الرئيسية / صفحات العالم / الاغتصاب الجماعي بين الإشاعة و خشية العار في سورية

الاغتصاب الجماعي بين الإشاعة و خشية العار في سورية

 


رانيا أبازيد

تناهى إلى الجميع ، على ما يبدو، القصص المروعة التي تروي تفاصيلاً عن اغتصاب جنود سوريون ممن أمنوا المحاسبة كما أمنوا العقاب للنساء والفتيات بفظاظة مبعثها إيمانهم بالنجاة من أي عقاب بسبب الحصانة التي يتمتعون بها. لقد روى اللاجئون السوريون القادمون من مدينة جسر الشغور شمال سورية ممن عبروا الحدود إلى تركيا وممن يمكثون في المنطقة الحدودية في شمالي سورية العديد من قصص الاغتصاب المثيرة للاشمئزاز.

لقد خطف الجنود عدة فتيات جميلات من جسر الشغور و اقتادوهن إلى معمل السكر واغتصبوهن و أبقوهن عاريات يقدمن لهم القهوة والشاي لإرضاء غرورهم. حتى أن هنالك قصصاً أفظع عن قيام بعض الجنود بقطع أثداء بعض الفتيات بطريقة سادية. إلا أن القليل من الناس قابل تلك الضحايا والقليل أيضاً يعرف أسماؤهن.

يعتبر الاعتداء الجنسي أمراً قاسياً في أي مجتمع ولا سيما في المجتمعات الريفية العربية المحافظة كتلك الموجودة في شمال سورية — حيث يرتبط غالبا شرف العائلة بسمعة نسائها. إن مجرد تعرض عفة النساء أو الفتيات للخطر حتى و لو تم ذلك عن طريق الخطف، فإن ذلك يعتبر وصمة العار، مما يجعل الضحية و عائلتها منبوذين . وقد أكد اللاجئين على الجانب السوري الذين تحدثوا عن هذه الأفعال أنهم سمعوا أنه تم وصول بعض من تلك الضحايا إلى معسكر تركي خاص و أن بعضهن يقيم بينهم في نفس مخيم اللاجئين.

ليس من الصعب عادة الوصول إلى مخيم للاجئين، ولكن في هذه الأيام، يصعب تغطية الأحداث في سورية بسبب السيطرة المحكمة على وسائل الإعلام الذي تفرضه الحكومة السورية حيث اضطر الصحفيين الأجانب إلى الاعتماد على المكالمات الهاتفية ، وتويتر، و فايسبوك ، و يوتيوب وأشرطة الفيديو وشهادات العيان من هنا وهناك حيث تتم محاولات لربط تلك الشهادات بعضها ببعض البعض مع بدء الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في منتصف مارس أول مرة.

لقد مثل نزوح السوريون إلى الحدود الجنوبية لتركيا مؤخراً فرصة للتواصل مع اللاجئين وجهاً لوجه وسماع شهاداتهم و مقارنتها بما كنا قد علمناه مسبقاً. لقد منعت الحكومة التركية وسائل الإعلام من الولوج إلى داخل المخيمات في مقاطعة هاتاي جنوب تركيا بذريعة حماية خصوصية الـ 9500 لاجئ سوري هناك.

في 16 حزيران ، استطعت التسلل مع زميلة لي ناطقة بالعربية إلى المخيم مدعين أننا أقارب أحد اللاجئين الذكور الذي أصيب بعيار ناري وقد انطلت الحيلة على حراس البوابة التركية الذين كانوا يعرفون الشاب وزوجته اللذين كنا نقصد. سُمح لنا بالدخول إلى مقربة من الجدار. كل هذه المخاطر تكبدناها فقط من اجل تحقيق أملنا في التحدث مع إحدى المخطوفات والمغتصبات وجها لوجه.

على الرغم من أن الأتراك الذين كانوا يحرسون البوابات تركونا وحدنا مع “أقاربنا المزعومين” لحظة دخولنا إلا أننا وجدنا أن السوريون المتواجدون هناك كانوا مختلفين تماماً، ربما هم مختلفون لأن المجتمع السوري نشأ على الخوف في بلد ينتشر فيه عناصر المخابرات أو الشرطة السرية في كل زاوية كما ينتشر جنون العظمة والارتياب الذي يعتقد النظام أنهما منجيانه من السقوط في الهاوية . أو ربما كان منبع ذلك الشعور باختلاف السوريين بأن المخيمات قد تحتوي على المخابرات المندسين كلاجئين. و على كل حال من الصعب التخلي عن الشكوك المتأصلة في روع البشر.

وقف ثمانية رجال على الأقل على مقربة منا ولكنهم لم يكونوا منتمين إلى تلك الفئة الشريرة أو الفضولية من الرجال التي تبحث عن الفتيات الجديدات في المخيم. لم تظهر عليهم علامات الخجل ولم يكونوا من النوع الذي يشيح بوجهه عنا حتى لو تم طُلب منهم ذلك مباشرة. كانوا مثل الشرطة المدنية التي تنتشر عادة في جميع أنحاء العاصمة السورية دمشق، أولئك الرجال الذين حتى لا يجدون ضيرا من استراق السمع عنوة.

