الرئيسية / صفحات مميزة / التدخل التركي المباشر في سورية –مقالات وتحليلات”

التدخل التركي المباشر في سورية –مقالات وتحليلات”

 

أردوغان واستثمار البطة العرجاء/ صبحي حديدي

هل كنّا بحاجة إلى تسريبات صحيفة «وول ستريت جورنال»، لكي نكتشف أنّ تركيا اتخذت قرار اجتياح الأراضي السورية، على امتداد تخوم جرابلس شمال البلاد، دون الرجوع إلى البيت الأبيض، أو حتى دون التنسيق مع البنتاغون؟ ربما، بمعنى حاجة المرء إلى شاهد من أهلها، ليس أكثر؛ لأنّ الوقائع على الأرض، مثل المنطق السائد منذ خمس سنوات، تشير في مجموعها إلى أنّ المقاربة الأمريكية ـ أو، على وجه الدقة: خيارات الرئيس الأمريكي باراك أوباما شخصياً ـ لم تكن تتناغم، في الحدود الدنيا أو القصوى، مع المقاربة التركية.

فإذا أضيفت إلى هذه الخلاصة حقائق المتغيرات التركية، وهي متعددة ونوعية وفارقة (من الانقلاب الفاشل، إلى التطبيع التركي ـ الروسي، والآخر التركي ـ الإيراني الوشيك)؛ فإنّ إقدام أنقرة على مباشرة عملياتها العسكرية في العمق السوري كان يفترض، ولعله اقتضى أيضاً، مباغتة واشنطن على نحو يكرّس أمراً واقعاً لا رادّ له. ليس على الفور، في كلّ حال؛ بل، كذلك، ليس دون إجبار البنتاغون على التغطية الجوية للعمليات التركية، باعتبارها تستهدف «داعش» أيضاً، أو «أوّلاً» حسبما طاب للتفسير الأمريكي أن يجمّلها (مقابل التفسير التركي الذي وضع محاربة المشروع الكردي في الشمال السوري على قدم المساواة مع قتال «داعش»).

إلى هذا، ثمة في المباغتة التركية طراز بارع من استغلال حال «البطة العرجاء»، التي تعيشه الإدارات الأمريكية خلال الأسابيع القليلة قبيل انتخابات رئاسية لا يكون الرئيس القائم مرشحاً فيها. وفي الداخل الأمريكي، كما عبر المحيطات والبحار، يشهد العالم تسابقاً محموماً على استغلال رئيس كامل الصلاحيات، بالطبع؛ لكنه، مع ذلك، مقيّد بعُرف شائع ـ وقد يكون مستحباً أيضاً، ديمقراطياً ـ يُلزمه بتأجيل القرارات الحاسمة ما أمكنه ذلك، وترحيلها إلى الرئيس المقبل. فكيف إذا كان أوباما يتخفف، أساساً، من أعباء ملفّ سوري أشعل رأسه شيباً، كما عبّر! وكيف إذا كان يتمنى أن يُعفى من أيّ وزر يزجّ به في معمعة ضروس!

وحسب «وول ستريت جورنال»، كانت واشنطن تدرس طلباً تركياً بمدّ يد المساعدة اللوجستية في عملية تركية تستهدف «داعش»، بعد التفجير الإرهابي الذي طال عرساً في غازي عنتاب وأودى بحياة 54 وجرح العشرات، حين فوجئت بتحرّك الدبابات التركية نحو الداخل السوري. وهذه خطوة أسفرت عن ذلك المشهد السوريالي العجيب، حين وُضعت وحدات مدعومة من واشنطن، داخل صفوف «الجيش السوري الحر»؛ في مواجهة وحدات مدعومة أيضاً من واشنطن، داخل صفوف الكرد!

غير مستبعد، والحال هذه، أن تكون موسكو في الوارد إياه، أي استثمار ركود البطة العرجاء، ليس في موقف الصمت (الراضي، عملياً) إزاء التحرك التركي في العمق السوري، فحسب؛ بل كذلك من خلال التصعيد الروسي في أوكرانيا، وطرق الحديد وهو متقد. غير مستبعد، في المقابل، وبالمقادير ذاتها، أن تكون طهران قد لجأت إلى لغة صمت مماثلة، خاصة وأنّ مناهضة إيران لأي جغرافية كردية متصلة ـ أي ممهدة لكردستان ما، آتية أو وليدة ـ ما تزال على حالها، منذ قرون الشاهات وحتى عقود آيات الله. هذا بافتراض أنّ القوى الكردية في سوريا، خارج إطار حزب الاتحاد الديمقراطي، ليست سعيدة بتقليم أظافر الحزب وأجنحته العسكرية تحديداً، والحدّ من هيمنة قيادات الـPKK في جبال قنديل على القرار الكردي المحلي.

فإذا تحوّلت العملية العسكرية التركية إلى مشروع سياسي عريض، فإنّ رصيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال خمس سنوات من عمر الانتفاضة السورية، سوف يحقق واحداً من أدسم أرباح استثمار «البطة العرجاء».

القدس العربي

 

 

 

أردوغان بالتساوي!/ عمر قدور

تأخرَ الجيش التركي حتى تدخل مباشرة في سوريا، تأخر بفعل ضغوط دولية وإقليمية، منها على سبيل المثال تهديدات طهران القديمة بإشعال حرب إقليمية كبرى تطاول تركيا. والحق أن الحرب بدأت فعلاً مع استئناف حزب العمال الكردستاني نشاطه المسلح في الجنوب التركي، وسط صمت إعلام عالمي عن رد الجيش الذي اتسم بالعنف المفرط ودمّر بلدات كردية بأكملها. كأن هذا الجانب من الحرب كان رسالة مزدوجة، فمن جهة هي تحذير من مغبة التدخل في سوريا، ومن جهة أخرى إغراء بسحق أكراد تركيا مقابل تحجيم الدور التركي في سوريا.

على المقلب السوري، كان منوطاً بالفرع السوري لحزب العمال القيام بالدور الذي يتوق إليه، فالسيطرة على مناطق الوجود الكردي المحاذية لتركيا تقدّم نصراً معنوياً يعزّ تحقيقه في الجانب الآخر من الحدود. أيضاً إخراج تلك المناطق من الصراع السوري، وتصوير مشكلتها الأساسية في العدو التركي المجاور، أمران يخدمان النظام وحزب العمال، الأول بالتخلص من العبء الكردي داخلياً واستخدامه لابتزاز الجوار، والثاني لأن حربه كانت طوال عقود ضد تركيا، ولم تتوقف نظرته إلى أكراد سوريا بوصفهم خزاناً بشرياً لدعم معركته هناك، وقد واتته الفرصة أخيراً لتصوير تركيا كعقبة وحيدة أمام التطلعات الكردية. تركيا، وفق هذه العقيدة، هي إسرائيل الأكراد، تماماً كما كانت تروّج أنظمة الاستبداد صورة إسرائيل كسبب لكل مشاكل المنطقة، وبالطبع كمبرر للاستبداد نفسه.

نظرياً، منذ إسقاط سيطرة النظام في حلب، كان الدخول التركي إجراء منطقياً. المسألة لا تتعلق هنا بمكانة خاصة لحلب، وإنما تتعلق في المقام الأول بما فعله النظام بالتزامن مع هزيمته فيها، فحينها بادر إلى عقد صفقة مع الفرع السوري لحزب العمال، بتسليحه وتمكينه في المناطق الكردية كسلطة أمر واقع. لم يكن ذلك الإجراء مجرد رد فعل على دعم أنقرة فصائل المعارضة، بل كان تحوطاً من دور تركي مباشر يفقد فيه النظام أفضليته الجوية، وينتقل بموجبه الصراع ليصبح خارج سيطرته تماماً. لنتذكر أيضاً أن التدخل الروسي، في مرحلته الأولى، كان لا يخفي التطلع إلى عزل حلب وإدلب عن تركيا، في وقت كان فيه مقاتلو وحدات الحماية الكردية وداعش يتكفلون بالسيطرة على باقي الشريط الحدودي.

الواقع أن التدخل التركي المباشر وحده ما كان يخيف غالبية القوى الدولية والإقليمية، فضلاً عن النظام. فتركيا هي الجار الأقوى، المؤهل لوجود مؤثر ومستدام في سوريا، بل المؤهل ليكون نظام وصاية بخلاف كافة القوى الإقليمية التي لا تملك هذه الأفضلية بما فيها طهران، وبخلاف القوى الدولية التي لا يملك بعضها مطامع في سوريا، ولا يملك بعضها سوى أفضلية التفوق العسكري. الجانب المذهبي تجوز الإشارة إليه من باب المساعدة التعبوية، أكثر من جعله المدماك الأساس في صراع شيعي/سني لا يبدو شاغلاً تركياً حقيقياً. إننا نتحدث عن البلد المجاور الأقوى، والأكثر استضافة للاجئين السوريين، والمتضرر الأكبر من نشاط حزب العمال، وهذه عوامل كافية لتدفع أية حكومة “إسلامية أو غير إسلامية” للتدخل المباشر.

كبحت إدارة أوباما النوايا التركية قدر ما استطاعت، وجرب الطيران الروسي حوالي سنة السيطرة على الحدود لكنه فشل رغم مساعدة وحدات الحماية الكردية والميليشيات الشيعية على الأرض. مع ذلك، كان مطلوباً من أنقرة تغيراً في الموقف الحازم إزاء رأس النظام كي يُعترف بدورها، وهذا ما قدّمه رئيس الوزراء بن علي يلدرم في سلسلة من التصريحات. لقد كانت السيطرة على جرابلس من داعش عنواناً رمزياً لتسوية ثلاثية، أطرافها واشنطن وموسكو وأنقرة، تتنازل بموجبها الأولى عن دعم وحدات الحماية خارج مناطق الوجود الكردي، وتتنازل الثانية عن محاولات السيطرة على الحدود وتحييد تركيا، بينما تتنازل الأخيرة عن مطلب إسقاط بشار كأولوية في التسوية الكبرى القادمة.

لم يدفع أي من الأطراف الثلاثة ثمناً من “جيبه”، فإدارة أوباما لا تحمل مشروعاً كردياً على عاتقها بقدر ما تستفيد من تعهد قوات الحماية الاقتصار على محاربة داعش، التعهد الذي رفضت فصائل المعارضة تقديمه لها ما لم يقترن بمحاربة النظام. إدارة بوتين أدركت في الميدان استحالة تحقيق نصر حاسم، وأتت معركة حلب الأخيرة لتوضح هشاشة التقدم فيه، وعدم كفاية التفوق الجوي الذي لم يسعف النظام أصلاً طوال سنوات. أردوغان قدم التنازل “الخفي” من حساب فصائل المعارضة، بالقبول بمبدأ بقاء بشار في مرحلة انتقالية، وأيضاً بدعم تلك الفصائل في مناطق لا يسيطر عليها النظام مباشرة، أي مناطق سيطرة داعش وسيطرة وحدات الحماية غرب الفرات.

مَن دفع ثمن الصفقة هي فصائل المعارضة ووحدات الحماية الكردية، الأولى لأنها تخوض معركتها خارج مناطق سيطرة النظام، ولو كانت ضد خصمين لم يقصّرا في قتالها لصالح النظام ولصالحهما، هما داعش ووحدات الحماية الكردية. الأخيرة منهما خسرت الدعم الأميركي الذي واكب توسعها غرب الفرات في معركة منبج، ومن المنطقي أن تُطرح أسئلة كردية حول التضحيات التي قُدّمت تحت لافتة محاربة داعش في مناطق عربية، ثم أطاحها التفاهم التركي الأميركي الجديد. يمكن القول بأن تحول أردوغان الأخير سحب من رصيد وحدات الحماية لدى إدارة أوباما، ومن رصيد فصائل المعارضة السياسي المتعلق أساساً بإسقاط النظام، ولو بدا الثمن الذي قبضته ثأراً من خصمين لدودين.

يمكن القول أيضاً بأن تحول أردوغان وزع الثمن بالتساوي على متخاصمَيْن سوريين، وهذا ما ليس ملحوظاً من قبلهما، بمعنى عدم دفعه الطرفين إلى إعادة حساباتهما. فأنصار وحدات الحماية الكردية بقوا مواظبين على اتهام المعارضة العربية بالعمالة لأردوغان، من دون التمعن بعمل قواتهم بالتنسيق مع النظام والروس، وأخيراً تحت إشراف أميركي، قبل قبول هذه الأطراف جميعها كبح تطلعاتهم. وفي المقلب الآخر ثمة تشفٍّ واضح بالخيبة الكردية من الحلفاء، ولو أتت معطوفة على خيبات ذاتية متراكمة، منها الخيبة الأخيرة غير المعلنة من المواقف التركية المستجدة، ومع أن ما يحصل يؤشّر على سهولة أن يخسر الطرفان سوية ليس هناك في الأفق ما يدل على تعلم الدرس والبحث عما يجعلهما يربحان معاً.

المدن

 

 

المسؤولية التاريخية/ علي العبدالله

جددت عملية “درع الفرات” (عملية عسكرية مشتركة بين قوات تركية وكتائب من الجيش السوري الحر بتغطية جوية أميركية) ضد “داعش” في ريف حلب الشمالي الشرقي، وطلب واشنطن من “قوات حماية الشعب” الانسحاب الى شرق نهر الفرات، السجال العربي الكردي على خلفية ارتياح المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، للدعم التركي والأميركي للجيش السوري الحر، ولرفع الغطاء الدولي والاقليمي، وخاصة الاميركي، عن عمليات “قوات سوريا الديمقراطية” غرب نهر الفرات، واعتباره نهاية لمشروع حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي) لاقامة كيان كردي على طول الشريط الحدودي التركي السوري، والجزم بانتهاء ذلك المشروع، ورد القيادة السياسية والعسكرية للحزب المذكور، واعلاميين وكتاب كرد، على الخطوة التركية واعتبارها احتلالا لاراض سورية من جهة، وتتفيههم لعملية طرد “داعش” من مدينة جرابلس واعتبارها “مسرحية” هزيلة من جهة ثانية.

عكس السجال السياسي والاعلامي النزعة الثأرية والكيدية المسيطرة على طرفي الصراع، وغياب العقلانية والعملانية عن المواقف المعلنة آيته ذهاب الطرفين الى حدود قصوى في العداوة، والى تعميق الخلاف والقطيعة بربطهما المواقف بصراعات تعتبر وجودية بالنسبة للطرفين، فالمساجلون العرب يبرزون علاقة الكرد باسرائيل، وهي ما هي بالنسبة للعرب، والمساجلون الكرد يربطون العرب بتركيا، وهي ما هي بالنسبة للكرد، والسير خلف تصورات رومانسية بائسة. ذكرني الموقف بقول صديق كردي: “نحن (الكرد) والعرب والفرس والترك مطبوخون في طنجرة واحدة”. والنقطة الأخطر في السجال ارتكازه على النظرية الصفرية: ربح طرف يعني خسارة الطرف الآخر، وهو توجه شديد الخطورة لانه يفتح على حروب لا تنتهي، في ضوء عوامل الصراع (القوى البشرية والمكان والزمان) من جهة، واستثمار قوى اقليمية ودولية في طرفي الصراع من جهة ثانية، ما يرتب ليس خروج القضية عن سياقها المحلي فقط بل وعن اهدافها المحلية في النهاية وتكريس حالة مركبة من المواجهات الدامية والاستقطابات والتبعيات الدائمة لقوى خارجية لتوفير الدعم والحماية.

لقد تأسست حالة التوتر الراهنة على اجتماع عاملين، أول: غياب مبادرات وتوجهات سياسية جادة ومرضية لايجاد حل للتعدد القومي في سوريا، كذلك هو الحال في تركيا وايران، يقود الى تطمين الشعب الكردي على حقوقه ومستقبله ويفتح على ردم الهوة بين اطراف الصراع المحلية واخراج الخلاف من دائرة الاستثمار الاقليمي والدولي، ما وضع الكرد أمام خيارات محدودة ودفعهم لركوب الصعب والبحث عن ظهير اقليمي ودولي لخياراتهم الخاصة. وثان: اطلاق حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي) لمشروعه السياسي الخاص دون انتظار نضوج الحل السياسي للصراع في سوريا وعليها، وطرحه ضمن التسويات التي ستنشأ، وتحديده لجغرافية هذا المشروع في ضوء تصورات حزب العمال الكردستاني للصراع مع النظام التركي، بحيث يشكل الكيان الكردي الذي يستهدفه المشروع محددا وقيدا على الخيارات التركية في ذاك الصراع. ما دفعه الى السعي للسيطرة على أراض الوجود الكردي فيها قليل، ان لم يكن معدوما، تحت ذريعة وصل كانتون عين العرب/كوباني بكانتون عفرين، وهذا قاده الى انتهاز انشغال المعارضة بالقتال على اكثر من جبهة والتمدد على حسابها، والى القيام بعمليات تطهير عرقي لتوفير شروط سيطرة كاملة واستقرار دائم، ما أثار هواجس ومخاوف المعارضة السورية والبيئات العربية المحلية وزاد في حدة التوتر بين العرب والكرد، والتركمان والكرد، (عبّر انكار كثير من الكرد لحجم وطبيعة الوجود التركماني في سوريا عن حدة العداوة وعن التخوم التي يمكن ان تبلغها، وهذا تعبير واضح عن لاعقلانية سياسية) وبروز قطيعة نفسية وشعورية بينهم.

تكمن صعوبة التعاطي مع القضية في استبطان اصحاب العامل الأول(العرب الترك والفرس) حالة رفض صارم للآخر المختلف قوميا، والاستهانة بتطلعات بقية الشعوب المنضوية في الكيان الوطني(اعتبر قيادي يساري كبير موقف العرب والفرس والترك نابعا من عنصريتهم، اعتقد انه جانب الصواب بدليل ان العنصرية لا تظهر في التعامل اليومي بين المواطنين العاديين مع بعضهم بعضا، وان الالفة والتعاون بينهم، بما في ذلك المصاهرة، تدحض هذا التقدير)، رفض انتجه الوضع الراهن بمعطياته السياسية والاقتصادية والعلمية، التي تشير الى تدنى مكانة دول وشعوب الكيانات الثلاثة في اللوحة الدولية، وتضاده الصارخ مع صورتها عن ذاتها، كونها صاحبة امجاد عظيمة على خلفية الدور المحوري والمهيمن الذي لعبته في مراحل تاريخية مديدة وتمحور مخيالها حول هذه الامجاد، والتعبير عن رفض حالتها الراهنة، وتواضع مكانتها في مختلف المجالات، بعملية نفسية قائمة على التركّز حول الذات ونكران المماثلة في الحقوق والواجبات مع شعوب كانت ومازالت في نظرها أقل شأنا منها (قال مثقف وقيادي في حزب ناصري كبير: “ان بدنه يقشعر عندما يسمع كلمة كردي”). موقف يعكس وجود رضّة عميقة في الذات الوطنية والقومية تدفع الى التصرف والتعاطي مع الموقف بتجاهل تام للواقع المعاش ومستدعياته وبناء مستقبل مزدهر واحتياجاته(الرضّة الكردية أخذت شكلا آخر قائم على البحث في جذور مشاهير الفقهاء والفلاسفة والشعراء والفنانين القومية والاعلان عن انتماء اسماء وازنة منهم الى الامة الكردية، علما ان تفوق الافراد ونجاحهم لا يرجع الى كونهم كردا او عربا او فرسا بل يرجع الى اجتهادهم الشخصي) يدفعها هذا المزاج الى التعاطي مع الصراع عند مستوى الوقائع الميدانية ورفض النظر في مستواه الحقيقي والحقوقي ما رتب غياب رؤية سياسية مستقبلية تستهدف حل الصراع في ضوء المستوى الثاني والدخول في عملية سياسية للاتفاق على عقد اجتماعي جديد يقوم على الرضا يجنب كل الأطراف خسائر كبيرة متوقعة في حال استمرار النظر الى الصراع من مستوى الوقائع وعلى قاعدة المعادلة الصفرية. صحيح ان القيادة السياسية والعسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، وكذلك قيادة “قوات سوريا الديمقراطية”، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه بعد الموقف الأميركي الذي عكس رفض واشنطن للمستوى السياسي في مشروع الحزب، خاصة وان دعمه العسكري أشعر قيادة الحزب السياسية والعسكرية بواقعية الفرصة وضخّم تصوراتها ودفعها الى التغول على محيطها وجوارها والتعامل باستعلاء وعدائية مع الخصوم كردا وعربا وتركمانا، وانها وجدت نفسها أمام موقف أكبر من قدراتها على المواجهة، وان تصعيد عمليات حزب العمال الكردستاني داخل تركيا لا يشكل رافعة لاحتواء الموقف الجديد، ولن تكون كافية لتغيير توازن القوى بما يسمح بمتابعة المشروع بنسخته الأصلية، خاصة في ضوء التفهم الاقليمي والدولي للخطوة التركية، لكنه (الموقف) لا يعني بأي حال انتهاء المشروع وازاحته عن التداول المحلي والاقليمي والدولي بالمطلق، كما ذهبت اصوات عربية وتركية، مع امكانية اعادة النظر في حدوده وبنيته، وان الصراع لم يحسم ولم ينته، وينذر بانفجارات غير محمودة العواقب، وهذا يستدعي من أطراف الصراع المحليين اعادة نظر بمواقفهم والتعاطي مع القضية بواقعية وعملية، والجنوح الى تفاهم على قاعدة المستوى الثاني: طبيعة الصراع وحقيقته، تفاهم قاعدته الاعتراف بالآخر والمعاملة بالمثل، فالحالة بحاجة الى موقف رسالي لا الى موقف وظيفي، تتخذه قيادة تنظر الى الصراع من منظور مستقبلي قائم على السلام والامن والاستقرار لتحقيق ازدهار لشعوبها لا الى اداء واجب آني بحدود وظيفة محددة بالوقائع القائمة.

المدن

 

 

 

 

دوافع التدخل التركي في سورية واحتمالات توسعه/ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

بعد ترددٍ طويل، قرّرت تركيا الدخول مباشرةً في أتون الصراع الدائر في سورية، فأرسلت، صباح يوم 24 أغسطس/ آب 2016، دبابات وقوات خاصة مدعومة بغطاء جوي، لمساندة هجوم المعارضة السورية على مدينة جرابلس الحدودية. وبمجرد استعادة المدينة من تنظيم الدولة الإسلامية، وجهت تركيا إنذارًا أعطت فيه قوات سورية الديموقراطية التي تمثّل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري مهلة ثلاثة أيام لسحب قواتها إلى شرق نهر الفرات، بعد أن تمكّنت بدورها، وبغطاء جوي لقوات التحالف الدولي، من استعادة مدينة منبج، ذات الأهمية الإستراتيجية، من تنظيم الدولة. فما الذي حدا بتركيا إلى التخلي عن تردّدها الطويل واتخاذ قرار التدخل المباشر في سورية، في هذه المرحلة تحديدًا؟ ولماذا انتظرت كل هذا الوقت للقيام بذلك؟

ساهمت جملة من العوامل في دفع تركيا إلى التدخل مباشرةً في الصراع السوري، بعضها مرتبط بالوضع الداخلي التركي السياسي والأمني، وبعضها الآخر مرتبط بالوضعين، الإقليمي والدولي، وتغير علاقة تركيا بالقوى المؤثرة في الموضوع السوري.

السيطرة على الجيش

اتسمت السياسة التركية تجاه سورية، منذ بداية الأزمة في مارس/آذار 2011، بالتردّد وغياب الحزم. ويتضح اليوم بجلاء أنّ هذا التردد كان مرتبطاً، إلى حد كبير، بموقف المؤسسة العسكرية والعلاقة معها. وتلقي مشاركة قادة الجيشين، الثاني والثالث، في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد حكومة “العدالة والتنمية” في منتصف يوليو/ تموز الماضي، وهما المسؤولان عن حماية الحدود الجنوبية والشرقية مع كل من سورية والعراق وحتى إيران، بعض الضوء على خلفيات إحجام الحكومة التركية عن التدخل عسكريًا في سورية. كما بات واضحًا أنّ الجيش كان يقاوم، خلال الفترة الماضية، كل طلبات الحكومة بالتدخل في الصراع السوري، بذريعة أنه لا يستطيع فعل ذلك، من دون دعم أميركي أو غطاء من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو أمر غدا فعلًا غير ممكن، بعد التدخل العسكري الروسي في سورية، في سبتمبر/ أيلول 2015.

كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة، وردات الأفعال الشعبية والسياسية على الدماء التي سفكت خلالها، فرصة استغلها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتطهير الجيش وإحكام سيطرته عليه. وتمثّل العملية العسكرية الأخيرة في سورية دليلًا مهمًا على أنّ الحكومة التركية المنتخبة باتت في موقع يمكّنها من قيادة الجيش، وإخضاعه لتوجهاتها وسياساتها.

