الرئيسية / صفحات سورية / البيت الكوردي السوري وافاق المستقبل

البيت الكوردي السوري وافاق المستقبل

 


توفيق آلتونجي

كنت مارا عن طريق الصدفة في إحدى ساحات باريس فاذا بي امام تظاهرة لابناء سوريا فحييتهم. وانا اقف على شرفة تطل على شارع الموكب الطويل الذي يربط بين برج ايفل وقاعات المسرح الفرنسي لم أتمكن من مقاومة رغبة شدني التفكير بشارع الموكب وبوابة عشتار في بابل. ان نقل علماء الآثار والمنقبون الالمان اجزاء من ذلك الصرح التاريخي الى قاعات متحف برلين حيث يمكن مشاهدة البوابة الكبيرة المعروفة باسم “عشتار” وأجزاء من شارع الموكب هناك لحد يومنا هذا. اقول كان ذلك حدثا تاريخيا مهما في عملية الحفاظ على الموروث التراثي الإنساني أي ذلك الشارع الذي يحرسه الاسود والسباع وحيوانات أسطورية اخرى. وجدت كذلك قطعة من الجدار في متحف اللوفر بباريس.

شارع الموكب قارئي الكريم، شارع يمثل السلطة والقوة والجبروت العسكري نقلت فكرته من ارض الرافدين الى كافة عواصم الدنيا فمن تحت قوس النصر وما نسميه نحن في العراق “طاق” مرت الجيوش والقادة العسكريون والامراء والملوك المنتصرين. هنا نرى تلك البوابة “قوس النصر” وشارع الموكب او المجد المسماة “شانزليزيه” في بارس يوجد كذلك في برلين وروما وعواصم اخرى وهناك الاصل في ارض الاجداد في بابل طبعا.

رفعت يافطة كبيرة واعلام عديدة وتجمع القوم حاشدين انفسهم امام تلك اليافطات يتظاهرون سلميا متضامنين مع ابناء جلدتهم في مختلف مدن الشام. وقفت معهم وهم يتحاورون فيما بينهم قائلين :

– اكراد و عرب نحن اخوة.

التغيرات في سوريا اليوم، قارئي الكريم تدفع باكراد الشام الى التلاحم الوطني وصولا الى تغير حقيقي يدفع بالبلاد الى مستقبل يحترم تعددية الاراء ويرفض نظام التقوقع القومي الاحادي و السلبي. هذا التوجه الديمقراطي لا يمكن بلوغه تحت سلطة نظام الحزب الواحد الشمولي وقوانين تحد من حرية الرائ والمبدا. ان التناقض الكبير الذي يعانية النظام السوري ادى الى حيرة ومتاهة عند المواطن العادي بين قبول ورفض لمطالب المحتجين. سوريا كنظام فاشل غير قابل للاصلاح كما يدعيه المحتجين اليوم يمثل في طبيعته الافكار ما يسمى ب “التقدمية” في منطقة تسيطر الاعراف والتقاليد والدين على الساحة الفكرية. بل يعتبره البعض نظاما مفتوحا رغم كل التناقضات بين النظام نفسه وعلاقاته مع حركات سياسية دينية “اصولية” في لبنان وايران ودول اخرى من ناحية ومن ناحية اخرى مع حركات اصولية من فلسطين ومنظمات يسارية. تلك الدول التي تعتبر أنظمتها في الاعراف اليسارية رجعية فكرا وتطبيقا من ناحية اخرى نرى ان النظام السوري كالسمن على العسل في علاقته معها‘ تناقض غريب لا يحلها حتى التعويل على الانتماء الطائفي قارءي الكريم. لقد كانت انهيار الاتحاد السوفياتي ومن بعدها دول المنظومة الاشتراكية حافزا لدن العديد من المنظمات والأنظمة والحركات السياسية الى اجراء الإصلاحات وتغير في عموم منهجية تلك الأنظمة خاصة لدن الأنظمة الشمولية ذو الحكم الفردي وسلطة الحزب الواحد. لكن كل العهود والمواثيق التي قطعتها تلك الحكومات لشعوبها فيما يخص التغير والاصلاح والاستفادة من التجربة العالمية باءت في عهدة الوعود ولم تطبق ابدا. لكن الرياح لا تهب في الشرق حسب اهواء السفنه بل هناك تقوقع وعودة الى الماضي الرجعي الى درجة التمسك بقوانين وقرارات تعود الى خمسة عقود خلت.

