الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمير سليمان / التجربة الإخوانية في السلطة , والثمن الذي يدفعه الجميع/ سمير سليمان

التجربة الإخوانية في السلطة , والثمن الذي يدفعه الجميع/ سمير سليمان

    قبل الشروع في كتابة هذا المقال , أعلنت المحطات الإخبارية , عن محاولة إغتيال فاشلة لوزير الداخلية المصري ” محمد ابراهيم ” , في تفجير إرهابي ذهب ضحيته عدد من المصريين الأبرياء .        بالطبع , ستذهب التهمة مباشرة للإخوان المسلمين كما هو متوقع , وستتعزّز مصداقيتها لسببين : الأول أن هذه التهمة ستكون موضوع إستثمار سياسي وأمني من قبل السلطة العسكرية الجديدة , لتجريد خصومها من شرعية وجودهم السياسي . وستكون بالتالي , مبررا لتشديد قمع الإخوان ومحاولة إنهائهم أمنيا , في سبيل إنهائهم سياسيا . فالتهمة ستأتي , إذن , من قبل سلطة بما تعنيه كلمة سلطة من قوة وأجهزة إعلامية وقضائية وأمنية مسخّرة في خدمتها . والسبب الثاني يأتي من الإخوان أنفسهم . فتاريخهم السياسي وعلاقتهم بالسلطة على مدى هذا التاريخ , لاتكذّب التّهمة , بل تعطيها المصداقية . وخصوصا على أرضية الأسلوب الذي اعتمدوه في رفضهم للإنقلاب الجاري في مصر بعد خلع ” رئيسهم ” من سدة الحكم . أي قرارهم باستئناف مقاومة السلطة الجديدة من خارج الساحة السياسية العلنية والمفتوحة , وبكل الوسائل . بما يعني ذلك من إعتماد السريّة والعنف , كوسيلة ممكنة , بل ومجرّبة .

    ليس التفجير الإنتحاري المذكور أعلاه هو موضوع هذه المقالة , ولا تهمة الإخوان المسلمين في اللجوء للعنف الإرهابي المتوفر في تاريخهم السياسي . بل هو محاولة الجواب على السؤال : أين أخطأ الإخوان المسلمون بالضبط ؟ وكيف وصلوا إلى ماوصلوا إليه ؟ .

…………………………………………….

    بداية , يبدو أن رؤية الإخوان للطريقة المناسبة لخوض الصراع مع سلطة التحالف العسكري- السياسي الجديد , هي ذات الرؤية التي تملّكتهم بعد صعودهم للسلطة وتملّكهم لبعض مؤسساتها السيادية . كما أن سياستهم التي اعتمدوها عندما كانوا في السلطة , من نفس طبيعة السياسة المعتمدة الآن في رفضهم المستميت لعزل الرئيس مرسي , والتشبث بمطلبهم اللاعقلاني بإعادته . مما يؤشر إلى عدم استخلاصهم لأي دروس تعدّل من رؤيتهم السياسية . وهذه الرؤية هي باختصار : إستتباع السياسة للعقيدة , وتحكم الدين بالدنيا , وخضوع الدولة للمرشد . أما السياسة المشتقة عن تلك الرؤية , التي تعادل العماء , فلن تكون سوى سياسة : إقصاء كل الأطراف التي يمكن إقصاؤها . علما أن تعبير ” يمكن إقصاؤها ” لايأتي هنا كتعبير عن إمكانية واقعية تعطيها موازين القوى , بل كوهم سياسي يرتكز على شهوة عمياء للسلطة .