تنامي التهديدات الأمنية القادمة من سورية

استثمرت حكومة “العدالة والتنمية” في تركيا حال الاستياء الشعبي من التهديدات الأمنية التي

“كان التردّد التركي في سورية سابقا، مرتبطاً، إلى حد كبير، بموقف المؤسسة العسكرية والعلاقة معها” أخذ يمثّلها، بصفة متزايدة، كل من تنظيم الدولة (داعش) وحزب العمال الكردستاني (PKK)، للقيام بعملية عسكرية تؤدي إلى وقف حملة التفجيرات التي يتعرّض لها الداخل التركي انطلاقًا من الأراضي السورية. وقد جاءت العملية العسكرية الأخيرة ردًا من الحكومة التركية على محاولات استضعافها، وتبديدًا لكل انطباعٍ بأنها مشغولةٌ بمعالجة تداعيات الانقلاب الفاشل، وأنها غير قادرة حاليًا على الرد. كما اكتسب التدخل التركي غطاءً من الشرعية، بصفته يمثل حالة دفاع عن النفس، في مواجهة تهديدات “داعش” وحزب العمال الكردستاني.

ضعف الموقف الأميركي

أدى غياب الحزم في موقف إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، من المحاولة الانقلابية الفاشلة، إلى إضعاف موقفها في مواجهة المطالب التركية، والتي كان في مقدمتها تسليم الداعية فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية. وذهبت الحكومة التركية إلى حد التهديد بمراجعة تحالفها الأمني والعسكري مع واشنطن، إذا لم تسلّم غولن. وبما أنّ إدارة الرئيس أوباما لا تملك تسليم غولن، من دون قرار من القضاء الأميركي، وجدت واشنطن التي لا تريد خسارة الدعم التركي الحيوي في مواجهة تنظيم الدولة، أن تطلق يد تركيا في مناطق غرب الفرات، في مواجهة كل من تنظيم الدولة والأكراد. وكان ملفتًا أنّ العملية العسكرية التركية بدأت صباح اليوم الذي وصل فيه نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى تركيا، إذ دعا من هناك قوات حماية الشعب الكردية إلى الانسحاب إلى شرق الفرات، تحت طائلة فقدان الدعم الأميركي الذي تلقته غرب النهر لإخراج تنظيم الدولة من مدينة منبج. وبذلك كان لرفع الفيتو الأميركي عن التدخل التركي في سورية دور مهم في دفع تركيا إلى العمل ضد كل من تنظيم الدولة وقوات الحماية الكردية، مع أنّ واشنطن ما زالت تتحفظ عن إنشاء منطقة آمنة شمال سورية، كما تطالب أنقرة.

وكانت واشنطن تحدّت تركيا ومصالحها في سورية، بإصرارها على دعم الأكراد، واعتمادهم وكلاء محليين في محاربة تنظيم الدولة، بدلاً من فصائل المعارضة السورية التي رشحتها تركيا للقيام بهذه المهمة. وقد قدمت واشنطن كل أنواع الدعم لوحدات حماية الشعب الكردية، بما فيها إسقاط الأسلحة لها من الجو، كما زار جنرالات أميركيون، بمن فيهم الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القوات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، الأكراد في شمال شرق سورية، ما أعطاهم جرعة كبيرة من الثقة والشعور بأهمية الدور المناط بهم، وهو أمر أثار حفيظة الأتراك.

إضافة إلى ذلك، بدت الولايات المتحدة مرتبكةً من تطور العلاقة الروسية الإيرانية، بعد استخدام سلاح الجو الروسي قاعدة همدان العسكرية في إيران. وهي لا تبدو في وضعٍ يسمح لها بالاستغناء عن حلفاء في المنطقة، وذلك بعد أن بدأت تدرك احتمال خسارة الرهان على إيران الذي ساهم في تحديد سياسة أوباما في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

التقارب مع الروس

وضع التدخل العسكري الروسي في سورية يوم 30 سبتمبر/ ايلول 2015 نهاية لإمكانية

“يمثل التدخل التركي فرصةً للمعارضة السورية لإثبات جدارتها في مواجهة تنظيم الدولة” فرض تركيا المنطقة العازلة التي طالما سعت إلى إقناع واشنطن بها في شمال سورية، لكن إسقاط الطائرة الروسية التي دخلت المجال الجوي التركي يوم 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 أغلق سماء سورية في وجه الطيران التركي فوق الأراضي السورية. وعلى الرغم من أنّ تركيا داومت على قصف قوات حماية الشعب الكردية بالمدفعية، لمنعها من التمدّد على طول الحدود الجنوبية، خصوصاً غرب النهر، انطلاقًا من عفرين باتجاه أعزاز والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، فإنّ نتائج القصف كانت محدودةً في المجمل. إذ استمر الأكراد، في ظل دعم أميركي – روسي مشترك، من السيطرة على مزيد من الأراضي، سواء شرق الفرات أو غربه.

ومع توجه الرئيس التركي إلى إنهاء القطيعة مع روسيا، خصوصاً بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، تمكّن من تحييد الموقف الروسي في الصراع مع الأكراد. وفور وصوله إلى سانت بطرسبورغ، استقبلت موسكو أردوغان بإغلاق مكتب التمثيل التابع لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) الذي تعدّه أنقرة حزبًا إرهابيًا. وكانت موسكو سمحت لهذا الحزب بفتح مكتب تمثيلي في موسكو، بعد أزمة إسقاط الطائرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ليواكب دعمها السياسي والعسكري لهذا الحزب في سورية، وحتى داخل تركيا نفسها. اتضح أنّ تعامل روسيا، وبقية الدول العظمى في حقيقة الأمر، مع القضية الكردية، أداتي غير مبدئي، وليس أفضل من تعاملها مع العرب.

الأكراد نقطة تلاقي مصالح تركية – إيرانية

بالتوازي مع إصلاح العلاقة مع روسيا، كانت تركيا اتجهت إلى إصلاح علاقاتها مع إيران، إذ تمثّل سورية نقطة خلافٍ جوهرية بين الطرفين. وكانت التصريحات الروسية والأميركية الأخيرة عن إمكانية تقسيم سورية، أو في الحد الأدنى إنشاء فيدرالية يتمتع فيها الأكراد بقدر كبير من الاستقلالية، قد أثارت قلق أنقرة وطهران، ودعت الطرفين إلى تكثيف مشاورتهما بشأن سورية، بهدف تقريب المواقف. وكانت إيران صعّدت من هجماتها على قواعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وغيره من الفصائل الكردية ذات التوجهات الاستقلالية المتركزة في شمال العراق، وذلك ردًا على تصاعد هجمات هذه الفصائل في الداخل الإيراني. ويفسر ذلك عدم صدور أي ردة فعل إيراني سلبي على التدخل العسكري التركي المباشر في شمال سورية، مع أنّ طهران اعتادت على إبداء انزعاجها من السياسات التركية في سورية، ولطالما سلّطت حلفاءها لمهاجمة تركيا على أي تدخل عسكري، سواء في سورية أو العراق، كما حصل في بعشيقة قرب الموصل، عندما أقامت تركيا معسكرًا لتدريب قوات البشمركة لمحاربة تنظيم الدولة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وعلى الرغم من أنّ خارجية النظام السوري أصدرت بيانًا صحافيًا تندّد فيه بالتدخل العسكري التركي في شمال سورية، بصفته “اعتداء على السيادة السورية”، فإنّ النظام السوري نفسه قصف، خلال الأيام التي سبقت التدخل التركي في سورية، مواقع وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة الحسكة، بصفتها “منظمة إرهابيةً تابعة لحزب العمال الكردستاني”، بعد أن كانت هذه الوحدات تصنف في خانة حلفاء النظام.

استباق الاتفاق الروسي – الأميركي

مثّل التدخل العسكري التركي محاولةً من أنقرة لضمان استمرارها جزءًا من الترتيبات الأمنية

“محاولةً من أنقرة لضمان استمرارها جزءًا من الترتيبات الأمنية والسياسية التي يعكف الروس والأميركيون على صوغها حول سورية” والسياسية التي يعكف الروس والأميركيون على صوغها حول سورية. وكان وزيرا الخارجية الأميركية والروسية اجتمعا، ساعات طويلة في جنيف يوم 26 أغسطس/ آب، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقٍ بشأن سورية، يتضمن شقين: الأول أمني – عسكري، يهدف إلى تنسيق جهود الطرفين الروسي والأميركي، لمواجهة التنظيمات المتطرفة في سورية (داعش والنصرة، أو فتح الشام)؛ والثاني سياسي، يهدف إلى إحياء المفاوضات لإنهاء الصراع في سورية بين النظام والمعارضة.

أرادت تركيا، بتدخلها العسكري في هذا التوقيت بالذات، أن تكون جزءًا من الحرب على تنظيم الدولة، وفاعلًا أساسيًا في أي حل سياسي للأزمة السورية، بصفتها حاضنة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، من جهة، ومتضرّرة فعلية من استمرار حالة الصراع والفوضى التي تعيشها سورية منذ أكثر من خمس سنوات، من جهة أخرى.

خاتمة

تبدو العملية العسكرية التركية حتى الآن محدودة، وينحصر هدفها الرئيس في إبعاد تنظيم الدولة عن الحدود التركية، ومنع وحدات حماية الشعب الكردية من ملء الفراغ الذي يخلفه انحسار التنظيم، ومن ثم السيطرة على الشريط الحدودي مع سورية، خصوصاً في مناطق غرب الفرات. كما تمثّل اختبارًا لقدرة الحكومة التركية على قيادة المؤسسة العسكرية، وإخضاعها للسلطة المدنية، وتحقيق حالةٍ من التوازن بين الدعم الأميركي المشروط، وغض الطرف الروسي المقصود، وتوافق المصالح مع إيران للحد من تطلعات الأكراد الاستقلالية. في الوقت نفسه، يمثّل هذا التدخل فرصةً للمعارضة السورية لإثبات جدارتها في مواجهة تنظيم الدولة، ومن خلاله إعادة فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسويةٍ سياسيةٍ للمسألة السورية.

العربي الجديد

 

 

 

العملية العسكرية التركية في سوريا: الخلفيات، والسياق، والتوقعات

يُعدُّ التدخل العسكري التركي في شمال سوريا تحولا مهما في موازين القوى بين الأطراف المتصارعة على البلد، أملته ضرورات الأمن التركي، ويسَّرته توافقات إقليمية ودولية، وستكون آثاره كبيرة على مجمل الصراع في سوريا.

في فجر 24 أغسطس/آب 2016، عبرت كتيبة مدرعة من الجيش التركي، بصحبة أعداد من القوات الخاصة، الحدود مع سوريا.

هدف العملية العسكرية توفير الدعم لقوات الجيش السوري الحر، المتحالف مع تركيا، من أجل تحرير مدينة جرابلس السورية الحدودية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وحماية الأمن التركي من المخاطر التي يمثِّلها تنظيم الدولة والحزب الديمقراطي الكردستاني.

إن العملية التركية ترتبط بحسابات القوة في الساحة السورية، وتنشد أهدافًا ذات طابع استراتيجي، ويتوقع أن تترك أثرًا ملموسًا على خارطة القوى في شمال سوريا.

المقدمة

في 24 أغسطس/آب 1516، خاض الجيش العثماني، بقيادة السلطان سليم الأول، معركة مرج دابق في الشمال السوري، مُوقِعًا هزيمة بالغة بالجيش المملوكي، وفاتحًا الطريق لضم أغلب البلاد العربية في المشرق وشمال إفريقيا للحكم العثماني. في فجر 24 أغسطس/آب 2016، عبرت كتيبة مدرعة من الجيش التركي، بصحبة أعداد من القوات الخاصة، الحدود مع سوريا. ما أُعلن في أنقرة هو أن هدف العملية العسكرية توفير الدعم لقوات الجيش السوري الحر، المتحالف مع تركيا، من أجل تحرير مدينة جرابلس السورية الحدودية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وحماية الأمن التركي من المخاطر التي يمثِّلها تنظيم الدولة والحزب الديمقراطي الكردستاني، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض حربًا ضد الدولة التركية منذ منتصف الثمانينات.

ليس من الواضح ما إن كان توقيت العملية العسكرية التركية قُصد به الاستدعاء الرمزي للذكرى المئوية الخامسة لمعركة مرج دابق. لم يلتفت الإعلام التركي للمصادفة التاريخية إلا بعد أن تنبَّه لها مؤرِّخون ومراقبون غير أتراك، وليس ثمة من مؤشر على أن عملية جرابلس مقدمة لاجتياح تركي لسوريا، أو لمحاولة تركية لحل تعقيدات الأزمة السورية بقوة السلاح.

هذه، بالطبع، ليست المرة الأولى التي يقوم بها الجيش التركي بعملية عسكرية في الأرض السورية؛ ففي أواخر فبراير/ شباط 2015، تقدمت قوة مدرعة تركية، مدعومة بقوات من المشاة، عبر الحدود التركية-السورية، وقامت بنقل ضريح سليمان شاه، جد مؤسس السلطنة العثمانية، من موقعه في عمق الأراضي السورية إلى موقع أكثر أمنًا بالقرب من الحدود مع تركيا.

ولكن الواضح، على أية حال، أن العملية التركية في الشريط الحدودي مع سوريا خطوة بالغة الأهمية، وتختلف إلى حدٍّ كبير عن عملية ضريح سليمان شاه. في المرة الأولى، لم يكن للعملية العسكرية من علاقة بحسابات القوة في الساحة السورية، أما في عملية جرابلس، فقد حملت العملية أهدافًا ذات طابع استراتيجي، ويتوقع أن تترك أثرًا ملموسًا على خارطة القوى في شمال سوريا.

لماذا قررت أنقرة القيام بعملية جرابلس؟ وفي أي سياق سياسي وعسكري تجري العملية؟ وما هو الأثر الذي يمكن لهذه العملية أن تتركه على مجريات الأزمة السورية، والمخاطر التي تحف بها في الوقت نفسه؟

الطريق إلى جرابلس

طبقًا لصحيفة حريت التركية (26 أغسطس/آب)، يبدو أن عملية عسكرية في الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا خُطِّط لها منذ عامين، ولكنها تعطلت بفعل معارضة ضباط في الجيش التركي، ثبت فيما بعد أنهم كانوا من الضباط الانقلابيين. ولكن المؤكد، على أية حال، أن توافقًا تركيًّا-أميركيًّا حول تطهير الحدود التركية-السورية، على طول الشريط غرب الفرات، من مجموعات تنظيم الدولة وحزب الاتحاد الديمقراطي، قد تم التوصل إليه في يونيو/حزيران 2015. وكانت تركيا لجأت إلى مثل هذا الخيار بعد أن استمر الرفض الأميركي لفكرة المنطقة الآمنة في الشمال السوري. بمعنى، أن المنطقة الخالية من تنظيم الدولة والاتحاد الديمقراطي أصبحت، من وجهة نظر أنقرة، البديل الوحيد الممكن للمنطقة الآمنة. بيد أن المشروع لم يُنفَّذ حينها، سواء بفعل تباطؤ الأتراك أو تردد الأميركيين.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أسقط سلاح الجو التركي الطائرة الروسية، وتوترت العلاقات التركية-الروسية إلى حدِّ القطيعة؛ ولم يعد ممكنًا لتركيا التوغل داخل الأراضي السورية، لا برًّا ولا جوًّا. في 18 مايو/أيار 2016، أجرى الرئيس الأميركي أوباما اتصالًا هاتفيًّا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استمر لسبعين دقيقة. طلب أوباما من أردوغان دعم عملية تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكِّل وحدات الحزب الديمقراطي الكردستاني المسلحة ثقلها الرئيس، لتحرير مدينة منبج وقراها من سيطرة تنظيم الدولة. كانت الولايات المتحدة، ممثَّلة بالقيادة المركزية، (المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط)، قد أسست علاقة دعم وتحالف مع الديمقراطي الكردستاني، ضاربة عرض الحائط بالرفض التركي لمثل هذه العلاقة، بهدف استخدام القوات الكردية السورية في مواجهة تمدد تنظيم الدولة في سوريا.

خلال الاتصال الهاتفي، وافق أردوغان على عملية منبج، على أساس أن يغادر المسلحون الأكراد، مباشرة بعد تحرير المدينة، غرب الفرات كلية، ويعودوا إلى مواقعهم السابقة شرق الفرات. منذ بداية الأزمة السورية، وتحولها إلى نزاع مسلح، أعلنت أنقرة أن الفرات هو خط أحمر أمام المسلحين الأكراد، يجب عدم عبوره إلى الغرب؛ حيث لا وجود لأية كثافة بشرية كردية سورية إلا في جيب عفرين الصغير، شمالي غرب حلب. في 31 مايو/أيار 2016، بدأت قوات سوريا الديمقراطية عملية السيطرة على منبج، بدعم تسليحي وجوي من الأميركيين. ولكن العملية لم تَسِرْ بصورة حسنة، بفعل المقاومة الشرسة لقوات تنظيم الدولة المتواجدة في منبج ومحيطها.

في 8 يوليو/تموز، وعملية منبج لم تزل تحبو ببطء بالغ، أعلنت منظمة سوريَّة لم يُسمَع عنها من قبل عن اغتيال فهمان حسين قرب القامشلي. يُعتبر فهمان حسين أحد أبرز قادة حزب العمال الكردستاني، المتمركزين في جبال قنديل، على الحدود العراقية-التركية. وقد كشف وجوده في القامشلي عن حجم الدور الذي يلعبه قادة العمال الكردستاني في بناء وتنظيم جناح الديمقراطي الكردستاني المسلح. ألمحت تقارير في أنقرة إلى أن الاستخبارات التركية هي من قام باغتيال حسين، وأن المنظمة التي أعلنت مسؤوليتها عن العملية لا وجود فعليًّا لها. إن صحَّت هذه التقارير، فيبدو أن الأتراك أرادوا باغتيال حسين توجيه رسالة احتجاج وتصميم لواشنطن، التي أكدت دائمًا على أنها لا تعتبر الديمقراطي الكردستاني منظمة إرهابية، ولا ترى صلة وثيقة بينه وبين حزب العمال الكردستاني.

لم يتم طرد تنظيم الدولة بالفعل من منطقة منبج إلا في 12 أغسطس/آب، وبعد أن تسبَّبت العملية في مقتل مئات المدنيين وتدمير جزء كبير من أحياء المدينة وقراها. وبدا، وكأن القوة المهاجمة، المشكَّلة في أغلبها من مسلحي الديمقراطي الكردستاني، لم تقصد تحرير المدينة من تنظيم الدولة وحسب، بل وتنفيذ عملية تطهير عِرقي لسكانها من العرب والتركمان.

مهما كان الأمر، فما أن أُعلن عن طرد تنظيم الدولة من المدينة حتى أخذ المسؤولون الأتراك في تذكير نظرائهم الأميركيين بضرورة مغادرة المسلحين الأكراد غرب الفرات، وترك إدارة منبج لمجلسها المحلي. أظهر الأميركيون التزامًا بالاتفاق، الذي تمت على أساسه عملية منبج، ولكنَّ انسحابًا ملموسًا للمسلحين الأكراد لم يحدث. في العشرين من أغسطس/آب، أكدت مصادر الاستخبارات التركية أن المسلحين الأكراد لم يزالوا في مواقعهم غربي الفرات، وأن ثمة مؤشرات إلى أنهم يخطِّطون للتقدم نحو بلدتي الراعي وجرابلس الواقعتين تحت سيطرة تنظيم الدولة. ولم يتردد مسؤولون أكراد سوريون في التصريح بأنهم يستهدفون تحرير كل المنطقة غرب الفرات من تنظيم الدولة، وتأسيس منطقة سيطرة كردية متصلة من شمال شرقي سوريا إلى المتوسط.

من وجهة نظر جيوستراتيجية، تعني سيطرة الديمقراطي الكردستاني على كامل الشريط الشمالي السوري، شرقي الفرات وغربه، قطع صلة تركيا نهائيًّا بسوريا، وبروز كيان كردي معادٍ لتركيا في المنطقة الفاصلة بين البلدين. مثل هذا الوضع ما كان لأنقرة أن تقبله مهما كانت التكاليف. وهذا ما أدَّى إلى إطلاق عملية جرابلس، فجر الرابع والعشرين من أغسطس/آب، بعد اجتماع غير معلن لمجلس الأمن القومي التركي. بمعنى، أن العملية تجمع بين مخططها الأصلي، أي تطهير الشريط الحدودي غرب الفرات من سيطرة تنظيم الدولة، والواقع الجديد، الناجم عن وجود مسلحي الديمقراطي الكردستاني غرب الفرات، ورفضهم العودة إلى مناطق الأغلبية الكردية شرق النهر، التي انطلقوا منها بتفاهم ودعم من الأميركيين.

السياق الإقليمي والدولي

بدأت القوات التركية عمليتها في الجانب السوري من الشريط الحدودي، التي أطلقت عليها اسم “درع الفرات”، بعد شهر تقريبًا من المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا. وقد ساد البلاد منذ فشل المحاولة الانقلابية مناخ من التوافق الوطني، انعكس في قيام الحكومة التركية بإبلاغ حزبي المعارضة الرئيسيين، الشعب الجمهوري والحركة القومية، بالعملية وأهدافها، وفي الدعم العلني الذي قدمه الحزبان للعملية. ولكن ما جعل العملية ممكنة كان أكثر من ذلك، سواء إقليميًّا أو دوليًّا.

ففي 27 يونيو/حزيران، توصلت جهود وساطة سرية وطويلة، أخيرًا، إلى كسر الجمود في العلاقات بين أنقرة وموسكو، وكانت روسيا من أوائل الدول التي شجبت المحاولة الانقلابية، كما كان الرئيس بوتين الثاني، بعد أمير قطر، الذي اتصل بأردوغان لتهنئته بفشل الانقلاب والتوكيد على تأييد الحكومة الشرعية المنتخبة. دفع اتصال بوتين بدفء جديد إلى العلاقة بين روسيا وتركيا، وهو ما بدا ظاهرًا في لقاء الرئيسيين بمدينة سان بطرسبوغ في 9 أغسطس/آب، اللقاء الذي كان اتُّفق عليه قبل المحاولة الانقلابية. ولكن، وبالرغم من اتفاق بوتين وأردوغان على عودة العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى ما كانت عليه قبل القطيعة بين البلدين، فإن التقارير التي أشارت إلى أن الرئيسين توصَّلا إلى توافق سياسي حول سوريا، أيضًا، حملت الكثير من المبالغة. ما تم الاتفاق عليه فيما يتعلق بسوريا، على الأرجح، كان حرص الدولتين عل تجنب أي صدام شبيه بحادثة إسقاط الطائرة الروسية، وتأسيس آلية استخباراتية وعسكرية-دبلوماسية، لبحث مسائل الخلاف وتعزيز التنسيق ومحاولة التوصل لحل الخلافات حول مستقبل سوريا.

بيد أن المناخ الجديد في العلاقات بين أنقرة وموسكو، الذي وُلِد من حاجتي البلدين، أسهم في إفساح المجال أمام العملية التركية في الشمال السوري. أبلغت أنقرة موسكو مسبقًا بالعملية وهدفها، ويبدو أن موسكو لم تعارض، لأنها تعتبر تنظيم الدولة تهديدًا لأمنها القومي، وباتت ترى أن الديمقراطي الكردستاني أصبح كليًّا أداة أميركية.

وقد شهدت العلاقات التركية-الإيرانية تطورًا إيجابيًّا مشابهًا للتطور في العلاقات التركية-الروسية، سواء بفعل الموقف الإيراني الرافض للمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، أو لرغبة طهران في أن لا ترى استفرادًا تركيًّا في العلاقة مع موسكو. إضافة لذلك، مع عودة الأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام الإيراني إلى العمل المسلح، أخذت طهران تنظر بقلق متزايد إلى اتساع نطاق نفوذ الأكراد السوريين وحجم الدعم الأميركي المتزايد للديمقراطي الكردستاني. ويمكن القول: إن الموقف الإيراني من العملية التركية، أو بالأحرى غياب هذا الموقف، يعود في جانب منه إلى الخلاف المحتدم في صفوف الطبقة الإيرانية الحاكمة بين من يقولون بأن الخطر الأكبر على إيران ينبع من روسيا القريبة، ويدعون إلى علاقات أفضل مع واشنطن وأنقرة، ومن يقولون بأن الخطر كان ولم يزل أميركيًّا.

وليس ثمة شك، في أن الموقف التركي الجديد من الحل السياسي للأزمة السورية، الذي أبلغت به الأطراف المعنية منذ مايو/أيار الماضي، والذي أعلن عن تغيير موقف أنقرة من طلب تنحي الأسد منذ بداية المرحلة الانتقالية إلى القبول بوجوده خلال فترةٍ ما من المرحلة الانتقالية، قوبل بردِّ فعل إيجابي في موسكو وطهران.

