الرئيسية / صفحات العالم / الاصطفاف التركي في المنطقة

الاصطفاف التركي في المنطقة

محمد نور الدين

بعدما انتهت سياسة “صفر مشكلات” التي اتبعتها تركيا وحلت محلها سياسات أنتجت مشكلات ومخاطر، ها هي تركيا تمضي خطوة أخرى على طريق التورط الكامل بالأزمة في سوريا وفي المنطقة .

والسياسة التي ينتهجها قادة حزب العدالة والتنمية لا تنتمي بصلة حتى إلى الفترات الأكثر جدلاً من تاريخ العلاقة التركية مع الشرق الأوسط .

فقد حافظت تركيا على سياسة معقولة خارجياً أثناء حكم أتاتورك بين الحربين العالميتين الأولى والثانية . لكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية دفعت تركيا ثمن انتمائها إلى المعسكر الغربي تنازلات عديدة منها العداء للشيوعية، والاعتراف ب”إسرائيل”، والدخول إلى حلف شمال الأطلسي . وترجمت ذلك تسهيلات للعدوان الثلاثي على السويس وتوتيراً للوضع مع سوريا والتحرك العملي ضد حركات الاستقلال العربية .

مع ذلك فإن تركيا  لم تتجاوز في هذه السياسة أن تكون طرفاً خارجياً، وفي أن تكون العلاقة الجيدة أو الصدامية هي من دولة لدولة ومن سلطة إلى سلطة .

غير أن بدء أحداث الربيع العربي أخرج تركيا عن سياستها التقليدية الخارجية، وتوجهت إلى أن تكون طرفاً في الصراعات الداخلية في الدول، وأطلقت مواقف من موقع الراعي والوصي سواء مع حسني مبارك، أو اليمن، أو سوريا .

وإذا كان التدخل التركي سياسياً في بلدان الربيع العربي، فإنه حاد عن هذه البوصلة في ما خص الأزمة في سوريا وعلى جميع المستويات . فكانت أول من نظّم المعارضة السياسية في سوريا عبر مؤتمرات وصولاً إلى تشكيل المجلس الوطني السوري .ومن ثم أسست الجيش السوري الحر ودربت مقاتليه واتخذت له من أنطاكية مقراً للقيادة .

وفي الآونة الأخيرة تكتلت الفصائل السورية المسلحة في هيئة قيادية واحدة في اجتماع في أنتاليا، وكان لافتاً أن مسؤولين عسكريين من دول عدة، قد شاركوا في الاجتماع ومن بينهم ضابط تركي رفيع المستوى .

من الواضح أن الأزمة السورية لن تشهد نهاية قريبة لها، والمعارضة تسعى إلى حسم الوضع في أقرب وقت وبالطرق العسكرية .

النهج التركي لا ينسجم أبداً مع شعارات أطلقها حزب العدالة والتنمية عن “صفر مشكلات” والقوة الناعمة . باتت علاقات حسن الجوار في خبر كان، لكن البديل بالنسبة إلى المسؤولين الأتراك لا أعتقد أنه يوفر لتركيا مكاسب، بل ينعكس عليها سلباً . التوتر في ذروته مع  سوريا . التوتر يتعاظم مع العراق . وكما في سوريا وقفت أنقرة طرفاً في الصراعات الداخلية في العراق . تقف مع البرزاني ضد الحكومة المركزية ولا تعير أهمية للسيادة العراقية . حتى إذا تطلب الأمر فإنها مستعدة لدعمه عسكرياً . قد تسفر الصراعات هنا وهناك عن منتصر ومنهزم، ولكنها قد تكون هزيمة للجميع أو انتصاراً في الميدان، فيما هي هزيمة على المستوى الشعبي بما تتركه من آثار عميقة داخل المجتمعات .

إن انتهاج الطريق العنفي في التعامل مع مشكلات إقليمية تركيا ليست طرفاً مباشراً فيها هو أمر يدعو إلى القلق، لأن التوترات تولد توترات والدم يفتح على الدم . ويرى المؤرخ التركي الشهير خليل إينالجق أن أوروبا لم تنس حتى الآن فتح القسطنطينية، ولذلك لن تسمح لتركيا بأن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي، بل هي تعمل على عرقلة أي نهوض لتركيا على الساحة الدولية .

إن عرقلة النهوض التركي هو من أهم دوافع محاولة الغرب توريط تركيا في الصراعات العسكرية في سوريا .

وترى أغلبية من المحللين الأتراك أن الولايات المتحدة إذ يصعب عليها التورط منفردة في سوريا، كما فعلت في أفغانستان والعراق، فإنها تضغط لتكون تركيا جزءاً من ائتلاف عسكري دولي لإسقاط النظام السوري . وهو هدف ليس عصياً على واشنطن التي تكبل تركيا بارتباطات أطلسية واتفاقيات ثنائية عسكرية وموقع تركيا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية .

لقد كان الغرب دائماً يحارب المسلمين بعضهم ببعض وهو لم يغير هذه السياسة سواء كان اسمها مصر أو سوريا أو ليبيا .

وخروج تركيا من هذه الاصطفافات لا أعتقد أنه سيكون خياراً خاطئاً لاستقرار تركيا والمنطقة .

الخليج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...