يكونا قلقين البتة من هكذا نظام ، رغم أنه نظرياً لا يعترف بوجودها ويسميها في إعلامه الرسمي العدو الصهيوني! ويجمع كل المشاغبين الممانعين على حدود فلسطين !ويقرع كل يوم طبول التحرير ويشتم المتخاذلين العرب عن حمل السلاح ضدها !.

أكثر من ذلك ، حرصت إسرائيل عبر أصدقائها الدوليين على إفهام ذوي الأمر في العواصم الغربية على أن أي بديل للحكم الفردي الوديع في دمشق خط أحمر غامق مرفوض وممنوع ، وأنها تتفهم جيداً خطابه اللفظي ومبررات ممانعته الصوتية ، ولا تحرجه وأقصى ما تطلبه منه عندما يذهب بعيداً في المشاغبة والمزايدة الممانعة على باقي العرب ، سوى تهذيب سلوكه وتغييره حسب حرارة المحيط العربي والدولي ومتطلبات إخراج فصول جديدة من اللعبة الدنيئة في الشرق العربي ، هذا ما يتضح تماماً من الموقف الأمريكي الدولي بعدم الضغط اللازم على النظام بوقف جرائمه المستمرة منذ أكثر من أربعة عشر شهراً ، بل الضغط على الثورة والمعارضة على قبول الحوار معه على اعتباره أحد أهم ركائز السياسة الأمريكية الإسرائيلية في العالم العربي ! كل ذلك يعتبر لدى إسرائيل خيراً على خير، بما أنه يقضي على إمكانية تحرر سورية ،ويساهم في وقف التنمية الديمقراطية ،ولا يخدم سوى إضعاف سورية والعرب وإثارة الفتنة المذهبية المطلوبة بين المسلمين .

تخيل النظام ومن يدعمه إقليمياً ودولياً أن ثبات تلك التوازنات مرهوناً بوجوده واستمرار حصر الشعب السوري في سجن مملكة الرعب والصمت والاستسلام الأبدي له ، لكنها مفاجآت التاريخ وإرادة الشعوب وديناميكية الحياة ، كسرت نمطية الصورة وجاءت ثورة الحرية والكرامة ، داخلية مدنية سلمية بهدف جامع في التغيير وبناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية يتساوى فيها الجميع ، باختصار هذا الكلام لا يعجب النظام ولا إسرائيل  ولا كل من يدعمها ولا العرب  ولا العجم ، وفي ذلك يكمن التفسير المباشر للسؤال : لماذا بقيت الثورة السورية وحيدة والجميع يتفرج؟! لماذا استمرت سلمية موحدة رغم كل ذلك المستوى من العنف البدائي ؟! لماذا ألف العالم حالة الاستعصاء الدموي السوري ؟! .

الثورة السورية تدفع ثمن خيار وطني  حقيقي ، تدفع ثمن الحرية والكرامة والديمقراطية للعرب جميعاً ،وتضع أمام شعوب العالم كله تجربة فريدة ، والنظام المجرم الذي استخدم كل طاقة عنفه وقمعه وحقدة وتضليله داخل سورية ،وفشل في وقف الثورة ،أو حرفها أو دفع سورية إلى حرب طائفية ،  على العكس أصبحت الثورة  في كل مدينة وقرية وشارع وبيت  بظل الشعار الأيقونة واحد واحد واحد الشعب السوري واحد ، والشعب يريد إسقاط النظام  ، مصرة على الاستمرار حتى الانتصار … فعلى النظام وأهله أن يفهم أن مشكلته الأساسية في سورية وليست في طرابلس  أو عكار …وأن تصدير العنف والقتل والفتنة إلى الخارج لن يفيده بشيء سوى بتسريع لحظة الانهيار… وهي قريبة رغم كل تناقضات المشهد وصخب  موسيقاه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...