الرئيسية / صفحات الثقافة / البعض قاد التظاهرات والبعض الآخر صار بوقا للسلطة: فنانو سورية والموقف من الثورة

البعض قاد التظاهرات والبعض الآخر صار بوقا للسلطة: فنانو سورية والموقف من الثورة


عبير حيدر

لطالما كان دور المبدعين، بكل توجهاتهم، عبر التاريخ السعي لخلق مناخ إنساني أسمى، والتحريض ضد الظلم، وحتى الاضطلاع بدور أساسي في الثورات أثناء تفجرها. فدور المثقف الحقيقي لا يتحدد لا بالبلاغة، ولا بكم المعلومات، ولا بالنتاج العلمي والأدبي والفني الذي يقدمه لمجتمعه؛ وإنما يتجلى دوره في مشاركة شعبه في آلامه وتطلعاته نحو الحرية، وتحول هذا الدور إلى أداة سياسية قد تشكل قوة في مواجهة سلطة استبداد الدولة وقمعها ونهبها لمجتمعها.

وللأسف لم يكن هذا حال أغلبية مبدعينا السوريين في اللحظة التاريخية التي تشهدها سورية اليوم، حيث يمارس النظام قمعاً دموياً للقضاء على التظاهرات الشعبية السلمية المطالبة بالحرية والكرامة. كان متوقعاً من كثيرٍ من مثقفينا السوريين الترفع فوق ذواتهم وتشكيل قوة حية مؤثرة، لا تنفصل عن الحراك الشعبي السوري، في مواجهة سلطة الدولة التي انحرفت عن مسارها، وتحولت إلى نظام بوليسي شرس. فحالة الهدنة التي وسمت العلاقة بين معظم هؤلاء المثقفين والنظام السوري؛ والتي امتدت لأربعين عاماً ونيف، كان من البديهي أن تنتهي الآن، مع كسر كل جدران الرعب الذي كان يحياه الشعب السوري بأكمله.

أظهر الحراك الشعبي السوري، أن فئة كبيرة من الفنانين السوريين، إما ليس لديهم وعيٌ سياسيٌ كافٍ بما يجري حولهم من تغيرات في الوطن العربي ـ لاسيما الفئة التي اتهمت السوريين الثائرين بأنهم مشاغبون ومسببون للفوضى ـ أو أن الخوف والجبن قد تمكنا منهم، حفاظاً على أمانهم الشخصي ومصالحهم المرتبطة عملياً بالنظام المسيطر على كل قطاعات الدولة. ما أدى إلى تغليب المصلحة والأمن الشخصيين على القيم الإنسانية والأخلاقية، التي يتحلى بها عادةً، أو يجب أن يتحلى بها، المبدعون.

فمع بداية الحراك الشعبي في سورية الذي كانت مدينة درعا منطلقاً له، وقع معظم الفنانين السوريين النداء الإنساني ‘رفع الحصار الغذائي عن درعا’ الذي صاغته الكاتبة والناشطة الحقوقية ريما فليحان، وقد طالب البيان بإيصال المواد الغذائية إلى درعا، من دون أن يتضمن أي عبارات تدين النظام. ولكن مع توضح معالم الثورة واستمرارها؛ سرعان ما انقسم الفنانون السوريون حيالها، إلى مدافعين عن النظام أو صامتين، من جهة، أو منضوين تحت لواء الثورة، من جهةٍ أخرى. كان دريد لحام على رأس من دافع عن النظام، وكذلك هو حال سلاف فواخرجي، سوزان نجم الدين، أمل عرفة، باسم ياخور، بشار اسماعيل، ديمة بياعة، المخرج نجدة أنزور، جيهان عبد العظيم، فراس إبراهيم، ديمة قندلفت، جمانة مراد، نضال سيجري، عباس النوري، رشيد عساف، باسل خياط، صفاء رقماني، والقائمة تطول وتطول. معظم هؤلاء شاركوا في مسيرات مؤيدة للنظام وهاجموا الحراك الشعبي ووصفوه بأنه فعل مخربين وسلفيين وعملاء للخارج.