خلف ذلك كله، على أية حال، كان لابد من حصول الأتراك على دعم وتأييد أميركي واضح، قبل انطلاق العملية. وربما ساعدت أجواء التوتر البالغ بين أنقرة وواشنطن في الأسابيع التالية لفشل المحاولة الانقلابية في مسارعة الولايات المتحدة لاتخاذ موقف إيجابي من العملية. أدركت الإدارة الأميركية أن ردَّ الفعل التركي الغاضب من وجود فتح الله غولن في أميركا، وعلى التصريحات التي أطلقها رئيس الاستخبارات الوطنية الأميركية وقائد القيادة المركزية حول مصير الضباط الانقلابيين، لا يقتصر على حكومة العدالة والتنمية، بل ويشمل عموم الرأي العام والمعارضة التركية كذلك. كما أن واشنطن ما كان لها أن تتناسى أنها كانت دائمًا من يحثُّ تركيا على لعب دور أكبر وأكثر فعالية في الحرب ضد تنظيم الدولة، وأنها سبق أن وافقت بالفعل على عملية تركية عسكرية في الشريط الحدودي مع سوريا.

وقد بذل نائب الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، خلال زيارته لأنقرة قبل أيام قليلة من انطلاق العملية التركية، جهودًا بالغة من أجل احتواء التوتر في علاقات البلدين، التي ولَّدتها الشكوك التركية في مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل. كما أكد بايدن، في لغة لا تحتمل التأويل، دعم الإدارة الأميركية لمطالب أنقرة بانسحاب المسلحين الأكراد من غرب الفرات. ولعل من الممكن الاستنتاج أن تأييد واشنطن للعملية التركية جاء انعكاسًا لمخاوف إدارة أوباما من الاحتمال الوشيك لأن تخسر أهم حلفائها في الشرق الأوسط. وعندما وضعت واشنطن أمام خيار قاطع بين تركيا وتنظيم مسلح مثل الديمقراطي الكردستاني، لم يكن ثمة شك أيًّا من الجانبين ستختار.

طبيعة العملية

لم يُخْفِ الأتراك في اليوم الأول من التحرك العسكري باتجاه بلدة جرابلس أن حجم القوة المشاركة في العملية كان محدودًا، وأن مجموعات الجيش السوري الحر ستتحمل العبء الأكبر من القتال ضد قوات تنظيم الدولة المسيطرة على البلدة ومحيطها القروي. ضمت القوة التركية كتيبة واحدة من المدرعات، بعدد لا يتجاوز المئتين من العسكريين، إضافة إلى عدد مماثل من القوات الخاصة. وإلى جانب الغطاء الجوي الذي وفرته طائرات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وهي على الأغلب طائرات أميركية، شارك في تحرك اليوم الأول عدد محدود من طائرات سلاح الجو التركي. ولكن وجود الجنرال زكائي آق ساكللي، قائد القوات الخاصة التركية وأحد الضباط الرئيسيين الذين واجهوا الانقلابيين مساء 15 يوليو/تموز، على خط الحدود التركية-السورية، أوحى بأن العملية التركية قد تكون محدودة، ولكنها لن تكون محدودة جدًّا.

خلال ساعات قليلة، نجحت مجموعات الجيش الحر، مدعومة بالقوات التركية، في دخول جرابلس بدون خسائر تُذكَر، بعد أن بادر مسلحو تنظيم الدولة إلى الانسحاب من البلدة ومعظم قراها. في اليوم الثاني للعملية، شوهد الجنرال، آق ساكللي، في جرابلس يطمئن على جنوده؛ وفي الأيام القليلة التالية، استمر تعزيز القوة التركية في مسرح العمليات بالدبابات وعربات الدعم اللوجستي وجنود القوات الخاصة. وعلى خلفية من تصريحات لمسؤولين أتراك، وتصريحات لقيادات الجيش الحر، بأن العملية ستطول ما هو أبعد من جرابلس، استمر تقدم القوات التركية ومجموعات الجيش الحر جنوب وغرب البلدة الحدودية. في 25 أغسطس/آب، وجَّه قادة الجيش الحر إنذارًا للمسلحين الأكراد بالانسحاب من منبج والعودة إلى مناطقهم شرق الفرات خلال ثلاثة أيام. وفي 27 أغسطس/آب، نجحت قوات الجيش الحر في طرد تنظيم الدولة من بلدة الراعي.

لا يمكن الاستنتاج بقدر عال من اليقين بعد، ولكن ثمة مؤشرات على أن الهدف النهائي للعملية هو إقامة منطقة على طول الشريط الحدودي غربي الفرات، من جرابلس إلى إعزاز، بطول سبعين وعمق عشرين كيلومترًا، خالية من مجموعات تنظيم الدولة ووحدات الديمقراطي الكردستاني. لا يمكن وصف هذه المنطقة بالآمنة تمامًا، لأن الطائرات الروسية يمكن أن تحلِّق في سماء المنطقة متى أرادت. ولكن، وعلى اعتبار أن بطاريات الهاوتزر، المنتشرة في الجانب التركي من الحدود، يمكن أن تغطي ما يقارب الأربعين كيلومترًا من العُمق السوري، يمكن القول: إن العملية تستهدف إقامة محمية تركية على طول الشريط الحدودي. هذا لا يعني، بالطبع، أن العملية ستكون سلسة تمامًا ومضمونة النجاح؛ ولكن، في الجانب المقابل، إن نجحت في تحقيق أهدافها، فستترك أثرًا ملموسًا على مجريات الأزمة السورية.

المخاطر المحيطة بالعملية وأثارها المحتملة

وجَّهت المدفعية التركية قذائفها ضد مجموعات من مسلحي الحزب الديمقراطي الكردستاني للمرة الأولى منذ بدء العملية يوم 26 أغسطس/آب، لمنع هذه المجموعات من التقدم نحو بلدة الراعي. في اليوم التالي، وقع أول اشتباك مباشر بين مسلحي الحزب وقوة مدرعة تركية، أسفر عن مقتل أحد الجنود الأتراك.

طوال الأيام الأربعة الأولى، تقدمت القوة التركية وحلفاؤها من الجيش الحر نحو جرابلس ومحيطها بيسر. ولكن، وبالرغم من الدعوات الأميركية لمسلحي الديمقراطي الكردستاني بالانسحاب من غرب الفرات، ليس ثمة مؤشرات بعد على أن هذا الانسحاب قد بدأ بالفعل. إنْ عقدَ الديمقراطي الكردستاني العزم على عدم إخلاء منبج وقراها، فمن المؤكد أن مواجهة مسلحة ستقع بين وحدات الحزب المسلحة، من جهة، والقوات التركية وقوات الجيش الحر، من جهة أخرى. وسيكون على الأميركيين، الذين يقاتل المسلحون الأكراد بسلاحهم، أن يذهبوا خطوة أخرى في خيارهم التركي، وأن تبدأ طائراتهم بتوجيه نيرانها ضد وحدات الديمقراطي الكردستاني.

هذا من جهة، أمَّا من جهة تنظيم الدولة، فإن مدينة الباب تمثِّل موقعه الرئيس التالي بعد جرابلس. يمكن لتنظيم الدولة أن يواصل سياسة الانسحاب، التي يتبعها عادة عندما يدرك أنه في مواجهة معركة غير متكافئة، كما فعل في جرابلس والراعي. ولكن من المحتمل، أيضًا، أن يقرِّر تنظيم الدولة خوض معركة يائسة في الباب. عمومًا، يبدو الخطر الذي تمثله هجمات تنظيم الدولة على الداخل التركي أكبر من ذلك الذي يمكن أن تمثله على القوات التركية في سوريا.

مهما كان الأمر، فالواضح أن قيادة الجيش التركي على استعداد لتحمل الخسائر المحتملة للعملية، طالما أن مسرح العمليات ليس بعيدًا في العمق السوري ومتصلًا جغرافيًّا بالجانب التركي من الحدود. بعد الإهانة التي تلقتها وحدات متمردة من القوات المسلحة في المواجهة مع الشعب التركي، ليلة المحاولة الانقلابية الفاشلة، ترغب القيادات العسكرية والسياسية التركية، على السواء، في استعادة القوات المسلحة لمعنوياتها وإعادة بناء علاقتها بالشعب. هذا لا يعني بالتأكيد أن أنقرة ستقبل تحول عملية الشريط الحدودي إلى حرب استنزاف للقوات التركية.

ولكن الخطر الذي يتهدد العملية لا يقتصر على تنظيم الدولة ووحدات الديمقراطي الكردستاني؛ فسوريا هي أيضًا ساحة عمليات ونفوذ إيراني وروسي. في هذه المرحلة، يبدو أن روسيا وإيران ليستا بصدد التحرك ضد العملية التركية. ولكن استمرار اتخاذ إيران وروسيا موقف عدم التأييد وعدم المعارضة، الذي هو جوهر موقفهما الراهن، يتطلب تحركًا ملموسًا في المسار السياسي لحل الأزمة السورية.

ثمة مباحثات أميركية-روسية جارية على قدم وساق، ولكن تصريحات كيري ولافروف، بعد لقاء الوزيرين: الأميركي والروسي، مساء 26 أغسطس/آب، لا توحي بتفاؤل بمخرج قريب. تحدَّث الوزيران حول تقدم ما في الاتفاق حول سوريا، ولكنهما أكَّدا على وجود خلافات لم تُحلَّ بعد. من جهة أخرى، تشهد قنوات الاتصال بين أنقرة وطهران، وأنقرة وموسكو، نشاطًا كبيرًا، سواء على مستوى المكالمات الهاتفية بين قادة الدول، أو لقاءات المسؤولين الدبلوماسيين. ولكن ليس هناك ما يشير بعد إلى تقدم ملموس في محاولات الدول الثلاث التوصل إلى تصور توافقي حول حل الأزمة السورية.

الأرجح، أن موسكو لن تقدم حلًّا لسوريا إلى أنقرة أو طهران لاعتبارات عديدة، تتعلق بالخلافات في أوكرانيا وأوروبا، ستحرص روسيا على أن يكون الاتفاق حول سوريا اتفاقًا أميركيًّا-روسيًّا، أولًا، ثم تركيًّا وإيرانيًّا، بعد ذلك. وبالنظر إلى أن أيام إدارة أوباما باتت معدودة، فربما يُقدِّر بوتين أن الأفضل لروسيا انتظار الإدارة الأميركية الجديدة.

ما يمكن رؤيته الآن، على أية حال، هو أن فشل العملية التركية ستكون له عواقب وخيمة على دور تركيا في سوريا. أما نجاح العملية في تحقيق أهدافها في سوريا، بأقل خسار ممكنة، فسيعزِّز من الدور التركي في أي اتفاق سياسي حول الحل في سوريا، وربما يمكن أن تتحول العملية التركية إلى قوة دافعة للتوصل إلى الحل المنشود.

 

 

 

سورية.. تقاسم نفوذ جديد/ فاطمة ياسين

يسبق أردوغان جولاته الدبلوماسية مع حلفاء النظام السوري بنصرٍ ميداني للمعارضة، مدعوماً بالمدفعية التركية. كان فكّ الحصار عن حلب، قبل لقاء سان بطرسبورغ الذي جمع الرئيس التركي مع قيصر روسيا، وسبق تطهير مدينة جرابلس اللقاءَ المفترض لأردوغان مع الإيرانيين.

قبل بدء عمليته البرية، أرسل أردوغان رسائل غزل لروسيا والغرب، فدخل سورية من بوابة محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ما أمَّن له قبولاً أميركياً، دلل عليه نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، عندما أكد على شراكة الأتراك أميركا في محاربة داعش.

وجود التنظيم المتطرف الذي يخشاه الغرب غطى شرارة الدخول الأولى، ومن ثم انطلقت الآليات التركية لتنفيذ خطط حكومة بلادها في إنشاء منطقةٍ خاليةٍ من الأكراد على حدودهم الجنوبية. أتى الإسناد الجوي من طائرات التحالف دلالةً على أن الموقف الأميركي داعم للعملية البرية، ولا بد أن قادة قوات سورية الديمقراطية الكرد تحسّسوا موافقة حليفهم الأميركي على العملية، منذ صارت القوات الكردية تتراجع سريعاً عن قرى جنوبي جرابلس، قريةً بعد قرية، قبل العودة الإجبارية إلى ما خلف الفرات، فالتوافقات الدولية الجارية تبدو صارمةً، وهي لم تخصّص للأكراد إلا الحسكة وعفرين، مفصولتين بحاجز بشري وعسكري سميك، يشغله عرب مدعومون تركياً.

يسيطر القلق على حاكم دمشق، وهو يترّقب خطوة الأتراك التالية، وعينه على الحليف الروسي الذي لا يتوقع منه خذلاناً. والمعلوم أن القرار السوري قد عُطِّل تماماً منذ احتلت البوارج الروسية موانئ طرطوس، وسلَّم بشار الأسد مصيره لطائرات السوخوي التي حطّت على الأراضي السورية في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول العام الماضي، فصارت روسيا صاحبة الكلمة العليا في أي حركةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ، قد يتخذها النظام. وفي حال اتفق الروس والأتراك على تسويةٍ تقول بالحل السياسي، لن يقوى جيش الأسد الهش، حتى مع المليشيات التي تسانده، على إبداء الرفض. ولا بد أن الروس قد فرضوا، أخيراً، تفعيل تقاربٍ بين الأتراك ونظام دمشق، يدلل عليه النشاط المفاجئ الذي أعلن عنه إسماعيل حقي تكين، النائب الحالي لرئيس حزب الوطن التركي، مع دمشق، في الفترة الأخيرة، فأجرى النائب خمس زيارات التقى خلالها الأسد وكبار مسؤوليه.

تصبح الخريطة الميدانية أكثر جلاءً، ويظهر دور الوساطات الدولية التي تحاول إرضاء جميع الأطراف السورية دفعةً واحدة، حين نتخيّل أن تسليم داريا للنظام جاء مقابل هزيمة عناصره في الدفاع الوطني أمام القوات الكردية في الحسكة، هذه القوات التي تخلت سريعاً عن جرابلس ومنبج، لصالح الجيش الحر. تدعم هذه النظرية حالةُ الثبات والأريحية التي رافقت عملية تطهير جرابلس، فلم نطالع خلالها صورَ جثثٍ محترقةٍ، أو مقتولةٍ ومكدسةٍ فوق بعضها، كما جرت العادة في أثناء سيطرة قوات جديدة على منطقةٍ ما، ولم تلتقط أية كاميرا مقاطع لجنود هاربين من المدينة، وأثيرت تساؤلاتٌ عن مآلات عناصر “داعش” المهزومين، وفيما إذا كانوا قد وصلوا إلى مدينة الباب، أو أنهم اتخذوا الطريق الأطول، وتحصنوا في عاصمتهم الرقة. والسؤال هنا عن قدرة تنظيمٍ مثل داعش، ليست البراغماتية العسكرية أحد أدواته، على الانخراط في الخطط الدولية المستجدة، وتنفيذ انسحاب سريع.

ما ورد من صور لجرابلس كان يُظهر حالة الأمن والسلام للجنود المحرّرِين للمدينة الحدودية، مستلقين بلا قلق على الأرصفة وفي الشوارع. ربما يُعزى هذا المشهد الوديع إلى طريقة تركيا في خوض المعارك، وكسبها من دون تخليق مشاهد رعب، تبثها صور الجثث، أو ربما كان بالفعل اجتياحاً أبيضَ لم تلوثه الدماء.

الحمى الدبلوماسية الراهنة تقلق نظام دمشق الذي أرسل وزير خارجيته، وليد المعلم، إلى بغداد، في زيارة خاطفةٍ لم يعلن عنها سابقاً، يرجَّح أن هدفها التقصّي عن صلاحية التحالف الاستراتيجي لدول محور “الممانعة”، والاطمئنان إلى أن النظام السوري لن يكون كبش تفاوضٍ في سوق المساومات القائم.

العربي الجديد

 

 

 

 

بايدن عائداً من مهمة “درع الفرات”/ سمير صالحة

خيبة أمل يعيشها بعض الإعلام العربي بسبب “الغزو” التركي الذي يحمّلون زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، صالح مسلم، مسؤوليته، لأنه أراد استغلال الفراغ الأمني والسياسي في سورية، والمسارعة إلى التمدد نحو الحسكة ومنبج، تمهيداً لربط الكانتونات في جرابلس وعفرين. خيبة أمل أخرى في صفوف قيادات “الاتحاد الديمقراطي”، بسبب “التوغل” التركي الذي رأوا فيه “اعتداءً سافراً على الشؤون الداخلية السورية”، وليس سورية وأرضها ووحدتها. خيبة أمل ثالثة يعيشها النظام السوري الذي لم يجد أحداً يقف إلى جانبه سوى التحذير الروسي الخجول الذي ورّطه، قبل ساعات من العملية العسكرية في جرابلس، بتوقيع اتفاقية تسليم الحسكة للأكراد، متراجعاً عن كل التهديدات والتحدّيات التي أطلقها، وحملت معها تساؤلاً عما إذا كان قد انتهى شهر العسل بين بشار الأسد والوحدات الكردية في المنطقة. خيبة أمل رابعة عاشها تنظيم داعش، والمراهنون عليه ورقة من الممكن الاستمرار في لعبها ضد تركيا، فغادر جرابلس من دون مقاومة، وهم لا يعرفون ما إذا كان سيقاتل في مكانٍ آخر أمام تمسّك تركيا بتطهير المناطق الحدودية من “داعش”، ومشروع الفيدرالية الكردي، وتسهيل انتشار قوات المعارضة السورية والجيش الحر وتمركزها، لبناء المنطقة الآمنة أو العازلة التي يراد لها أن تكون الخطوة الأولى على طريق صناعة المشهدين، السياسي والأمني، الجديدين في سورية.

وصل نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، صباح الأربعاء الماضي، إلى أنقرة، في زيارة ليوم واحد. لم يكن في استقباله حشود (وأنصار) “العدالة والتنمية” في تركيا، يلوحون بيافطات “بالروح بالدم نفديك يا بايدن”، لأنه يعرف أن العلاقات التركية الأميركية تتراجع باستمرار، بسبب التوتر والتباعد في قراءة كثير من الملفات الثنائية والإقليمية، وفي مقدمها تفرعات المشهد السوري. كان حجم الاستقبال ضعيفاً، ويعكس الترجمة التركية على طريقة استقبال الرئيس، رجب طيب أردوغان، في زيارته الأخيرة أميركا.

“أهم ما قام به بايدن إشرافه المباشر، جنباً إلى جنب، مع الأتراك وقوات المعارضة السورية على عمليات “درع الفرات”، وتكراره أن القوات الأميركية شاركت بشكل مباشر فيها”

للتذكير فقط، أبلغ بايدن، في زيارته تركيا قبل أشهر، الأتراك أن واشنطن لم تعد تبحث عن أي دور لتركيا في ملفات الأزمة السورية وخطط الحرب على داعش، ورفض واشنطن تمسّك الأتراك بتخلي الإدارة الأميركية عن الحليف الكردي الجديد، صالح مسلم، لأن الشروط والمطالب التركية تعرقل وضع اللمسات الأخيرة على المخطط الأميركي – الروسي الإقليمي الجديد.

اعتذر هذه المرة بايدن عن حضوره المتأخر بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وطلب من الرئيس التركي، أردوغان، أن يتدخل مباشرةً لقطع الطريق على الحملات الإعلامية التي تتهم أميركا بدورٍ ما في المحاولة الانقلابية الفاشلة، وحاول أن يقنع الأتراك ببعض الصبر في موضوع تسليم فتح الله غولن الورقة المنتهية، وقال لأكراد سورية إن واشنطن ستتخلى عنهم إذا ما تمسكوا بالبقاء في غرب الفرات، لكن أهم ما قام به إشرافه المباشر، جنباً إلى جنب، مع الأتراك وقوات المعارضة السورية على عمليات “درع الفرات”، وتكراره أن القوات الأميركية شاركت بشكل مباشر فيها. واختار الأتراك تسمية العملية “درع الفرات”، وقبل بايدن ما أراده الشريك التركي. الظرف هو داعش، والمظروف هو إعادة القوات الكردية إلى شرق الفرات. كان التفاهم الأهم بين تركيا وأميركا، كما يبدو، حول أن تتكفل تركيا بتسريع العمليات ضد داعش في شمال سورية، وأن تتحمل الإدارة الأميركية مسؤولية إيقاظ حزب الاتحاد الديمقراطي من حلم الكونفيدرالية بالتفاهم مع روسيا وإيران.

مشكلة الأتراك مع بايدن أنه يأتي محملاً بالشروط والمطالب، ويستمع إلى الأتراك في شروطهم ومطالبهم المضادة، ثم يعود دائماً بيد فارغة، ثم يقرّر العودة والمحاولة ثانياً، لكسب الفرص والوقت. تختلف زيارة هذه المرة عن سابقاتها، فقد أهدته تركيا نسخةً طبق الأصل عن قرار البرلمان التركي حول المصالحة مع إسرائيل، وأفهمته أن التقارب التركي الروسي سيستمر بشكل أقوى، لأن مصلحة تركيا تتطلب ذلك، وأن طلب أنقرة هو ليس إعادة غولن، بل تدمير مؤسساته المنتشرة في المدن الأميركية، وقد تحولت إلى لوبي معادٍ لتركيا، ومصالحها الإقليمية، وهذه هي المشكلة الحقيقية مع واشنطن التي تصرّ على تجاهل ذلك. كان بايدن يعرف، منذ البداية، أن الأتراك لن يتراجعوا عن مواقفهم ومطالبهم، وأنهم سيخيبون أمله، ولن يضعوا بين يديه أي تعهد، أو ضمانة، أو تنازلاتٍ، ورفضهم الأخذ بنصائحه في عدم الاقتراب كثيراً من روسيا وإيران والصين. لذلك، هو لم يأت محملاً بالتهديد والوعيد هذه المرة، جاء يقول عكس ما قاله في المرات السابقة، إن تركيا ستجد صعوبةً أكبر في التعامل مع المشهد الاستراتيجي الإقليمي الجديد. جاء يقرّ بأن واشنطن تهنئ تركيا على كسب الود الروسي، والتطبيع مع إسرائيل، وقبول فتح الطريق أمام مرحلة انتقاليةٍ مرنة في سورية، وهي كلها سهلت للأتراك فرص توسيع رقعة الخيارات والمناورة الإقليمية مجدّداً.

كان بايدن في طريق العودة يمنّي النفس برؤية يافطات “بالروح بالدم نفديك يا بايدن”، بعدما جلس في غرفة العمليات العسكرية التركية، ليتابع التفاصيل على الأرض، ويشارك في فرحة إنجاز عملية تحرير جرابلس، لكنه يعرف صعوبة ذلك، بعد الأسابيع القاسية التي مرّت بها تركيا، وهي تعيش أجواء تحولاتٍ سياسية وأمنية في الداخل والخارج، وأن الشعار الأكثر رواجاً الذي يردّده الشارع التركي العريض، بإسلامييه وقومييه ويسارييه، اليوم هو “يا الله بسم الله والله أكبر”.

العربي الجديد

 

 

 

 

الكرد إلى شرق الفرات… الترك إلى غربه ماذا عن حلب والمستقبل؟/ د. عصام نعمان

في الحرب، لا تتجلّى الحقيقة في ما يقوله قادة السياسة والعسكر، بل في ما يفعلونه. الارضُ أصدق إنباءً من الكتب والألسنة. ما جرى ويجري على أرض الشمال السوري يشي بحقيقةِ ما يريده أطراف الصراع الناشطون: الكرد (وحلفاؤهم) إلى شرق نهر الفرات، والترك (وحلفاؤهم) إلى غربه. ماذا عن حلب؟ ماذا عن مستقبل سوريا أرضاً وشعباً ودولة؟

ليس ما يقوله أطراف الصراع في هذه الآونة يُعبّر عن حقيقة مخططاتهم وأغراضهم، إنما يؤشّر فقط إلى بعض ما يريدونه ميدانياً:

واشنطن طمأنت أنقرة بأن لا وجود ولا كيان كردياً إلى الغرب من الفرات، وأن نشاط المقاتلين الاكراد إلى الشرق منه يجري توظيفه بمعرفتها وتحت رقابة «مستشاريها العسكريين» في عمليةٍ متدرجة لزحزحة «داعش» عن ريف حلب ومحافظة الرقة.

أنقرة تظاهرت بتصديق ما قاله الأمريكيون وانصرفت إلى تعزيز الفصائل العسكرية المتحالفة والمتواطئة معها، ولاسيما «الجيش السوري الحر»، من أجل مقاتلة «داعش» في ما تبقى له من مواقع في غرب الفرات والحلول محله.

