الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / البركان السوري قد يحرق لبنان

البركان السوري قد يحرق لبنان

كتاب لبناني يتتبع مسار الأزمة ضمن إطار التطورات الإقليمية

الربيع العربي والبركان السوري – المؤلف: العميد الركن نزار عبد القادر – الناشر: مطبعة «شمص» – بيروت 2013

بيروت: سمير شمس

يبحث هذا الكتاب في انتفاضات ما أطلق عليه «الربيع العربي»، وفي كل ما أنتجه من تغييرات في أنظمة الحكم، وفي التعديلات التي طرأت على الموروث الشعبي، بالإضافة إلى ما يمكن أن تتسبب من تبديلات في علائق لم تعد تماشي العصر ومتغيراته المتسارعة.

ما يميز أطروحات هذا الكتاب أن المؤلف استراتيجي، باحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، تجربته العسكرية غنية، فقد شغل منصب قائد الكلية الحربية، ونائب رئيس أركان الجيش اللبناني، ورئيس قسمي مكافحة الإرهاب والاستعلام الاستراتيجي في مديرية المخابرات. كما عمل، ولا يزال، أستاذا محاضرا في الجامعة اللبنانية – كلية إدارة الأعمال.

لهذا ولمضمون الأطروحات المغايرة كان لهذا الكتاب نكهة خاصة، ومعنى يتجاوز التكرار والإفاضة في التحليل الأحادي الجانب فالمؤلف يلم بالمسألة من جوانبها كافة، ليخلص إلى آراء مغايرة عن السائد والمطروح. فالأحداث غيرت الخريطة السياسية لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. فمنذ يناير (كانون الثاني) 2011. سقط عدد من الحكام الذين تربعوا على عرش السلطة لعقود عدة، ومارسوا الاستبداد والبطش، لكن من السابق لأوانه القول إن هذه الأحداث قد أفضت إلى أنظمة مغايرة لتلك التي سقطت، فكل ما شهدناه ونشاهده قيام حكومات انتقالية تحاول وضع حجر الأساس لحكم جديد من خلال إجراء عمليات انتخابية، لتكوين سلطة شرعية بديلة. في الوقت الذي ما زالت فيه بعض الدول تشهد أحداثا دامية بفعل المواجهات العسكرية القاسية بين قوات السلطة المتشبثة بالحكم وقوات المعارضة المسلحة على غرار ما يجري في سوريا الآن.

ويرى المؤلف أن أحداث الربيع العربي وضعت المجتمعات العربية أمام مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي شبيهة بتلك الأحداث التي واجهتها دول أوروبا الشرقية والبلقان في التسعينات بعد سقوط النظام الشيوعي. ولقد فاجأت هذه الأحداث بقوتها وسرعتها صناع القرار والباحثين والمتتبعين لشؤون المنطقة على حد سواء، وطرحت مجموعة واسعة من التساؤلات كان من أبرزها: لماذا حدثت الآن؟ لماذا فشل الحكام، وعواصم الدول الكبرى، ومؤسسات الدراسات والباحثين في توقع حدوثها؟ ما الأسباب التي أطلقت وسهلت الانتفاضات الشعبية العارمة في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والتي أدت إلى سقوط الحكام الواحد تلو الآخر؟ وما هو دور التكنولوجيا الخاصة ووسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي في تأليب الرأي العام ضد الحكام، وفي دفع الجماهير إلى الشارع في حركة احتجاجية واسعة؟

لم يفكر أحد قبل أشهر من اندلاع أحداث الربيع العربي في حدوث مثل هذه الانتفاضات الشعبية، ومدى هشاشة آلة القمع التي تمتلكها الأنظمة التي لم تصمد في بعض الدول إلا لأيام معدودة تحت ضغوط الجماهير غير المسلحة.

كما كانت المفارقة الكبرى أن هذه الانتفاضات جاءت نتيجة تحرك شعبي واسع في ظل غياب قائد «ملهم» للثورة ويقود جماهيرها. كانت هذه الثورات شعبية، وهذا ما أكسبها شرعيتها وقدرتها على دحر كل وسائل الأنظمة على القمع.

من المؤسف، كما يقول المؤلف، أن يفسر مثقفون ينتسبون إلى النخب العربية، كان من المفترض أن تقع عليهم مسؤولية توجيه وتنوير الجماهير، كل ما شهده ويشهده العالم العربي من انتفاضات وحركات شعبية بالاعتماد على «نظرية المؤامرة» التي وضعتها أجهزة المخابرات الأميركية والأوروبية والإسرائيلية من أجل تخريب العالم العربي وتقسيم دوله، أو من أجل إسقاط «محور الممانعة» المتمثل بإيران وسوريا وحزب الله.

