الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / الاسد والخطاب الثالث: مخاض شكلي أم انحناء أمام العاصفة؟

الاسد والخطاب الثالث: مخاض شكلي أم انحناء أمام العاصفة؟

 


صبحي حديدي

حين يخرج بشار الأسد عن نصوص خطاباته المكتوبة، فيلجأ إلى الإرتجال بدل التلاوة، فإنه لا يستفيض في بواطن خافية أو غامضة أو مدعاة شرح إضافي في واقع الأمر، بل يكشف النقاب عن تفاصيل جرى تغييبها عن سابق قصد، لأسباب شتى، قد تأتي في طليعتها رغبته في إحداث تأثير دراماتيكي خاصّ، أو ممارسة الدعابة والمزاح، أو إطلاق واحدة من ضحكاته التي صارت شهيرة الآن، على نطاق دولي والحقّ يُقال. في عبارة أخرى، إنه يتجلى حقاً، في مستوى شفاهي يتيح فرصة أفضل للتعرّف على أفكاره، أو إعادة قراءة النصّ على نحو أوضح، وقد يحدث ـ مراراً في الواقع، ولعلها القاعدة وليس الإستثناء ـ أن تنقلب زلّة لسان هنا، أو صياغة متسرّعة هناك، إلى مفاتيح جازمة تفسّر الخطاب من الألف إلى الياء.

وهكذا، في حال الخروج عن النصّ، يكشف الأسد الكثير من الأفكار الأقرب إلى دخيلة نفسه، والتي أوعز لكاتب خطبه أن لا يدرجها في النصّ المكتوب، أو هي مدرجة بالفعل ولكنّ الصياغات الإرتجالية تكسبها معنى مختلفاً، في كثير أو قليل، وحمّال دلالات إضافية في كلّ حال. لعلّ المثال الأشهر هو فاصل الإرتجال الذي شهده خطاب صيف 2006، وانطوى على الغمز من قناة “أشباه الرجال”، المصري حسني مبارك والسعودي عبد الله بن عبد العزيز وآخرين، دون أن يتجاسر الغامز على تسميتهم؛ وكيف سارع الأسد، بعد أقلّ من سنتين، إلى زيارة أولئك الأشباه خلال قمّة الكويت الإقتصادية، فتبادل معهم المصافحة والعناق والقبلات، معيداً إليهم صفة الرجولة كما للمرء أن يتخيّل.

ما يعني هذه السطور هو ذلك الطراز من الإرتجالات التي تخصّ مسألة الإصلاح، والتي أعاد الأسد ارتجال الحديث عن بعضها خلال خطابه الثالث قبل أيام، في مدرج جامعة دمشق، على نحو يذكّر بخطابه أمام ما يُسمّى “مجلس الشعب”، في تموز (يوليو) 2007، أثناء أداء القسم لدورة رئاسية ثانية. آنذاك أفصح الأسد عن جملة أفكار، وأماط اللثام عن جملة أخرى من الحقائق، بينها أنه لم يجد الوقت الكافي للتفرّغ للإصلاحات الداخلية (حتى تلك الإدارية والإقتصادية الأثيرة على قلبه، التي كان حتى وقت قريب يردّد أنّ لها عنده الأولوية على الإصلاح السياسي). ولقد قال، مرتجلاً بالطبع (وننقل عن النصّ الرسمي كما نشرته وكالة الأنباء السورية، سانا، بالحرف وبعلامات الوقف ذاتها): “لم يكن لدينا الوقت حتى لمناقشة أية فكرة لا بالنسبة لقانون الأحزاب ولا لغيرها.. وحتى فى مرحلة من المراحل.. حتى الأولوية كانت الإقتصاد.. لم يكن لدينا الوقت لمتابعة الوضع الإقتصادى.. كنا نخوض معركة مصيرية.. وكان لابد من أن ننجح فى هذه المعركة.. لم يكن هناك خيار أمامنا”.

وتوجّب أن نعرف، بذلك، أنّ أيّ إصلاح لن يرى النور في ما تبقى من أشهر العام، رغم أنه يدشّن الولاية الثانية: “طبعاً هذا العام أيضاً.. عام 2007.. هو عام مصيرى.. نحن طبعاً فى النصف الثانى وبقى منه بضعة أشهر.. هذا العام وربما أشهر من هذا العام ستحدد مصير ومستقبل المنطقة وربما العالم كله”. عرفنا، كذلك، أنّ الرئاسة ستكون منشغلة بما هو مصيري، والإصلاح استطراداً مسائل هامشية ولا تُصنّف في أيّ مستوى مصيري. بل لقد اتضح، كذلك، أنّ أي توقيت إصلاحي هو رهن بعلم الغيب، ما دامت الإصلاحات ـ مجتمعة أو متفرّقة، ذات أولوية أولى أو خامسة أو عاشرة، سيّان… ـ مرتبطة بمعارك النظام الخارجية، وما هو أبعد (الترتيب الرئاسي سار هكذا: “نحن لسنا منعزلين.. ولا نعيش فى جزيرة.. نحن نتأثر بكل ما حولنا.. نتأثر بالعراق ونتأثر بلبنان ونتأثر بفلسطين.. وبأشياء أخرى.. ربما تكون أبعد”).