بعد مرور 10 دقائق أو نحو ذلك، ذهب أحد الرجال من ذوي الشعر الأبيض إلى قريبنا المزعوم و ذكَّره بأنه لا يُسمح لأحدٍ بالحديث لأي كان إلا إذا وافق هو على ذلك، وقال أنه سيتم تفتيشنا للتأكد من أننا لسنا صحفيون أو جواسيس لتركنا نمضي في حال سبيلنا بسرعة. و كنَّا قد تخلينا عن الدفاتر و الحقائب، ومفاتيح الفندق، وبطاقات التعريف بنا، وجوازات السفر و من أي شيء قد يوحي بأننا صحفيين، و لكننا قمنا بإخفاء مسجلات صغيرة وكاميرا رقمية في ملابسنا.

تمنينا السلامة لقريبينا المزعومين وأخبرناهما أننا لا نريد التسبب لهما بأية مشاكل وغادرنا باتجاه البوابة بعد أن دسسنا كاميرتنا الصغيرة في حقيبة قريبتنا النسائية وأوصيناهما بأن يبحثا عن النساء المغتصبات و اللواتي بترت أثدائهن. وبالمناسبة فالمعسكر حيث كنا ليس كبيراً جداً حيث يقطنه بضعة آلاف من اللاجئين. و بالرغم من أن البحث والتقصي لم يتوصل السوريين إلى نتيجة في بحثهما، بدا أن الجميع سمع عن تلك القصص و لكن لم يعرف احدٌ ما مكان الضحايا، وقد تساووا في عدم إفادتنا في تقصينا هذا مع أولئك السبعون جريحاً الذين يُعالجون في مستشفى مدينة أنطاكية التركية.

عدت أدراجي إلى سورية سالكةً طرق التهريب عبر الحدود التركية إلى سورية حيث مررت بكروم الخوخ الفارغة تقريبا من النازحين و الذي قضيت فيها أياماً باردة برفقة آلاف النساء والرجال و الأطفال الذين عبروا إلى تركيا. غير أني علمت ممن بقي فيه أنهم يعرفون رجلاً من قرية السرمانية التي تقع على بعد بضعة كيلومترات من جسر الشغور قد تم اغتصاب بناته المراهقات الأربعة من قبل جنود سوريين.

“نعم، إنها حقيقة، لكنني لا اعلم اسم العائلة”قال الطبيب محمد مرهي ذو الثلاثين عاما وصاحب عيادة متنقلة بحكم الظروف الطارئة حيث يقوم بصرف أدوية بسيطة للأطفال كأدوية الإسهال، أو يعالج الجرحى بما هو متاح لديه، ثم أردف ” تعلم أننا في مجتمع شرقي ولا نتحدث بهذه الأمور بشكل علني” قال ذلك محاولاً شرح لي سبب صعوبة العثور على الضحايا أو العثور على من يعرفهن.

وبشكل مثير للدهشة، كان هذا الشاب الوسيم واحداً من أربعة رجال في هذا المستوصف المتنقل الذين أعربوا عن استعدادهم للزواج بالمراهقات التي تم اغتصابهن بالرغم من أنهم لم يقابلوهن من قبل أبدا.

ياللعجب، ففي خضم ثقافة العار المتوارثة في مجتمعات تُقدس العذرية بحيث لا تسنح فرصة الزواج لضحايا الاغتصاب عادة، يعرب بسام المصري ذو 32 ربيعاً، والذي استشهد أخاه باسل على يد قوات الأمن في جسر الشغور في 3 حزيران أثناء تشييع جنائز المجزرة التي قامت بها قوات الأمن السورية و الشبيحة في اليوم السابق، عن علمه بالقصة وقال ” أتمنى أن يحصل لي شرف الزواج من إحدى الفتيات اللواتي تم اغتصابهن” قال ذلك بينما كان الطبيب مرهي يعالجه من إصابة بطلق ناري في أعلى فخذه الأيمن، يقول بسام:” أتفهَّم أن هؤلاء الفتيات عانين الكثير و أنهن أُخذن غصباً و أنا لا يهمني كيف يبدون بقدر ما يهمني أن أقف إلى جانبهن و سأفعل ذلك حباً و كرامة.”

أخيراً أخبرنا الشباب أن تلك العائلة المنكوبة موجودة في مخيم غير رسمي على بعد بضعة كيلومترات من هنا لذلك ذهبنا حيث قيل لنا، ولكنه بدا لنا أنه لا أحد يعرف تلك العائلة.

“كلنا نسمع قصص الاغتصاب” قالت أم مصطفى وهي سيدة في الرابعة والثلاثين من القرية الحدودية خربة الجوز والتي تسكن خيمة قريبة من الحدود التركية بالرغم من أن بيتها يقع على بعد عدة مئات من الأمتار. مئات من سكان خربة الجوز فعلوا الشيء ذاته – هجران منازلهم والنوم في الحقول القريبة خوفاً من إمكانية انقضاض الجيش السوري عليهم ليلاً. “كلنا يخشى الاغتصاب” قالت أمٌ لثلاثة بنات تحت العاشرة “لقد سمعنا الكثير من تلك القصص.”

لا شك أن الجميع سمع عن هذه القصص ولكن لا احد يعرف بالضبط أياً من هؤلاء الضحايا، ويبقى الفصل بين الإشاعة و الحقيقة أمرٌ ليس بالسهل، ولكن من المؤكد أن مخاوف الناس و احترازهم من إلحاق العار بهم هو العائق الأعظم و الوحيد أمام كشف أسماء هؤلاء الضحايا.

ترجمة علي الأمين

بقلم رانيا أبازيد – خربة الجوز- سورية

http://www.time.com/time/world/article/0,8599,2078622,00.html#ixzz1QH91fTjC

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...