الرئيسية / صفحات سورية / “الانتفاضة” السورية مدفوعة الثمن!

“الانتفاضة” السورية مدفوعة الثمن!

 

طيب تيزيني

ثمة ملاحظة أولية جديرة بنا التنويه إليها في حديثنا الآن عن “الأحداث السورية”، وهي تقوم على إطلاق مصطلح “انتفاضة” على تلك الأخيرة، أي الأحداث المذكورة على التحفظ المنهجي التاريخي على تسميتها “ثورة”. أما الغاية من ذلك فتتحدد في أخذ دور الحذر العلمي والتواضع المنهجي حيال تلك الأحداث، خصوصاً أننا ندخل الآن واحة حوار مع البعض من السياسيين والإيديولوجيين العرب ضمنهم السوريون، الذين يرفعون مثل الشعار الوارد في العنوان هنا. فهؤلاء يعلِنون أن الانتفاضة (ولعلنا نستخدم أيضاً مصطلح الثورة) إنما هي أتت بفعل خارجي من قبل الامبريالية والاستعمار والصهيونية وتوابعهم في العالم العربي، هذا أولاً، أما آخرون في سوريا فيرون أن الأحداث السورية إنما افتعلتها “مجموعات مسلحة” استأجرتها دول نفطية بالدولار، كي تروّع النساء والأطفال وتقتل الرجال وتهجر الناس من بيوتهم، بل كذلك كي تستبيح النساء وغيره. التوجه الثالث لدى البعض الآخر فيبرز من خلال تسويق الطائفية والمذهبية الدينية وغيرها، التي تعمل – حسب هؤلاء – تحت راية مجموعات من السلفيين من نمط الوهّابيين وغيرهم.

لن نأتي على أنماط أخرى من التشويه المعرفي والسياسي التاريخي التي توجه على أسلوب أو آخر، إلى مجموعات من الشباب، الذين يبحثون عن حريتهم وكرامتهم وعدالتهم. ألا يتذكر أولئك المشوشون الوعود التي كان يطلقها رموز من النظام وخصوصاً من الراحل حافظ الأسد، بشعار الإصلاح والتطوير والتحديث؟ لقد كانت سوريا وما زالت جديرة بمشروع إصلاحي يعيد بناء البلاد. لم يكن ذلك المطلب يشكِّل إساءة أو رذيلة، بل بالعكس تماماً! فنحن نذكر، مع الآخرين، أن مجيء الرئيس الأسد إلى السلطة اقترن بشعار الإصلاح والتحديث والتطوير، مقابل الوضع الذي كان سائداً في حينه، وكنّا نجاهر بذلك في الإعلام السوري، حين كنا نتحدث عن هيمنة الدولة الأمنية، والفساد المزروع في البلد، والإفساد الذي يحول هذا الأخير إلى مزرعة بأيدي مجموعة من أهل المال والسلطة، والمؤسسات الاقتصادية والجامعية وغيرها التي أصبحت “أكبر من الهمّ على القلب”، إلخ. ومن الطرائف المريرة التي كانت ظهرت في الحياة العلمية الجامعية، ما يبُرز السؤال التالي وجوابه: ما هي شروط النجاح الجامعي؟ إنهما شرطان اثنان: إما أن تدفع، وإما أن ترفع!

على ذلك النحو وذلك الطريق، تتضح الخلفية التي تكمن وراء التشهير الذي يمارسه النظام السوري بحق من يقوم من الشباب بالدعوة إلى الثلاثية المقدسة المؤلفة من الحرية والعدالة والكرامة، إنها خلفية من شقين اثنين، واحد ذو بعد إنساني أخلاقي يتمثل في اتهام شباب الأمس (شبيبة الثورة) بالفساد والعمالة والإجرام، وآخر ذو بعد سياسي واقتصادي طبقي أو فئوي أو جيلي أو طائفي وغيره. أما الإشكالية الأعظم اضطراباً في ذلك الموقف التشهيري بانتفاضة (ثورة) الشباب، فهي التي تقوم على نسيان وتناسي قوانين التطور الاجتماعي والتاريخي، التي بمقتضاها يبرز القول الشعبي الهائل الدلالة “دوام الحال من المحال”.

أما الحكمة الشعبية الكبيرة في هذا السياق، فتظهر في القول التالي: كما جاءتك من غيرك، فإنها تجيء غيرك منك!

وفي هذا الحال، يذكر أن البشر إنْ لم يخضعوا لقوانين التطور الاجتماعي والتاريخي، فإنهم يُسيئون إلى أنفسهم بكل الاعتبارات أولاً، وقد يدمرون ما أنجزته أجيال سابقة عليهم ثانياً، ويجعلون رجالاً عظاماً يغضبون في قبورهم، أمثال ابن خلدون والمقريزي!

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...