الرئيسية / صفحات الثقافة / التجريب المسرحي وميديا الترويج في زمن الأزمات

التجريب المسرحي وميديا الترويج في زمن الأزمات


بول شاوول

I

يبدأ المسرح، تجريبياً كان أم غير تجريبي، على الورق، فيكون هذا الأخير، سواء كان مخطوطة مختلفة المواد، أم كتاباً، أول وسيلة اتصال له. أي أول مكان ثابت ينتقل من الكاتب إلى الآخر (القارئ)، لأن المسرح قبل كل شيء، يبدأ بالقراءة، تحمله كتاباً في جيبك، أو في محفظتك، أو تضعه في مكتبتك. وعندما تتكفل دار النشر أو الموزع، أي موزع، بنقل هذا الورق من مكانه الأول، إلى أمكنة غير محدودة. أي أن هذا الوقت، الذي يحمل كلاماً، يتحوّل، أول ما يتحوّل، وعبر وسائل النقل، إلى آخر ما. مجهول، وهذا الآخر المجهول، عندما يتلقفه، ويقرأه، يسجل عبره، تحوّل الكلام المنشور من كلام يخص الكاتب، إلى كلام يخص القارئ، لينتقل بذلك من مجازه الخاص، إلى المجاز المفتوح، أي من مخيلة خاصة إلى مخيلة “عمومية”، أو فلنقل إلى نص مفتوح، كل قارئ يضيف إلى القراءة الأصلية، قراءاته الجديدة، ويصبح هكذا بؤرة دلالات، وتخييلاً، وإسقاطاً، وتفسيراً، وتأويلاً، بعدد مَنْ يقرأه.

وهذا يعني ان كل نص مسرحي (أو شعري أو روائي) يركب وسيلة نقل إلى الآخر، يخضع لتغيير متعدد وفردي (وأحياناً جماعي)، ليس في معانيه فحسب، بل في بنيته. فالقراءة، عندما تحاول فك شفرة النص، لا تصيب حدوده التفسيرية، بل تصيب بنيته نفسها. على أن القراءة الفردية هذه تبقى موازية في طبيعتها للكتابة الفردية ذاتها. كتابة الكاتب، حتى تنتقل إلى المحطة الأساسية، أو فلنقل وسيلة الاتصال الأخرى، المكملة للكتاب، وهي الخشبة. وهنا بالذات تتنوّع القراءة، والفضاء، والمكان، والأدوات، من تحوّل فردي إلى تحوّل جماعي. لا يعود النص نتاجاً فردياً، بل نتاج جماعي، بانتقاله من الكلمة إلى الجسد. الصوت، الحركة، الماكياج، الملابس، الاضاءة، السينوغرافيا، الكوريغرافيا، تحت كشافات المخرج الذي ينظم كل هذه الوسائل (وهي أيضاً وسائل اتصال) في بنية مشهدية، مرئية، سماعية، نسميها العرض.

إذاً، هناك تحوّلات دلالية ما (فردية) تبث عبر كل هذه الوسائط التي أشرنا إليها. وهذه الدلالات تبث كلها دفعة واحدة. يظهر المشهد بكليته على الخشبة، كالجسد المكشوف، في آن واحد، يتطوّر، زمنياً ومكانياً، ويخضع هنا لعدد غير محدود من الرسائل التي يتلقاها المتفرج (وكان مع النص قارئاً)، بحواسه كلها، ليُعيد انتاجها وبثها. أي أن العرض (لمسرح) يكون وسيلة اتصال الآخر الذي يتحوّل إلى وسائل اتصال أخرى تبث في كل اتجاه: العرض وسيلة اتصال، والمتفرج وسيلة اتصال. والناقد وسيلة اتصال. والجريدة. والمجلة. والتناقل الشفوي، والملصقات، والكرّاسات…

