الرئيسية / صفحات سورية / الاستقرار والثبات السياسي

الاستقرار والثبات السياسي

فلورنس غزلان

أربعة عقود ونيف ..عمر ماسمي ” بالاستقرار والثبات السياسي” في سوريا…استقرار احتل الحياة العامة ..احتل الرؤوس والفكر…استقرت معه الثقافة على لون واحد …يهتف باسم القائد ويصفق لمنجزات القائد ولمكاسب أزلامه…استقرار وثبات يمنع على المواطن أن يفكر خارج السياج المرسوم له والمحصور في إطاره …أن يكون بعثياً بالولادة …مؤمناً بأنه عبد ورعية يمتلكه ساكن القصر والقابض على روحه المُستقرة في يد القائد أو أجهزته الجرادية…التي تحسب عليه مكعبات الهواء المسموح له الانتقال في حيزها…استقرار في نوع التربية والتعليم ...استقرار في نوع الثقافة والتثقيف المُتاح للمواطن التابع …والمنفذ غير المعترض…استقرار يسمح له بالبحث عن لقمة الخبز فقط، واللهاث المتواصل والحثيث لإلتقاطها…ثبات على الرأي المطروح في صحف النظام…ثبات على فكر النظام …وايمان عميق به ..ثبات على رأي يريده النظام ولا يسمح بتداول غيره….وهذا مايتيح للعدو الأول ” إسرائيل ” أن تستقر عينها هي الأخرى…وتهدأ حدودها…وتبتلع الجولان …دون أي معاهدات أو اتفاقيات مبرمة بين الدولتين ” العدوتين / الصديقتين “!…وهذا النوع من الاستقرار …شجعت عليه كل الدول العظمى وساندته وأنعمت باعترافاتها ومَكرُماتها على نظام الأسدين الأب ثم الابن…بل باركت استبدادهما وغطت على كل الخروقات لحقوق الانسان ” التي تعتبر نفسها راعيته وصاحبة إعلانه ومشيدة صروحه”!! …وهنا باعتقادي أنها تقصد إنساناً غير الإنسان السوري….الذي يعشق الاستقرار السياسي …حين يقوم على الحرية…حين يُؤَمِن للمواطن لقمة عيش كريمة وكرامة مصانة….حين يساوي بين المواطنين بغض النظر عن جنسهم أو عقيدتهم المذهبية والأيديولوجية…لكن استقرار الأسدين كان رديفاً للخنق والموت البطيء لشعب حضاري عريق…لم يعرف تاريخه الماضي والبعيد …ماعاشه من ” إستقرار ” الأسدين وعلى أيديهما من مخلفات استقراره الاستبدادية والقمعية وسجونه ، حين حلم وحاول على مضي العقود الأربعة أن يطالب ببعض حقوق المواطنة…وحين انتفض يطالب ” بإصلاحات فقط” في بداية انتفاضته يوم 18 آذار 2011 بعد اعتقال أطفال درعا….لم يرتفع آنذاك صوت واحد يطالب بإسقاط النظام…بل طالب بحرية أولاده المعتقلين أولا…ثم رفع قانون الطواريء وايقاف العمل بالمادة الثامنة من الدستور وما إلى ذلك من قوانين تحسن من حياته وتعيد له كرامته المهدورة على أيدي أجهزة أمن النظام المستشرية والمتضخمة بالنهب والفساد والاتجار بالعباد ثانياً…ظلت مطالبه إصلاحية ومظاهراته سلمية إلى أن كشف النظام نواياه وكشر عن أنيابه وبعد وعود ومباحثات ووفود ذاهبة لدمشق وعائدة منها …وقادمة من دمشق لدرعا يرأسها ” رستم غزالي وغيره ” تحمل الوعود وتمهد للصلح والإصلاح…وما أن بردت أماكن الوفود ولم يجف حبر الوعود المكتوبة والشفهية…حتى كان الرصاص سيد الموقف والرد الحقيقي على المتظاهرين السلميين…وحتى حضرت باصات السيد ماهرالأسد بأزيائها السوداء تملأ شوارع درعا وتسبح فيها كالنمل وتقبض على المارة دون فرق أو تمييز…وتزج بشباب المحافظة بشكل مزري وتعاملهم وكأنهم أغنام تساق للذبح…هل نسي الأسد كل هذا وسجله في خانات ” العصابات السلفية” …؟ منذ البداية وهو ينعت التظاهرات التي رفعت الورود وأغصان الزيتون في داريا وريف دمشق، ثم حمص …واللاذقية …والرستن ودير الزور…الخ بالعصابات المتآمرة ..والأخوانية السلفية…! وهو يعلم أن درعا تحديداً لاتحوي بين جنباتها وحواريها مثل هذه المظاهر والقناعات..السلفية…لأن من طبع أهل الريف الانفتاح على الآخر ..والبساطة في الحياة والتعايش السلمي الأهلي..وخاصة أن تركيبة حوران السكانية مزيج من المسيحيين والمسلمين السنة والموحدين ” الدروز” …فكيف لمن تعايشوا عصوراً …أن يتغيروا بلحظة…شاءتها تحليلات الأسد وتبريراته للعنف المفرط كرد على مطالب حق أراد بها باطل….لكن رائحة الدم وصوت جنازير الدبابات التي مارست مايمارسه أبشع احتلال …في حصار درعا وتجويع أهلها…رمى بالاستقرار في سلة المهملات…فالدم والقتل لاتستمر مقابلته بالسلم إلى أبد الآبدين…مهما بلغنا ومهما حاولنا نحن دعاة السلم والسلام…لكن للمرء وطاقته حدود..فلا نلومَنَّ من قتل ابنه أو أخاه..وهاهو ثبات النظام …بل المنطقة برمتها على كف عفريت يودي بالوطن وبما حوله نحو الشرذمة والتفتيت العرقي والمذهبي…ويسمح هو ومن ورائه تعنت الدول الكبرى وصمتهم على ذبح الشعب السوري وكأنه دجاجات وُلدت وهي تعلم أن حياتها قصيرة وستذهب لتكون ضحية على موائد صُناع السياسات ومَلاكي اقتصاد العالم ومتقاسمي منتجاته ومناطقه الاستراتيجية…وكأننا بالأنظمة ومن يساندها تقول: ” أن هذه الشعوب لاتستحق وليس أمامها إلا خيار بين أمرين..إما الاستقرار مع الديكتاتورية والاستبداد … أو الموت والفوضى إن طالبت بالحرية.

ــ باريس 13/7/.2013

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...