الرئيسية / صفحات الرأي / الاصلاح في العالم العربي لا يطال الخبز وحده

الاصلاح في العالم العربي لا يطال الخبز وحده

 


د . طيب تيزيني

في سياق الدعوة الى الاصلاح في العالم العربي, ظهرت اراء لدى كتاب وباحثين وناشطين في حقل منظمات “حقوق الانسان” ضمن مجموعة من البلدان العربية, وخصوصا تلك التي عاشت حدث الثورة الشبابية التي ما تزال آخذة مداها, اما تلك الاراء فتتلخص – بالنسبة الى البلدان العربية التي تتسم بهيمنة الفقر والافقار في اوساط الطبقات الدنيا خصوصا – في ان المطلب الذي يفرض نفسه في هذه البلدان انما هو احداث اصلاح اقتصادي يخفف من النسب المرتفعة للفقر ضمن تلك الطبقات, واستطاع بعض ممثلي وجهة النظر هذه ان يصمموها في اوساط تلك الاخيرة, وراح ذلك يفرض نفسه, كذلك ضمن المراجع الاقتصادية والسياسية الرسمية وغير الرسمية, بحيث يمكن القول بان وجهة النظر المذكورة لقيت صدى ايجابيا ضمن السلطة القائمة في اعلى الهرم.

بيد ان ظهور ذلك الفهم للاصلاح لم يتمكن من الانتشار في الجسد الواسع من المواطنين على نحو يتوقف عند وجهة النظر المذكورة وذات البعد الاقتصادي. ذلك ان ما تعيشه الكتل العظمى من الشعوب العربية, لا يتلخص في الخبز وفيما يلتقي معه من ضرورات القيام باصلاح اقتصادي في الدرجة الاولى او الحاسمة, فلقد عاشت تلك الكتل الشعبية وما تزال تعيش يدا بيد مع انتشار الاستبداد السياسي والانحطاط الاجتماعي والاخلاقي وغيره – انماطا من الاقصاء السياسي الذي لا يتفق مع التحدث عن اصلاح ديمقراطي يشتمل خصوصا على قواعد التعددية الحزبية والسياسية والاقرار بمبدأ التداول السلمي للسلطة وبحرية التعبير عن قضايا الامة والشعب وعن حقوق البشر في العالم اقتصادا واجتماعا وثقافة وغيره.

في هذا وذاك وذلك, راح يتضح ان الانسان – وهو اثمن رأسمال – لا يمكن اختزاله الى كونه آكلا شاربا, وانما هو كيان كلي يأتي على رأس الاولويات, ها هنا بدأ شباب الانتفاضات العربية يعون ان الحرية والعدالة والمساواة والكرامة هي اولا, ولكن في سياق الدفاع عن الحقوق في العمل والكفاية المادية وكل ما يسهم في ازدهار الانسان المواطن, واذ يستعيد المرء ما يكرّس هذا الفهم العميق لمفهوم الاصلاح, فانه يجد فيما اعلنه السيد المسيح من مقال دقيق على هذا الصعيد, حيث قال: ليس في الخبز وحده, يحيا الانسان, وقد يصبح التحدث عن حقوق جزئية محددة للاصلاح, من نمط الاصلاح التربوي والجامعي والنقابي, الا ان ذلك لا يمكن انجازه الا ضمن رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار الحقول المجتمعية كلها ومجتمعة, وفي ضوء تاريخي مفتوح.

على ذلك النحو, يغدو واضحا ان الاهتمام بقضايا الاصلاح انما هو امر يقتضي الانطلاق من منهج علمي مفتوح, ويصوب نفسه تصويبا من داخله وخارجه, وهذا بدوره يظهر ان الاختلاف في النظر الى الاصلاح المطلوب الآن عربيا, انما هو اختلاف ذو بُعد متهجي ونظري, لكن كذلك ذو بُعد يقوم على مصالح مجتمعية وطبقية ووطنية وغيرها. ولكن رغم ذلك كله, لا يمكن اغفال المُعطى التالي, وهو ان الشعوب العربية حسمت امرها: ان انتاج مجتمع مدني ديمقراطي يمثل القانون فيه سيد الموقف, ان هذا هو ما يناضلون من اجله! وهم منتصرون!.

 

http://www.alarabalyawm.net/pages.php?articles_id=15872

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

22 − = 21

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...