II

كان المسرح إذاً، وعلى امتداد قرون طويلة، وسيلة اتصال مباشرة بينه وبين الجمهور، لا حاجز بينهما. لا وسائل. الرسالة تقطع المسافة من الخشبة إلى القاعة، أو إلى مكان التقديم، وحدها تعبر وحدها من النص المعروض الي المتفرج. ويعني ذلك، أن اللقاء بين الطرفين: المتلقي والمشاهد كانت علاقة حية. حرّة، غير مقيّدة. غير مشروطة بأدوات ترويج أخرى. يقصد المشاهد المسرح ليرى ويسمع ويستمتع. يذهب المسرح إلى الناس بأمكنته المعلومة، والخاصة. كان المكان المسرحي مكاناً خاصاً لا يشاركه أي شيء فيه. إنه المكان المسرحي الذي نشاهد فيه المسرح، والذي يقصده، بخصوصيته، الناس، كما يقصدون أمكنة أخرى خاصة، كالمعابد، وساحات الاحتفال، والمنازل. بمعنى آخر كان المكان المسرحي يختلف عن تلك الأمكنة الأخرى. والمتفرج في المكان المسرحي يختلف أيضاً عما هو عليه في الأمكنة الأخرى، من حيث ربما ملابسه، أو استعداداته النفسية. وعلاقته (المتواطئة) مع المتفرج الآخر (أو المتفرجين). ولهذا، وبرغم سيادة النص حتى نهاية القرن التاسع عشر، وامتداداً من المسرح الاغريقي، وقبله المسرح الذي نشأ في بلاد الرافدين، لم يكن التعاطي مع العرض الإلقائي أو “المؤدى” تعاطياً جماعياً معمماً فقط، وإنما أيضاً كان تعاطياً فردياً (بشروط الفردية والتكاوين الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في تلك الأزمنة). تعاطياً تعددياً يتصل بمستويات الحضور، وطبيعة علاقتهم بالمسرح ومضامينه ولغته.

هذا يعني، أنه حتى في المسارح “الثابتة”، كان لا بد من أن يخضع النص المقدم، لتفسيرات الآخر أي الجمهور. لكنه تفسير قريب، من طبيعة العمل، ومن مداه. إذ أن كتابة المسرح، ليست ولم تكن “واقعية”، بحيث تكون وسيلة اتصالها المباشرة، “واقعية” أيضاً، أي نسخية. فالنص هو حقل من التخييل، والفانتازيا، والرؤى الذاتية، والحالات، قد يستمد شيئاً من الواقع، لكنه عندما يكتب على الورق ويقدم عرضاً يخرج من الواقع. يصبح مخيّلة. أي تفسيراً خاصاً للعالم، وللأساطير، والخرافات، والميتافيزيقيا، والقوانين الانسانية، والأعراف، يرتقي من مستوى الاحساس المباشر، والفكرة المباشرة، إلى اللامحدود. وهنا بالذات تبرز خصوصية المسرح، في أنه عبر هذا التخييل (أي التوجه إلى الحواس) يتقدّم بمضامينه كإيماءات لا كإشارات، كإشارات وليس كأفكار واضحة (ايديولوجيا، دين، سياسة، مجتمع). ونظن أن انتقال المسرح من “نظام” النص كبؤرة دلالات شبه وحيدة في المسرح الذي سبق القرن العشرين، إلى المسرح الموّجه برؤيا المخرج، أي تعدد وسائل البث الجماعية، ثم عبر انفتاح المسرح على أشكال التطوّر التكنولوجي: خرج المسرح من بدائية الديكور (أو طبيعيته)، إلى الانخراط في الاكتشافات، لا سيما الكهرباء: أي الاضاءة. ونظن أن المسرح الحديث كما بدأ، وعلى هذه الأنماط التي ذكرنا، مع اختراع الكهرباء: زمن المخرج كسلطة أساسية بدأ مع اختراع “الكهرباء”، وتطوّرت تجريبياته، عبر تصوّرات فردية وجماعية، ومدارس واتجاهات، لتستغل، وتستوعب وتمتص في بنية العمل المسرحي، وفي مفرداته، مختلف هذه “التكنولوجيات”، من الراديو، إلى التلفزيون، والفيديو، وصولاً إلى الأنترنت.

وليس جديداً القول ان مختلف هذه الوسائل طلعت من المسرح أو من فكرته، فأثر عميقاً فيها ودفعها، لتتم بعدها تبادلية موضوعية بينها وبين المسرح “أبي الفنون”. فالراديو تأثر بالمسرح، من حيث الحوارات، ومن حيث تمكنه من أن يكون واسطة لنقل الأعمال المسرحية، والتلفزيون بمسلسلاته، ومسرحياته المتلفزة، وحوارياته تأثر، وقبله السينما أيضاً. ومن يتابع الأفلام السينمائية الأولى يجد بسهولة أثر المسرح في طريقة الأداء وفي الديكورات، وفي التنقلات، وفي الحركات التي يؤديها الممثلون. بدأت السينما بالمسرح، بدأت بكونها مسرحاً ينفذ بأدوات تكنولوجية. “علبة إيطالية” ثابتة تتكرر بلا انتهاء، عبر الاعادة، والمنظور، بمعنى آخر، لم تكتسب السينما استقلاليتها عن المسرح، إلا بعدما صُفيت تماماً من آثار المسرح، وتقدمت كلغة خاصة، من حيث سيادة الكاميرا، ومن حيث إرساء مفاهيم تمثيلية، وسيناريوية وإخراجية، عن المسرح. أوليس هذا ما نجده في السينمات العالمية، وكذلك في السينما المصرية، عبر تطوّرها؟