موسكو لا تمانع في ما يقوم به الأمريكيون والاتراك إنما تطالبهم بالتنسيق مع دمشق احتراماً لسيادتها على اراضيها، كما تطالبهم بفصل الفصائل المتحالفة معهم عن «جبهة فتح الشام» (جبهة «النصرة» سابقاً) والتأكيد على أن الاخيرة تنظيم ارهابي ويجب مقاتلته ودحره.

طهران، كما موسكو، لا تمانع في ما سبق بيانه ويجري تنفيذه على الارض مع التشديد على امرين: وحدة سوريا السياسية والجغرافية، ووجوب التنسيق مع جيشها في محاربة فصائل الإرهاب والعنف الاعمى.

بغداد تجاري طهران وموسكو في موقفيهما مما يقوم به الأمريكيون والاتراك في شرق الفرات، مع حرصٍ على مراعاة واشنطن اكثر من غيرها لضرورة تأمين متطلبات تحرير الموصل من «داعش» بالسرعة الممكنة.

تل أبيب تتقبّل على مضض ما تفعله واشنطن وانقرة في الشمال السوري، لكنها لا تتوانى عن القيام سراً بكل ما من شأنه تمديد الحرب في سوريا وعليها بقصد إضعافها وارهاقها وصولاً إلى تفكيك وحدتها إلى كيانات إثنية ومذهبية وقَبَلية.

في مواكبة، كما في مواجهة، هذه التطورات تتمسك دمشق بثوابت استراتيجية وسياسية مُعلَنَة هي، وحدة سوريا أرضاً وشعباً ودولة، ووجوب التنسيق معها في الحرب على الإرهاب وفصائله جميعاً، والإصرار على إجلائها عن كل المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

هذا، باختصار، ملخص الوضع الميداني بعد التدخل العسكري التركي في الشمال السوري. ماذا عن حلب والتطورات السياسية المحتملة في الحاضر والمستقبل المنظور؟ تشكّل حلب مؤشراً ومعياراً لرؤية أطراف الصراع إلى مستقبل سوريا السياسي، وما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي في الأشهر الاربعة المقبلة، أي قبل انتهاء ولاية الرئيس باراك اوباما وتسلّم الرئيس (او الرئيسة) الأمريكي المنتخب سلطاته في العشرين من كانون الثاني/ يناير 2017.

واشنطن تعي ضغوط الحاجة إلى حل سياسي للأزمة السورية، وبالتالي استئناف المفاوضات بشأنها في جنيف. يهمّها، والحالة هذه، تعزيز الوضع الميداني لحلفائها في «المعارضة السورية المعتدلة» وتتلاقى مع تركيا، بصورة عامة، في هذا المجال. ولاحتواء متطلبات استئناف المفاوضات، تحرص واشنطن على متابعة الضغط على دمشق ميدانياً للحؤول دون تسجيل مكاسب تعزّز مركزها التفاوضي.

الاحتمال الأرجح في هذا السياق استمرار تلاقي واشنطن وانقرة والرياض على مناوشة الجيش السوري للحؤول دون تحريره الاحياء الشرقية في حلب، الواقعة تحت سيطرة فصائل ارهابية متعددة، كما عرقلة سيطرته على محيط حلب الشمالي والجنوبي أو تحريره محافظة ادلب. إدارة اوباما تحرص على التزام هذا الموقف إلى آخر يوم من ولايتها حتى لو ادى إلى تأجيج الصراع وعدم استئناف المفاوضات، ذلك أن للولايات المتحدة استراتيجية ثابتة قوامها منع خصومها (وخصوم اسرائيل) من السيطرة على كل ما تعتبره مناطق ومواقع حساسة، وفي حال عجزها عن تحقيق ذلك، التشدد لإبقاء المناطق الحساسة في حال فوضى متمادية، بعبارة اخرى، أن تكون لها السيطرة وحدها وإلاّ لتكن الفوضى لغيرها.

الى ذلك، تتمسك واشنطن بموقفٍ اكدته لإسرائيل، كما لدول الخليج، يقضي بمواجهة تداعيات اتفاقها النووي مع ايران للحؤول دون استقوائها وحلفائها، أيّ سوريا وقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ذلك يكون بمشاغلتها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على نحوٍ يحول دون تطورها إلى قوة اقليمية مركزية كبرى. لتحقيق هذا الغرض تدعم واشنطن اقليات اثنية ومذهبية في ايران والعراق وسوريا ولبنان لمناوئة ومناوشة حكوماتها المركزية في اطار مخطط قديم – حديث لتصديع وحدتها السياسية والجغرافية. أليس لافتاً قيام تنظيمات كردية في شمال غرب ايران مؤخراً بتفجير اضطرابات امنية ضد الحكومة المركزية؟ ألم تقم عناصر بالوتشية مناوئة للحكومة في جنوب ايران باضطرابات مماثلة قبل اشهر؟ أليس لافتاً مقادير الدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن جهاراً للتنظيمات الكردية في محافظة الحسكة السورية وآخرها محاولة السيطرة على مركز المحافظة؟

دمشق وطهران وموسكو تدرك مرامي واشنطن واسرائيل وتحاول معالجتها سياسياً (واحياناً عسكرياً) من خلال التواصل شبه المتواصل القائم بين وزيري الخارجية الروسي والامريكي، ومن ضمنه لقاء جنيف المحدود النتائج. غير أن إمعان واشنطن في سياستها المتواطئة مع انقرة، وبالتالي مع التنظيمات المتعاونة مع «جيش الفتح» (النصرة) تحديداً، لتدويم حربه في محيط حلب ولدعم سيطرته على محافظة ادلب ومنطقة القلمون (على الحدود السورية اللبنانية) سيحمل، على الارجح، أهل القرار في العواصم الثلاث على التفكير جدياً في وجوب تحرير ما تبقّى من حلب ومحافظة ادلب قبل انتهاء ولاية اوباما تفادياً لصدام مع واشنطن سيكون اكثر احتمالاً وخطورة بعد وصول هيلاري كلينتون إلى سدة الرئاسة، وارجحية تبنّيها خطة تدعو إلى فرض مناطق جوية محظورة على المقاتلات السورية… والتحذير من احتمال الاشتباك مع رديفتها القاذفات الروسية ايضاً!

٭ كاتب لبناني

القدس العربي

 

 

 

دخول الغابة السورية/ امين قمورية

دخول الغابة السورية ليس نزهة ريفية. القدرة على الاقتحام قد تمنحك الشعور بالقوة والمناورة، لكن البقاء طويلاً مع الضواري قد يعرضك للجروح والنزف.

أراد اردوغان من دخول جرابلس شل حركة “داعش” وقطع يد الاكراد وحجز بطاقة الى طاولة المفاوضات وتوفير منطقة آمنة. حمل اليوم الاول من العملية انباء سارة لانقرة، انسحب التنظيم وتراجع الاكراد في ظل تسهيل أميركي روسي. لكن انباء الايام المقبلة قد لا تبعث على السرور وقد تأتي على غير شاكلة. الاكراد ليسوا لقمة سائغة وحرمانهم النشاط غرب الفرات ليس مهمة سهلة. ووقوع التركي في “المستنقع السوري” على حد تعبير القائد الكردي صالح مسلم، هو تهديد ينبغي اخذه في الاعتبار في ظل المتغيرات البالغة السرعة في المشهد السوري. والعصب الكردي في ذروة صحوته ولا يزال مشدوداً ومتحفزاً لاغتنام اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر للانعتاق من قيود سجانيه السابقين، في حين يعاني خصمه المتقدم، الجيش التركي، ارتدادات المحاولة الانقلابية وما تلاها من كسر هيبة وتبديل هيكلية وفصل ضباط وتغيير في الخطط. وهو سياق لا يشجع على خوض أي مغامرات في أرض تتواجه فيها جيوش عدة ولا يجمعها وفاق.

أما “داعش” الذي فضل الانسحاب على المواجهة، فهو لايزال يملك بفعل طيب الاقامة على الحدود والخلايا النائمة في الداخل، قنابل انتحارية بشرية يستطيع تفجيرها وخصوصاً بعدما ضاق عليه الخناق في سوريا والعراق. والجسم التركي لم يشف بعد لا من ندوب تفجيراته ولا من جروح الانقلاب.

واذا كان من درس سياسي يمكن استخلاصه من الازمة السورية، فهو قدرة اللاعبين الكبار على تغيير مواقفهم كتغيير قادتهم ملابسهم تبعاً للاهواء والمصالح. فموسكو تخاصم أنقرة ولا تلبث ان تصالحها، تجذب الاكراد نحوها ثم تبعدهم عندما تراهم أقرب من الاميركيين. كذلك واشنطن تحالف الاكراد على حساب تركيا ثم تردعهم، تطالب برحيل الاسد فوراً وتعمد في الوقت نفسه الى اطالة اقامته في دمشق. ولا غرابة في ظل تبديل المواقف وخلع الملابس وتوريط الاصدقاء ان تعود الحاجة الاميركية أو الروسية الى الكردي كلاعب نشيط يمكن توظيفه في المعادلات المستجدة المحلية أو الاقليمية ولو على حساب التركي مجدداً.

بدخولها جرابلس، تجاوزت أنقرة خطاً أحمر كانت رسمته لنفسها بعدم اقتحام الميدان منفردة، أما وقد حصل فان هذا الدخول المباشر قد يمهد لسيناريوات كثيرة ولا يمكن الجزم بمساراتها، في ظل تواتر المتغيرات المؤثرة والمتوقع ان تتعمق وتزداد في مرحلة الانتخابات الأميركية.

النهار

 

 

 

المعارضة لتركيا و«الجيش الحر» لـ “المنطقة الآمنة”/ جورج سمعان

تدخلُ تركيا في شمال سورية أعادها إلى قلب الأزمة. خطوة أكمل بها الرئيس رجب طيب أردوغان «انقلابه» السياسي الدراماتيكي. فك الحصار المضروب على بلاده بفتح الأبواب مجدداً مع روسيا وإيران وإسرائيل، و»هادن» نظام الرئيس بشار الأسد. وها هو يفك الحصار الداخلي بتحولات كبيرة بعد احباط المحاولة الإنقلابية. باشر إبعاد «داعش» وكذلك الكرد إلى ما وراء الحدود، وبعيداً عنها. كان في وضع لا يحسد عليه منذ إسقاط الدفاعات التركية الطائرة الروسية في نوفمبر العام الماضي. واجه مأزقاً خانقاً. كانت العلاقات في ذروة التوتر مع موسكو وطهران وبغداد ودمشق. فيما كانت واشنطن تصم آذانها عن مطالبه، غير مبالية بمخاوفه وهواجسه. والكرد يتقدمون نحو إقامة «إقليمهم» على طول الحدود. و»تنظيم الدولة» يوسع دائرة استهدافه المدن التركية. إضافة إلى العلاقات الباردة مع تل أبيب والمشاحنات المستمرة مع الاتحاد الأوروبي بسبب اللاجئين وقضايا أخرى. كانت أنقرة تعيش كابوس انتقال الفوضى إلى أراضيها. يلاحقها شبح التقسيم الذي يفتك بجاريها العربيين. فهي تدرك أن «الدولة الكردية» الحقيقية، إذا قامت، ستكون على حساب وحدتها وجغرافيتها. فهنا الكتلة السكانية الكبرى والجغرافيا الواضحة «والنقية» عرقياً إلى حد ما، وليس في سورية والعراق وإيران.

تأخر أردوغان طويلاً في وقف أخطائه وتصحيح مسار سياساته. لكنه عرف في النهاية كيف يمكنه هو أيضاً أن يبدل المشهد الاستراتيجي في الإقليم وسورية خصوصاً. ويعود لاعباً لا يمكن القفز فوق مصالح بلاده ودورها. ويتضح من عمليات القوات التركية بعد تحرير جرابلس من «داعش» أن الهدف الأكبر كان ولا يزال وقف تقدم الكرد والحؤول دون ربطهم بين منطقتي شرق الفرات وغربه، لمنع قيام جغرافيا واحدة على غرار كردستان العراق. وكان هذا واضحاً منذ البداية، إذ لا يمكن أنقرة أن تتساهل حيال إقليم للكرد في سورية أياً كانت النتائج. ولن تسمح لحزب العمال الكردستاني بأن يحكم عليها الطوق جنوباً وهو يخوض حرباً واسعة شرق البلاد. لهذا السبب غضت الطرف عن كل العناصر «الجهادية» التي عبرت الحدود إلى سورية. ولم تتحرك للرد على عمليات سابقة لتنظيم «الدولة الإسلامية». لم تكن تتوقع أن يتوسع الكرد سريعاً إلى غرب الفرات بعد دخولهم منبج. وهالها أن تمد واشنطن وموسكو بعدها يد العون إلى «حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي لا يخفي ارتباطه بحزب العمال، مثلما لم يخف طموحه إلى بناء كيان مماثل لما بناه أخوانه شمال العراق، بعد إعلانه مشروع الفيديرالية حلاً للأزمة السورية.

كانت تركيا مرشحة لمأساة مشابهة لما تشهده جارتها الجنوبية. وجاء تدخلها في شمال سورية ليرسخ ما تعتبره ثوابت تتعلق بمستقبل الدولة ووحدة أراضيها واستقرارها وأمنها القومي. من هنا توكيد الرئيس أردوغان وتكراره بالتوازي مع التدخل في جرابلس أن أنقرة حريصة على وحدة سورية ولن تسمح بتقسيمها. ولم يعد متاحاً تالياً للكرد بمواصلة مشروعهم. لقد استعجل «حزب الاتحاد الديموقراطي» في طرح الفيديرالية. مثلما أخطأ في التعويل على الولايات المتحدة رافعة لتحقيق هذا المشروع. وهي في الأصل لم تعبر عن تأييد لمثل هذا التوجه. كان همها ولا يزال دعم أي طرف لتحقيق غاية واحدة هي قتال «داعش» فقط. وكان طبيعياً أن تنحاز إلى شريكها التاريخي عندما وجدت نفسها أمام خيار وحيد: إما هذا الشريك بوزنه وثقله وإما الحزب الكردي. واستعجل «الاتحاد الديموقراطي» أيضاً في المناداة بالفيديرالية فيما النظام راسخ بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية، ويحظى بدعم واسع روسي وإيراني. ولم يتوان أخيراً عن توجيه سلاحه إلى صدور الكرد في الحسكة توكيداً لرفضه طموحاتهم. تعامى عما قدموا إليه من خدمات بوقوفهم على «حياد» لم يمنعهم من مواجهة فصائل مقاتلة، حتى أنهم ساهموا أخيراً في حصار الأحياء الشرقية لحلب! وأخطأوا عندما تحينوا فرصة ضعف شركائهم في الوطن وتشتتهم. وهم بالتأكيد يتحملون مسؤولية ضياع تفاهمهم مع هؤلاء الذين بدورهم لم يلتقوا على مشروع واضح واحد يطمئنهم ويطمئن جميع الأقليات.

يدفع «حزب الاتحاد» اليوم فاتورة هذه الأخطاء. واشنطن تناديه بالعودة إلى شرق الفرات. ويجد نفسه أمام حرب مع النظام في دمشق تأخرت خمس سنوات، وكان لها أن تبدل كثيراً من المعادلات لو انخرط فيها باكراً مع باقي الفصائل. وإيران تغض الطرف عن التدخل التركي بعدما كانت لأشهر خلت ترفع سيف التحذير والتهديد بوجه مثل هذا التدخل. ولم يفلح مكتبه التمثيلي في موسكو في استدرار الدعم المطلوب لحمايته من هذا التدخل. كان عليه أن يدرك أنه الطرف الأضعف، إن لم يكن الضحية، في أي تفاهمات بين الكبار. هذا من دون الحديث عن تداعيات الدعم الأميركي للكرد في سورية، كما في العراق. فهو لم يرتبط أو يرهن بضمانات يسعى إليها هؤلاء نحو مزيد من الإستقلال عن السلطة المركزية في دمشق أو بغداد. كما أنه يزيد من موجة الاستياء من مواقف واشنطن في أوساط العرب، السنة خصوصاً في كلا البلدين وأبعد منهما. فهل يعقل ألا يكون الحزب وضع في اعتباره أن تمدد قواته خارج بيئته لن يتيح له القدرة على إدارة مناطق واسعة لا يشكل الكرد فيها غالبية، من الحسكة إلى غيرها؟ ألم يحسب حساباً لما قد ينجم عن هذا التمدد من توترات في أوساط المكونات الأخرى في البلاد، خصوصاً الأكثرية السنية، علماً أن منظمات دولية اتهمت «وحدات حماية الشعب»، ذراعه العسكرية، بالتطهير العرقي في مناطق شمال شرق سورية؟

الظروف والتفاهمات التي أتاحت لتركيا التدخل ميدانياً قد تنتهي بإقامة «منطقة آمنة»، من دون الحاجة إلى استعجال إعلانها صراحة. كانت العقبة أمامها ولا تزال رفض الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي. تذرع البنتاغون طويلاً بكلفتها العسكرية وما قد تجره من تدخل ميداني واسع لمواجهة قوات النظام السوري وحلفائه أيضاَ، خصوصاً بعد التدخل الروسي. مع أنه بادر سريعاً إلى تحذير النظام ولجمه خوفاً على عدد من مستشاريه في الحسكة! وإذا كانت المياه عادت إلى مجاريها بين موسكو وأنقرة، فإن الكرميلن قد لا يسكت كما فعل حيال التقدم نحو جرابلس. هو مستعد بلا شك لتقديم كل ما يمكن أن يوطد العلاقات بين العاصمتين، لكنه يدرك في النهاية أن ثمة حدوداً لابتعاد تركيا عن شركائها التقليديين والتاريخيين، من أميركا إلى أوروبا. إضافة إلى أن مستقبل حلب ولاد متاعب لجميع اللاعبين. فالمدينة سواء شملتها المنطقة الآمنة أو كانت على حدودها تشكل خطاً أحمر لكثيرين. ومثلما لن تسكت حكومة «حزب العدالة والتنمية» على عودتها إلى حضن النظام، كذلك دمشق ترى إلى استعادتها شرطاً من شروط ترسيخ «شرعية» هذا النظام. أي أنها خط أحمر أيضاً لها ولحليفيها الروسي والإيراني.

يبقى أن من نتائج هذا التدخل التركي أن دفْعَ أنقرة قوات «الجيش السوري الحر» وفصائل إسلامية معتدلة إلى الإمساك بالمناطق التي يخليها «داعش» يسبغ على هذا الجيش «شرعية» طالما طمح إليها. بعد موقعة جرابلس سيضعف موقف الخائفين من «اليوم التالي» لإسقاط النظام. ستتلاشى هواجسهم من استيلاء «تنظيم الخلافة» على البلاد بعد التقهقر الذي أصابه ويصيبه. أبعد من ذلك لم يعد متاحاً أن ينازع أيُ طرف «الجيشَ الحر» وشركاءه على المناطق التي يتقدم إليها، ما دام يحظى بدعم تركيا وحمايتها. بات الأمر يتعلق بهيبة دولة كبرى في الإقليم لها ما لغيرها في الساحة السورية. وهي استعادت الآن الدور الأكبر سياسياً على الأقل في التأثير في قرارات «الهيئة العليا للمفاوضات» والفصائل المقاتلة ما دامت تقدم غطاء لهذه الفصائل المنضوية تحت عباءة الهيئة. باتت «المنطقة الآمنة» (أو الشريط السني) أمراً واقعاً، ولا حاجة إلى إعلان قيامها رسمياً. ولا داعي لاعتراض المعترضين الذين بدوا لفترة يتسابقون لشراء ود الكثير من قيادات «الجيش الحر» لعل ذلك يسهل قيام «مجلس عسكري» مشترك منه ومن الجيش النظامي يكون عماد الهيئة الانتقالية.

لو انخرط «حزب الاتحاد الديموقراطي» في صفوف المعارضة وهيئاتها منذ اندلاع الأزمة، ولو عرفت الفصائل السياسية والمقاتلة كيف توحد رؤيتها لجمع كل المكونات خلف مشروع واضح، لكان مسار الأزمة في سورية مختلفاً بالتأكيد. ولو تفادت إدارة الرئيس أردوغان كماً كبيراً من الأخطاء، وتحاشت الوقوع في الحصار الذي ضرب عليها في الداخل والخارج… لكان المشهد الاستراتيجي في بلاد الشام غير ما هو عليه اليوم. لا يعني هذا أن تدخلها المتأخر سيسهل الحلول أو التسويات. كل تدخل يفاقم الأزمة ويضيف إلى تعقيداتها تعقيداً. والناظر إلى خريطة سورية اليوم يدرك حجم التدخلات الخارجية التي استباحت سيادة البلاد، ولم تترك مكاناً لأهلها!

الحياة

 

 

 

الأكراد أمة… العرب طوائف/ محمد الصادق

بتوغّل القوات التركية في العمق السوري، والسيطرة على مدينة جرابلس، يتم إدخال معطى جديد على الأزمة السورية، سوف يُعقّد الصراع على مستقبل السلطة في دمشق، فالأكراد يبدو أنهم تجاوزوا الخط الأحمر التركي، بمحاولتهم السيطرة على مدن غرب الفرات أخيراً، في سبيل ربط أكراد سورية بأكراد تركيا، في سبيل تسريع قيام الدولة الكردية.

تكمن مشكلة الأكراد الرئيسية في أنهم أقلية عرقية، عانت، فيما مضى، على يد الدول التي عاشت ضمن حدودها حرماناً من الحقوق الثقافية والسياسية التي يجب أن يتمتع بها الفرد الكردي مواطناً في بلده، حتى لا يفكّر في العيش منفصلاً في وطن صافٍ للأمة الكردية فقط. في سورية وحدها، يعيش مليونا كردي، كانوا، إلى وقتٍ قريب، محرومين من تعلم اللغة الكردية في المدارس الرسمية، أو تشكيل أحزابٍ سياسية. والأمر نفسه ينسحب على بقية الأكراد في تركيا وإيران. يتوزع قرابة 27 مليون كردي على أربع دول إقليمية، لكن أغلبية الأكراد يعيشون في تركيا، الحليف المهم للولايات المتحدة، والعضو في حلف شمال الأطلسي. ولأن الأكراد على علاقة متينة بالولايات المتحدة والغرب، فإنهم يتأرجحون في ميزان الصراع الإقليمي، بحسب أولويات واشنطن السياسية. لا تريد أميركا أن تغضب تركيا، وفي الوقت نفسه، لا تجد قيام دولة كردية في خاصرة ثلاث أمم، إلا أمراً حميداً، يجعل من المناطق الكردية صالحةً للاستعمال، قاعدة لتهديد الأمن القومي لهذه الدول، كما أن الولايات المتحدة أسّست، عبر تاريخ طويل، قاعدةً من المصالح المشتركة مع الأكراد، فبحسب الباحث ريناد منصور، في مقالة نُشرت على موقع معهد كارينغي للسلام، فإن أميركا تُقيم الأكراد كالتالي: “إقليم مستقر وجدير بالثقة يحمل إيديولوجية علمانية ديمقراطية، وينظر للغرب بإيجابية، وله موقع استراتيجي متاخم لإيران وسورية والعراق وتركيا”.

“يشكل الأكراد في الأزمة السورية ورقةً مهمةً للتفاوض بين الروس والأميركان، كل بحسب مصالحه”

من هذا المنطلق، نجد الولايات المتحدة تتعامل بحذر مع أكراد سورية، فهي تحتاج الأكراد حالياً في عدة أمور، أهمها، المساهمة في محاربة داعش. لذا، هي تدعمهم عسكرياً، لكن مع موازنة ثقلهم السياسي، فقد سبق للأكراد أن طالبوا بتوفير دعمٍ مادي للمؤسسات التي طردوا منها موظفي النظام السوري، لكن هذه المطالب رفضتها بريطانيا وأميركا لكي يتجنبا غضب الأتراك. إذا صدق الحديث عن تفاهم تركي إيراني روسي سهل عملية دخول الأتراك الأراضي السورية، فإن الأمور تبدو جلية؛ منع قيام كيان كردي مستقل في سورية، يمكنه ربط الأقاليم الكردية ببعضها. خصوصاً، وأن وحدات حماية الشعب الكردي مرتبطة عضوياً مع حزب العمال الكردي، الذي تصنفه أنقرة منظمة إرهابية، وخاضت ضده صراعاً دموياً سقط فيه أكثر من 40 ألف ضحية في الثلاثة عقود الماضية.