تحول هؤلاء الفنانون إلى طبقة منتفعة، انتهازية، امتهنت النفاق للسلطة، بسبب الخوف على مصالحها وبهدف الحفاظ عليها. مثلها مثل أي طبقات أخرى فاسدة تدور في فلك النظام. فمعظم شركات الإنتاج السورية التي مولت أهم الأعمال التلفزيونية الدرامية السورية خلال العقدين الماضيين تقريباً، هي شركات تابعة للدولة أو لبعض رجالات النظام. وعلى سبيل المثال لا الحصر:

ـ ‘السورية الدولية للإنتاج الفني’، تأسست عام 1999 لصاحبها محمد حمشو عضو في مجلس الشعب وأحد رجال الأعمال المقربين من عائلة الأسد. ولقد أنتجت هذه المؤسسة بعض أهم المسلسلات السورية التي نجحت جماهيرياً (بقعة ضوء بأجزائها السبعة، ألو جميل ألو هناء، على حافة الهاوية، رسائل الحب والحرب، أهل الراية …الخ).

– ‘الشام الدولية للإنتاج’ التي أسسها باسم خدام ابن أحد أهم رجالات النظام السابق. أهم المسلسلات التي أنتجتها (نهاية رجل شجاع، هوى بحري، عيلة خمس نجوم وأيام الغضب… الخ).

لقد تمكن النظام السوري من احتواء أغلبية هؤلاء الفنانين، وتنوعت وسائله بين الترغيب والترهيب، وحولهم إلى أبواق تدافع عنه، وتضفي شكلاً أخلاقياً على ممارساته اللاأخلاقية. فلم يعد مثيراً للدهشة، غياب أصوات الكثير من المخرجين والممثلين والأدباء السوريين حول الأحداث الجارية في البلد، على الرغم من أنَّ تلك الأصوات دافعت كثيراً في الماضي عن حرية الرأي والتعبير، وناهضت القمع والظلم.

وفي المقابل ظهرت ثلة مضيئة من مبدعينا، ممن أراد الحياة جنباً إلى جنب مع شعبه. في مقدمتهم الفنان سميح شقير أول من غنى داعماً الحراك الشعبي، وأصبحت أغنيته ‘يا حيف’ رمزاً للثورة. سرعان ما انتفض فنانون آخرون وعبروا بكل جرأة وشجاعة عن انضمامهم للثورة بالكلمة والصوت، حتى أن بعضهم تصدر التظاهرات وقادها في حمص والقابون. وعلى رأسهم الفنانة فدوى سليمان ونوار بلبل ومحمد آل رشي، ومي سكاف وعزة البحرة وريم علي ويارا صبري، وكندة علوش والكاتب إياد شربجي والمخرج نضال حسن والروائي خالد خليفة والشاعرة هالة محمد، والمخرج أسامة محمد والشاعر عمر إدلبي…الخ. لقد التحمت أصوات هؤلاء الفنانين السوريين الشرفاء بأصوات الشعب الثائرة، لأجل بناء سورية الحرة.

ليس الشعب السوري بمتجنٍ على مثقفيه ممن تخلوا عنه، إذا ما طالبهم بإعلان موقفٍ واضحٍ – كأضعف الإيمان- مما يجري من سفك دماء على الأرض. لا أحد يطالبهم بأن يدفعوا دمهم كما دفع إبراهيم القاشوش، الفنان الشعبي، دمه وهو يغني وسط المتظاهرين من أجل الحرية، أو فنان الكاريكاتير العالمي علي فرزات الذي هشّمت أصابعه شبيحة النظام.

لقد قدم لنا التاريخ القريب والبعيد أمثلة زاخرة عن فنانين وكتاب وشعراء، عرباً وأجانبَ، ممن دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم السياسية الجريئة المناهضة لأنظمة الاستبداد والقهر. في مصر اعتقل الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم أكثر من مرة وزجَّ بهما في السجن عام 1969، وكان الشيخ إمام أول سجين عربي يسجن لأغنياته الملتزمة. وفي ثورة 25 يناير تواجد العديد من فناني مصر في ساحة التحرير إلى جانب الشعب المصري الثائر، نذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر: خالد الصاوي، تيسير فهمي، المخرجة كاملة أبو ذكري، عمرو واكد، والمخرج خالد يوسف. ويبدو أن فنانينا السوريين الذين أدانوا حراك الشارع السوري؛ لم يتابعوا موقف الشعب المصري المناهض لفنانيه المصريين الذين اصطفوا إلى جانب نظام حسني مبارك. وفي ليبيا اعُتقل الشاعر والتشكيلي محمد بن لمين لمعارضته حكم القذافي واصطفافه إلى جانب شعبه الثائر. ولطالما احتفظت ذاكرة الشعوب بنتاج المبدعين الذين دفعوا حياتهم مقابل الكلمة والموقف الحر. فما زالت أشعار لوركا الذي اغتيل على أيدي كتائب الجنرال فرانكو الفاشية عام 1936، محفورة في وجدان الشعوب. وأيضاً أغاني الثائر التشيلي فيكتور جارا الذي اغتيل على يد الديكتاتور بينوشيه عام 1972 حاضرة في الضمائر الحية. ولم ينس الشعب الإسباني موقف الروائي البريطاني الشهير جورج أورويل صاحب روايات 1984 و’مزرعة الحيوانات’؛ الذي تطوع مع مقاتلين أمميين للقتال ضد فاشية الجنرال فرانكو في إسبانيا عام 1936. هل يتذكر الفنانون السوريون الداعمون للنظام، المخرج والممثل والمؤلف التركي من أصل كردي يلماز غوناي، الذي سُجن عدة مرات بسبب مواقفه السياسية المتضامنة مع مآسي الأكراد، وكتب وأخرج عدداً من أفلامه وهو في السجن ومات في المنفى. أو الممثلة العالمية اليونانية ميلانا ميركوري التي اشتهرت في الستينيات بنشاطها ضد الحكم العسكري اليوناني، فسُحبت الجنسية اليونانية منها وصُودرت ممتلكاتها، وتعرضت لمحاولة اغتيال؛ ومع هذا استمرت في موقفها المعارض إلى أن تمَّ إسقاط حكم العسكر اليوناني، وأصبحت وزيرة للثقافة في عهد الديمقراطية اليونانية. أليس من العار ألا يدين هؤلاء الفنانون السوريون الجبناء النظام ويحملونه المسؤولية بعد تسعة شهور من الدم السوري الغالي النازف يومياً.