السلطات السورية امام تحدي تاريخي وبرحيله المحقق يغير مسار الحركة الديمقراطية في دول الهلال الخصيب. تغيرات تشمل الهيكل العالم للسلطة التي تحكمها القوانين العسكرية القمعية. إلغاء محكمة امن الدولة والغاء هيمنة الحزب الواحد على السلطة واختيار التعدية الحزبية كما في الأنظمة الديمقراطية وعدم التدخل في شؤون دول الجوار ومساندة قوى سياسية ومعاداة اخرى كل تلك امور وتغيرها جذريا تجر على البلاد والشعب السوري بالخير وتفتح الأبواب على مصراعيها لولوج سوريا دولة وشعبا الى عالم المستقبل الديمقراطي عالما يسوده الامن والسلام في عموم ارجاء المنطقة.

يبقى ان نعلم ان البيت الكوردي عانى ما عانى خلال حقبة حكم الحزب الواحد “الاشتراكي” خاصة ان الافكار اليسارية منتشرة بين ابناءها ليس فقط من قبل الايمان بالفكر وحدة لا بل كرد فعل طبيعي وانعكاس على هيمنة النظام الراسمالي يعتمد على مبدا التفوق العرقي وباحادية التركيبة القومية للشعب تركب في الجهة الاخرى من الحدود أي في دولة تركيا حيث ملايين الكورد المحرومون من ابسط الحقوق. تلك الحركات السياسية الكوردية اليسارية وجدت نفسها امام معضلة الانتماء القومي من ناحية والخندقة السياسية الفكرية من ناحية اخرى. ان الفصل بين ابناء عائلة واحدة كما تم عند رسم الحدود السورية التركية غريب بكل المقاييس. هذا الموضوع لم يتطرق اليه الكثيرون. حدود يمر من سطح بيت الى اخر كما في مدينة نصيبين. لا بد من الاشارة ان النظام السوري بقى على موقفه الرافض للوجود الكوردي في البلد واعتبارهم مجرد لاجئين وضيوف رغم كل تلك النقاط المتلاقية مع قوى التيارات السياسية الكوردية اليسارية. علينا ان لا ننسى ان الاكراد كانوا دوما متواجدين على الساحة السياسية و الادبية والعسكرية والاجتماعية السورية بشكل او باخر لكن ليس كلاعب اساسي بل استغل الاكراد دوما من قبل السلطة الحاكمة.

كنت قد اجريت مقابلة مع المعارض السوري السيد شلال كدو نشرت على صفحات “ايلاف” ورد مشكورا على اسئلتنا. اتوجه اليوم اليه للاستفسارعن الوضع الراهن في سوريا وموقف القوى الكوردية فيرد قائلا:

لا شك ان الموقف الكوردي في سوريا، يتسم باليقظة والحيطة والحذر في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها سوريا، حيث تقض الاحتجات الشعبية العارمة مضاجع النظام وتهز اركانه وقلاعه وحصونه، رغم جبروت آلته العسكرية الفتاكة، ولجوءه يوم بعد آخر الى استخدام مزيداً من القوة العسكرية. ويبدو ان السلطة حسمت خياراتها، وسوف تلجأ في االمستقبل القريب، الى لغة الحديد والنار بشكل واضح جداً، لقمع الشعب السوري، كما فعل في ثمانينيات القرن المنصرم، حينما دمر مدينة حماة عن بكرة ابيها تقريباً، وقتل فيها عشرات الالوف من المدنيين، في ظل تعتيم اعلامي فظيع آنذاك، الامر الذي كان يساعد الانظمة في قمع شعوبها، وتدمير مدن وقرى عن بكرة ابيها، كما حدث في كثير من بلدان المنطقة، في تلك الحقبة السوداء، من تاريخ منطقة الشرق الاوسط.

اما اليوم ونحن في عصر العولمة والفيسبوك، فأن اي نقطة دم تسال في هذه البقعة او تلك من المعمورة، فأنها سرعان ما تحدث ضجيجاً كبيراً في سائر انحاء العالم، وتؤدي الى حشد الرأي العالمي، الى جانب الابرياء العزل المطالبين بحقهم في الحياة، بعيداً عن الذل والاهانة ومختلف انواع الاضطهاد. بينما تحدث في الجانب الآخر ارباكاً كبيراً للانظمة، التي تتحكم بمصائر الناس ومصادر رزقهم، وتحاول قمعهم ورضوخهم بقوة الحديد والنار.

