الرئيسية / صفحات سورية / الانتفاضة وأحداث حماه: اختلاف لا تشابه

الانتفاضة وأحداث حماه: اختلاف لا تشابه


محمد ديبو

اليوم، في سوريا، ثمة من يقارن بين ما يحدث من انتفاضة شاملة، وما حدث في ثمانينيات القرن الماضي من صراع دموي بين الإخوان المسلمين والسلطة، معرباً عن تخوفاته من نجاح السلطة في وأد الانتفاضة التي اندلعت في الخامس عشر من آذار بسبب استخدام عنف غير مبرر يذكّر بالعنف الذي استخدمته السلطة لإخماد الأحداث آنذاك.

لا شك في أنّ تلك التخوّفات مشروعة، ولكن من الضروري معرفة أنّ ما يجري حالياً في سوريا مختلف كليّاً عن أزمة الثمانينيات، ولا يتقاطع معه نهائياً، ما يعني أنّ قدرة السلطات على الخروج بنتائج موازية لما حدث في الثمانينيات، من قمع وسجن وإغلاق المجتمع المدني وخنق كلّي للسياسة والأحزاب وإعادة الجمهور إلى الحظيرة الصامتة، تكاد تكون مستحيلة.

وفي ما يأتي بعض الفروق التي تجعل من اليوم مختلفاً عن الأمس. أولاً، ما يحدث الآن في سوريا هو نتاج أزمة شاملة، تصيب المجتمع والسلطة معاً. أزمة مركبة سياسياً، وسلطوياً، واجتماعياً، إذ تعاني سوريا إفقاراً تاماً على كافة المستويات؛ فالاقتصاد في أدنى مستوياته، وهو مترافق مع تزايد سكاني وبطالة مرتفعة وحراك سياسي معدوم. والمجتمع الأهلي مجهض بالكامل، والنقابات ملحقة بالسلطة، ما يجعل الأزمة الحالية هي أزمة كلية، بينما كانت أزمة الثمانينيات أزمة جزئية، تتعلق بالفضاء السياسي وطريقة إدارة البلاد. أزمة تكاد تنحصر في تضييق المشاركة السياسية التي خنقتها تجربة «الجبهة الوطنية» لمصلحة أحزاب معينة، ضد أحزاب أخرى، فكانت النقابات فاعلة وقتها، والسلطة لم تكن قد بسطت يدها على كلّ شيء، ولم يكن الاقتصاد بمثل هذا الانهيار، وإن كانت نتائجه السلبية بدأت بالظهور، ولكنّه كان اقتصاداً مبنياً لخدمة الطبقات الدنيا على حساب الطبقات العليا.

ثانياً، امتدت الانتفاضة السورية الحالية إلى كلّ المحافظات السورية، وشملت كلّ الأطياف المجتمعية والسياسية، والمحافظة التي لم تخرج فيها التظاهرات، كانت هناك محاولات (ولا تزال) مستمرة لكسر القيد الأمني المفروض وحاجز الخوف المهيمن (سواء كان خوفاً من السلطة، أو خوفاً من التغيير). إضافة إلى أنّ المشاركين في الانتفاضة الحالية، ينتمون إلى كافة الأطياف الحزبية السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وإلى كافة الطوائف والإثنيات السورية (عرب، أكراد، أشوريون…). أما أحداث الثمانينيات فكانت محصورة في مدن محددة (حماه، جسر الشغور، حلب، إدلب) وبتيار إسلامي واحد، بل فصيل من تيار، هو الطليعة المقاتلة التي تنتمي إلى حركة الإخوان المسلمين. كذلك فإنّ أحداث الثمانينيات لم تحظ بوعي عام يشمل الجمهور السوري، بل كان وعيها أو إيديولوجيتها محصورة بالبعد الديني الضيق التفكير للإخوان، ما جعل جمهورها محصوراً بجمهور الإخوان ومن تعاطف معه سياسياً.