على أن المسرح، بقوة تراكماته التاريخية، تمكن أيضاً، وحتى اليوم، من استخدام هذه الوسائل ضمن لغته الدرامية: استخدام التلفزيون، والشاشة، والاذاعة (الصوت)، والاضاءة، والكاميرا، والصورة الفوتوغرافية وصولاً إلى اللوحة التشكيلية، استخداماً عضوياً، بحيث تحوّلت نسيجاً داخلياً في لغته: نتذكر بسيكاتور، وبرشت (المسرح الملحمي). نقول هذا من دون أن ننسى نظريات رأت وجوب استقلال المسرح عن كل ما هو خارجي عنه، ونقصد “المسرح الفقير” مع غروتوفسكي، المتأثر بنظرية “مسرح القسوة” (انطونان أرطو)، والذي دعا إلى تحرر المسرح من كل الأدوات التقنية، والاكتفاء بأدواته “البدائية”، الطبيعية الأولى معتمداً على الجسد كبؤرة أساسية للتعبير الدرامي.

ولكن هذه التبادلية، بين وسائل الاتصال المختلفة وبين المسرح، تجووزت، عندما، استخدمت هذه الوسائل كأمكنة جديدة لبث المسرح، عبر السينما وعبر التلفزيون والاذاعة، واليوم عبر الأنترنت. وهذا ما نسميه “المسرح خارج المسرح”، أو “الدراما خارج المكان المسرحي المعهود”.

وهنا بالذات يمكن الكلام على طريقة ترويج جديدة للمسرح عبر قنوات لا محدودة في وصولها. وهنا بالذات يمكن الكلام أيضاً على تغييرات مفترضة في الخطاب المسرحي نفسه، وفي بنيته، إذ أنه ينتقل من علاقة مباشرة بالجمهور إلى علاقة غير مباشرة، أي عبر وسيط، خاضعاً لمتطلبات هذا الترويج وقنواته من حيث تغيير الخطاب، ومن حيث البنية الفنية. فالراديو يختزل المسرح إلى صوت، والسينما تحدده بزوايا الكاميرا، والتلفزيون بحصره باللقطات المصوّرة، مما يعتبر، في الحالات الثلاث رؤيا المخرج العمومية، وتقنياته التفصيلية، ومشهدياته الفردية والجماعية.

III

إذا كان المسرح هو وليد الأزمات، أزماته الذاتية أو الأزمات العامة: من حروب، وأحداث، وكوارث وتحوّلات، فالحاجة تدعو (لا حاجته بالضرورة) إلى ربطه، بشكل أو بآخر، بهذه الأزمات، لتعميم خطابه، أو لتأويله، أو لتبديله، أو لقوة تأثيره في الجمهور العريض، لكن السؤال: مَنْ يربطه؟ ومَنْ يحله؟

الواقع ان المسرح التجريبي، الذي يطلع من تراكمية تجاربه، وأزماته، أعمق من أن يخضع لكل ما هو خارج متطلباته “التقنية” والأفكار والمضامين التي يطرحها، دائماً هو على الهامش، بعيداً من موجات التعميم، والنوبات الانفعالية، والرسائل المباشرة. أي بعيداً عن تنكبه وظائف سياسية أو ايديولوجية مباشرة، تكسر من “مجانية” تجريبياته، وتحوّله شبيهاً بالواقع المفروض.

إن الأزمات (الحروب، الأمراض، الانقلابات والكوارث والأوبئة) تنتشر كالنار في الهشيم لتصيب الفردية في صميمها، تجعل من الناس متشابهين في ردود أفعالهم. وهنا تأتي وسائل الاتصال التي تريد أن تعمم لغاتها، لتعمم أفكار الجمهور. كأنها محكومة بكل ما يتخذ شكل “القضاء والقدر”. تريد أن تزيل الفوارق تزيل التمايزات بين الأفراد، عبر الانجراف بالحالات الجماعية. فكل حدث كبير يوحد الناس بقدر ما يفرقهم، أو الأحرى يجمعهم من حيث لا يجمعهم. والخطاب العمومي، المرتبط عادة بسلطة ما، (دينية، أو عسكرية، أو سياسية، أو طائفية)، يحاول قدر الامكان تسخير وسائل الاتصالات لخدمة خطابه الخاص. (نتذكر هنا مسرحية وحيد القرن ليونسكو، ورواية أورويل “”)، أي لتجميع الناس حول خطاب أحادي، موظفة له كل الامكانيات المتاحة. وهنا، تنتفي الحاجة إلى أي خطاب مختلف. وإلى أي لغة فنية لا تشبه الأمكنة والناس والواقع. خطاب أحادي يفسر العالم بما يخدم أحاديته، تحت شعارات شحن النفوس، وتوحيد الارادة؟ أي أنه يرى إلى الناس كمجموعات غائبة، قطعاناً غائبة، تتحرك مع اندفاع هذا الخطاب غائبة، بمعنى آخر: تنتفي في هذه الهستيريا الجماعية الجامعة، كل فردية، أو كل تلقٍ فردي متميّز هذا ما يسمونه “سياسة الترويج”.