    نسي الإخوان المسلمون أن سياسة الإقصاء , وهو اسم الآخر للإستبداد , لايحميها صندوق الإقتراع , بل يحميها , كأي إستبداد في الدنيا , من يملك السلاح وأداة القمع : الجيش والمؤسسة الأمنية . وهم عندما أبعدوا المؤسسة العسكرية والأمنية عن السلطة , بدون مشاركة أوسع الفئات الإجتماعية بها لحماية السلطة الجديدة من المؤسسة العسكرية تحديدا , لم يفعلوا شيئا سوى إجبار تلك الفئات الإجتماعية والسياسية المبعدة , إلى اللجوء لهذه المؤسسة , أو على الأقل للقبول بها بديلا عن الإخوان . أو بالأصحّ , إجبارها بقبول الطموحات السلطوية لذئاب العسكر , مقابل التخلص من الشبح الإخواني القائم . ولو اقتضى الأمر التضحية بأهم إنجاز ديموقراطي للثورة , اي صندوق الإقتراع . وهو مااستغلّه السيسي بسرعة وبلا تردد . فلم يكن من نتائج تنحية العسكر من قبل الإخوان بمفردهم , سوى تعزيز الشعور بوهم القوة والغرور , وإثبات قناعتهم بقدرتهم على التفرّد بالسلطة . وعدم الحاجة بالتالي للتنازل المجاني للآخرين وإشراكهم فيما لايستحقون .

    إذن , لايتحمل الإخوان المسلمون مسؤولية إعادة العسكر إلى السلطة فقط , بل يتحملون أيضا مسؤولية تقديم صندوق الإقتراع الذي حملهم للسلطة , كشكل ديموقراطي يمارس لأول مرة , على مذبح سياستهم الإقصائية والإستحوازية , المترافقة مع ضعف خبرتهم السياسية , وتعنتهم الأيديولوجي , وتسرعهم الأرعن في في تغيير البنية الهيكلية لمؤسسات الدولة , بالشكل الذي أطلق عليه مناهضوهم التسمية المعبّرة : ” أخونة الدولة ” . مما كشف بسرعة التفارق المخيّب لبرنامجهم السياسي والإجتماعي , وتناقضه مع ماكان يأمله منهم الجمهور الذي أعطاه أصواته الإنتخابية أملا ببرنامج إصلاحي يعالج مشاكله الإقتصادية والإجتماعية .

    ويتكشف في هذا الصدد وهن الإعتراض القائل أنه كان من المفترض إعطاء الإخوان الفرصة الكافية لاستكمال فترتهم الرئاسية . سواء أتى هذا الإعتراض من جهة المتعاطفين مع الإخوان , أو من جهة الحريصين على ديموقراطية تداول السلطة , وصندوق الإنتخاب . وتهافت الإعتراض هذا , الصادر عن الحريصين على ” الشكل ” الديموقراطي , يتأتى من لاواقعيته السياسية , ومن استناده إلى التمنيّات عبر وجهتي نظر : وجهة نظر قائمة على الخشية من عودة سلطة الدولة الأمنية , وأخرى ترى أنها الفرصة لاندماج الإسلام السياسي بشكل نهائي وإلى الأبد بالعملية الديموقراطية , أو استكمال فشلهم في حل قضايا الناس بما يؤدي إلى ضمورهم السياسي . وجهتا النظر هاتان , تبدوان صحيحتين ومتماسكتين نظريا وسياسيا . ولكنهما تغفلان أننا في ثورة لاتزال تتفاعل , وجمهورها يغلي على مساحات المدن . ولسنا نناقش أمرا سياسيا في برلمان . بمعنى أن الشارع الذي أسقط حكم حسني مبارك هو ذاته الذي أسقط الإخوان وشرعيتهم الإنتخابية , وبالعملية الثورية ذاتها . ولم يكن العسكر سوى الأداة الوحيدة المتاحة له , أمام التعنت الإخواني في السير بعزم وتصميم في مشروعهم الخاص . يضاف إلى ذلك , مساهمة الإخوان أنفسهم في توفير هذه الأداة من خلال عزل المؤسستين العسكرية والأمنية عن السلطة , بما يحيلهما إلى صفوف الأعداء السياسيين . فكان أن تلاقت , منطقيا وموضوعيا , نقمة المؤسسة العسكرية والأمنية مع نقمة الشارع الثائر ضد سلطة الإخوان . بهذا المعنى أعاد الإخوان العسكر إلى الحكم بسياستهم من حيث لايرغبون . وفي جميع الأحوال فقد يكون ماحصل خيرا من الإحتمال الآخر الذي كان يحتمل التحقق , وأعني تحالف الإخوان مع العسكر , وهو تحالف لن يحمل في طياته سوى الشكل الشمولي من استبداد تحالف الدين والعسكر , والذي نراه الآن في إيران .