في المجمل، لا تبدو الأزمة السورية في طريقها إلى الحل، وهي تحولت وحولت أرضاً رخوة وسائلة، تتجاذبها الصراعات الدولية، ويشكل الأكراد فيها ورقةً مهمةً للتفاوض بين الروس والأميركان، كل بحسب مصالحه. إذن، تمر المنطقة بمرحلة إعادة تشكّل. ولا يكف اللاعبون الكبار عن البوح بما يريدونه للوطن العربي، في حين يبدو أن العرب هم الغائب الأكبر عن الحلبة. وعندما يظهرون، أو يتم تناولهم هامشياً في مراكز رسم السياسات، لا يظهرون إلا على شكل طوائف متناحرة. على عكس هذه النظرة تماماً، نجد الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية، تتعامل مع الأكراد باعتبارهم أمة، حُرمت من بناء دولتها وتقدير مصالحها، وتجري الإشارة إلى الأكراد في الأدبيات الأميركية ومراكز الأبحاث كأكبر أقلية عرقية، لم تعط فرصة بناء دولة مستقلة.

ولتأكيد هذه السردية المقيتة، في الوعي الغربي، نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية، عام 2006 مقالاً لرالف بيترز، عنوانه مستفز (حدود الدم)، تناول قضية عدم عدالة الحدود وهشاشتها في أفريقيا والشرق الأوسط، وركّز على الأقلية الكردية والأقلية الشيعية نموذجين على الظلم الذي لحق بهم جرّاء عدم عدالة الحدود الحالية. وقد اقترح الكاتب، ضمن ما اقترح، تقسيم العراق والسعودية لكي يكونا أكثر عدالة، لمصلحة أقلية عرقية في بلد، وأقلية مذهبية في بلد آخر.

يستفيض رالف بشرح نظريته للحدود العربية؛ “بأن الظلم الأكثر وضوحاً في الأراضي الظالمة المعروف بين الجبال هو غياب الدولة الكردية المستقلة”، لأن الأكراد، بحسبه، أكبر مجموعة عرقية في العالم بدون دولة خاصة بهم. في حين أن العرب، وهم بكل تأكيد أضعاف الأمة الكردية، لم يفكر أحد في حاجتهم لدولة مستقلة، بل لا يتم النظر إليهم إلا طوائف دينية ومذهبية، تتقاتل من أجل الفكاك عن بعضها. في حين أن تاريخ المنطقة الحديث لا يدع مجالاً لمجرد نقاش هذه التفاهة، فقد ارتكزت القومية العربية في بداية ولادتها، وما زالت، على شبابٍ من مختلف الطوائف الدينية والمذهبية، جمعهم شعورهم بوحدة المصير، وقد وحّدهم، في تلك المرحلة، هدف مقاومة المستعمر وإقامة الدولة العربية.

يبدو أن جميع خصوم العرب يتعلمون من إسرائيل سياسة قضم الأراضي، ومراكمة التوسّع البطيء، على حساب الجغرافيا العربية التي تظهر ممزقةً ومنهكةً في ظل ارتفاع منسوب شراسة الهجمة الاستعمارية عليها.

العربي الجديد

 

 

 

تركيا في جرابلس: هل تقدّم أردوغان أم تقهقر أوباما؟/ صبحي حديدي

في غمرة الحديث عن التحوّل العسكري التركي النوعي بصدد الملفّ السوري، ودخول الدبابات التركية إلى بلدة جرابلس السورية، ضمن تعاون وثيق وميداني مباشر مع بعض فصائل «الجيش الحر» لانتزاع البلدة من قبضة «داعش»؛ تناسى الكثيرون، تحت وطأة ما اتسم به الحدث من سخونة، أنّ هذه ليست بالضبط المرّة الأولى التي شهدت دخول الجيش التركي إلى الأراضي السورية. وكما هو معلوم، في أواخر شباط (فبراير) 2015، عبرت قوّات تركية (39 دبابة، 57 عربة مدرعة، 100 عربة، و572 جندياً) إلى محيط ضريح سليمان شاه، جدّ مؤسس الإمبراطورية العثمانية، تبعتها قوّات إضافية انتشرت في قرية أشمة؛ فرفعت العلم التركي، ودمّرت جميع مباني الضريح، بعد أن جمعت ونقلت «الأمانات ذات القيمة المعنوية العلالية» إلى الداخل التركي.

ما يُنسى أيضاً، رغم أنه أعلى دلالة، وأكثر ارتباطاً بواقعة جرابلس الراهنة؛ أنّ تلك القوّات التركية دخلت إلى الأراضي السورية بالتنسيق مع الوحدات الكردية في غرفة عمليات «بركان الفرات»، والتي كانت تضمّ «وحدات الحماية الكردية» (الـ ي ب ك)، و»ثوار جبهة الأكراد»، فضلاً عن «ثوار الرقة»، و»ألوية فجر الحرية». واليوم لا تخفي تركيا، بلسان رئيسها رجب طيب أردوغان شخصياً، أنّ الهدف من عملية «درع الفرات» لا يقتصر على دحر «داعش» في جرابلس، بل ينطوي أيضاً على محاربة «إرهابيي حزب الاتحاد الديمقراطي». وهكذا، إذا كانت الفوارق بين «بركان الفرات» و»درع الفرات» تنبثق من متغيرات عديدة في جيو ـ سياسة المنطقة، والخيارات التركية في الملفّ السوري، وأحوال «داعش» العسكرية ميدانياً (في هذا الجيب السوري، أو في جيوب أخرى سورية وعراقية)؛ فإنّ فوارق أخرى، موازية ومتكاملة ذاتياً، تخصّ واقع القوى الكردية المقاتلة ـ ضمن مجموعات الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية»، على حدّ سواء ـ تنبثق من التحوّل الأخير الذي طرأ على الموقف الأمريكي تجاه هذه القوى.

أهذا فصل جديد، في مسلسل الخيانات الأمريكية للكرد، والتي تكررت على امتداد قرن ونيف، في إيران كما في تركيا، وفي العراق أسوة بسوريا؟ ليس تماماً في الواقع، لأسباب ثلاثة رئيسية، بين أخرى أقلّ شأناً: 1) لم تكن واشنطن مساندة، البتة، لأي مشروع كردي ذي صفة كانتونية في «روجافا» أو «كردستان السورية»، وبالتالي ليس من الإنصاف اتهام أمريكا بالحنث بأي وعد في هذا الصدد؛ و2) في مناطق الجزيرة السورية عموماً، المالكية (ديريك) ورميلان والقامشلي والحسكة وعامودا والدرباسية، وكذلك في عين العرب (كوباني) وعفرين ومنبج… لم تشجّع واشنطن أيّ تنشيط، من أيّ نوع، لنواة «دويلة» كردية، بل لعلّ العكس كان هو الصحيح؛ و3) السذّج وحدهم (وثمة نماذج منهم، للأسف، في قلب القيادات الكردية، الـ ي ب ك و»قوات سوريا الديمقراطية» و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ذاته)، صدّقوا أنّ ما تريده واشنطن من الكرد يتجاوز قتال «داعش»، فقبلوا بصيغة التعاون تحت اشتراطات دقيقة مُحْكمة، بعضها أقرب إلى منطق التبعية منها إلى التحالف.

ليست خيانة، إذن، لأنها لا تخرق اتفاقاً تعاقدياً بين البنتاغون و»حزب الاتحاد الديمقراطي» ومجموعاته العسكرية المختلفة، من جهة؛ ولكنها، من جهة ثانية، ليست مجرّدة تماماً عن استسهال الغدر، والانقلاب على الحليف، وتبديل السياسات في أية برهة ذرائعية، وسوى هذه وتلك من تراث التعامل الأمريكي مع «الحلفاء المحليين» عموماً، وكرد المنطقة خصوصاً. الأمر الذي يطرح السؤال المشروع اللاحق: لماذا تغيّر موقف واشنطن الآن؟ أو بالأحرى: لماذا تغيّر هذا الموقف لصالح الخيار التركي (وضدّ الكرد، منطقياً واستطراداً)، بعد أن كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تمسك بموقف مغاير، وامتنع عن إطلاق يد أنقرة في الملف السوري إجمالاً، وحول المعادلة الكردية ضمن هذا الملفّ خصوصاً؟ وإذا جاز القول إنّ الأسباب الكلاسيكية واضحة لكلّ ذي بصيرة (تركيا ما بعد إفشال الانقلاب العسكري، العلاقات التركية ـ الأمريكية في ضوء فشل الانقلاب، زيارة أردوغان إلى موسكو وإحياء العلاقات الروسية ـ التركية، انفتاح آفاق جديدة لحوار إيراني ـ تركي…)؛ فإنّ الأسباب غير الكلاسيكية، في المقابل، وغير المنكشفة المعلَنة، كانت بدورها ذات ثقل في تبدّل موقف واشنطن.

بادىء ذي بدء، اعتبرت واشنطن أنّ «حزب الاتحاد الديمقراطي» أدّى، عبر مجموعاته العسكرية، ما كان مطلوباً منه في قتال «داعش»، في ساحتَيْ عين العرب (كوباني) ومنبج، معاً؛ ولهذا فإنّ أيّ نزوع كردي إلى التمدد خارج هذا النطاق، «غرب الفرات» كما في المصطلح الشائع، وخاصة ربط هاتين البلدتين مع عفرين، هو انخراط في مشروع «دولة» كردية، على الأرض، فعلية بمقدار أوسع، وتتجاوز الصيغة البلاغية واللفظية والمجازية لفكرة «روجافا» أو «كردستان السورية»؛ وهذا خطّ محرّم أمريكياً. ذلك لأنه، أيضاً، خطّ أحمر تركي لا يُلحق الأذى بدولة حليفة، عضو في الأطلسي، حاضنة القاعدة العسكرية الأمريكية/ الأطلسية الأهمّ في المنطقة، فحسب؛ بل أيضاً لأنه يتناقض، حتى بالمعنى الشكلاني، وحسّ المنطق البسيط، مع المعادلة التبسيطية التالية: كيف يمكن لواشنطن أن تدعم كياناً تهيمن عليه مجموعة سياسية ـ عسكرية، يحدث أنها امتداد سياسي وعسكري للـ ب ك ك، المنظمة الأمّ التي تصنّفها واشنطن رسمياً في خانة «الإرهاب»؟

لكنّ أنقرة، في احتساب سبب ثانٍ، لم تلبث ساكنة ساكتة، مكتوفة اليدين، تنتظر تبدّل الموقف الأمريكي بعد انتزاع منبج من قبضة «داعش»؛ بل كانت قد لعبت دوراً ـ قابلاً للنقاش، من حيث أحجامه الحقيقية، ميدانياً على الأقلّ ـ في تكييف معارك حلب الأخيرة، ومعمعة سقوط مدارس وكليات النظام السوري في أيدي قوّات المعارضة. كذلك تولّت أنقرة تشجيع «الجيش الحرّ» على طرد «داعش» من بلدة الراعي، ونقل عدد من الفصائل («حركة نور الدين الزنكي»، «فيلق الشام»، «لواء المعتصم»، «فرقة السلطان مراد»… ) إلى معركة جرابلس، تمهيداً لضرب «خلافة البغدادي» في واحد من آخر معاقلها الحلبية: بلدة الباب. وليست مصادفة، أو أعجوبة عسكرية، أنّ «تحرير» جرابلس استغرق تسع ساعات فقط، وأنّ «داعش» لم تقاتل عملياً بل انسحبت بانتظام، وأنّ طيران التحالف الدولي (أي الطيران الحربي الأمريكي أساساً) ساهم في المعركة مباشرة.

أخيراً، في ترجيح سبب ثالث، لم تكن مساندة واشنطن للكرد خالية من إشكالية خاصة، سياسية وسوسيولوجية وإثنية، محرجة ومربكة في الواقع، هي استبعاد العرب من قتال «داعش» في المقام الأوّل (ومن هنا حرص البنتاغون على تضخيم أعداد المقاتلين العرب ضمن صفوف «قوّات سوريا الديمقراطية»)؛ ثمّ، في المقام الثاني، الاستمرار أكثر في منع تركيا، بوصفها قوّة إقليمية مسلمة (وسنّية، كما تجب الإشارة) من قتال «داعش»، على الأقلّ من أجل تأمين حدودها وحماية شعبها من سلسلة العمليات الإرهابية الداعشية. وهكذا توجّب أن تنوّع واشنطن خياراتها، فتكفّ يد الكرد بعد منبج، وتجبرهم على الانسحاب من مناطق توسعهم غرب الفرات، وتطلق يد تركيا في جرابلس، وربما الباب قريباً، حتى إذا انتهى هذا التنويع إلى تكريس منطقة حظر جوي/ أمر واقع؛ خاصة بعد أن فرضت واشنطن ما يشبه منطقة الحظر هذه في الحسكة، ضدّ طيران النظام السوري.

الأرجح، إذن، أنّ طرازاً من تقدّم أردوغان هجومياً، وتقهقر أوباما دفاعياً، صنع المشهد الراهن في جرابلس؛ الأمر الذي لا يلغي احتمال التقاء المتقدّم والمتقهقر في منطقة وسطى، آتية، تمنح أنقرة يداً أطول في الملف السوري، بعد طول انتظار!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

 

 

قراءة حلبية/ جرابلسية/ ميشيل كيلو

لامني أصدقاء، عندما قلت إن فك حصار حلب يؤسّس واقعاً جديداً بالنسبة لمسار الثورة السورية، من علاماته أن ما تم إنجازه ميدانيا هناك لن يكون قابلاً للإلغاء، لأن إلغاءه يتجاوز هزيمة الثورة إلى هزيمة تركيا التي تعمل على أكثر من محور وجبهة، داخلها وخارجها، للرد على ما يدبر ضدها من تهديدٍ يطاول وجودها، وتصرفت بروحية من يرد خطراً مصيرياً عن نفسه، عبر حلب، حيث تركّزت، في العام الأخير، مخاطر تحمل دلالاتٍ قاتلةً بالنسبة لها، قدر ما تحمل مثل هذه الدلالات بالنسبة لثورة سورية وشعبها، لا عجب أنها فرضت عليهما شراكة مصيرٍ انتقلت بتركيا من التعامل المتوجس مع ما يجري إلى مجابهته برؤيةٍ صراعيةٍ استراتيجية الأبعاد، يتطلب تطبيقها ممارسة دور هو ضمانة إقليمية/ دولية الأبعاد لثورة سورية التي كانت قد بلغت، بحصار حلب، لحظةً مفصليةً حاسمةً، اعتبرها النظام و”مستشاروه” الإيرانيون انتصارهم النهائي ضد السوريين، وقرأها الروس خطأً، حين طلبوا من شعب حلب مغادرة مدينته، ومن مقاتليها إلقاء سلاحهم، فجاء الشعور بالخطر الوشيك تركياً إلى الانخراط في شراكة مصيرية مع الثورة، ما لبثت أن قلبت الموازين، وأخذت الأوضاع إلى حال مغايرة لما وجد السوريون أنفسهم فيه، معظم الوقت بعد ظهور “داعش”، ودورها الإجرامي لصالح الأسد ونظامه، فكان من الطبيعي أن تترجم شراكة المصير إلى جهد ميداني يفك قبضة حلف الإجرام الأسدي/ الإيراني/ الروسي عن حلب، ويطرد شريكه الداعشي من جرابلس، وأن يتلقى الحلف في المدينتين ضرباتٍ ستكون نتائجها مما سيصعب على الأسدية المتهالكة، وملالي الإجرام والعدوان في طهران، وقفه، أو مواجهته في مقبلات الأيام، ولو بلغ عدد طائرات فلاديمير بوتين ألفاً.

ليس ما حدث قابلاً للإلغاء، لأن شراكة المصير التركية/ السورية ليست قابلة للإلغاء، فيما يتصل بالعلاقة مع التكامل الأسدي/ الداعشي. وإذا كان من الضروري تعداد إنجازات الشراكة في الأسابيع القليلة الماضية، فهي:

أولاً وقبل كل شيء، إبطال مشروع صالح مسلم الانفصالي، الذي توهم أنه سينجح في فرض كيان دولوي خاص بحزبه، على العرب والكرد السوريين والعراقيين، وعلى تركيا وإيران، وروسيا وأميركا، وصدّق أن استخدام مرتزقته في الحرب ضد “داعش” يحتم موافقة واشنطن على أوهامه، وها هي تكشر عن أنيابها في وجهه، بمجرد أن طرح الرئيس التركي، أردرغان، عليها الاختيار بين مشروع مسلم المستحيل ومصالحها في تركيا ومعها.

ثانياً، إخراج “داعش” من معادلات الصراع في سورية، وبداية عودة هذه المعادلات إلى ما كانت عليه بعد الثورة، البديل الديمقراطي هو الخيار الوحيد بعد إسقاط الأسد. أخرجت شراكة المصير، بوضعها خطّا أحمر للنظام وإيران في حلب، ولصالح مسلم في الشمال السوري، الإرهاب من حسابات البدائل السورية، وعزّزت، بدعهما معركةً ينفرد الجيش الحر، بخوضها من دون أية إضافات “غير معتدلة”، فرص البديل الديمقراطي الذي بنيت وثيقة جنيف والقرارات الدولية على حتميته، وتطرحه اليوم شراكة المصير بديلاً وحيداً للنظام. عند هذه النقطة، سيكون من المهم والمصيري أن تقوم جبهة فتح الشام بخطوةٍ إضافية، تستعيد، بواسطتها، وتؤكد بصورة علنية وملزمة، وعودها الأولى حول قبولها الاختيار الشعبي الحر لبديل النظام، وتعهدها بعدم استخدام العنف لتحقيق أهدافها السياسية، بعد إسقاط الأسد، وقبولها فكرة الشعب السوري الواحد ووضع جهادها في خدمة جميع مكوناته، بما في ذلك العلوي منها. ومع أنني أعي صعوبة المطلب الأخير ، فإنني أعتقد جازماً أن تحولاً كهذا في مواقف جبهة النصرة سيلعب دوراً حاسماً في تهيئة الأجواء السورية والعربية والدولية لإسقاط النظام، من دون أن تستبعد حرية بلاد الشام الخيار الإسلامي، الحر والسلمي.

مع فك الحصار عن حلب، وتطهير جرابلس من حلفاء الأسد، تتاح لنا فرصةٌ، إن أحسنا الإفادة منها، أخذتنا إلى حل عادل، لا محل للأسد والإرهاب فيه.

العربي الجديد

 

 

 

 

“الدرس” التركي من سوريا وفيها/ د. وائل مـرزا

ليس من قبيل المبالغة القول إن عنصر المفاجأة كان كبيرًا فيما يتعلق بالتدخل التركي العسكري في شمال سوريا. يصحُّ هذا في حق “محللين” و”خبراء” وكُتاب كما يصحُّ في حق دول وحكومات. والأرجحُ أن هذا كان آخر ما يُفكر به هؤلاء جميعًا بعدما شاع تفسيرٌ لسياسات أنقرة الأخيرة يربط هذه السياسات بنوعٍ من الاستسلام الكامل لرؤية روسيا وإيران في سوريا تحديدًا.

في مقالٍ لكاتب هذه الكلمات هنا، قبل أسبوعين من الانقلاب الفاشل، بعنوان “تركيا وإعادة الترتيب بين الأيديولوجي والسياسي”، وبعد الحديث عن أسباب عدم تدخل تركيا في سوريا سابقًا ثم العلاقات السياسية المستجدة لها مع روسيا وإيران وإسرائيل، وَردَ ما يلي: “ومع تطور الأحداث، وجدت تركيا نفسها تنزلق تدريجيًا باتجاه مآزق داخلية وخارجية إستراتيجية. وبحساباتٍ منطقية، بات واضحًا أن توازنات عناصر معادلة الأيديولوجيا والسياسة لديها، والمتعلقة بالشأن السوري، لم تصل بها إلى النتيجة المرجوة. فلا هي استطاعت الاستمرار، بشكلٍ لا نهاية له، في تحمل تبعات الموقف الأخلاقي/الأيديولوجي، أمنيًا واقتصاديًا. أما معادلة السياسة التي تتمحور حول اعتمادها على الناتو وأمريكا فقد أظهرت فشلها الذريع… ثمة تحليلٌ بأن هذه المحاولة تهدف إلى تأكيد موقف تركيا من تغيير نظام الأسد، بمعادلات ومداخل وأوراق أخرى، لكن هذا التحدي كبير، ولا يعرف أحدٌ ثمن تحقيقه سياسيًا واقتصاديًا. إضافةً إلى هذا، يطرح التحول التركي أسئلة جديدة وصعبة على أردوغان وحزبه تتعلق بالتوازنات التي كانوا يحاولون الحفاظ عليها بين مقتضيات “الأخلاقية” وتَبِعات “السياسة” بمفهومها الواقعي السائد عالميًا”.

الواضحُ أن تركيا سارت قُدمًا في عملية إعادة الترتيب، ورغم أمل السوريين بأن يكون هذا فعلًا تأكيدًا لموقف سوريا من الأسد ونظامه، بمعادلات وأوراق أخرى، إلا أن النتيجة حتى الآن تتمثل في مشهدٍ راهن يُعيد التذكير بطبيعة السياسة في ثوبها المعاصر، بكل ما فيها من تقلبات وتناقض وحسابات وجَدٍ كثيرًا ما يمتزج بالهزل.

قد يكون من قبيل المبالغة القول بعدم إدراك تركيا لهذه الحقيقة، لكن ما حصل، بعد ذلك، يتمثل في قناعتها الجديدة بأن ممارسة السياسة عمليًا يجب أن تأخذ الحقيقة المذكورة بعين الاعتبار أكثر من ذي قبل، بكثير.

فمن توقيت التدخل العسكري التركي في شمال سوريا يوم وصول نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وفي الذكرى الـ500 لمعركة “مرج دابق” التي انتصر فيها السلطان سليم الأول على المماليك ودخل سوريا بعدها، وبعد يوم من زيارة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، ويومين من زيارة قائد قوات الناتو في أوروبا لأنقرة، وبعد عدة أيام من زيارة وزير الخارجية الإيراني للعاصمة التركية، والحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي أردوغان إلى طهران، يبدو التدخل المذكور مُحاطًا، عن قصدٍ في أكثر الأحيان، بجملةٍ من المعاني الرمزية على مستوى الجغرافيا/السياسية والتاريخ.

تتعدد الإشارات الكامنة في تلك الرموز نفسها أيضًا. فمن جهة، لا تجد تركيا مسؤولًا يَستقبل نائب الرئيس الأمريكي أعلى مرتبةً من نائب والي العاصمة أنقرة. وفي حين يُبدي بايدن حرارةً منقطعة النظير في إدانة الانقلاب والتغني بعلاقة بلاده مع تركيا، يقول في معرض تفسير الموقف الأمريكي صبيحة ذلك اليوم الفارقِ في تاريخ تركيا: “.. ولكننا في البدء لم نفهم فيما إذا كانت المحاولة حقيقية أم لا، أم إنها خدعةُ إنترنت أو غير ذلك. لم نفهم إن كانت محاولةً جدية أم لا”. هذا من اختلاط الجدّ بالهزل، وقد يتناسب مع شخصية بايدن بشكلٍ عام، ومع “اعتذاريته” الشديدة الواضحة في تصريحاته وفي لغة الجسد خلال زيارته لأنقرة.

لأكثر من خمس سنوات، التزمت تركيا بكل ما يُفترض أنه خطوط الغرب وأمريكا والناتو الحمراء، فيما يتعلق بالتدخل في سوريا، مع التزامها بالتعاون مع هؤلاء “الحلفاء”، والتزامها المقابل بما هو أقرب للعداء مع روسيا وإيران. ماذا كانت نتيجة ذلك؟

الاقتراب من الكارثة داخليًا وخارجيًا، وفي جميع المجالات. وما إن قررت تركيا قلبَ المعادلة، حتى شَهِدنا التدخل في سوريا وكأنه أمرٌ عادي، أو “شربة ماء” كما يقولون في الشام. لم نسمع مجرد استنكار من إيران، في حين كان أقصى ما فعلته روسيا هو “التعبير عن القلق”!

ما يثير الدهشة أكثر هو سرعة صدور تصريحات بايدن بالدعم الأمريكي للعملية! لنا أن نتخيل الوضع لو جاء التدخل التركي قبل ثلاثة أشهر فقط.

قلناها ونعيد التأكيد عليها: في عالمٍ لا يفهم إلا لغة المصالح، يمكن لكل سياسةٍ أن تتغير، ويمكن لكل قرارٍ أن يتبدل إذا كانت المصلحة تقتضي حصول ذلك.

أكبر وهمٍ سياسي عربي يتمثل اليوم في وجود تضارب بين الحفاظ على علاقة جيدة مع أمريكا وبين العمل بحزمٍ وجدية لتحقيق مصالح العرب. ثمة حاجةٌ، بطبيعة الحال، للإبداع والابتكار في الفعل السياسي إلى جانب الحزم والجدية. وبوجود العنصرين، يتحقق أيضًا استمرارُ التقارب التركي الخليجي، في وقتٍ أصبح فيه هذا الأمر عاملًا أساسيًا لتحقيق مصالح الطرفين.