يرى بريجنسكي الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر أن الانتفاضات العربية «نتيجة حتمية لانفجار هذه النسبة العالية من الشباب العربي الناضج، الذي يواجه صعوبات ثقافية واقتصادية، في زمن الثورة التكنولوجية للاتصالات».

من هنا، لا يمكن التفريق بين الانتفاضات التي حدثت في شمال أفريقيا أو الشرق العربي أو منطقة الخليج أو اليمن على حد ما يحاول البعض أن يفعله، وذلك خدمة لغايات مذهبية أو دعما لمحور «الممانعة والمقاومة».

كانت الانتفاضة السورية سلمية في بداية الأمر، حيث تظاهر الناس بداية في مدينة درعا مطالبين بإجراء إصلاحات سياسية في النظام، ولكن عمليات القمع قد دفعتها تدريجيا نحو المطالبة بإسقاط النظام، وتعميم حركة المقاومة المسلحة من أجل حماية المدنيين من بطش قوات الأمن وميليشيات «الشبيحة» التابعة للنظام. دفع النظام نفسه المتظاهرين لحمل السلاح، وذلك لإثبات نظرية المؤامرة، القائلة إن ما يجري في سوريا مؤامرة خارجية، وإن من يواجهها لا يتعدون مجموعات من الإرهابيين والمجرمين.

لقد نجحت المقاومة المسلحة في كسر القبضة الفولاذية التي كان النظام يستعملها للإبقاء على هيمنته على مدينة حلب والعاصمة دمشق، وقد نتج عن ذلك فك الارتباط الذي كان قائما بين أركان النظام والطبقة البورجوازية من التجار والأثرياء، ويبدو أن النظام قد أدرك أخيرا أنه لم يبق له سوى مجموعة من الأقليات التي ربطت مصيرها بمصيره. وعلى الرغم من سلسلة المجازر التي ارتكبتها قوات النظام والميليشيات التابعة له، فإن الحرب لم تتحول بعد إلى حرب أهلية، مع وجود مخاوف جدية من الانزلاق نحو أتونها. فما زالت قيادات المعارضة السياسية والمسلحة تأمل في انشقاق الأقليات والتخلي عن دعمها للنظام، وهي تريد الإبقاء على هذه الفرصة مفتوحة، لأنها تمثل الطريق الصحيح والوحيد للحفاظ على وحدة الأرض والشعب والدولة.

لا يحاول المؤلف أن يؤرخ لأحداث الربيع العربي، أو تطورات الأزمة السورية ومجريات الحرب الضروس الجارية في المدن والأرياف، بل يحاول تتبع مسار الأزمة السورية ضمن إطار التطورات الإقليمية. فالثورة السورية ليست كغيرها من الأزمات التي شهدتها تونس ومصر واليمن، التي أدت إلى إسقاط أنظمة الحكم عن طريق الضغط الجماهيري، كما أنها تختلف عن الثورة الليبية حيث نجحت قوى المعارضة في تحرير مدينة بنغازي والمناطق المجاورة لها، وإقامة قيادة وطنية للثورة على الأراضي الليبية، بالإضافة إلى تجاوب المجتمع الدولي مع المطلب الليبي والعربي للتدخل عسكريا لحماية الثورة والمدنيين من عمليات معمر القذافي القمعية.

لقد طالت الحرب في سوريا، وهي تهدد بالانزلاق إلى حرب أهلية شاملة، في وقت فشل فيه المجتمع الدولي في التوافق على أي مشروع قرار يتخذ في مجلس الأمن يجيز التدخل عسكريا لإنهاء الحرب وحماية المدنيين وإنقاذ الشعب والدولة. لقد انقسم المجتمع الدولي حول الأزمة السورية، ولا يبدو أن هناك أدلة توحي بحدوث أي توافق في المستقبل المنظور، ومن هنا فإن الشعب السوري متروك لمواجهة مصيره بنفسه بحيث لا يبقى أمام المعارضة سوى خيار القتال ضد النظام إلى حين إسقاطه. إنها أزمة مستمرة لا تتوافر أي مؤشرات تسمح باستشراف أو توقع نهاياتها. لقد اعتمد المؤلف منهجية متحركة في بحثه لتقييم مجريات الأزمة من خلال البحث عن النزعات التي يمكن أن تسلكها الأحداث، وفق ما تؤشر إليه سلوكيات القوى الفاعلة داخل سوريا وخارجها من سياسية وعسكرية، بالإضافة إلى الأدوار التي يقوم بها اللاعبون المؤثرون في مسار الأزمة على المستويين الإقليمي والدولي.