ولأن جوهر المسرح التجريبي يناقض كل سياسة ترويجية برانية، ذات وظيفية أحادية، فعندما، يخرجونه من أمكنته التاريخية (أي الخشبة)، ليبثوه في وسائل اتصالات لم تعد ملائمة مع جوهره، فإنه في انتقاله هذا إلى فضاءات أخرى، وتداخله مع لغات أخرى، وخروجه من الذات إلى الآخر “المجهول”، فإنه يفقد خصوصيته أولاً بفقدانه استقلاليته الفنية، وثانياً بفقدانه خطابه الخاص، وثالثاً بفقدانه أمكنته، ورابعاً بفقدانه جمهوره الخاص، وخامساً بوصوله إلى حيث لا يستطيع أن يضبط لغته، ويواجه مصيره. أي أنه يفقد قبل كل شيء إنجازه الذاتي، ورؤاه الذاتية، واختلافاته عن أشكال التعابير السائدة، ويفقد إلى حد كبير مسيرته الراهنة والمستقبلية. أو فلنقل يخسر “كائنه”. يمحي ويذوب في “كائنات أخرى، وفي وسائل أخرى، وفي بنى أخرى.

ولأن أهمية المسرح التجريبي هي التوغل في لا محدود التجربة الانسانية، والتقنية، ولأن مبرر وجوده في حفاظه على هامشيته الحية، “المجنونة” فإنه عندما يتحدّ في الخطاب الاعلامي السائد، ينفي نفسه قبل كل شيء. يصبح خطاباً إعلامياً، في زمن سيادة الاعلام الموجه في الأزمات. يصبح كأي شيء حوله: كالخطاب، كالتقرير، كالميكروفون، كالارشادات المباشرة، كالاذاعة، كالتلفزيون، كالانترنت. يعني أنه يصبح “مادة” معلبة، عابرة، مستخدمة في وظيفة محدودة، معينة، نهائية، وعابرة. لا يعود يملك حواسه. ولا طرائقه، ولا سبله. ولا وجهاته. ولا شغفه. ولا اختلافه، ولا مجانيته. ولا خروجه على السائد، المهيمن.

وهنا، لا يعود مهماً، أن تحافظ وسائل الاتصال (لتي ذكرنا) في الأزمات على قيمه الجمالية التي تندرج ضمن “الجماليات” الهشة التي تذوب في المباشرة الوظيفية. وإذا كانت جماليات التجريب، تتوجه أولاً وأخيراً إلى الأفراد (أو الجماعات المكونة من أفراد)، فإنها في حال انخراطها في لغة الاعلام، تتوجه إلى كتل مغلقة. إلى حزم مشروطة بأحاديتها. إلى روبوات تختزل ردود فعلها بما يحركها بعيداً من الشروط النقدية، وبعيداً من شروط التلقي التاريخية، وبعيداً من الاستمتاع بغير ما يستثير خضوعها.

وعلينا هنا التركيز على موضوع “الخضوع”، الميديا تسعى، قبل كل شيء إلى سياسة الاخضاع، أو تسييس الاخضاع أو تعميمه، بحيث يصبح “التمرد” على لغتها تمرداً على الذوق العام، وتمرداً على الرأي العام، لكي لا أقول خيانة له. فيما نعرف أن جوهر المسرح التجريبي هو “الرفض”. رفض الخضوع لكل الجواهر الثابتة، ولكل الترسبات التاريخية، ولكل الأشكال والتبعيات للمفاهيم الجمالية (والسياسية) البائدة، أو المفروضة. بهذا المعنى يعتنق المسرح التجريبي مفهوم الحرية الشاسعة غير المحدودة لا في اختيار وسائله فحسب، بل في اختبار مواقفه. فالمسرح التجريبي موقف من الحياة. وطريقة في الحياة، ورؤيا في الحياة. واختيار خاص.