في المقابل، تقوم الانتفاضة الحالية على وعي عارم بالحرية والكرامة، وعلى إحساس عالٍ بالتهميش المعنوي والاقتصادي، ما يجعلها تستند إلى جمهور صلب وكبير وموحد حول قضية واحدة، تعني حتى أولئك الذين لم يحسموا أمورهم بعد وينضموا للانتفاضة.

ثالثاً، لا يستطيع المرء أن يلحظ أي خلاف يذكر على الطابع الموحد للانتفاضة الحالية، حتى لمن يختلفون بشأنها. ثمة عنوان عريض يجمع كل السوريين تقريباً، بمن فيهم الموالون للنظام، إذ إنّهم يعترفون، بالحد الأدنى، بارتكاب السلطة لأخطاء فادحة بحق المجتمع، وبضرورة الإصلاح الجذري. وبالتالي هم، ضمنياً، يعطون الانتفاضة شرعية لتحوز إجماعاً شعبياً عاماً لناحية خلفيتها،، بينما لم تكن أحداث الثمانينيات، حتى اللحظة، تحظى بهذا الإجماع.

رابعاً، في الثمانينيات، كانت الدول المحيطة بسوريا كلّها ذات طبيعة ديكتاتورية محكومة بحزب واحد، ما يعني أنّ احتجاجات حماه جاءت في سياق عربي مغلق، فضلاً عن الالتباسات الدينية والمسلحة التي اختلطت بها، في زمن كان وهج الكفاح المسلح قد بدأ يخبو؛ إذ كان لبنان في أوج حرب طائفية قذرة، وكان صدام قد أحكم قبضته على العراق، وكان الأردن في قبضة ملكية لا ترحم، وكانت مصر في عزلتها بسبب اتفاقية كامب ديفيد، وتركيا غارقة في علمانيتها المأسورة لمصلحة العسكر، وإيران تعاني من مخاضها الثوري. ما يعني أنّ حراك الثمانينيات جاء في سياق انسداد تاريخي عربي وإقليمي، يمكن تسميته دائرة الاستبداد المتسلطة. ودولياً، كانت الحرب الباردة على أشدّها مع الاتحاد السوفياتي الداعم بالمطلق للنظام السوري، ما يعني أنّ النظام لم يكن يعاني ضغطاً خارجياً، والضغط الداخلي لم يرق لمستوى أن يكون شاملاً، أو وطنياً حتى. أما الآن، فالمعادلة مختلفة كلياً، إذ بدأت السيرورة الثورية/ الديموقراطية في أرض العرب مع رحيل الرئيسين التونسي والمصري، ما يعني أنّ الانتفاضة السورية تأتي ضمن موجة مفتوحة، لن يستثنى أحد من تأثيرها، فضلاً عن أنّه لا وجود لدولة عظمى داعمة كليّاً للنظام السوري، كما كان الأمر أيام الاتحاد السوفياتي. ولعل تصريحات الرئيس الروسي الأخيرة ضد النظام السوري، توضح الأمر لحد بعيد، ما يعني أنّ الضغط الخارجي مترافقاً مع فعل داخلي احتجاجي يتنامى يوماً بعد يوم.

خامساً، لم يعد في قدرة السلطة ـــــ أية سلطة ـــــ أن تتحكم بوسائل الإعلام كوسيلة لضبط المجتمع والسيطرة عليه. كانت وسائل الإعلام في الثمانينيات محتكرة بالكامل لمصلحة السلطة، وما لم يكن محتكراً كان يسهل منعه بفعل طبيعة السلطة التي اعتمدت نموذج الدولة المغلقة، عبر فرض الرقابة على كلّ ما يدخل ويخرج، بما يعني تحكم السلطة في توجيه الرأي العام. وذلك الأمر، أصبح مستحيلاً في عالم اليوم، بفعل تعدد وسائل الإعلام وانفتاح الفضاء الإعلامي والإلكتروني الذي فرضته العولمة، لتجعل من الدولة المغلقة كياناً هشاً يسهل التلاعب به.