يختم المؤلف كتابه بفصل عنوانه «تداعيات الأزمة السورية على لبنان» فيقول: لا تقتصر تداعيات الأزمة السورية على لبنان بل تصيب بشظاياها جميع الدول المجاورة لسوريا، لكن مفاعيل المتساقطات السامة على لبنان تتعدى أضعاف المرات تأثيراتها على الدول والمجتمعات المجاورة الأخرى، وذلك بسبب شدة التجاذبات السياسية القائمة بين قوى 8 و14 مارس (آذار)، بالإضافة إلى الانشقاق المذهبي الحاد في الوقت الذي لا يوجد فيه مثل هذه التجاذبات أو هذا الانشقاق داخل الدول الأخرى المجاورة.

وما يضاف إلى شدة مفاعيل هذه التساقطات ضعف الدولة اللبنانية على المستويين السياسي والأمني، حيث تبدو الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرار أمني حاسم سواء من أجل كبح عمليات العبث بالأمن، أو من أجل تأمين سلامة المواطنين.

بدأت تداعيات الأزمة السورية على لبنان بسلسلة من الاتهامات والخروقات والاعتداءات العسكرية عبر الحدود، وذلك بحجة مرور إرهابيين من لبنان إلى سوريا، ووجود عمليات تهريب سلاح. ولكن سرعان ما تطورت الأحداث في سوريا مما دفع بآلاف السوريين إلى مغادرة مدنهم وقراهم هربا من مخاطر الحرب، وبالتالي دخول لبنان كلاجئين يبحثون عن مأوى أو ملجأ آمن، وكان من الطبيعي والمتوقع أن يكون لتدفق هذه الأعداد الضخمة من اللاجئين تداعياته السياسية والأمنية. وارتفع منسوب المخاطر التي يواجهها لبنان بسبب تدفق اللاجئين، ووجود بعض العناصر المنشقة عن النظام السوري، فتجاوزت مفاعيل اللجوء قدرة لبنان و«الأردن» على احتواء مخاطرها.

ترتبط جميع الأحداث والأزمات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان بالتطورات الجارية في سوريا. لكن لا تمنع صعوبة الاستدلال على السيناريو الأكثر احتمالا من وضع مجموعة من التوقعات حول التداعيات المباشرة التي يمكن أن تصيب لبنان:

أ – هناك إمكانية أن يتسبب تفاقم الأزمة السورية في اهتزازات سياسية وأمنية.

ب – يمكن أن تلجأ سوريا إلى الاقتصاص من الحكم بسبب مواقفه السيادية، وأن تطلب تفسيرات للتجاوزات والخروقات الحاصلة، وذلك عن طريق مقاطعة لبنان وعدم الاتصال به والتعامل معه، بما ينعكس هشاشة في الحكم، وينعكس سلبا على أداء الأجهزة الأمنية والقوى العسكرية.

ج – هناك احتمال أن ينفجر الوضع الداخلي، وأن تشتد التجاذبات في الشارع حول سلاح المقاومة، وانتشاره في الداخل، وإنشاء خلايا خارج المناطق التقليدية، مما يشكل شرارة فتنة طالما جرى التحذير من اندلاعها.

هـ- تجدد الأحداث الأمنية التي شهدتها طرابلس وبيروت وصيدا، وتوسع رقعتها، وارتفاع منسوب العنف فيها، من أجل تعجيز القوى الأمنية، وخلق حالة من الفوضى والفلتان.

و- يبقى الخيار الأخطر في إمكانية حدوث حرب إسرائيلية على لبنان جراء تحرش سوري مباشر أو بالواسطة، أو جراء قيام إسرائيل بعملية وقائية ضد حزب الله.

يبقى الخطر الأكبر متمركزا في قدرة التماسك اللبناني ومواجهة مثل هذه التداعيات. وتتضخم هذه المخاوف في ظل الفشل السياسي والأمني الذي أظهره الحكم من خلال تحميل الجيش منفردا مسؤولية الحفاظ على الأمن الوطني دون أي غطاء سياسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 7 = 13

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...