    أما وجهة النظر الأخرى التي ترى في عزل الإخوان ضياعا لفرصة تاريخية في اندماج الإسلام السياسي في العملية الديموقراطية , أوتراها فرصة محققة للبرهان العملي على فشل الإخوان في الحكم , فليس يمكننا نقضها نظريا . كما لايمكن لأصحابها إثباتها بالمقابل , بسبب خصوصية كل حالة ثورية . ولكن واقع مجريات الثورة هو مانقض هذه الفرضية في حقيقة الأمر , والإخوان هم من فعلوا ذلك بإصرار وغرور شديدين . فعندما تملكوا السلطة , كان يبدو لكل ذي عقل , أن المشاكل الكبيرة والمتراكمة , أي المبررات الموضوعية للثورة , تتطلب الحل بإلحاح . وأن الحلول فوق طاقة الإخوان بمفردهم ,  وتتطلب أعرض تحالف وطني لمواجهتها , ولمواجهة بقايا النظام القديم أيضا . وعلى رأس هذه البقايا المترصّدة , تقبع الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية . ولكن الإخوان المسلمين , ككل الإسلام السياسي , لايملك عقلا سياسيا يستوعب العملية الديموقراطية وضرورات صيانتها , أو يستوعب المهمات الوطنية ومستتبعاتها , وتوسيع أطرها , كتلبية لمطالب كل ثورة . وهم لم يتداركوا حتى شروط الحفاظ على السلطة بالتجاوب مع نبض الشارع , في لحظة غليان هذا الشارع المنتفض تحت شعار ” الشعب يريد ” . ولذلك سلكوا مسلكا يوحي بأن ذلك ” الفوز العظيم ” هو ” إرادة إلهية لارادّ لها ” . وفيما بعد , وعندما طردهم العسكر من الحكم , سلكوا بموجب ماكانوا دائما يؤمنون به من أن الديموقراطية هي إختراع الغرب الكافر , متخلين عن تقديس صندوق الإقتراع الذي واجهوا به كل من طالبهم بحق المشاركة عندما كانوا سكارى بنشوة السلطة .

     لم يقبل الإخوان المسلمون بالديموقراطية كنهج للحكم وتداول السلطة خلال تاريخهم الطويل قبل الثورة , ولاقبلوها بعدها . لم يكونوا يوما ديموقراطيين ووطنيين , لافي السلطة , ولافي خارجها . ورفضهم القاطع لإنتخابات رئاسية مبكرة تحت طائلة التضحية بالثورة , ورغم تهديد العسكر , يؤكد ذلك . كما يؤكد معرفتهم اليقينية بمحدودية تمثيلهم السياسي , وباستحالة تكرار الفرصة التاريخية التي منحتها لهم لحظة سياسية شديدة الخصوصية , تمثلت في الخيار الصعب الذي وضع أمام الشعب المصري , خيار أحمد شفيق أومحمد مرسي . وهو الخيار الذي جاوب عليه المصريون من خلال النتائج الإنتخابية . تلك النتائج المتقاربة والتي لاتعني سوى شيء واحد : لافرق بين الرجلين يمكن أن يناسب تغيير إصلاحي عادي , فما بالك بثورة .

………………………………………………

    ليست العلة في تنظيم الإخوان المسلمين السياسي , ولافي ضعف خبرتهم بالحكم , ولافي أخطاء تتعلق بالتكتيك السياسي . العلة بالأساس تكمن في العلاقة المقلوبة لديهم بين السياسة والإيديولوجيا , أي بين السياسة والدين في بنية السلطة . كيف ؟