وعندما يستخدم، عبر وسائل الاتصالات لغايات على تضاد مع حريته، وموقفه، وقيمته الأصلية، فإنه يصبح شيئاً “ميتاً” بين أشياء ميتة. يصبح مفردة في لغة سواه. يصبح جزءاً من الحدث، وجزءاً من تفسيرات مفروضة على الحدث، يصبح “كائناً” أحادياً، بين كائنات أحادية خسرت مقوماتها الخصوصية الأساسية. أي أن المسرح التجريبي، القائم أصلاً على فكرة التعدد، يجد نفسه مقروءاً بلسان واحد، ومشاهداً بعين واحدة، ومسموعاً بأذن واحدة. كأنه الغرق في منحى توتاليتاري شمولي يزيل زوايا كل ما يمسه. والميديا، اليوم، لا سيما في الأزمات، أصبحت خاضعة لنظام توتاليتاري معمم يفرض هيمنته على الفنون والأفكار والمسرح لينتزع منه ملامحها وقسماتها وتميزاتها وينتزعها من طليعتها، ويلحقها برسائله ومفاهيمه الواحدية.

IV

هناك، بالطبع، من يدافع عن هذه العلاقات المتبادلة بين المسرح والمياديا، لكثرتها وتنوعها. وجوهر المسرح التجريبي لا يناقض هذه التبادلية، لأنه مفتوح على كل ما يخدم رؤاه واجتراحاته، ولأنه توجه مفتوح على كل الاحتمالات. لكن ماذا يعني اذا خسر المسرح ذاته وربح العالم كله؟ وماذا يعني أن تزال الاختلافات العضوية القائمة بين المسرح والميديا، لمصلحة هذه الأخيرة، وماذا يتبقى من المسرح عندها.

فلنفترض أن ما يقوله المدافعون عن انتقال المسرح إلى الشاشات والميكروفونات صحيح، من حيث توسيع آفاقه، وحل أزمة جمهوره الذي يتضاءل يوماً بعد يوم، ومن حيث إيصاله إلى أصداء لا محدودة، وهو المحدود في أمكنته الضيقة؟ ولنفترض أن ما يقولونه صحيح من حيث توسيع خطاب المسرح التجريبي من خطاب “ضيّق” إلى خطاب متعدد، عبر إدراكه مساحات متنوعة من الناس والشعوب. ولنفترض أيضاً أن ما يقولونه صحيح من احتمالات تجديد مفاهيم التجريب عبر احتكاكاتها بجمهور غير جمهورها، جمهور “مجهول” لامتناهٍ يضم أناساً من كل الشرائح والأجناس والطبقات؟ ولنفترض أيضاً أن ما يقولونه صحيح من حيث إمكانية أن يبحث المسرح التجريبي، عبر اتصاله بالميديا، عن وسائل جديدة لاختباراته، بحيث يصبح مسرحاً تجريبياً “شعبياً” أو جماهيرياً…

قد يكون كل ذلك صحيحاً من وجهة نظر المدافعين، لكنها وجهة نظر، تريد أن تجد حلولاً للمسرح من خارج المسرح، كأن نبحث عن أزمة الفن التشكيلي في الصورة الفوتوغرافية، أو أزمة السينما في الرواية أو القصة. لا نريد هنا أن نحيل المسألة على مرجعية كبيرة هي غروتوفسكي الذي دعا إلى “مسرح نقي” لا تلوثه أي عناصر برانية. ولا نريد أن نحيل المسألة على مرجعية أخرى كبيرة كبيتر بيروك، عبر بحثه عن المسرح الخام، في الطقوس واستلهام الموروث التاريخي والأسطوري.

لكن ما نريد أن نشير اليه، وبصرف النظر عن الأزمات والظروف الاجتماعية والأحداث، أنه يجب التأكيد، في هذا الخضم المحموم، على نظرية مسرحية لا تأخذ في اعتبارها ممارسات وسائل الاتصال التي تحدد العمل المعاصر على خشبة المسرح وتتخلله. أو أنه من غير المعقول أن نتطرف في تقدير الميديا بعلاقتها بالمسرح، إلى درجة وضع المسرح برمته في إطار نظرية لوسائل الاتصال، لنقارنه بذلك بالفنون والممارسات التقنية. على أن هناك من يقول أن مفهوم وسائل الاتصال غير منوط بالمحتوى والموضوع وإنما بواقع الحالة الراهنة للتكنولوجيا. لكن علينا أن نتذكر أن كل تكنولوجيا هي ايديولوجيا في العمق، وانها بسبب كونها أداة مجردة، فإنه من السهل توجيه “حياديتها” أو تعبئة “فراغها” بإملاءات الراهن. فتكنولوجيا الاتصال لا تكتمل معانيها ومراميها إلاّ عندما تربط مادتها بالتأويل الجمالي أو المجازي أو الميتافيزيقي ابتداء بإعادة الانتاج وانتهاء بالتفسير.