سادساً، كانت الأنظمة الفكرية السائدة في الثمانينيات تنتمي إلى نمط الإيديولوجيات الشمولية، فكانت فكرة الحزب الحاكم والقائد سائدة في المنطقة العربية والعالم، وكانت تمثل في أذهان الجماهير نموذجاً للحكم الرشيد، وكانت كل الدول المحيطة بسوريا آنذاك تنتمي إلى نمط الحزب الحاكم بطرق مختلفة. وكان الاتحاد السوفياتي أيضاً، لا يزال يمثل إغراءً للعديد من الشعوب كي تتبنى نموذجه الذي لم يكن تصدع بعد. وحتى بنية الإخوان المسلمين الفكرية، التي دخلت في صراع مع السلطة آنذاك، كانت تنتمي إلى النمط نفسه، بطريقة أو بأخرى، ما جعل الصراع آنذاك بين نمطين شموليين على السلطة. لذلك ربما، لم يأخذ الصراع بعده الجماهيري. وكانت ثقافة حقوق الإنسان والديموقراطية والمجتمع المدني وقتها، تُعَدّ رذيلة فكرية لمن يمارسها، على عكس اليوم؛ إذ أصبحت منظومة حقوق الإنسان تمثّل مطلباً عالمياً لكل الشعوب، وأصبحت الديموقراطية واحترام الرأي الآخر في طليعة الأفكار المنادى بها شعبياً ونخبوياً، ما يعني أنّ أفكار الانتفاضة الحالية تأتي في سياق فكري، يمكن تسميته أنّه عالمي.

سابعاً، تمكنت السلطة في ثمانينيات القرن الماضي من تعميم سياسة الاكتفاء الذاتي التي تعتمد على الموارد المتاحة في البلد، لمواجهة الضغوط والعقوبات المفروضة دولياً، وكانت سياسة مقبولة للحد من الآثار الناجمة عن العقوبات؛ لأنّ الاقتصاد السوري آنذاك كان اقتصاداً مغلقاً، يعتمد سياسة حمائية تقوم على ضبط الاستيراد والتصدير، وإغلاق الجمارك، وحصر كل شيء بيد الدولة. لم يكن الاقتصاد السوري، إذاً، مرتبطاً بالأسواق العالمية والمؤسسات المالية الدولية. لذا، لم تؤثر عليه العقوبات، وأمكن سياسة الاكتفاء الذاتي أن تكون مفيدة، لجهة الاستفادة القصوى من كلّ موارد البلد المتاحة.

لكن ما حصل للاقتصاد السوري، في العقد الأخير، بعد اعتماد التحوّل إلى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، وخاصة بعد 2005، زاد من ارتباط سوريا بالأسواق الدولية والمؤسسات المالية العالمية؛ إذ جرى تأسيس بورصة وطنية ومصارف خاصة، وفتح باب الاستيراد والتصدير على مصراعيه، وأطلقت أيدي التجار لاستحضار وكالات لكل الشركات العالمية المشهورة، فضلاً عن الانفتاح الاقتصادي على تركيا ، فأصبحت سوريا سوق تصريف للبضاعة التركية، ما أدى إلى تحديد قدرة الدولة على مواجهة العقوبات الدولية والحصار المفروض بسبب ارتباط الاقتصاد السوري في أجزاء عديدة منه بالمنظومة الاقتصادية العالمية.

يؤكد ما سبق أنّ ما يحدث الآن لا يشبه أبداً أحداث الثمانينيات، ما يحد من قدرة السلطة على إنهاء الأمور بالطريقة نفسها التي انتهت فيها سابقاً، وحتى لو خرجت منتصرة، فثمة ثمن باهظ لا بد من أن يدفع.

* شاعر وكاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...