حول موقف الشعب الكوردي في المرحلة الراهنة وترتيب البيت الكوردي امام مجريات الامور وتطورها في سوريا يقول السياسي شلال كدو:

ان موقف الكرد بالنسبة لما يجري حالياً في سوريا، يتضح من خلال المظاهرات العارمة، التي تجتاح المدن الكردية في كردستان سوريا، كـ قامشلو وعامودا والدرباسية وراس العين وكوباني وغيرهما، وهو بلا ادنى ريب موقف مساند وبقوة لمختلف اطياف الشعب السوري، ومتضامن مع شهداء الثورة السورية، التي لا اشك قيد انملة بأنها سوف تحقق كافة مطاليب الشعب السوري، ومن بين اطياف هذا الشعب البطل الكرد بطبيعة الحال، الذين سيحصلون -بحسب جل المراقبين- على معظم حقوقهم، في ظل هذا المعمعان التي تشهدها المنطقة برمتها. فهذا العصر هو عصر الشعوب بأمتياز شديد، وبالتالي فهو عصر الكرد ايضاً في منطقة الشرق الاوسط، التي تشهد تسونامي الثورات الشبابية الزاحفة من بلد الى آخر، غير آبهة بقناصات الانظمة ومرتزقتها وجلاديها وقتَلَتها.

اما البيت الكردي السوري، فهو متفق وموحد الى حد كبير، والآن نرى موقفاً موحداً لمختلف فصائل الحركة السياسية الكردية من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، وكانت زيارتنا قبل ايام الى معاقل حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، ولقاءئا بشقيقنا الاكبر السيد مراد قره يلان، قد اندرجت في هذا الاطار، حيث تحدثنا حول وحدة الكلمة والحراك والهدف الكردي، وكذلك كيفية تحقيق مطاليب شعبنا العادلة، وحل قضيته ضمن اطار الوحدة الوطنية السورية. وكانت رؤانا ومواقفنا متطابقة الى حد كبير، الامر الذي اثلج صدورنا، واشعرنا بأننا شعب نستحق الحياة، طالما نستطيع ان نتحاور ونتحد، وكذلك نتجاوز ارث الخلافات الحزبية، حينما نشعر بأن شعبنا في خطر، وان قضيتنا على مفترق طرق. ومن هذا المنطلق فأني على قناعة شبه تامة، واكاد ان اجزم بأن الكرد في كردستان سوريا، سوف يربحون الرهان هذه المرة وبأقل الخسائر الممكنة.

استفسرت منه حول الموقف الكوردي بعد ان قام السلطات السورية بالغاء قانون الطوارئ ومحكمة امن الدولة والخطوات الاخرى في استجابة لمطاليب الشباب السوري ومطاليب الشارع السوري ومن خلفه الشعب السوري في كافة مناطق ومدن سوريا من درعا جنوبا الى قامشلو شمالا ومن حمص الى دمشق فرد قائلا:

بالنسبة لرفع حالة الطوارىء من قبل النظام، واجراء أصلاحات شكلية هنا وهناك، فأنها لم تعد تجدي نفعاً بأعتقادي، وعلى النظام ان يكون لديه نية صادقة وحقيقية لاجراء اصلاحات جذرية وفورية، كـ تغيير الدستور، وتبييض السجون، والكف عن قتل المتظاهرين العزل، واصدار قانون للاحزاب، واخر للصحافة والاعلام، فضلاً عن الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي، كثاني اكبر قومية في البلاد، وبالتالي تمثيلهم في سائر مؤسسات الدولة، حسب ثقلهم السكاني، وغيرها من الحقوق الديمقراطية والثقافية والاجتماعية، لمختلف المكونات الاخرى. وفي هذا المضمار يرى الجميع كما نرى نحن، بان الشعب السوري يعكس الوحدة الوطنية بأبهى صورها في احتجاجاته ومظاهراته، حيث اصوات المحتجين في سائر المدن تصدح لتشق عنان السماء وتردد “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”.

التغير قارئي العزيز حالة جديدة وستبقى مستمرة من اجل تطوير أنظمة دول الشرق الاوسط وتلك حالة حتمية نرى نتائجه المباشرة في تونس ومصر وانعكاساته في اليمن وسوريا والبحرين والعراق واقليم كوردستان والجزائر والمغرب وانظمة اخرى بدات في اعادة النظر في ادائها وحتى احزاب سياسية بدات تعيد تقيم ادائها وصولا الى نبض الشارع ومطاليب المتظاهرين الذين ولاول مرة في تاريخ المنطقة نفضت عنها “الخوف” والى الابد.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...