من هنا علينا أن نعود إلى علاقة المسرح التجريبي بالميديا في الأزمات، فإذا كانت الميديا، في الأوقات الطبيعية تمتص مميزات هذا المسرح، وتنزع عنه تجريبته، وتلبسه لبوساً آخر غير لبوسه، فما بالك عندما تتعامل معه، ومن منظورها، التكنولوجي ـ الايديولوجي (أو الميتافيزيقي)، في الأزمة الاستثنائية، تتحول وحشاً يلتهم فريسته، ويحوّلها إلى مادته الخاصة. تستهلكه. يصبح بضاعة استهلاكية كأي بضاعة أخرى يروّج لها، كالعطور، والأحذية، والمآكل، وكذلك كالبضاعة السياسية التي تصبح في زمن الأزمات بضاعة استهلاكية بامتياز. ونتذكر هنا أن المسرح التجريبي، في أساسه، ولكي يكون تجريبياً أي غير ملتزم بوصفة فنية جاهزة تلائم هذه المرحلة أو تلك، فهو عصيّ عن الانسجام، والتلاؤم، والطاعة. عجينة لا تطوعها السلطة، أو المرجعية، أو الجهات السائدة، انه عجينة “سحرية” تطوع نفسها بشروطها الفنية والفكرية الخاصة. المسرح التجريبي يحل “أزماته” من خارج الأزمات السائدة. أو الأحرى، لا ينوء تحت إلزامات هذه الأزمات، فيروض نفسه، ويكيّفها، لتكون جزءاً من الواقع أو من التخبيل الجماعي المقنن. لذا، فهو، احتمالاً، يبقى الرافض والمرفوض. وإذا كان هذا المسرح ينأى بنفسه عن مسايرة ما هو راسخ ونهائي وتاريخي حوله، فكيف لا ينأى بنفسه عن ان يذوب في رسائل اتصال، لا حول له فيها ولا قوة. أي كيف يتخلى عن خصوصيته كوسيلة اتصال خاصة، لوسائل اتصال عمومية، يجمعه اليها الكثير، ويفرقه عنها الكثير.

صحيح ان المسرح التجريبي ينحسر كثيراً في الأزمات، لأن الواقع يجد نفسه غارقاً في العموميات، وفي الحاجات الآنية للفنون والاعلام، ولأن الجمهور يكون في الضفة الأخرى من الابداع: في ضفة المباشرة، والشحن والتعبئة، والترويع، والتلقي السلبي وتفجر الغرائز، وسيطرة الفكر الواحد، أو المنحى الطائفي، أو الاتني، أو العنصري، أو “الوطني” الواحد، وهذه، كلها ظروف لا تلائمه، كاتجاه يسعى إلى التصادم مع الذائقة والمعممة، وإلى اجتراح لغة جديدة، تحتاج إلى هدوء، وعقول باردة، أي يحتاج إلى من يصغي إلى فرادته. ولهذا فالرسح التجريبي، ينحسر أحياناً كثيرة، في الأزمات الكبرى. (وكذلك الشعر والموسيقى والفنون التشكيلية غير النضالية وغير المباشرة)، ويطغى نوع آخر من المسرح التجاري و الاستهلاكي المبسط والشعاري والمصنوع لدغدغة المشاعر العمومية، ولخطا بالسلطة أياً كانت هذه السلطة (ميليشيا، عسكر، دكتاتورية). هذا النوع من المسرح هو بامتياز مسرح “الميديا”، وقد لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل (كالمسرح التجريبي)، ليتلاءم و”تطلعات” الجماهير. انه مسرح يَستَغلّ ويُستغَلّ. يَستَغلَ القضايا التي يرتبط بها الناس في الأزمات، ويُستغَلّ من قبل الأطراف المهيمنة، لتجعله في خدمة هذه “القضية” أو تلك. أي في خدمتها الخاصة.