    من المعلوم أن السلطة , كل سلطة , تستتبع الدين وكل أشكال الثقافة لسياستها , وتختلف شدة هذا الإستتباع بين دولة وأخرى بحسب تطور السوية الديموقراطية لنهج الحكم القائم , ولايشذ عن ذلك سوى النظام الشمولي الذي يرتكز على ايديولوجيا تستبعد الإختلاف وتقصيه . الدولة الفاشية والدولة الشيوعية والدولة الدينية , هي نماذج الدول التي تعكس العلاقة بين السياسة والإيديولوجيا , فتستتبع السياسة للإيديولوجيا . والدولة الدينية هي تلك تبني سياستها على المذهب الديني الذي تؤمن به , مستبعدة أي تمثيل لجماعات أخرى لاتنتمي لهذا المذهب . إنها بهذا المعنى النقيض المباشر للدولة الديموقراطية. إنها دولة الإستبداد . ومابين هذين الشكلين للدولة تقع كل أشكال الدول المتدرجة في مدى تمثيلها للشرائح الإجتماعية المختلفة الإنتماءات . تدرج يمكن قياسه ديموقراطيا أو استبداديا . هذا ليس موضوعنا . فما يهمنا هنا التأكيد على التناقض المباشر بين الديموقراطية بأي معنى نريده لها , وبين أن تكون الدولة دينية , بمعنى أن تخضع السياسة للدين .

    في هذا التناقض تحديدا وقع الإخوان المسلمون , وهم لم يخفوا استنكارهم الصريح لدعوة أردوغان لهم بالإفادة من تجربة الإسلام السياسي التركي في السلطة , عندما زارهم مهنئا . فحتى الديموقراطية التركية رغم وجهها الإسلامي رفضها الإخوان المسلمون في مصر علنا . وأتبعوا هذا الرفض لاحقا في سياسة استحوازية على مفاصل السلطة وهياكلها , مع الإهمال الشديد لقضايا الشعب الملحّة . وهو مايفسر سرعة تشكل إستقطاب كبير مضادّ , عمل على الإطاحة بهم بلا هوادة .

    والمفارقة المحزنة أن الإخوان المسلمين , المعروفون بميكيافيللتهم في الدين والسياسة على حد سواء , ومراوغتهم التي تصل حد الدجل الصريح في سبيل السلطة , تخلوا عن القناع الميكيافيللي  بمجرد استيلائهم على الحكم . فحرصوا على إظهار نفسهم كعصبة دينية لاكرجال دولة . وأخضعوا أعلى مؤسسة سلطة , وهي مؤسسة الرئاسة , لمكتب الإرشاد . ووضعوا سياستهم في خدمة برنامجهم الديني . والدولة في خدمة الجماعة , والدنيا في خدمة الدين . وبدلا من تحقيق مصالح الناس ,سعوا لتحقيق مصالح الله . وباختصار , وضع الإخوان المسلمين أنفسهم كجماعة , وسياستهم كسلطة , في موقع النقيض المباشر لمضامين وأهداف الربيع العربي المضمرة والمعلنة , المؤطرة بالديموقراطية السياسية والعدالة الإجتماعية والتنمية الإقتصادية . وأعلنوا حكمهم باعتباره مشروعا مندفعا بقوة لتأسيس إستبداد ديني جديد في الوقت الذي لم يتم فيه بعد الإجهاز على الإستبداد العسكري الأمني لمنظومة حسني مبارك .

     لم يقبل الشعب المصري في النتيجة , بدولة دينية عوضا عن دولة الإستبداد الأمني , حتى لو أتت عن طريق صندوق الإقتراع , فليس هذا الصندوق سوى التعبير عن لحظة واحدة من لحظات تقلب الثورة المصرية . ولكن الإخوان لم يفهموا , أو لم يريدوا أن يستمعوا إلى الآخرين , أو إلى مايريده الشعب , فلم يسيروا معه ولم يلاقوه إلى منطقة وسطى كما يحاول إخوان تونس أن يفعلوه الآن على مضض .

    لم يستطع الإخوان التجاوب والتحالف مع المستقبل الذي طالما كانوا أعداءه , فهزمهم الماضي الذي طالما تغنّوا فيه . واستبعدوا عن سلطتهم كل الآخرين , فتحالف كل الآخرون لاستبعادهم .

    قد يستطيع الإسلام السياسي في العالم العربي الوصول للسلطة , ولكنه لايستطيع البقاء فيها . وتلك سمة لصيقة بالإستبداد .

6 / 9 / 2013

خاص – صفحات سورية-

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...