لقد فشل الفنانون السوريون المدافعون عن النظام، الصامتون أمام سطوع الدم المراق، في التقاط وهج الإبداع الذي يشعله الحراك الشعبي الآن على طريق الحرية والديمقراطية والعدالة. كما سيفشلون مستقبلاً في إقناع جمهورهم الذي أحبهم في الماضي لما قدموه على الشاشات وخشبات المسارح من أدوار تناصر العدالة والحرية وتناهض الفساد والظلم، بمدى صدقيتهم واحترامهم. وستبقى صورتهم وسيبقى صوتهم أدنى وأضعف من الوصول عبر الشاشات؛ بعدما ابتعدوا عن المشهد الحي الحاضر يومياً في شوارع سورية، وصرخات الحرية تدوي في سمائها ليلاً ونهاراً.

لا يمكن لأصوات جبانة وإن كانت مبدعة؛ أن تعبِّر عن شعب انتفض في وجه القمع والظلم. لقد سقط أغلبية الفنانين السوريين للأسف في مستنقع النظام والجبن والنفاق والخوف والعشائرية.

شباب وشابات سورية، نساؤها ورجالها، أطفالها وكهولها، هم أداة التغيير وما على المبدعين إلا اللحاق بهم، أو على الأقل، النطق بكلمة الحق في وجه القمع الشرس الذي يتعرضون له، المثقفون الذين يمتلكون إرادة حرة لا تخضع، ولا يغرر بها، ولا تتنازل مهما كانت المغريات أو الضغوطات نادرون. فالإبداع من دون معايير أخلاقية، يفقد مصداقيته وبريقه وسحره. زمن الخوف انكسر، ولا يمكن أن يكون هناك تغيير في مجتمع لا يمتلك مثقفوه موقفاً أخلاقياً في اللحظات التاريخية التي يمر فيها البلد.

المطلوب من مبدعينا وفنانينا ومثقفينا جميعاً الإسهام في الخروج من الأزمة التي يمر بها البلد، واتخاذ موقف جريء تاريخي يتخطى مخاوفهم ومصالحهم الآنية التي لا تساوي شيئأ أمام مصلحة وطن وشعب بأكمله. الشعب السوري في الحقيقة ليس بحاجة إلى فنانين سطحيين، منفعلين، خائفين ـ جبناء لا يرون ما هو خارج ذواتهم. نحن بحاجة إلى مبدعين حقيقيين ينتقلون يداً بيد مع الشعب السوري بسورية إلى بر الأمان، لتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة. هذا الصمت والمواقف السلبية لن تسهم إلا في تأجيج المزيد من العنف والتناحر والقسمة. لذا لا بد من التضامن الكلي مع الشعب، والوقوف الى جانب جروحه؛ فالصمت والوقوف إلى جانب النظام سيزيد العنف والقتل وسيزيد من حججه الواهية التي تحيا على دماء السوريين. إن الشعوب التي ثارت على الظلم والفساد في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية هي التي أبدعت قائمتين لا ثالث لهما، قائمة العار وقائمة الشرف وعلى فناني سورية اليوم أن يختاروا.

باحثة سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 3 = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...