فلنأخذ الحرب التي اندلعت في لبنان على امتداد عاماً، ونسترجع بهدوء كيف تعاملت “الميديا” مع المسرح عموماً، والمسرح التجريبي خصوصاً. نتذكر أن كل طائفة وميليشيا وقوة كانت تمتلك وسائلها الخاصة الخاضعة لها، ولسلطتها ولخطها السياسي ومعركتها العسكرية: أي كانت تمتلك جرائدها وإذاعاتها وتلفزيوناتها: أكثر من محطة تلفزيونية و محطة إذاعية وعشرات المنشورات والصحف. وكل منبر من هذه المنابر استغل التراث المسرحي (والغنائي) اللبناني (وحتى العربي) ليوظفه في معركته، ويسقط عليه، (عبر جمهوره، والشعب اللبناني حوله “شعوباً” وقبائل). وكان مجرد أن تعرض مسرحية لريمون جبارة، أو ليعقوب الشدراوي، أو روجيه عساف، أو شكيب خوري، أو جلال خوري، في وسيلة في هذه الوسائل، حتى يتغيّر خطابها الأصلي، وتسقط عليها أفكار (أو ايديولوجيا) الجهات المهيمنة على هذه الوسيلة. وما قدم من أعمال هؤلاء، وإن قليلاً، لالتباس خطابه، أوقع المسرح في التصنيفات الطائفية والحزبية التي تمليها وسائل الاتصال آنئذ. حتى تراث الرحابنة وفيروز المسرحي استخدمه “الجميع” (جميع المتصارعين) في محاولة إخضاعه لسياسة كل طرف أو استيعابه في خدمة كل طرف، أو للإيهام بأنه “صنع” لتزكية رأي هذا الطرف أو ذاك. أي أن المسرح التجريبي يسوء. في لبنان أثناء الحرب صار، بفضل الميديا السائدة، يشبه الأطراف السائدة. صار يشبه توجهات كل طرف، عبر تقنينه وتبنيه… وهو براء من كل هؤلاء. وعندما يصبح المسرح لغة إعلامية مموّهة يفقد خصوصيته، وهامشيته، واستقلاله، والأزمات “تغسل” مضامين المسرح كما تغسل الصقول ليتساوى الجميع في أهدافها ومعاركها. ولا أريد أن أشير هنا إلى التشويهات التي تتعرض لها هذه الشرائط في التلفزيونات والإذاعات، وإلى القطع والبتر أحياناً، وإلى رداءة الصورة والتسجيل، بحيث يكتمل التشويه الجمالي، مع التشويه الفكري لهذه الأعمال، كأنما لا يبقى لا مسرح ولا تجريبي ولا خطاب جمالي ولا سياسي ولا اجتماعي. مادة مشوّهة لجمهور مشوّه لسلطات (طائفية) مشوّهة، ولغرائز مشوّهة. أي ان الخطاب الأصلي لهذه الأعمال تحول تحولاً جذرياً في القنوات التلفزيونية والإذاعات والفيديو…

على هذا الأساس لا يمكننا القول أن ما تقوم به المرجعيات المهيمنة على الميديا في الأزمات هو ترويج. على العكس تماماً: انه تقنين، مصادرة وتوجيه وبت ناقص مجزوء الأعمال التجريبية. صحيح أن بعض الأعمال يكتسب شهرة وتواصلاً مع الجمهور العريض، لكن الأصح أن هذه الأعمال تواجه حصاراً مزدوجاً: من الجمهور المنحاز الذي يريد أن يلمس “أفكاره” و”مواقفه” في كل عمل، ومن السلطة (أو السلطات) التي تفسّر سلفاً هذه الأعمال التي تروّج لها، وتضعها في خدمتها.

فالجمهور، عبر الميديا، وفي الأزمات، يريد أن يقرأ نفسه في الأعمال المقدمة. وأقصد هنا تماهيه بالمواقف المسيطرة حوله، والتي كوّنتها، شيئاً فشيئاً الميديا نفسها. وعندما يصبح الجمهور مجموعة من “كائنات” الميديا: كائنات تلفزيونية، أو إذاعية، أو منبرية، أو لفظية أو شعارية، فإنه من الصعب جداً أن يعقلن تعاطيه مع أي عمل، أو أن يواجه المسرح مثلاً بنقد إبداعي، ربما ما عدا قلة، هامشية، خرجت على سياسة القطعان، والسلطة، والببغائية.