هل آن أوان “الإصلاح”، في اليوم المئة من عمر الإنتفاضة السورية، بعد سقوط أكثر من 1500 شهيد، وإصابة أكثر من 6000 جريح، ونزوح 11 ألف مواطن إلى تركيا أو لبنان، واعتقال الآلاف؟ ارتجالات

خطاب مدرج جامعة دمشق تقول نعم، بل هي لا تشير أبداً إلى تأثر النظام بالعراق ولبنان وفلسطين، وبقدرة قادر تطمئن السوريين إلى أنّه “لا يوجد من يعارض الإصلاح”! قال الأسد: “أنا شخصياً لم ألتق بشخص في الدولة يعارض الإصلاح والكل متحمس للإصلاح.. المشكلة هي أي إصلاح نريد.. ما هي التفاصيل”. المشكلة الأخرى هي أنّ “البعض يريد أو يتوقع بأن القانون يصدر والرئيس يوقع هذا القانون، القضية سهلة. هل ممكن أن يحصل هذا الشيء؟ طبعاً.. هل يؤدي هذا الشيء لنتائج إيجابية ويحقق المصلحة العامة؟ ربما”. كذلك: “عندما أقول ربما يعني الاحتمالات واردة.. لا نستطيع أن نقوم بعمل مفصلي وبعملية إصلاح كاملة بعد خمسين عاماً من شكل سياسي معين أن ننتقل من خلال قفزة في المجهول”.

والحال أنّ هذه “الدوّيخة” الجديدة تتابع ما دأب عليه الأسد في دوّيخات سابقة وقع الشعب السوري ضحية لها، منذ خطاب القسم الأوّل سنة 2000، حين أعلن وريث حافظ الأسد أنه لا يملك عصا سحرية؛ مروراً بخطاب القسم الثاني، حين اعترف بأنّ “الظروف السياسية والضغوطات”، ومعها “الفوضى العارمة”، هي التي “غيّرت أولوياتنا وبات همّنا الأول هو الحفاظ على الأمن والأمان”؛ وصولاً، بالطبع، إلى حيرته على مدرج جامعة دمشق، بين وجود مجلس الشعب أم غيابه؟ تعديل بعض الدستور، أو كلّه؟ قانون انتخاب لدائرة صغرى أم متوسطة أم كبرى؟ وقانون أحزاب يمنع تحويل سورية إلى “كرة يُلعب بها”، أم قانون يجعلها لاعباً؟ ونتحاور وطنياً خلال شهر أو شهرين؟ عبر مئة شخص، أم أقلّ؟ مَنْ يشارك بالحوار، وما هي المعايير، وكيف نضع المحاور، ومَنْ يشارك في كلّ محور من المحاور؟ وأخيراً، كيف القيام بكلّ هذه الخطوات، تحت ضغط المؤامرة، والمندسّين، والمخرّبين، والإمارات الإسلامية، والتكفيريين، والفارّين من وجه العدالة، والجراثيم، و… عربات الدفع الرباعي!

وبمعزل عن مقدار التفكك في موضوعاتها، وانعدام الترابط بين مفرداتها، فإنّ هذه الحزمة من الإرتجالات يمكن أن تصلح مادّة لاستقراء الخطّ الراهن من تفكير النظام، وعلى مستوى الحلقة الأضيق التي تدير القرار الأعلى تحديداً؛ إذْ يلوح عندها أنّ الحزمة تمهّد لسلسلة انحناءات أمام العاصفة، وسلسلة ترتيبات تتيح تكيّف النظام أمام المتغيّرات، ومعها، بدل السعي إلى اعتبارها عابرة مؤقتة يصحّ فيها الخيار الأمني وحده. وسواء كانت زلة لسان، أم نطق بها عن سابق وعي وقصد، فإنّ محض إشارة الأسد إلى تشكيل “هيئة تأسيسية” تطرح دستوراً جديداً على الإستفتاء الشعبي، تعني أنّ أحد المطالب الرئيسية للمعارضة أخذت تتسلل إلى ذهنه، فغابت عن النصّ المكتوب، وانزلقت إلى الشفاهي المرتجل.

وبين السيناريوهات التي قد تكون في صلب حسابات النظام، وضمن خياراته في المراحل الأخيرة من معركة البقاء، ذاك الذي يجبر السلطة على وضع الحلّ الأمني جانباً، أو بصورة مؤقتة لا تلغي إمكانية العودة إليه في أي وقت. صحيح أنّ المعارك التي يخوضها النظام ضدّ الشعب، كلّ يوم، واعتماداً على الهراوة والاعتقال مثل الرصاص الحيّ والدبابة والحوّامة، تبرهن أنّ الخيار الأمني ما يزال هو المرجّح وهو السائد. وصحيح، أيضاً، أنّ اليد العليا تظلّ لأمثال ماهر الأسد وكتائب “الحرس الجمهوري” المنتخبة، وللمفارز الأمنية التي يقودها اللواء على مملوك، واللواء زهير الحمد، والعميد ثائر العمر، والعميد أنيس سلامة، والعميد حافظ مخلوف (من جهاز المخابرات العامة/ أمن الدولة)؛ واللواء عبد الفتاح قدسية (المخابرات العسكرية)، واللواء جميل حسن (مخابرات القوى الجوية)، واللواء محمد ديب زيتون (شعبة الأمن السياسي)…

