الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سوسن جميل حسن / التاريخ لا يكرر نفسه/ سوسن جميل حسن

التاريخ لا يكرر نفسه/ سوسن جميل حسن

 

 

كثيرًا ما نسمع عبارة: إن التاريخ يكرر نفسه. خاصة في زمن الكوارث التي يصنعها البشر والتي أهم وأكبر مثال عليها الحروب. فهل صحيح أن التاريخ يعيد نفسه؟ وأن الحروب تتشابه؟ وأنها عندما تضع أوزارها تخلف واقعًا بنمط واحد لدى كل الشعوب وفي كل اللحظات التاريخية؟

بحسب الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز فإن “الاختلاف” هو وحده الذي يتكرر، وانطلاقًا من هذه المقولة أو الاستنتاج الخاص بدولوز فإن لا حرب تشبه غيرها، ولا تجربة بشرية تاريخية تشبه الأخرى، بل إن الاختلاف هو الوحيد المكرر، الاختلاف الذي يستدعي من المراقب أن يخلع نظاراته التي تَرى بطريقة واحدية ولا ترى غير الجوهر النمطي الذي يرفض اللاتجانس أو الاختلاف.

يمكننا بناء على المقدمة السابقة اعتبار أن الحرب السورية تختلف عن غيرها من الحروب التي شهدها وسجلها التاريخ، تختلف منذ بداياتها فهي بدأت انتفاضة شعب أدرك ذاته وهبّ يدافع عن كرامته وإرادته قبل كل شيء بسلمية جليّة، لكنه انزلق مثلما لو كان مدفوعًا من الخلف، وهو بالفعل دُفع بالعنف الذي قوبلت سلميته به وبنوايا أخرى كانت مبيتة، من حيث لم ينتبه أو لم يحتط، إلى العسكرة وإشهار السلاح مما أدى إلى انحراف انتفاضته عن أهدافها وازدياد انفراج الزاوية كلما ابتعد عن البدايات واشتدت وتيرة الحرب وزاد العنف والقتل والدمار، وتكاثفت الجهود الرامية إلى تفكيك الوعي العام وتفتيته وتشتيته وتكريس بذور الفتنة والانقسام.

كانت النتيجة، بعد سنوات سبع ونيف من العنف والحرب التي تدخلت ودخلت فيها كثير من البلدان والأنظمة والقوى الطامعة وصاحبة المصالح المتباينة، دمار سوريا شعبًا وبنيانًا ومؤسسات، وصار موضوع إعادة إعمارها هو الهدف الثاني في خطة الدول الضالعة في حربها، فكيف سيكون إعمارها؟ سؤال راودني بإلحاح وأنا أتجول في ساحات وأحياء مدينة درسدن الألمانية منذ بضعة أيام، درسدن المدينة المشهورة بسبب شراسة القصف الذي انهمر عليها من السماء بينما الحرب العالمية الثانية توشك على أن تضع أوزارها، ولغرابة المصادفات أن درسدن قُصفت في شهر فبراير/ شباط وفي مارس/ آذار وطالتها بعض الغارات في أبريل/ نيسان من العام 1945، فهل هذا التاريخ يدفعنا لأن نستدعي توأمة ما بين الغوطة الشرقية ودرسدن؟ ما قامت به ألمانيا في كثير من مدنها ومناطقها المدمرة بفعل الحرب هو محاولة الحفاظ على مكونات أساسية من الهوية المدنية، مما يجعل لكل مدينة روحًا يشعر بها السائح، وتمنح الإحساس بالدفء والحميمية والارتباط بالزمن بالنسبة لسكانها. تم استعادة مدينة درسدن القديمة التي كانت جزءاً مهماً من هوية المدينة وبالرغم من عدم استعادتهم الكاملة لما يرونه كأهم مدينة ألمانية في عصر النهضة، قاموا بإعادة بناء الكاتدرائية حيث تم دفع غالبية التكاليف من البريطانيين والأجانب. كان لإعادة تكوين الهوية التاريخية للمدن أهمية قصوى. كان من المهم القول بأنه “لا يتوجب علينا أن نكون حداثيين لأبعد الحدود وإيجاد أماكن لركن السيارات وما شابه أو أن يتمحور عمران مدننا حول وجود السيارات.” كما يقول البروفيسور جيفري ديفندورف الذي كتب العديد من الكتب البحثية حول إعادة إعمار ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

سؤال إعادة إعمار سوريا، مرهون بالنتيجة السياسية التي ستصل إليها المرهونة بإنهاء أعمال العنف، لا يمكن التنبؤ بهذه النتيجة فالأزمة السورية قضية إشكالية بامتياز، وتثير الكثير من الأسئلة حول مفهوم السياسة والتحالفات، كيف تُدار وكيف يصبح أعداء الأمس حلفاء أو أصدقاء اليوم، لكن ما يمكن التنبؤ به هو أن إعادة الإعمار لن تكون رحيمة بالذاكرة الجمعية للسوريين، في سوريا هناك حقيقة لا يمكن إغفالها هي القطيعة مع الماضي القريب، والبعيد أيضًا، كرستها الحرب والدمار الذي طال المدن والحواضر السورية مثلما طال الماضي العريق حامل الإرث الثقافي والحضاري لشعوب المنطقة تاريخيًا.

لا بدّ من التصالح مع الماضي بكل عوراته وخطاياه وجرائمه، التصالح يعني الاعتراف به وعدم تجميله، الاعتراف بالارتكابات وترك ما يدلّ عليها كحكمة اليوم التي كنا نكتبها ترويسة لوظائفنا المدرسية: كي لا ننسى. ليس تدمير سجن تدمر مثلاً أسلوبًا ذا قيمة لمحو السجن ومرحلته التاريخية من الوجود، فهذا السجن محفور في ذاكرة السوريين، هل يمكن أن يُعاد بناؤه ليبقى عنوانًا أيضَا: كي لا ننسى؟ لقد ارتكبت ألمانيا الفظائع وكان ذلك جزءاً من المسببات المنطقية لمساعدة الضحايا وذويهم، فهل سيكون الاعتراف من قبل كل الذين ارتكبوا بحق سوريا وشعبها، من الداخل والخارج خطوة أولى في تحقيق العدالة التي منها تنطلق مسيرة البناء ويُترك للشعب قوله في إعادة إعمار مدنه؟ هنالك الكثير من الاحتمالات والخيارات حول تحديد ما يتم وما لا يتم إعادة إعماره، وكيف يتم، لكن لتضع الحرب أوزارها أولاً.

تلفزيون سوريا

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...