وعندما نقول أن الميديا تحاصر، بترويجها، المسرح التجريبي، فإنها، عبر استخدام وسائلها الدعائية لعملية الترويج، كمقدمات وإعلانات، ولافتات وتوقيت، وتعليقات، تسلبه كل ما يمتّ إلى خطابه الثقافي والفكري المستقل، إضافة أيضاً إلى خطابه الفني، بحيث إنها تقدمه كسلعة “سياسية”، أو كأداة مباشرة في الصراع إبان هذه الأزمات. ويمكن هنا أن نتطرق إلى “الميديا” الأخرى المواكبة أي الوسائط المكتوبة كالصحف والمجلات. هذه الوسائط (كجزء من الميديا) لا تسلم من الوباء الدعائي العام المفروض، ولا من العلاقات بأطراف القوة، أو السلطة، أو المرجعيات السياسية أو الطائفية أو الرسمية أو العسكرية. تصبح إلى حد صحافة أزمات بكل ما تملي عليها ضرورات الواقع من تجاوز لهامشية الأعمال المسرحية الجدية والتجريبية. فإذا كانت السلطات لم تتبنَ هذه الأعمال مثلاً لعدم وضوح خطابها، ولعدم قدرتها على استيعابه، أو لالتباسه، فإن هذه المنابر تُعتم على كل نشاط لا يصب في خدمة الأجواء السائدة. وإذا لم تُعتم، فإنها تختزل نقدها بما هو مباشر (بتوجيهات من أهل الربط والحل)، وتقيس كل العناصر المكونة للعمل قياساً برباغندياً، أو قياساً سياسياً جزئياً، أو بمعايير ذاتية ملغية، أو اتهامية، أو مدينة. الميديا المكتوبة، تصبح، لارتباطها العضوي في اطراف الصراع أو في مصادر السلطة، جزءاً “غير نقدي”، وغير “ترويجي” لكل مسرح لا يحمل الأفكار الجاهزة التي تلتزمها. لكن علينا، هنا وبرغم هذه العمومية، ان نسجل بأن جزءاً من الميديا المكتوبة، تمرد ولو بحدود، عبر بعض نقاده ومحرريه وصحفه، على فكرة “الاجماع” المتصلة بالتعاطي مع الفنون لا سيما المسرح، فكان أحياناً حيز ما لما هو مختلف في الرؤيا، ولما هو خارج الاسراب، وخارج اعتماد اللغة “الشعبية” أو “الشعبوية الرائجة. ولهذا بقيت، في عالمنا العربي، بقع، أو بؤر أو “واحات” أو “هوامش” وإن ضيقة محافظة على الحدود الدنيا من التعامل الجدي مع أشكال التعابير الفنية والمسرح غير الاستهلاكي والطليعي والتجريبي. لأنه في زمن الاستقطابات الكبرى (أي في الأزمات) السريعة والمتسعة، من الصعب جداً أن نسمع صوتاً لانطيغون أو بروميثاوس، أو سيزيف، أو حتى لنجيب سرور أو يوسف أدريس أو لأمل دنقل (كشاعر)، أو لزياد الرحباني (ولو في بداياته)… أو للشيخ إمام أو سيد درويش. فالمغامرة هنا، تأخذ أبعاداً أخرى، وتأويلات أخرى، لا يستطيع أحد السيطرة عليها. وعليك أن تنتبه إلى كل كلمة، أو اشارة تبثها. وعليك أن تقدم ما يخدم المناخ الخرافي، أو “الأسطوري” أو المعجزات أو اللاعقلاني… وقد ما يمس هذه المعايير قد يمس “الأنظمة” و”البنى” الكافية على هذه الظواهر التي كونتها بنفسها، وعلى رؤاها “المقدسة” اذ يصبح كل شيء، في زمن الاستقطابات الكبرى والسريعة، (ومرتعها في الأزمات) على مرمى “القدسية”، فحذار! وهنا قد تصبح كل مسرحية تجريبية كانت أم غير تجريبية معرضة اذا ما خالفت “الأصول”، أصول اللعبة المفروضة، لأن تتهم بالكفر اذا كان المجتمع ـ السلطة مؤمناً، وبالخيانة، اذا كان المجتمع ـ السلطة علمانياً، وبخدمة “العدو” اذا كان المجتمع ـ السلطة “وطنياً”، وبالخروج على الاجماع اذا كان المجتمع ـ السلطة توتاليتارياً… وهنا الطامة الكبرى. وعندها قد يتهم المسرح، عبر الميديا (الفضائية) والانترنت والصحافة المكتوبة (الرسمية وربما غير الرسمية) بالتخريب، أو بالمس “الذوات المقدسة” من سياسية وغير سياسية، وتدمير العلاقات الاجتماعية، أو تهديد الأمن القومي.

وكل تهمة من هذه كفيلة بإزالة قبيلة أو تسريحة كاملة، فما بالك بمسرح مختلف أو بمسرحيين مختلفين. ولهذا نجد ان المسرح عموماً، والجدي خاصة، لا سيما التجريبي، يصاب بعزلة شبه كاملة اذا اريد له ذلك، في الأزمنة الملتبسة، أو في “انفلاش” يهدد هويته، ومغامرته، ولعبته، وخطابه الطليعي، والانساني، في ما يسمى ترويجاً رسمياً، أو فئوياً، أو حزبياً، أو طائفياً، أو دينياً…

(@) القيت هذه المداخلة في الندوة الرئيسية حول “التجريب المسرحي في زمن الأزمات” على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

22 − 12 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...