* كاتب وأكاديمي سوري

الشرق القطرية

 

 

 

هل تبيع تركيا المعارضة السورية مقابل حرب الأسد على الأكراد/ باسل العودات

مناورة سياسية أم تغيير في الأولويات

باريس – لم تثر تصريحات رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، قبل أيام، بأنه “يمكن أن يكون لبشار الأسد دور في القيادة الانتقالية”، قلق المعارضة السورية، ذلك أن صدى الوقائع الميدانية كان أقوى من تصريحات المسؤول التركي، الذي سبق أن قال في أول اجتماع حكومي له “سنعمل على زيادة أصدقائنا والتقليل من أعدائنا”.

وبينما أكّد قسم من المعارضة أن الأمر ليس مفاجئا لأن تركيا يمكن أن تتخلى عن عدائها للنظام السوري في حال كان ثمن استمرارها في معاداته تهديد أمنها القومي، ذهبت الأغلبية إلى اعتبار أن ما قيل كلام دبلوماسي لإرضاء الروس.

وشددت المعارضة على أن ما يجري على الأرض من دعم كبير لوجستيا وتسليحيا، لفصائل المعارضة السورية، يشير إلى عكس ما قاله رئيس الحكومة التركي، مستشهدة بالتقدم الذي حققته فصائل المعارضة السورية المدعومة من أنقرة على المناطق الحدودية التركية السورية. وتؤكد المعطيات الميدانية في سوريا أن تركيا تُقدّم بالفعل، في هذه الفترة بالذات، دعما استثنائيا لعناصر المعارضة السورية المسلحة، وتسمح لها بالانتقال من مناطق إلى أخرى عبر الأراضي التركية. وتساعد المؤسسة العسكرية التركية فصائل المعارضة في تحضير الخطط العسكرية.

ويعطي هذا الأمر انطباعا بأن تصريحات رئيس الوزراء التركي المتراخية تجاه النظام السوري ليست سوى تصريحات دبلوماسية لإرضاء الروس في هذه المرحلة الحرجة بينهما، أي أن تركيا تشدّ وترخي في لعب مكشوف على الحبلين.

مأزق تركيا

عبّر عن هذه القناعة المعارض السوري سعيد مقبل، الذي قال لـ”العرب” إن تركيا “لن تُغيّر موقفها من الأزمة السورية مهما كان الثمن، لأن تخليها عن جزء من موقفها يعني انتصارا إيرانيا، وما يتبعه من تقلّص للنفوذ التركي في كل الإقليم لحساب نفوذ إيران”.

لكن الدبلوماسي السوري المنشق عن الخارجية السورية، خالد الأيوبي، رأى عكس ذلك، وقال لـ “العرب” “بقاء بشار الأسد بالنسبة لروسيا أمر محسوم، وانخراطها العسكري المتزايد في الصراع ضد أعدائه أكبر دليل على ذلك، وكل ما ستُقدّمه روسيا هو مجموعة من الخطط السياسية لإعادة تأهيله، منها بقاؤه في المرحلة الانتقالية وأحقية ترشحه في انتخابات رئاسية بإشراف هيئة حكم انتقالي، تكون له فيها الحصة الأكبر من الأعضاء أو من المعارضين الموالين له، وهذا ما أدركته تركيا”.

تركيا مستعدة للتحالف مع أي طرف يضمن لها لجم التمدد الكردي في شمال سوريا إلا أنها لن تضحي بأهم أوراقها

ويضيف الأيوبي “أدركت تركيا أيضا محدودية خياراتها، خصوصا بعد قيام الولايات المتحدة بدعم حزب العمال الكردي، العدو اللدود لتركيا لبناء حكم ذاتي في شرق وشمال سوريا، وبالتالي فإن احتمال قبول الأتراك ببقاء الأسد وارد، إذا هو أثبت أنه قادر على تحجيم وخنق طموح الأكراد في تحقيق حكم ذاتي، وخصوصا أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يعد يُعوّل عليها، وقد تترك حلفاءها الأكراد لمصيرهم”.

الرأي السابق لا يختلف كثيرا عن رأي المعارض السوري محمد صبرا، عضو وفد المعارضة السورية المفاوض، ورئيس حزب الجمهورية، الذي قال لـ”العرب” “للأسف، تعيش السياسة التركية الآن مأزقا استراتيجيا كبيرا، لقد كان المشهد واضحا بالنسبة لنا منذ البداية، لكن التردد الذي اتسمت به سياسة الحكومة التركية فاقم المشكلة، فنحن كنا نعلم أن الجمهورية التركية التي أقامها كمال أتاتورك قامت على رفض معاهدة سيفر، ويبدو أن السياسة الأميركية في المنطقة أعادت الإقليم إلى لحظة هذه المعاهدة، ما يعني ضمنا وضع جميع الدول على الطاولة”.

ويشدد صبرا على أن “هذا المعطى لم تُدركه السياسة التركية منذ البداية، بل تعاطت مع المسألة السورية بضغط من سياسات حزب العدالة والتنمية -بنوع من النفعية- الذي رأت فيه ضمانا لنفوذ تركيا في المنطقة بعد خروج مصر وتونس وإلى حد كبير ليبيا من دول الربيع العربي، وبقي أمام تركيا التعامل مع المسألة السورية من باب دعم حركات الإسلام السياسي”.

ويضيف صبرا “لكن هذه السياسة أدت وبشكل كبير إلى إضعاف القوى الوطنية السورية وقوى الجيش الحر، الذي كان من الممكن أن يلعب دور صمام الأمان في الدفاع عن وحدة سوريا، وقد تقود براغماتية النظام التركي في الحقيقة إلى إعادة تموضعه في المسألة السورية، ليصبح فيها الأسد حليفا لتركيا. هذه التغيرات رصدها نظام الأسد وقام بقصف مدينة الحسكة كرسالة لتركيا قبل زيارة أردوغان لطهران، وأظن أن إيران ستقوم بلعب دور في طرح موضوع ترطيب الأجواء بين تركيا والأسد وسيكون هذا الملف مطروحا على الطاولة في مباحثات أردوغان في طهران، هذا مأزق استراتيجي للسياسة التركية، سيؤدي إلى زيادة تعقيد المشهد السوري وتغيير الاصطفاف”.

دخلت الدبابات التركية مدعومة بمقاتلات حربية وقوات خاصة وبإسناد من التحالف الدولي لمكافحة الجهاديين، إلى سوريا الاربعاء في عملية غير مسبوقة تم على إثرها طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة جرابلس السورية.

وسيطرت فصائل سورية معارضة مدعومة من تركيا على البلدة الحدودية في شمال سوريا بعد ساعات من انطلاق العملية العسكرية.

وهي المرة الثانية التي تدخل فيها القوات العسكرية التركية الأراضي السورية، لكن هذه المرة بشكل علني، حيث سبق أن تجاوزت الدبابات التركية الحدود السورية في فبراير العام الماضي حين بعملية عسكرية ليلية، نقلت خلالها رفات سلمان شاه، جدّ مؤسس الدولة العثمانية عثمان بن أرطغرول.

وستبدد سيطرة المعارضة السورية على جرابلس الكثير من هواجس الأتراك والروس، والأميركيين أيضا، الذين يخشون أن يتمرد الأكراد على سلطاتهم، كما جرى مع طالبان أفغانستان والروس، لكن من الواضح أن الأكراد يرضخون للأوامر الأميركية.

ورغم أن تركيا مستعدة للتحالف مع أي طرف، يضمن لها لجم التمدد الكردي في شمال سوريا، إلا أنها لن تُضحّي بأهم الأوراق التي بيدها، أي المعارضة السورية السياسية، وحتى المسلحة، وهي ستعمل وفق المحلل التركي وردا اوزر على التأسيس لسياسة خارجية جديدة، بعد التخلص من عهد أحمد داود أغلو، وعلى خلق توزان جديد يقوم على قاعدة ربح- ربح.

العرب

 

 

 

واشنطن والاحتواء المزدوج لتركيا والكرد في سوريا/ بكر صدقي

دخلت تركيا جرابلس وهي في أضعف حالاتها، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً. فهي قد خرجت للتو من المحاولة الانقلابية الفاشلة، 15 تموز 2016، التي ما زالت تداعياتها متواصلة؛ وما زالت الحرب مستمرة بين الجيش التركي وقوات حزب العمال الكردستاني، في جنوب شرق الأناضول، منذ أكثر من عام؛ وتستمر حرب التصفيات ضد جماعة فتح الله غولن في جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية (اضطرت هذه المؤسسة إلى التعاقد مع طيارين مدنيين لقيادة الطائرات العسكرية، بسبب شمول التصفيات لعدد كبير من الطيارين الحربيين)؛ والاستقطاب الاجتماعي في أسوأ حالاته بين مؤيدي الحكم ومعارضيه، مع نبذ صريح للكرد من الاجتماع الوطني، من خلال تشكيل ما يمكن أن يسمى بـ»جبهة قومية» تضم الإسلاميين والعلمانيين والقوميين المتشددين، في مواجهة الممثل السياسي للكرد، حزب الشعوب الديمقراطي. أضف إلى ذلك الإرهاب الأعمى الذي تحول، مؤخراً، إلى تهديد يومي في المدن التركية.

وليست حال تركيا، في علاقاتها الخارجية، بأحسن من حال وضعها الداخلي المتوتر. صحيح أنها بدأت تخرج من عزلتها من خلال مبادرات دبلوماسية تجاه روسيا وإسرائيل وإيران ومصر، لكنها جميعاً مبادرات من موقع الضعف، تكثفت معانيها في عملية جرابلس.

في الظاهر أن هذه العملية أعادت إدخال اللاعب التركي إلى الصراع السوري، وما قد يعنيه ذلك من أن تصبح أنقرة صاحبة كلمة في مصير سوريا، لكن الأصح من ذلك هو أن العملية ما كانت ممكنة لولا التأييد الأمريكي والموافقة الروسية (والإيرانية). حتى نظام بشار الكيماوي أخذ علماً بالعملية من خلال الروس والإيرانيين، على ما أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم. وما جعجعة النظام بشأن «السيادة الوطنية» المزعومة أو «قلق» موسكو مما يحدث في الشمال، إلا من لوازم النصب المكشوف.

عملية عسكرية محددة بضوابط دقيقة و»موافقات أمنية» كاملة من جميع القوى الفاعلة في الصراع السوري، لا يمكن مقارنتها أبداً بفرض أمر واقع جديد على الأطراف الأخرى، على ما كانت تركيا نفسها تفعل طوال السنوات الماضية، قبل التدخل العسكري الروسي. والمثال الأقرب على عمليات فرض أمر واقع جديد أو تغيير مهم في موازين القوى، هو مثال معركة فك الحصار عن حلب، التي نسب الفضل في نجاحها إلى دعم تركي مفترض، لكن ذلك لم يتأكد إلى الآن. بل إنه من المنطق استبعاد هذه الفرضية، بالنظر إلى أن تركيا كانت غارقة إلى أذنيها في ذيول الانقلاب العسكري الفاشل، لحظة بدء معركة فك الحصار عن حلب، خاصة وأن التصفيات طالت بعضاً من المسؤولين عن الملف السوري.

من يراقب الحماسة الأمريكية في دعم التوغل العسكري التركي عبر الحدود السورية، بعد فتور العلاقات بين البلدين طوال سنوات مضت، لا بد أن يتساءل عما إذا كانت واشنطن مبتهجة لعودة الدفء إلى العلاقات الروسية ـ التركية؟ وكأن إدارة أوباما كانت بانتظار هذه «النهاية السعيدة» لأزمة السوخوي لتستعيد الرضى بحليفها التركي. الواقع أن رضى واشنطن المستجد على أنقرة يتعلق، أساساً، بالانعطافة التركية في سياستها السورية، وهي انعطافة قرَّبتها إلى المنظور الروسي لهذه المسألة، ولا نعرف بعد إلى أي مدى سيكون هذا التقارب. أضف إلى ذلك تطبيع العلاقات التركية ـ الإسرائيلية الذي لا يمكن إنكار أثره على الرضى الأمريكي المستجد على تركيا. وقد تجلى ذلك الرضى في زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى أنقرة، في اليوم نفسه الذي بدأت فيه عملية درع الفرات وتكللت بانسحاب قوات داعش من بلدة جرابلس، بعد ساعات على التدخل التركي. فمن أنقرة طلب جو بايدن من «قوات حماية الشعب» الكردية أن تنسحب إلى شرقي نهر الفرات، كما عبر عن «أسفه» لوجود الداعية الإسلامي فتح الله غولن على الأراضي الأمريكية. هذه لفتات دبلوماسية رقيقة من النوع الذي يتقنه الأمريكيون في ملاطفة «شركائهم».

السؤال الذي أخذ يتردد، بعد عملية درع الفرات، هو: هل باعت واشنطن الكرد؟

فبعد تضحيات جسيمة قدمتها القوات الكردية، في إطار «قوات سوريا الديمقراطية» في عملية منبج، ها هو الحليف الأمريكي يطالبهم بالانسحاب إلى شرقي الفرات، وكأنها أدت المهمة لمصلحة تركيا أو النظام الكيماوي (حسبما سترسو عليه الأمور وفقاً للتطورات اللاحقة) بلا حتى كلمة شكر.

الحقيقة أن الأمريكي لم يبع حليفه الكردي، بقدر ما أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الذي أوهم نفسه بمكافآت لم تعده واشنطن بها، كإنشاء ممر بري، على طول الحدود التركية، يربط بين كوباني وعفرين، أو إقامة كيان فيدرالي يحكمه حزب الاتحاد الديمقراطي على كل الأراضي التي يستولي عليها في حربه ضد داعش. على العكس تماماً، كان الوعد الأمريكي للأتراك صريحاً ومعلناً قبل بدء معركة منبج، بأن القوات الكردية ستنسحب من منبج بعد تحريرها من داعش. وهذا ما جعل الحكومة التركية تلتزم الصمت إزاء تجاوز القوات الكردية إلى الضفة الغربية لنهر الفرات من أجل تحرير منبج. أما وقد تم الأمر، فقد وفى الأمريكي بوعده وأمر القوات الكردية بالانسحاب تحت تهديد قطع الدعم.

لكن الأمريكي، بالمقابل، طلب من تركيا عدم اجتياز خط النهر شرقاً، ووقف ضرباتها للقوات الكردية جنوباً. وهكذا استعادت واشنطن موقعها الممتاز في الإمساك بجميع الخيوط بين يديها، ليتراكض حلفاؤها الصغار ويتنافسوا فيما بينهم لإرضائها.

لفتت صحيفة نيويورك تايمز إلى المفارقة التالية: إن قوات الجيش الحر المدعومة من المخابرات المركزية الأمريكية، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من وزارة الدفاع، تتواجهان في شمال سوريا بمناسبة معركة جرابلس.

يمكن سحب الكلام نفسه على حليفي واشنطن المتصارعين على الأرض السورية: تركيا أردوغان وكرد صالح مسلم.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

السباق نحو جرابلس/ بكر صدقي

إذا صح ما نقله الصحافي في جريدة «هرييت» عبد القادر سلفي المقرب من دوائر القرار في أنقرة، تكون الحملة التركية على جرابلس قد بدأت بعد تأخير قسري. يقول سلفي إن تفاصيل الخطة العسكرية وضعت أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في قمة العشرين التي انعقدت في أنطاليا في 15 تشرين الثاني 2015. ونالت الخطة موافقة بوتين الذي قال، وفقاً للرواية ذاتها، إن روسيا ستعترض لفظياً، بشيء من الصخب، على دخول قوات تركية داخل الأراضي السورية، لكنها لن تفعل شيئاً ضد التدخل التركي.

ثم جاء حادث إسقاط طائرة السوخوي، فانتهى كل شيء.

يتضح الآن أن الرئيس التركي قد حصل، أثناء زيارته لبطرسبورغ في التاسع من الشهر الجاري، على الموافقة الروسية، مجدداً، على دخول جرابلس. وكأن العملية الإرهابية التي ضربت عرساً كردياً في غازي عنتاب، قبل أيام، وذهب ضحيتها 54 من القتلى، قد قامت بوظيفتها في تسويغ العملية التركية بصورة مباشرة. كما تزامن بدء العملية مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أنقرة، مع العلم أن طيران التحالف الدولي (الأمريكي) يشارك في ضرب جرابلس مع الطيران والمدفعية التركيين.

الواقع أن الرائز التركي وراء عملية جرابلس إنما هو الخط الأحمر التركي المعروف بصدد منع وصل الكانتونات الكردية في شمال سوريا للحيلولة دون إقامة كيان كردي متصل جغرافياً، أكثر من كونه محاربة داعش. وهي سياسة تركية معلنة، على أي حال، وأحد أركان التقارب التركي ـ الروسي الجديد بشأن سوريا، كما أعلنه رئيس الوزراء بن علي يلدرم. «الحفاظ على وحدة الكيان السوري» هو الترجمة الراهنة للسياسة الخارجية التركية الأكثر تقليدية، ويراهن الأتراك على أن يشكل هذا الشعار مفتاحاً لنوع من تطبيع العلاقة مع النظام الكيماوي، لا نعرف مداه بعد. فرئيس الوزراء يلدرم يهيئ الرأي العام، عبر تصريحاته، بصورة متدرجة، نحو إنهاء خصومة تركيا مع النظام. وآخرها الحديث عن أن الأخير هو لاعب لا يمكن تجاهله في المشكلة السورية، والقبول ببقائه في المرحلة الانتقالية التي لا يعرف مداها.

وربما يمكن قراءة الصراع المسلح بين قوات النظام وقوات حماية الشعب والأساييش في الحسكة في إطار ملاقاة النظام لليد التركية الممدودة. فعلى رغم أنها ليست المرة الأولى في سياق الاحتكاكات العنيفة بين الحليفين، لكنها المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام سلاح الطيران في ضرب القوات الكردية. وقد اختبر النظام، بهذا القصف الجوي، حدود الرد الأمريكي في منطقة هي جزء من ميدان عمليات التحالف الدولي لمحاربة داعش. وكان هذا الرد باهتاً، مما قد يعني موازنة أمريكية بين متطلبات تحالفها مع القوات الكردية والامتعاض التركي من هذا التحالف.

تتضمن الخطة التركية الأصلية للحملة على جرابلس، وفقاً لتسريبات «سلفي» دائماً، إقامة منطقة آمنة بحماية تركية وموافقة أمريكية. فهل سنشهد إقامة المنطقة الآمنة التي طالما طالب بها الأتراك منذ العام 2012، وقوبل طلبهم برفض أمريكي؟ مع العلم أن منع طيران النظام من استهداف قوات «المعارضة المعتدلة» هو جزء من الخطة الأمريكية للتنسيق مع روسيا في ضرب داعش وجبهة النصرة. روسيا لم توافق بعد على الاقتراح الذي قدمه جون كيري قبل أكثر من شهر. فهل فعل التقارب الروسي ـ التركي المستجد ما عجزت تركيا عن إقناع حليفها الأمريكي به طوال سنوات، وما عجز كيري عن إقناع بوتين به إلى الآن؟

صدرت أول ردة فعل من صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، على العملية التركية في جرابلس، عبر حسابه على موقع تويتر، حيث توعد تركيا «الغارقة في المستنقع السوري» بتكبد خسائر كبيرة. من المحتمل أن الأمريكيين سيكون عليهم منع وقوع الصدام بين قوات المعارضة المدعومة من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، في سباقهما على جرابلس ما بعد داعش، بنفس الطريقة التي توسط فيها الروسي بين النظام الكيماوي والقوات الكردية في الحسكة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الروس توسطوا بين حليفين، في حين سيكون على الأمريكيين التوسط بين عدوين. فقوات صالح مسلم التي تكبدت خسائر كبيرة في معركة منبج، كانت تأمل من حليفيها الروسي والأمريكي ترك جرابلس لها. وإذا كان الأمريكيون مرغمين على مراعاة الحساسية التركية بخصوص جرابلس والشريط الحدودي الفاصل بين كوباني وعفرين عموماً، فقد شكل التقارب الروسي ـ التركي ضربة لأحلام صالح مسلم الجامحة بشأن فرض الكيان الفيدرالي على طول الحدود مع تركيا. لكن وعيد مسلم ربما يستبطن شيئاً من هشاشة السياسة الخارجية التركية بعد التغييرات الكبيرة فيها.

ذلك أن الانعطافة التركية التي بدأت، قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة، بتطبيع العلاقات مع كل من إسرائيل وروسيا، تسارعت بعدها بشكل مدوِّخ. إلى درجة أن كثيراً من المراقبين أخذ يتحدث عن محور روسي ـ إيراني ـ تركي في المسألة السورية، وإيراني ـ تركي في العراق البعيد عن الاهتمامات الروسية. من المحتمل أن هذه التحليلات مبالغ بها، والأصح الحديث عن توافقات محدودة في الزمان والمفردات بين جميع اللاعبين المؤثرين في المشكلة السورية، وهم على عجلة من أمرهم لتحقيق نقاط ميدانية وسياسية قبل انتقال السلطة في واشنطن مطلع العام القادم.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

مقارنة بين أردوغان والأسد الأب على وقع الضائقة الكردية/ هوشنك أوسي

صحيح أن زعيم حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي المحافظ، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يأتِ من بيئة عسكريّة إلى السياسة والسلطة، بل عبر انتخابات ديموقراطيّة لا شبهة فيها أو عليها، إلاّ ان هناك تقاطعات كثيرة بين تجربته في الحكم وبين تجربة الرئيس السوري السابق وزعيم حزب «البعث العربي الاشتراكي»، حافظ الأسد. ومن هذه التقاطعات:

1 – مطلع السبعينات، انقلب حافظ الأسد على رفاقه، حتى الذين هم من طائفته (محمد عمران، صلاح جديد،…) وأصدقائه من خارج الطائفة أيضاً ضمن قيادات حزب البعث (نور الدين الأتاسي)، وأطاحهم تباعاً. كذلك أردوغان، انقلب على رفاقه وداعميه (فتح الله غولن، عبدالله غول، أحمد داوود أوغلو، بولانت أرنيج…) والكثير من القيادات المؤسسة لحزب «العدالة والتنمية»، عبر التهميش والاستبعاد والضغوط والاغتيال السياسي، وليس عبر الاعتقال او الاغتيال الجسدي.

2 – كثيراً ما كان حافظ الأسد يتحدّث عن الشعب وإرادة الشعب وسلطة الشعب ودولة الشعب، وأنه مع الديموقراطيّة، وجعل من حزبه الحزب القائد للدولة والمجتمع، ودمج الدولة بالحزب، بحيث صار المجتمع ضحية الدولة، والدولة ضحية الحزب، والحزب ضحيّة الطائفة، والطائفة ضحيّة الأمن والجيش، والأمن خاضع للعائلة. كذلك فعل ويفعل أردوغان عبر الحديث عن الشعب والشرعية الشعبية وارادة الشعب، ويسعى الى تحويل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وجعل كل السلطات في قبضته.

وأتى الانقلاب العسكري الفاشل، ليزيد اردوغان من وتيرة مساعي إخضاع الجيش وكل سلطات الدولة الأربع (التنفيذيّة، التشريعيّة، القضائيّة والإعلام) لسلطة الأمن والاستخبارات القوميّة، التي ترتبط مباشرة به. بحيث تصبح أحزاب المعارضة، لزوم ما لا يلزم. وفي أحسن الأحوال، لزوم الديكور، شأنها شأن أحزاب «الجبهة الوطنيّة التقدميّة» التي كانت تسبّح بحمد نظام الأسد – البعث.

3 – التمرّد «الإخواني» على نظام الأسد الأب مطلع الثمانينات، دفعه إلى سحقه بعنف، مرتكباً مجازر بشعة. وصار نظام الأسد يعتقل الشخص بتهمة الانتماء الى تنظيم «الاخوان المسلمين»، حتى ولو كان أحد أقاربه، من الدرجة العاشرة، على علاقة مع التنظيم. كذلك أردوغان، استفاد من فشل الانقلاب العسكري الأخير، أيّما استفادة، وانقضّ على خصومه والمخالفين له. وصار يعتقل كل شخص يشتبه بأن له أو لأحد أقاربه أيّة علاقة بالانقلاب العسكري الفاشل، أو بجماعة غولن، أو بالعمال الكردستاني!

4 – حملات التطهير التي بدأها حافظ الأسد في مؤسسات الدولة، خصوصاً في الجيش والأمن، بدأت بعد انقلاب 16/11/1970، عبر ملاحقة او طرد انصار صلاح جديد ومحمد عمران، ثم ملاحقة وطرد انصار نور الدين الأتاسي والموالين لـ «جناح اليمين» في حزب البعث بزعامة ميشال عفلق وأحمد حسن البكر وصدام حسين، تلتها حملات التطهير بحق كل من يشتبه بأن لهم خلفيّة إسلاميّة – إخوانيّة، عقب أحداث نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات. واتخذ حافظ الأسد من مجزرة مدرسة المدفعيّة بحلب، ومن التمرّد في حماة، قاعدة ارتكاز استراتيجيّة في إجراء حملات التطهير والملاحقة تلك.