صحيح، كذلك، أنّ حديث الأسد عن بقاء الجيش حتى إشعار آخر، لأنه “موجود من أجل أمن المواطنين وأمن أبنائهم” كما قال، يؤكد استمرار النظام في الاعتماد على الحلّ الأمني؛ إلا أنّ الإرتجال اللاحق يوحي بباطن تفكير السلطة أيضاً: “نحن نرغب بالحل السياسي ونتمنى أن يعود الجيش إلى ثكناته بأقصى سرعة”. ذلك لأنّ “الجيش” الذي يقصده الأسد ليس كلّ الجيش السوري، ولا نصفه أو ثلثه أو ربعه، بل هو ثلاث كتائب نخبوية التسليح والإمتيازات، اختار ماهر الأسد أفرادها وصفّ ضباطها وضباطها بعناية فائقة، وعلى أسس فئوية ومناطقية لاوطنية تجعلها أقرب إلى ميليشيا خاصة أو عصابة منظمة. وهذه الكتائب، بالتعاون الوثيق مع قطعان “الشبيحة”، هي التي ارتكبت وترتكب الجرائم في درعا وبانياس وحمص وتل كلخ وجسر الشغور ومعرّة النعمان وخربة الجوز، وهي التي تدافع عن الحلّ الأمني وتتعهد تنفيذه.

خشية النظام، وفي هذا يستوي الأسد وشقيقه مع غالبية ضباط الحلّ الأمني، هي أن يؤدّي فشل الحلّ الأمني، وإطالة أمده دون جدوى ملموسة، إلى احتكاك مباشر مع الجيش السوري الفعلي، أي مع أكثر من 300 ألف مقاتل عامل، و300 ألف مقاتل احتياط، ينتشرون في طول البلاد وعرضها، ولم يتدربوا على قتال آبائهم وأبنائهم وبناتهم، أخوتهم وأخواتهم، أطفالهم وشيوخهم، المتظاهرين المسالمين الذين لا يحملون أيّ سلاح سوى الهتاف بالوحدة الوطنية، من أجل الحرّية والكرامة. وحين يتمنى الأسد أن يعود “الجيش” إلى ثكناته، فهو في الواقع يتمنى عودة كتائب ماهر الأسد إلى ثكناتها، قبل أن تدخل في صدام مع سرايا وكتائب وأفواج وألوية وفِرَق الجيش السوري النظامي.

وضمن قراءة مماثلة، لا يتمنى الأسد “أن يعود عناصر الأمن إلى مكاتبهم وأبنيتهم ومواقعهم أيضاً بأقصى سرعة”، إلا لأنّ تجارب 100 يوم من محاولات كسر إرادة الشعب ارتدّت على تلك الأجهزة ذاتها، وربما منذ الأسبوع الأوّل، فلم تنكسر سوى صورتها السابقة، التي نهضت على الترهيب والقهر ودوس الكرامات والعبث بكلّ وأيّ قانون. وعلى هذه الاجهزة، في المقام الأوّل، ينطبق أحد أجمل شعارات الإنتفاضة: رصاصكم لم يقتل فينا إلا خوفنا منكم! وبالطبع، لا بدّ أن يكون الحفاظ على ما تبقى من هيبة الأجهزة الأمنية، والإبقاء على بعض شوكتها القمعية، واحداً من العناصر الحاسمة في ستراتيجيات تكيّف النظام مع المراحل القادمة من تطوّر الإنتفاضة.

هو انحناء أمام العاصفة، إذاً، تكشف على نحو غير مباشر، كما انكشف بصفة مباشرة أيضاً، في خطاب الأسد الثالث؛ ولعلّه، إذا صحّ، سوف يفضي إلى إبعاد الخيار الأمني ـ العسكري مؤقتاً، وسحب المبادرة من يد ماهر الأسد (بالتراضي والاتفاق دائماً، ولا يظننّ أحد أنّ الأمر سيتمّ في حلبة صراع بين الشقيقين)، وإعادتها إلى بشار الأسد، ومعاونيه ومعاوناته (وهذا قد يفسّر الظهور، بعد غياب، لأمثال وليد المعلّم وبثينة شعبان). لكنه، في الآن ذاته، مخاض زائف، لولادة تعلن كلّ الوقائع أنها ليست عقيمة ممتنعة عن الصدق والمصداقية والانفتاح والحوار، فحسب؛ بل هي مناورة جديدة يلجأ إليها نظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، فاقد لأية قدرة على تعديل بنيته بما يديم صلاحيتها، المستعصية أصلاً على الإصلاح.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

53 − = 45

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إدوارد سعيد والسماء الأخيرة/ صبحي حديدي

      في لائحة أعمال إدوارد سعيد ثمة كتاب بعنوان «بعد السماء الأخيرة: حيوات ...