الرئيسية / صفحات سورية / الانتفاضات والمخاطر المحتملة

الانتفاضات والمخاطر المحتملة


محمد ديبو

ثمة مخاطر عديدة تتربص بالربيع العربي الخلاق الذي تفجر ثورات ضد الاستبداد من تونس حتى دمشق. ورغم كثرة المخاطر، إلا أنّ ثلاثاً منها يمكن اعتبارها الأبرز، لوضوحها من جهة، ولأنّها قد تفرغ الربيع من فحواه حال تمكنت من النفاذ إليه.

أولى هذه المخاطر وأكثرها قدرة على الفتك به، تتجلى في البعد الاقتصادي الذي كان سبباً أساسياً من أسباب اندلاع الثورات، إذ إنّ الإفقار الممنهج وتراجع الدخل الشخصي للمواطنين وانعدام فرص العمل كانت سبباً (إلى جانب القمع وانعدام الحريات) في نزول الجماهير المنتفضة إلى الشوارع مطالبة بحقوقها، إلا أنّ تلك الثورات كان لها انعكاس سلبي على اقتصاد البلدان التي اندلعت فيها الثورات، إذ توقفت عجلة الاقتصاد، وتراجعت الاستثمارات الخارجية والداخلية، وخسرت البورصات، إضافة إلى شلل العديد من مؤسسات الدولة، مما سبب فقدان العديد من فرص العمل الذي تسبب بدوره في زيادة العاطلين من العمل (قبل الثورة التونسية كان يوجد نصف مليون عاطل من العمل، الآن يوجد سبعمئة وخمسون ألف عاطل من العمل، والرقم مرشح لأن يصل إلى مليون إذا لم تتمكن السلطات من احتوائه، وذلك وفق أرقام قالها المنصف المرزوقي). هكذا غدونا أمام مشكلة اقتصادية بنيوية مطروحة على سلطات ما بعد الربيع العربي. هي مشكلة ذات شقين، يتضمن أولها العمل السريع على احتواء مشكلة البطالة وتأمين فرص عمل سريعة لجماهير باتت على خط الفقر. وفي حال لم يحصل ذلك، فقد تجد هذه الجماهير نفسها في الشارع مرة أخرى لندور في حلقة مفرغة.

ويتضمن الشق الثاني مسؤولية بناء اقتصاد حقيقي على أسس علمية اقتصادية، تأخذ في الحسبان متطلبات الأجيال الحالية، دون أن تفرط بثروة الأجيال القادمة، بعيداً عن الاقتصاديات القائمة والمبنية على فساد تام، مما يعني التأسيس لبنية اقتصادية جديدة لا تقوم دون التخلص من ميراث الاستبداد اقتصادياً، وهو ما قد يأخذ زمناً طويلاً.

إنّ التمعن في شقي المشكلة أعلاه، يجعلنا نقف أمام تناقض الشقين حيث قد لا يستقيم أحدهما بتحقق الآخر، لأنّ عملية بناء اقتصاد على أسس علمية قد تتضارب مع عملية إيجاد فرص عمل سريعة، قد تكون على حساب بناء هذا الاقتصاد، خاصة إذا جاءت كنوع من البطالة المقنعة الهادفة إلى مجرد إيجاد فرص عمل، بعيداً عن ربط الأمر بتوسيع دائرة الإنتاجية اللازمة لنمو الاقتصاد واستقراره.

ومن هنا قد يكون الرئيس التونسي الجديد المنصف المرزوقي قد أخطأ حين جعل من أولوية مهامه تأمين فرص عمل بالسرعة القصوى، فهو قال إنّه سيستقيل حال لم يتمكن من احتواء هذه المشكلة بعد ستة أشهر. قد يتمكن المرزوقي من احتواء المشكلة على المدى القصير، لكن ماذا عن مشكلة بناء الاقتصاد الذي قد يؤدي إرهاقه منذ الآن إلى تعطيل تقدمه ونموه!

هنا، تخطئ النخب مرة أخرى، حين تربط حصاد الربيع بزمن قصير مبكر، لأنّ هذا الخراب الممنهج المبني على مدى عقود، يحتاج إلى زمن طويل، مما يجعل الجماهير تعيش وهم الدخول في دائرة الرفاه قريباً، وهو ما لن يحصل، الأمر الذي سيجعل تلك الجماهير تصاب بخيبة أمل مبكرة، قد يكون لها تداعياتها السلبية.