كذلك أردوغان، في البداية بدأ بحملات تطهير الاتاتوركيين في سلك الجيش والشرطة والاستخبارات. من ثم بدأت مرحلة تطهير للإسلاميين الموالين لفتح الله غولن في المؤسسات السالفة الذكر. واتخذ اردوغان من محاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة، قاعدة ارتكاز استراتيجيّة لشن حملة التطهير والملاحقة تلك، في حالة تشبه حالة حافظ الأسد.

5 – نظام الأسد الأب دعم التنظيمات اليسارية التركيّة المعارضة للنظام التركي، بخاصّة حزب «العمال الكردستاني»، منذ منتصف الثمانينات وحتى نهاية التسعينات. وكان حافظ الأسد ينفي دوماً وجود أوجلان ومعسكرات حزبه على الاراضي اللبنانيّة والسوريّة، وينفي في شكل مطلق اي دعم سياسي او عسكري او لوجستي لهذا الحزب! إلى أن أُجبر على التخلّي عن أوجلان وحزبه في خريف 1998، بعد التوقيع على اتفاقيّة أضنة، نتيجة التهديد التركي بغزو سورية. كذلك نظام الأسد الأبن قام بدعم التنظيمات التكفيرية والارهابية التي كانت تقاتل الاميركيين في العراق. وكان الأسد ينفي ذلك. أردوغان وحزبه، هما أيضاً دعما التنظيمات التكفيرية التي كانت تقاتل أميركا في العراق. كذلك دعم أردوغان كل التنظيمات التكفيرية والإرهابية (النصرة، أحرار الشام، السلطان مراد، نورالدين زنكي…) التي تقاتل على الارض السوريّة. وكان وما زال أردوغان ينفي هذا الدعم. نظام الأسد الابن يعتبر نفسه ضحيّة المؤامرة والإرهاب، ويطالب العالم بمساندته ضد الإرهاب. كذلك أردوغان يعتبر نفسه وحكمه ضحيّة الإرهاب ومؤامرة عالميّة، ويطالب بمساندته ضد الإرهاب!

ربما يتساءل أحدهم، لكن حافظ الأسد وابنه بشار قاما بتدمير مدن وارتكاب مجازر مروّعة كمجزرة حماة في شباط (فبراير) 1982. هذا صحيح. ولكن، صحيحٌ أيضاً أنه لو جمعنا حجم الضحايا الأكراد والاتراك، من مدنيين وعسكريين (مقاتلين كرد وجنود ترك)، بالإضافة إلى حجم الدمار الذي حلّ بالمدن الكرديّة (دياربكر، نصيبين، …) من فترة استلام «العدالة والتنمية» للحكم في تركيا عام 2002 ولغاية الآن، سنحصل على فاتورة حرب حقيقيّة شنّتها تركيا على أكرادها. طبعاً من دون حساب حجم الأضرار والخسائر الفادحة التي مني بها المجتمعان الكردي والتركي، على زمن الحكومات التركيّة التي سبقت «العدالة والتنمية».

معطوفاً على ما سلف، نظام الأسد الابن، تفاءل السوريون به، في بدايته. وسميّت مرحلة 2001-2002 بربيع «دمشق. واتضح في ما بعد أن الأمر محض أكذوبة، صدّقها كُثر، وصفّق لها محليّاً وعربيّاً وإقليميّاً ودوليّاً. كذلك نظام أردوغان في بدايته، تفاءل الناس به خيراً. واعترف اردوغان بوجود قضيّة كرديّة في صيف 2005، وانه سيحلّها سلميّاً. وعام 2009 أطلق ما سمّي بـ «الانفتاح على الأكراد». ثمّ استبدل العنوان بـ «الانفتاح الديموقراطي». وجرى حديث طويل عريض على أن اردوغان وحزبه سيكونان مختلفين تماماً عن الحكومات التركيّة السابقة، بخاصّة في الملّف الكردي والحكم المدني واحترام قيم الديموقراطيّة. إلاّ انه اتضح في ما بعد الوجه القومي، الطوراني، النيوعثماني، المذهبي لهذا النظام. وقد عبّر عن نفسه في خطابات أردوغان الانتخابيّة الأخيرة، بالإضافة إلى مساعي أسلمة الدولة ومؤسساتها، وبل «أردغنتها».

غالب الظن أن الأيّام المقبلة بما تحمله من إجراءات وممارسات أردوغانيّة في سياق إعادة هيكلة مؤسسات الدولة السياسيّة، بما ينسجم مع إرادة وطموحات أردوغان الشخصيّة، وجعل الأمن عصب الدولة وعقلها وعينها وروحها، بالإضافة إلى حملات التطهير التي وصلت إلى داخل الحزب الحاكم، كل ذلك من شأنه فتح الباب على مصراعيه لظهور حافظ أسد تركي، يقمع الداخل ويحاول إرضاء الخارج بهدف كسب صمته. ولكن، الحال لم تدم لحافظ الأسد وخليفته، حتى تدوم لأردوغان ومن سيخلفه في قيادة تركيا العثمانيّة الجديدة.

* كاتب كردي سوري

الحياة

 

 

 

أخيراً فعلتها تركيا/ عمر كوش

أخيراً فعلتها تركيا، وتوغلت وحدات خاصة من جيشها باتجاه مدينة جرابلس وريفها، لإسناد تقدم عناصر من الجيش السوري الحر، بغية تحريرها وتخليصها من قبضة عناصر تنظيم الدولة (داعش)، وإبعادهم عن الشريط الحدودي الممتد من جرابلس، وصولاً إلى بلدتي مارع وإعزار، ما يمهد لإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، أو “خاليةٍ من داعش” والتي يعتبرها المسؤولون الأتراك ضرورة ملحة للأمن القومي التركي، خصوصاً بعد تزايد تعرّض بعض مناطق تركيا الجنوبية إلى القصف، وللعمليات الإرهابية التي استهدف آخرها عرساً في مدينة غازي عينتاب، وذهب ضحيتها أكثر من خمسين تركياً وجرح أكثر من مئة.

ويعود التحرك التركي الذي تأخر كثيراً باتجاه حدودها الجنوبية إلى اعتبارات عديدة، ليس إبعاد “داعش” والتخلص من خطره فقط، بل أيضاً منعاً لتمدّد كيان ما تسمى “الإدارة الذاتية” لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري باتجاه مناطق غرب الفرات، ووصل كانتونات شرقه (القامشلي وكوباني) بغربه (عفرين)، لأن ذلك يعني قيام كيان معادٍ لتركيا على حدودها الجنوبية مع سورية، ما يعني تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خصوصاً أن هذا الحزب يعتبر النسخة السورية لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تعتبره أنقرة ودول غربية منظمة إرهابية، وتخوض ضده تركيا حرباً شرسة، منذ أكثر من سنة، في مناطق جنوب وجنوب شرق تركيا، بعد انهيار عملية “السلام الداخلي” التي كانت تهدف إلى إنهاء وحل المسألة الكردية في تركيا.

ولعل تزامن التحرّك التركي مع مجيء نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن إلى أنقرة، دليل على التنسيق مع الولايات المتحدة، أو على الأقل عدم معارضتها أو ممانعتها له، إذ أيّد بايدن حق تركيا في حماية أمنها القومي، معلناً أن “بلاده توصلت مع تركيا إلى اتفاقٍ بعدم جواز انتقال وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي إلى المناطق الواقعة غرب الفرات في سورية، وأنها لن تحصل على أي دعمٍ من الولايات المتحدة، في حال انتقالها إلى غرب الفرات”.

كما أن تزامن وجود رئيس إقليم شمالي العراق، مسعود البرزاني، يشكل رسالةً إلى الجمهور

“تعيد عملية “درع الفرات” الاعتبار للجيش السوري الحر، كونه يقود معركةً جديدةً ضد تنظيم داعش” الكردي العام في سورية وغيرها، مفادها بأن العملية العسكرية لا تستهدف الأكراد، بل وقف تمدد مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الذي فرض سيطرته بالقوة على مناطق عدة في شمال سورية، وخصوصاً عفرين ومحافظة الحسكة وعين العرب (كوباني) وتل أبيض، ووصل إلى منبج، بذريعة الحرب على “داعش”، ووجه هذا الحزب سلاحه إلى صدور الناشطين الأكراد الذين قادوا حراكاً ثورياً مبكراً إلى جانب إخوانهم الناشطين السوريين، خلال المراحل الأولى للثورة السورية، لكن هذا الحزب قاد حملة تصفيات وملاحقات طاولت هؤلاء جميعاً، بل وطاولت قادة وناشطين من الأحزاب الكردية السورية الأخرى، وراح ينسق مع النظام السوري، ويسانده في مختلف الفترات، ثم استخدمه الأميركان طلقةً في الحرب الدولية التي يقودونها ضد “داعش”.

وتأتي العملية التركية، “درع الفرات”، في ظل ظروف دولية وإقليمية مغايرة عما كانت عليه قبل تطبيع العلاقات التركية الروسية، حيث حصل توافق روسي تركي وإيراني على وحدة سورية، وعدم السماح بقيام كانتونات أو كيانات انفصالية فيها، وعلى ضرورة مكافحة الإرهاب. لذلك، جاء الموقف الروسي، كي يعبر عن القلق “بشأن الوضع على الحدود التركية السورية، واحتمال تدهور الوضع الأمني، وتصعيد الخلافات بين العرب والأكراد بعد انطلاق عملية عسكرية تركية في سورية”، لكن الخارجية الروسية سرعان ما أكّدت على أن “جهود محاربة الإرهاب على الحدود السورية التركية تكتسب، في المرحلة الراهنة، أهمية أكبر من أي وقت مضى”.

وتعيد عملية “درع الفرات” الاعتبار للجيش السوري الحر، كونه يقود معركةً جديدةً ضد تنظيم داعش، بعد أن تمكّن من تحرير منطقة الراعي من قبضة داعش، قبل ما يزيد عن أسبوعين، حيث يشارك في العملية أكثر من 1200 عنصر من فيلق الشام، وفرقة السلطان مراد، والجبهة الشامية، ونور الدين زنكي، والفرقة 13، ولواء الحمزة، وجيش النصر، ولواء المعتصم، ولواء صقور الجبل، وأحرار تل الرفعت ولواء الفتح.

وإن كان الجيش الحر قد سبق أن حرّر مدينة جرابلس من سيطرة النظام الأسدي، في منتصف عام 2012، إلا أن عودته مجدّداً وخوضه معركة تحريرها من داعش، تجسّد ردّاً قوياً على محاولات روسيا اعتباره غير موجود بالمعنى الفعلي في الميدان، بعد أن حاولت جاهدةً تسويق وجود القوى المتطرفة فقط، المتمثلة في “داعش” و”جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً). ولم يعد خافياً على أحد أن روسيا كانت تهدف في الحرب، إلى جانب النظام السوري وإيران والمليشيات التابعة لها، إلى تدمير الجيش السوري الحر، وإنكار وجوده، ولم تتمكّن من تحقيق ذلك، خصوصاً بعد معركة فك الحصار التي كانت تريد فرضه على حلب.

ويبدو من تصريحات القادة الأتراك أن فكرة المنطقة الآمنة، أو “الخالية من المخاطر على الأمن القومي”، التي طالما نادت بها تركيا، ما زالت حيةً وقابلة للتطبيق، ويمكن أن تكون عملية درع الفرات المرحلة الأولى باتجاه تشكيل هذه المنطقة التي كانوا يريدون أن تمتد على طول مئة كيلومتر من الحدود السورية التركية، وبعمق قد يصل إلى خمسين كيلومتراً، تبدأ من جرابلس، وصولاً إلى معبر باب السلامة التابع لمدينة أعزاز السورية، وهو أمر لم يلق قبولاً لدى الإدارة الأميركية ولا روسيا، قبل انطلاق عملية درع الفرات، لكن ذلك لم يمنع التصميم التركي عن فعلها أخيراً.

العربي الجديد

 

 

 

 

استدارة أردوغان تربك اللاعبين الإقليميين/ راغدة درغام

قمة الدول العشرين المنعقدة مطلع الشهر الجاري في الصين ستكون مناسبة لاستنباض توجهات أكثر الدول نفوذاً في العالم ولامتحان العلاقات الشخصية ما بين قادة هذه الدول الذين يتموضع كل منهم في النظام الأمني العالمي وعينه على الآخر. نجم الشكوك والقلق في القمة سيكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فهو في أزمة ثقة مع الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين نتيجة نوعية تدخله العسكري في سورية، على رغم ترحيبهما بانضمام تركيا إلى الحرب على «داعش» بصورة فعلية.

عنفوان أردوغان وعنف نزعته السلطوية يقلقان أصحاب الأعصاب الباردة، بمن فيهم من لهم قواسم مشتركة معه عندما يتعلق الأمر بالقومية المتطرفة. فالرجل أصبح مهووساً بأولوية البقاء في السلطة في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة ضده وهو عازم على توطيد وتوسيع صلاحياته للحكم بصورة مطلقة عبر أي وسيلة متاحة أمامه. ووجد أردوغان في سورية ساحة مؤاتية لإثبات عزمه وإبراز قوته وإعادة خلط الأوراق الإقليمية والدولية. بعضهم يرى أن تصرفاته وإجراءاته تثبت أنه ينطلق من موقع الضعف وليس من موقع القوة، فيما ينبّه آخرون إلى أنه يمتلك أدوات حادة تسليحية وبشرية، وفي وسعه فرض الأمر الواقع تلو الآخر داخل سورية وفي القارة الأوروبية.

الواضح هو أن أردوغان قرر لعب كل أوراقه من دون أن يكشف جميعها في آن. استدارته السورية تربك أكثر من لاعب إقليمي وتثير شكوك موسكو وواشنطن لأسباب متضاربة. فهو ساعة ينسّق أميركياً وساعة يتمحور روسياً وساعة يتفاهم إيرانياً تحت عناوين مثل دحض تنظيم «داعش» واحتواء أخواته، ومثل قمع طموحات القومية الكردية ذات الأحلام السيادية – الجغرافية الممتدة من العراق إلى سورية ومنها إلى تركيا وإيران. نسمع يوماً أن أردوغان جاهز للتراجع عن معارضته القاطعة لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم للموافقة على بقائه «موقتاً» في المرحلة الانتقالية بأفق زمني مفتوح على «الموقت». ونشهد يوماً آخر عودة ميدانية لقدرات عسكرية مهمة للتنظيمات المعارضة للأسد على نسق «الجيش الحر»، بغطاء جوي تركي وبمعونة دبابات تركية. كثيرون يقعون في حيرة أمام ما يخططه أردوغان خصوصاً في سورية بعدما حوّل المعركة فيها وعليها إلى ساحة حربية تحت عنوان الأمن القومي لتركيا. بعض الدول الخليجية بدأ حائراً وانتهى غاضباً مما يفعله أردوغان في سورية بلا تنسيق ولا تشاور مع الحليف الخليجي التقليدي. القلق الروسي والإيراني من الوجود العسكري التركي في الأراضي السورية وتمكين أنقرة لمنظمات معارضة سورية ميدانياً أتى في أعقاب احتضان موسكو وطهران للاستدارة التركية في بدايتها واعتبارها انفصالاً عن المواقف الأميركية والخليجية باتجاه المحور الروسي – الإيراني – السوري. أما إدارة أوباما فإنها تجد نفسها في دهشة أمام ما أفرزته المحاولة الانقلابية الفاشلة من شخصية أردوغانية استفزازية تضرب بعرض الحائط الأولويات الأميركية المتأرجحة في سورية ومعها العلاقات الأميركية – الكردية. والكل يتساءل عما إذا كان استقواء أردوغان ظاهرة موقتة لرجل في ورطة يحفر لنفسه مستنقعاً في سورية وكذلك داخل تركيا، أم أن الرئيس التركي حدد ما هي مواقع ضعف اللاعبين كافة في سورية وقرر أن الوقت حان للاستفادة من الخاصرة الرخوة بما يضمن له سلطوية داخلية وتموضعاً إقليمياً أمنياً بامتياز.

هناك رأيان خليجيان حول ما يجب القيام به إزاء استدارة أردوغان والحيرة من أمره. رأي يقول إن من الأفضل عدم انتقاده ولجم التصادم معه والانتظار إلى حين وضوح ما ستسفر عنه سياساته المتسارعة والمثيرة للتساؤلات، وبعد ذلك يمكن استئناف العلاقات المميزة معه والتنسيق الضروري لإحياء علاقات التحالف معه، فيما يقول الرأي الآخر إن الخليج فقد الثقة بأردوغان بعد استدارته المفاجئة، وبالتالي، لا خيار أمام الخليج سوى التخلي عنه.

أردوغان يمتلك مفاتيح ممرات مهمة في السياسات الخليجية نحو اللاعبين داخل سورية وهو قادر على قطع الطريق إذا وصل انعدام الثقة إلى درجة التخلي. ولهذا السبب يقول أصحاب الرأي الأول إن المصلحة الخليجية تقتضي التأني بلا تسرّع لعل ما يقوم به أردوغان يشكل دافعاً أو خريطة طريق نحو حلحلة سياسية للمواقف الدولية والإقليمية في سورية. ويرد أصحاب الرأي الآخر بأن ما يفعله أردوغان في سورية هو عبارة عن تطويق نفسه بنفسه أميركياً وروسياً وخوض حرب لا يمكن كسبها مع الأكراد تترتب عليها تداعيات داخل تركيا. هذا إلى جانب خوضه الحرب ضد «داعش» وأمثال هذا التنظيم ممن اعتبروا أنفسهم خارج خانة العداء مع أردوغان قبل سنوات، وها هم يجدون أنفسهم في حرب مباشرة معه لعلها تؤدي إلى عمليات انتقامية أكثر داخل تركيا.

بغض النظر عن الآراء المتضاربة والمواقف المتأرجحة ما بين القيادة التركية والقيادات الدولية والإقليمية، فإن دور تركيا العسكري في سورية تطور فائق الأهمية مهما كانت نتائجه على سورية. من ناحية، أدى هذا التدخل العسكري إلى إحياء قدرات تنظيمات في المعارضة السورية كانت على وشك الاضمحلال وأعاد إدخالها لاعباً ميدانياً في ساحة الحرب السورية. والسؤال المطروح هو: هل في ذهن أردوغان إنماء قدرات هذه التنظيمات ليكون قادراً على المساومة سياسياً مع محور روسيا وإيران والنظام في دمشق؟ وهل تلك المساومة سورية الهوية بمعنى أنها تتعلق بموقع المعارضة السورية في مستقبل سورية، أم أنها مناقصة ومقايضة من أجل الأمن القومي التركي من البوابة السورية وعبر النافذة الكردية تحديداً، كما يراه أردوغان؟

قد تكون صفقة «الأكراد لأردوغان… وحلب للأسد» التي وردت في الإعلام، بناءً على اجتماعات أمنية سورية – تركية – عراقية – إيرانية بمباركة روسية، في طور الإعداد، لكنها تبدو غير مقنعة. فليس سهلاً على الرئيس التركي اتخاذ قرار التخلي عن حلب وتقديمها عربوناً في مقايضة لا تضمن له مكسباً ملموساً كذلك الذي سيكون للأسد في حلب. كل شيء وارد في سورية اليوم، إنما هناك خطر الإفراط في قراءة المقايضات. فحلب تبقى مفصلاً بالغ الأهمية وتبقى مصيرية لمستقبل اللاعبين في سورية. وعلى رغم هذا، فإن لا شيء مستبعد في سورية وسيناريواتها المدهشة.

فكما هناك مؤشرات على احتمال أن يؤدي التصعيد عسكرياً إلى تفاهمات سياسية، هناك إمكانية لأن تبقى سورية مرشحة لتكون مستنقع كل من دخل إليها لاعباً ميدانياً: روسيا وإيران وتركيا والميليشيات والنظام. لعل الولايات المتحدة تنجو من المستنقع داخل سورية وكذلك الدول الخليجية التي لعبت أدواراً عبر الحرب بالنيابة متجنبة التورط بصورة مباشرة عبر جيوش نظامية في ساحة الحرب السورية. لكن أطراف الحرب الميدانية مرشحون للمستنقع في سورية بكلفة عالية.

الأمم المتحدة مرشحة للسقوط في مستنقع أخلاقي في سورية عبر الأمانة العامة إذا ثبتت الاتهامات ضدها بمختلف أنواعها وعبر مجلس الأمن الذي يبدو جاهزاً للتقاعس في مسألة استخدام الجيش النظامي السوري و «داعش» الأسلحة الكيماوية. الولايات المتحدة تتذبذب أمام الهجوم الروسي على لجنة التحقيق الدولية التي توصلت إلى أن نظام الأسد استخدم السلاح الكيماوي في أعقاب الصفقة الأميركية – الروسية التي تباهت بتدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية في العام 2013 وأدت إلى تراجع أوباما عن «الخط الأحمر» الكيماوي الشهير. بالتأكيد، لم يكن أمام موسكو ودمشق سوى التصعيد نفياً لأن الاعتراف والإقرار باستخدام الجيش السوري السلاح الكيماوي يستدعي بالضرورة إجراءات عقابية على نسق العقوبات أو المحكمة الجنائية الدولية. ويبدو أن واشنطن – حتى الآن – فضّلت القبول بالنفي عملياً لأن الإقرار يفرض عليها الإجراءات. وواشنطن لا تريد هزّ المركب في هذه المرحلة من إدارة أوباما التي تجنبت عمداً أي تورط في سورية، بل أي تصعيد، وفضّلت نمط التراجعات.

الأوروبيون يرفعون الصوت ثم يصمتون وهم يختبئون وراء التردد الأميركي والأمم المتحدة في المعية. المدن السورية تُفَرَّغ من السكان في تنظيف عرقي واضح، ولا أحد يرفع صوته من الغرب الذي زعم الفوقية الأخلاقية في مثل هذه الأمور المرفوضة قانونياً وأخلاقياً. صور أطفال سورية إما يرتجفون بحروق النابالم المحظور استخدامه أو وهم في صدمة تحجب البكاء، مرت على الضمير العالمي مروراً عابراً بلا غضب ولا إجراءات.

عندما يجتمع قادة الدول العشرين هذا الأسبوع ويلتقطون الصور التذكارية بابتساماتهم العريضة، لعل هذه الصور تبرق في عيونهم لتعيد إلى الضمير حفنة من الحيوية. هذا مستبعد للأسف. فهؤلاء القادة سيجتمعون كمجموعة وفي لقاءات ثنائية لرسم التوجهات المستقبلية في الاقتصاد والسياسة والأمن الجماعي بصفتهم يمثلون أهم الدول في العالم. ووحده خوفهم من هجرة السوريين إلى أوروبا ومن توسّع «داعش» وأمثاله في الغرب والشرق سيفرض المسألة السورية على الأجندة الجماعية والثنائية.

أردوغان هو اللاعب النجم لأن لعبته جديدة، ولذلك سيكون في قمة العشرين موضع اهتمام القادة المعنيين بإفرازات الأزمة السورية وتداعياتها عليهم، وليس بالضرورة بأبعاد المأساة السورية على سورية الممزقة بقرارات محلية وإقليمية ودولية على السواء.

الحياة

 

 

هدف «درع الفرات» منع امتداد الكيان الكردي غرب الفرات/ محمد زاهد غول

تحركت الدبابات التركية باتجاه مدينة جرابلس السورية شمال محافظة حلب بتاريخ 24/8/2016 ولديها مشروع واضح وخطة مرسومة ورؤية لأهدافها من هذه العملية التي أطلقت عليها «درع الفرات» وهي تعني أن غرب نهر الفرات خط فاصل وأحمر للاستراتيجية التركية في حماية أمنها القومي في سوريا. فالقانون الدولي يعطي أي دولة حق الدخول في حرب مع أخرى للدفاع عن نفسها، لحين عرض الأمر على الأمم المتحدة والفصل القانوني فيه. وبحكم الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا منذ خمس سنين ونصف، وعدم وجود حكومة مركزية فيها، فإن من حق الدولة التركية اتخاذ كافة الإجراءات التي تحمي شعبها. ودون الخوض في تأخر هذه الخطوة أو تجاوزها للمحذورات التي وضعتها الحكومة التركية على نفسها من قبل، فإن هذه الخطوة دفاعية في الدرجة الأولى عن الحدود التركية مع سوريا، وحماية للأمن القومي التركي، بعد تعرض هذه الحدود للاعتداءات المتكررة والكثيرة، والتي وقعت في تركيا في السنة ونصف الماضية على أقل تقدير، دون أن تستطيع الدولة السورية بقواتها وفصائلها العسكرية حمايتها كما كانت في السابق، أي عندما كانت الحكومة السورية تفرض هيمنتها على هذه الحدود من الجهة السورية.