من هنا تغدو معالجة المسائل الاقتصادية العالقة، إضافة إلى وضع أسس اقتصاد حقيقي، من أهم المهام الملقاة على عاتق سلطات ما بعد الربيع العربي، خاصة إذا عرفنا أنّ اليمن يقترب من دائرة الصوملة، عبر تعرض 4 ملايين ونصف مليون يمني لخطر الجوع المباشر.

الخطر الثاني الذي يتربص بالربيع العربي، يتجلى بموضوع الإسلاميين الذين بات حضورهم واقعاً لا يمكن الفكاك منه، إذ يخشى من أن يقوم الإسلاميون بالعمل على أسلمة المجتمع تدريجياً، بعد صولهم إلى السلطة، خاصة أنّ نموذجهم الأكثر اعتدالاً وهو حزب النهضة الإسلامي، اعتبر أنّ الأمر «خلافة سادسة». ثمة تناقض يبدو واضحاً للعيان بين الخطاب الإسلامي المعلن، وبين البنية الإيديولوجية لتلك الأحزاب التي لا تجد نفسها إلا بمواجهة الآخر، لأنّها تقوم على إيديولوجية إقصائية أساساً، ترفض مسبقاً كلّ من لا يشاركها إياها، فهي تقوم على بنية الدين، بينما الوطن يبنى على أرضية المواطنة.

وهنا ستكون معركة الدستور في بلدان الربيع العربي، من أهم المعارك التي ستكشف نوايا الإسلاميين الحقيقية، لأنّ مجرد وجود بنود تشير إلى حصر رئيس الدولة بدين معين، أو فرض مواد ذات صيغة دينية، سيكون كافياً، خاصة أنّ صندوق الاقتراع هنا لا معنى له في ظلّ تحدد مفهوم الأكثرية والأقلية في العالم العربي حتى اللحظة، وفق الرؤية الدينية لا السياسية. يعني ذلك خطر الدخول فعلياً في تكريس استبداد جديد، إن لم تتمكن القوى المدنية العلمانية من مواجهة الأمر، خاصة أنّ الثورة الإيرانية درس ماثل للعيان في استبدال استبداد باستبداد آخر.

الخطر الثالث على الربيع العربي، يتجلى بذلك التكالب الغربي الأميركي الخليجي على حصد نتائجه، عبر إدخال أنظمة تلك الدول في أحلاف عالمية لا مصلحة لها فيها، سوى الدوران في فلك تلك الدول على عكس من مصالح شعوبها.

من هنا نجد أنّ الربيع الليبي قد انحرف عن مساره باتجاه استعمار غير معلن، عبر مصادرة قراره وثرواته وتدمير جيشه، إذ يتولى خبراء أميركيون عملية تفكيك الأسلحة الليبية التي تم دفع ثمنها من قوت الشعب الليبي على مدى عقود، لأجل شراء أسلحة أخرى مرة أخرى، من ثروة الشعب الليبي، في عملية قرصنة لا مثيل لها. ولعل الإشارات القادمة عن محادثات لإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وليبيا تدل إلى ما يجري، خاصة أنّ الدور القطري في ليبيا، بات موضع تساؤلات عديدة، بعدما اشتكى منه علناً أكثر من مسؤول ليبي، إضافة إلى دخول واشنطن على خط الحوار مع الإسلاميين، وهو ما تجلى عملياً في تصريحات السلفيين المصريين أخيراً بشأن العلاقة مع إسرائيل.

الأمر مماثل في اليمن، فهناك محاولة للّعب على تناقضات الصراعات هناك، وهي كثيرة (حوثي ــ سلفي، شمال ــ جنوب، تقسيم ــ قاعدة…). إذ تسعى السعودية وواشنطن وإيران، لترتيب الأمور وفق مصالحها، وبعيداً عن مصالح الشعب اليمني، وهو ما يهدد بدخول الثورة في مخاض طويل قد لا تخرج منه منتصرة.

يتعين على النخب العربية التي ستتسلّم السلطة في بلدان ما بعد الربيع، أن تأخذ تلك المخاطر في الحسبان، لأنّها مخاطر تهدد الربيع برمته، وقد تجعل منه ربيعاً إسلامياً فقط! لكن أيضاً ثمة تفاؤل كبير بأن يبقى الربيع ربيعاً، وذلك يتوقف على قدرة النخب والجماهير على مواجهة ما سبق، وهذا ما لا يمكن أن يحدث إلا بالاعتراف بحجم تلك المخاطر ومواجهتها، لا التعامي عنها ودفن الرأس في رمال الثورة.

* شاعر وكاتب سوري

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...