فالحدود الشمالية لسوريا أصبحت تحت سيطرة العديد من الفصائل والميليشيات المسلحة بعضها معتدلة مثل الجيش السوري الحر، وبعضها إرهابية مثل تنظيم «الدولة» والتنظيمات الكردية التابعة لحزب العمال الكرستاني «ب ك ك» مثل ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي المسماة وحدات حماية الشعب «يبجي» أو الميليشيات التي شكلتها وزارة الدفاع الأمريكية مثل قوات سوريا الديمقراطية «قسد». فهذه منظمات إرهابية في نظر الحكومة التركية، لأنها استهدفت الأراضي التركية وقتلت المئات من المواطنين وجرحت الألوف، بل بلغ عدوانها المدن التركية الداخلية مثل أنقرة واسطنبول، في عمليات إرهابية تستهدف المدنيين والسياح والمرافق العامة، فضلاً عن العمليات الإرهابية التي يستهدف بها حزب العمال الكردستاني الحافلات العسكرية والثكنات الأمنية في ديار بكر وغيرها، فهذه العمليات الإرهابية ثبت تورط حزب العمال الكردستاني فيها، وأن الأسلحة والتفجيرات المستعملة هي من مصادر أمريكية كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد زودت قوات سوريا الديمقراطية بها، أي ان هذه القوات تتسلم الأسلحة من الدعم الأمريكي لها، وترسلها إلى إرهابيي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، وهذا خطر كبير وغير محتمل، تباحثت فيه الحكومة التركية مع الإدارة الأمريكية دون تجاوب إيجابي، وإنما بقطع تعهدات ان تعمل أمريكا لعدم تعرض الأراضي التركية للخطر ، بينما تقوم أمريكا بدعم هذه القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني بالأسلحة والمتطوعين والدعم الجوي للسيطرة على المدن والقرى والأرياف في شمال سوريا بحجة القضاء على تنظيم «الدولة».

ومنذ سنوات وضعت الحكومة التركية خطوطا حمراء أمام الميليشيات التابعة لحزب العمال الكردستاني، وحذرتها من الاقتراب منها، وإلا تعرضت للقصف، ولكنها لم تلتزم كثيرا، وهي تركن إلى الدعم الأمريكي، وحجة أمريكا ان هذه القوات هي وحدها القادرة على محاربة تنظيم «الدولة» ودحرها بالتعاون مع الجيش الأمريكي، وكأن الحرب أمريكية أصلاً، ودور قوات سوريا الديمقراطية هو التغطية الأرضية والسيطرة على المواقع التي يتركها التنظيم فقط.

ومع رفض الحكومة التركية لهذه الحجة، بدليل التطهير العرقي الذي تجريه قوات «بيدا» و»قسد» على الأرض، فقد رفضت الحكومة التركية تجاوز هذه القوات نهر الفرات غربا بصورة مطلقة مهما كانت الأسباب، إلا أن تركيا وتحت ضغوط أمريكية كبيرة، عاودت واشترطت أن يتم انسحاب هذه القوات التي تدخل غرب الفرات بعد اسبوعين من تحرير هذه المناطق من «الدولة»، ووافقت أمريكا على ذلك، وبعد سبعين يوما من القتال تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من دخول منبج بتاريخ 13/8/2016 وانسحبت قوات تنظيم «الدولة» باتجاهات مختلفة.

ولكن قوات سوريا الديمقراطية أخذت تثبت قواعدها في منبج بدل الاستعداد للانسحاب منها، وأخذت تعد العدة للتحرك نحو جرابلس، وهي آخر المواقع العسكرية الحدودية مع تركيا التي كانت تحت سيطرة التنظيم، وبالتالي فإن احتلال قوات سوريا لها يعني إطباق الحدود الشمالية في سوريا لتصبح تحت سيطرة قوات حزب العمال الكردستاني «ب ك ك» ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية وميليشيات قوات حماية الشعب، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي التركي.

لم تكن الحكومة التركية غافلة عن هذه المخططات الأمريكية التي تهدف إلى تقسيم سوريا إلى ثلاث كيانات فيدرالية أو مستقلة أو أكثر، وتظن أمريكا أن شعوب المنطقة ودولها لا يحق لها ان تعترض على الخطط الأمريكية، كما استسلمت لاتفاقيات سايكس بيكو عام 1916 ولذلك أخذت أمريكا تتعامل مع قوات «بيدا» (حزب الاتحاد الديمقراطي)، وهو حزب سوري كردي، تابع لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، على أنه ممثل لأحد الكيانات التي تريد أمريكا إنشاءها في سوريا، ولذلك هي لا تريد أن ترى فيه حزبا إرهابيا كما تقول لها تركيا، وهي تعلم تابعيته لحزب العمال الكردستاني، لأن الإدارة الأمريكية تسير وفق خطط وزارة الدفاع الأمريكية الاستراتيجية، ووزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون تنفذ خطتها في رسم خريطة سوريا عسكريا قبل رسمها سياسياً، سواء كانت تحت قيادة سورية تابعة في ظاهرها لروسيا وإيران في الساحل، أو قيادة «بيدا» في الشمال وهي تابعة في ظاهرها لأمريكا، أو قيادة الجيش السوري الحر وتوابعه وهي في ظاهرها تابعة لتفاهمات تركية عربية سعودية وقطرية باشراف أمريكي، دون أن تأخذ أمريكا وجهات نظر أحد من الأطراف الدولية بعين الاعتبار.

هذه الخطة لوزارة الدفاع الأمريكية هي التي تفسر الخلاف الأمريكي الروسي في سوريا، وعدم القدرة على التوصل لحل سياسي بينهما، وتفسر لماذا تعمل أمريكا على إدامة الحرب في سوريا لخمس سنوات ونصف، وهي مرشحة لإدامتها أكثر، لأنها تريد استنزاف الجميع للخضوع لخطتها، بشأن التقسيم العسكري والسياسي الذي رسمته وزارة الدفاع الأمريكية، والمخاطر التي لا يمكن أن توافق عليها تركيا هي جعل الكيان الكردي مسيطرا على كامل الشريط الحدودي الشمالي لسوريا، لما يسببه من خطر حقيقي وكبير على الأمن القومي التركي أولاً، وبحكم أنه سوف يكون فاصلا جغرافيا وسياسيا وعسكريا بين تركيا والدول العربية، إضافة إلى انه في مخطط البنتاغون يعتبر كيانا عسكريا تابعا لها، أشبه بقاعدة عسكرية أمريكية كبرى في المنطقة، تتفوق على القواعد العسكرية الروسية في الســاحل السوري في طرطوس وفي حميميم، وتتفوق على التواجد الإيراني العسكري في سوريا ولبنان والعراق وغيرها.

هذه المخاطر العسكرية والسياسية هي على الدول العربية أولاً، بحكم أن سوريا دولة عربية، وهذه المخاطر رغم ضخامتها على روسيا وعلى إيران، فقد تقبل بها روسيا وإيران بشروط، لأنها ستمنحهما دويلة علوية شيعية على الساحل تحفظ نفوذهما فيها، ويجري الآن تطهير عرقي للمدن العربية السنية من سكانها لتمرير هذا الاتفاق، مثل داريا والقلمون والزبداني وحمص وقسم من حلب وغيرها. هذا الخطر وبحكم قوته الدولية لا تستطيع تركيا وحدها منعه، فقد أصبح شبه اتفاق دولي، إن ما لا يمكن أن تقبل به تركيا هو إقامة دولة كردية على كامل الشريط الحدودي التركي السوري، حسب أطماع الأحزاب الكردية، وهو ما لم تعلن الإدارة الأمريكية الموافقة عليه حتى الآن، وإن لم تعلن وزارة الدفاع الأمريكية عن تبنيه، فهو ان تم، سوف يفصل بين تركيا والدولة العلوية أيضاً، وهو ما ليس في مصلحة روسيا ولا إيران ولا الدولة العلوية، ولذلك فإن هناك هدفا دوليا مشتركا في عدم جعل هذا الكيان الكردي (الأمريكي) على كامل الشريط الحدودي مع تركيا، فمصلحة روسيا بقاء تواصل جغرافي بينها وبين تركيا شمال سوريا، وكذلك المصلحة الإيرانية ومصلحة الدولة العلوية، ولذا فإن عــملـــية «درع الـــفــرات» له هدف واحد وهو منع امتداد الكـــيان الكردي غرب الفرات إطلاقاً.

وحجة تركيا في هذه العملية ان التركيبة السكانية لغرب الفرات لا تمكن حزب «بيدا»و»قسد» من إقامة كيان سياسي عليها، لأن الأغلبية السكانية فيها هي للسوريين العرب السنة، وكذلك للسوريين التركمان السنة، وأقلية كردية، ولذلك عملت ميليشيات «بيدا» و»قسد» على تطهير المدن والقرى التي تحتلها شرق الفرات، وكذلك ستفعل غرب الفرات لو سمحت لها قوتها العسكرية، بينما تتعامل تركيا مع القوة الحقيقية على الأرض شمال سوريا وغرب الفرات تحديدا، وهي قوة الشعب السوري صاحب الأرض، وصاحب المشروع الوطني والقومي، فتركيا لن تدخل حربا لمنع هذا الكيان الغريب، وإنما ستدعم الشعب السوري صاحب هذه الأرض لكي يدافع عن نفسه وأرضه ووجوده، وهناك مصلحة دولية كبرى لبقاء هذا القسم الجغرافي من سوريا خارج سيطرة «بيدا» و»قسد» بما فيها المصلحة الأمريكية نفسها، فأمريكا ليست بحاجة لكل الشمال السوري لإقامة تواجدها العسكري القسري هناك، وتستطيع ان تكتفي بشرقه أو بجزء من شرقه، وضمان ان القسم الغربي لن يكون معارضا إن لم يكن متحالفا معها.

لذلك فإن مستقبل «درع الفرات» يتوقف على تضحيات الشعب السوري بالدفاع عن أرضه وحريته واستقلاله شمال سوريا وغرب الفرات، حتى لا يكون شعبا من الدرجة الثانية أو مضطهدا من دولة «بيدا» و»قسد» إن سيطرت على غرب الفرات، والدور التركي يدعم الخيار السوري بالدفاع عن نفسه وعدم السماح باحتلالها أو اغتصابه من قوات «بيدا» و»قسد» وفي الغالب ان التفاهمات التركية الروسية والإيرانية ضمن هذه الرؤية، والأرجح ان أمريكا لا تعارض ذلك، ولكنها تقع تحت ضغوط وخداع الطرفين، لأنهما تورطا بخطط البنتاغون الأمريكي وهم يأملان السيطرة على أراض توصلهما إلى مياه المتوسط، ولذلك فإن تركيا دخلت في حرب دفاعية، ولا تريد أن تخوضها على انها حرب مع أمريكا، لأنها في الحقيقة ليست مع أمريكا، ولكن مع أطماع «بيدا» و»قسد» و «ب ك ك» (حزب العمال الكردستاني) فالأرض والجغرافيا والديموغرافيا هي لصالح الشعب السوري العربي والتركماني السني، وليست لصالح تلك الأحزاب الكردية المحتلة. «درع الفرات» أمامه طريق واحد هو النجاح والانتصار، ولكن هذا النجاح القابل للتحقق سريعاً، يتعرض لتحد آخر وهو الاستراتيجية الأمريكية التي تعمل لإدامة الصراع في سوريا منذ سنوات، ولذلك قد تستغل أمريكا الوضع لإرهاق تركيا عسكريا، حتى وهم يدعمون الشعب السوري لتحرير أراضيهم من الاحتلال، وهو ما تحتاج الحكومة التركية لمعالجته بصورة سريعة، حتى لا تدخل في الورطة الإيرانية ولا الروسية، التي جاءت لحسم الأمور في سوريا خلال أشهر، ولكنها تورطت في الاستراتيجية الأمريكية ولا تزال تعاني منها، فلا هي قادرة على حسم الأمور عسكريا، ولا قادرة على الانسحاب، فتركيا أمام خيار وحيد وهو إبقاء الصراع في حدوده السورية السورية أولاً، ودعــم الشعب السوري ضد الكـــيانات الانفـصــالية مهما كانت أهميتها شمال سوريا، وبالأخص التي تهدد الأمن القومي التركي.

القدس العربي

 

 

 

 

ثمن قبول تركيا بحل وسط في سورية/ لينا الخطيب

كاد يمر عام على بدء روسيا حملتها العسكرية في سورية، وبدأت تظهر الآن فقط معالم مرحلة جديدة في النزاع السوري، تأتي فيها تركيا في طليعة هذه المرحلة. فنتيجة لتبعات إستراتيجيتها الخاصة في سورية، إضافة إلى دور الفاعلين الخارجيين، يتحول موقف تركيا في النزاع السوري ببطء إلى موقف أقرب إلى موقف الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. وبينما سيرحب الكثيرون بهذا التغيير كزيادة في إمكانية تحقيق تسوية سياسية للنزاع، فإن من المحتمل أن يزيد من عدم الاستقرار المحلي في تركيا.

لقد كانت للولايات المتحدة وروسيا وجهات نظر متباعدة بخصوص النزاع السوري. فقد رفضت روسيا دائماً تغيير النظام في سورية، بينما تمسكت الولايات المتحدة بإصرار برحيل الرئيس بشار الأسد. إلا أن الخطاب الأميركي لم يصاحبه قط عمل ملموس لتمكين حدوث هذا التغيير. فمن دون دور أميركي نشط في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة أو مستوى كاف من الدعم للمعارضة السورية، سياسياً كان أو عسكرياً، تركت الولايات المتحدة الباب مفتوحاً بشكل فعال لتحول روسيا وجهات نظرها الخاصة بسورية إلى حقيقة ملموسة.

في الوقت نفسه، كانت إستراتيجية النظام السوري الخاصة في معالجة النزاع تعتمد على مسانديه الخارجيين، أولاً إيران، ثم روسيا، مع تقديم معركته ضد المعارضة على أنها معركة ضد التطرف. وعلى المستوى التكتيكي، قام النظام بالسماح بشكل غير مباشر بنمو جماعات مثل تنظيم «داعش»، خصوصاً بعد أن بدأ «داعش» استهداف الثوار السوريين. لكن عندما بدأ التنظيم مهاجمة المناطق الخاضعة للنظام أيضاً، رأت روسيا في هذا فرصة. فالتدخل الروسي الذي بدأ في أيلول (سبتمبر) الماضي تحت ذريعة قتال «داعش» لم يمكّن الأسد من البقاء في السلطة فقط، خصوصاً وقد قامت روسيا بقصف كل من «داعش» والجماعات المختلفة من الثوار السوريين كجزء من حملتها الجوية، لكنه أيضاً جعل روسيا صاحبة مصلحة رئيسية لا يمكن الوصول إلى تسوية للنزاع السوري من دونها.

مع صعود «داعش»، وجدت الولايات المتحدة عدواً مناسباً لتحويل الانتباه بعيداً عن السياسة السورية، وزادت من إبراز تدخلها في النزاع السوري على أنه لمكافحة الإرهاب. وهكذا، تواءم المنهجان الأميركي والروسي في شأن سورية. هذا التواؤم ينمو إلى مناقشات حول تنسيق حملات عسكرية ضد «داعش» والجماعات الأخرى المسماة «إرهابية» في سورية. في هذه الأثناء، بدأت الولايات المتحدة وروسيا مناقشة اتفاق إطاري خاص بتسوية النزاع يتضمن السماح للأسد بالبقاء في السلطة خلال الفترة الانتقالية.

مع تتابع كل تلك التطورات، وجدت تركيا نفسها تحت ضغط متزايد. فبخلاف الولايات المتحدة، سعت تركيا بشكل نشيط لإزاحة الأسد من السلطة من خلال منح الدعم للجماعات المسلحة المتعددة في سورية. كما رأت أيضاً، في البداية، أن صعود «داعش» يشكل فرصة محتملة للتخلص من الأسد بسرعة، وفي النزاع السوري ذريعة لاتخاذ إجراءات صارمة ضد «حزب العمال الكردستاني» في الجنوب على طول الحدود السورية. إلا أن سياسة غض النظر التي اتبعتها تركيا في ما يتصل بحدودها مع سورية، والتي سمحت لآلاف المقاتلين الأجانب بالعبور إلى سورية من أوروبا وغيرها للانضمام إلى «داعش» والجماعات الأخرى، وضعت تركيا تحت ضغط من أوروبا، إضافة إلى الولايات المتحدة التي بدأت تعدها عنصراً من العناصر المسببة لعدم الاستقرار. لقد جاءت المبادرة التركية في مراقبة الحدود متأخرة جداً حيث كان «داعش» عندئذ قد أرسى وجوده على التراب التركي وبدأ سلسلة من الهجمات الإرهابية في المدن التركية المختلفة.

انضمت تركيا بصورة مترددة إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش»، مما أدى إلى زيادة مجال نشاط «داعش» على أرضها بدافع الانتقام. بالانضمام إلى التحالف، توقعت تركيا أن تلعب الولايات المتحدة في المقابل دوراً أكثر نشاطاً في دعم رغبة تركيا في تغيير النظام في سورية. لكن هذا لم يحدث.

أكثر من هذا، بدأت الولايات المتحدة دعم القوات الكردية المنتمية لـ «حزب العمال الكردستاني» في سورية (وحدات حماية الشعب) على رغم إدراجها «حزب العمال» كجماعة إرهابية، ووجدت في «وحدات حماية الشعب» شركاء عسكريين يمكن أن يكونوا موضع ثقة على الأرض في المعركة ضد «داعش». كذلك بدأت روسيا إخافة تركيا من خلال الحملة الجوية التي بدأت في أيلول (سبتمبر) 2015، ليس فقط بالاختراقات الدائمة للطائرات المقاتلة الروسية للمجال الجوي التركي، ولكن أيضاً بقصف الجماعات السورية الثائرة المدعومة من تركيا، إضافة إلى إمداد «حزب العمال الكردستاني» بالأسلحة ودعم الأكراد في سورية أيضاً.

شعرت تركيا بالعزلة. فهي أصبحت تحت ضغط روسي، وإلى حد كبير من دون دعم أميركي، وتشهد تحولاً تدريجياً في السياسة الأميركية في سورية إلى موقف أقرب إلى موقف روسيا. كذلك أصبحت مثقلة بتفاقم مشكلة «داعش» على أرضها، من دون أن ترى فرصة لتغيير النظام في سورية، وخشيت إمكانية قيام منطقة كردية مستقلة على حدودها مع استغلال الأكراد السوريين صلاتهم مع الولايات المتحدة وروسيا للمطالبة بالحكم الذاتي. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير محاولة الانقلاب الذي حدث في تركيا في تموز (يوليو) الماضي والذي قابله رد فعل فاتر في الولايات المتحدة وأوروبا.

من بين كل تلك المشاكل، فإن فرصة الحكم الذاتي الكردي خارج منطقة كردستان العراقية هي الخط الأحمر بالنسبة إلى تركيا. وحتى لا يتم عبور هذا الخط الأحمر، عرفت تركيا أن عليها القبول بحل وسط. هذا الحل الوسط يأخذ شكل سورية.

قبل أيام قليلة، أعلن رئيس الوزراء التركي أن تركيا تقبل بقاء الأسد في السلطة خلال فترة انتقالية. وبعد ذلك بأيام قليلة، أرسلت تركيا قوات إلى داخل سورية للسيطرة على بلدة جرابلس الحدودية لمنع مقاتلي «وحدات حماية الشعب» من انتزاعها من «داعش»، إذ أن سيطرتهم عليها كانت ستمكنهم من ربطها بمناطق أخرى تحت السيطرة الكردية في شمال سورية. وفي مجموعة لم يسبق لها مثيل من التحركات، طلبت الولايات المتحدة، إضافة إلى تركيا، أن تتراجع القوات الكردية إلى شرق الفرات، بينما قصف النظام السوري أيضاً الأكراد في الحسكة، بعد أن رأى في زيادة الثقة بالنفس من قبل الأكراد تهديداً لوحدة سورية.

للمرة الأولى في تاريخ النزاع السوري، تتجه الولايات المتحدة وروسيا وتركيا نحو تحقيق درجة من التواؤم في شأن سورية ولو على حساب الأكراد، إضافة إلى العديد من الثوار السوريين المدعومين من جانب الأتراك. وعلى رغم أن هذا يعني أن تركيا لن تجد منطقة كردية مستقلة ذاتياً على عتبتها، فقد كان ثمن هذا عالياً. فالاقتصاد التركي تأثر تأثراً سلبياً، ومن المحتمل أن تستمر النشاطات الإرهابية من قبل «داعش» و»حزب العمال الكردستاني»، كما سيكون على تركيا الإذعان للطلبات الروسية والأميركية الخاصة بسورية، والتي لا يمكن إلا أن تلحق الأذى بالمصداقية السياسية للرئيس أردوغان. قد تتخطى تركيا هذه المرحلة في النهاية، لكن التداعيات المحلية، الاقتصادية والأمنية والسياسية، تستحق وقفة للتفكير.

* كاتبة لبنانية، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» – لندن

الحياة

 

 

 

 

عن تركيا “السورية”!/ علي نون

تقاتل تركيا في سوريا ذوداً عن مصالحها وحفظاً لأمنها القومي.. ثم لاعتبارات كثيرة أوّلها أنّ الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها المحور الأسدي الإيراني في حق الشعب السوري تكفي لإثارة أي بشري فوق هذه المعمورة، فكيف الحال بالجيران وأهل الملّة.. وبالتاريخ والمصالح المتداخلة والمتشابكة والدائمة؟!

ويُفهم في العموم، أن الجغرافيا تتحكّم بالقرارات السياسية لأيّ سلطة في أيّ بلد. فكيف الحال، إذا كانت هذه الجغرافيا تحمل من معظم جهاتها وجنباتها، ما يكفي من مقومات الخطر والقلق والخصام والعداء، وليس العكس، مثلما هو الحال مع المثال التركي؟

وتلك في الإجمال، محاولة لتدارك الشك بالقرار التركي وأصحاب ذلك القرار، إزاء الوضع السوري. ثم للنظر إلى بعض الخطوات المرتقبة انطلاقاً من تصريحات بن علي يلدريم رئيس الحكومة التركية، من زاوية منطقية وباردة. أي لا تحتمل فتح النار والبدء بالردح العدائي، لكنها أيضاً لا تحتمل غضّ النظر عمّا يمكن أن يكون خطيئة لا يمكن بلعها ولا استيعابها ولا التغاضي عنها والبحث عن أسباب تخفيفية لها!

بن علي يلدريم عاد ليتحدّث عن خطوات تقاربية ستتخذ مع دمشق! من ضمن الأجندة الجديدة التي باشرتها أنقرة في الآونة الأخيرة.. أو بالأحرى التي عاودت اعتمادها انطلاقاً من مبدأ «صفر مشاكل» الذي نظّر له كثيراً وطويلاً وزير الخارجية السابق أحمد داوود أوغلو، قبل أن يتعرّض (المبدأ) لانتكاسات كبيرة بدءاً بانفجار الجوار السوري مروراً بأزمة كسر الحصار عن غزّة، مع الإسرائيليين، وصولاً إلى ما تلا إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الأول الماضي، وتدهور العلاقات مع موسكو بطريقة خطيرة!

المهم في تلك المروحة، هو الوضع السوري ولا شيء آخر! مهم للعرب والمسلمين وللسوريين الذين دفعوا كل شيء فداء حريتهم وتوقهم للخروج من دولة المافيا إلى دولة القانون.. وبالتالي، صعب بكل المقاييس، (كلها!) افتراض امكانية أن تعود أنقرة للحديث بتلك اللغة المبهمة والخفرة عن امكانية تعديل موقفها من الأسد والطغمة التي يقودها! وصولاً، إلى إشاعة خبر كبير يقول إن موسكو تحضّر لاستقبال لقاء يجمع رجب طيب أردوغان مع الأسد في حضور زعيم الكرملين!

في بعض الحالات، يكون حجم الكذبة هو السبب في عدم تصديقها! وقد يكون خبر القمّة من ذلك النوع، لكن ذلك لا يقلّل من حقيقة أن هذا الخبر صار يمكن إطلاقه ونشره في ضوء ما قاله ويقوله بن علي يلدريم!، كما في ضوء الإشاعات الكثيرة التي تحكي عن لقاءات جمعت مسؤولين من الطرفَين، في بغداد وغير بغداد (؟!) وبالتالي، فإن السياق العام لكل ذلك المسار، صار حمّال أوجه ولم يعد حاسماً ويقينياً كما كان من قبل!

ومرّة جديدة، تبدو أنقرة مُطالَبة بتوضيح ما يجري! وعدم الاكتفاء برمي أخبار ناقصة وغامضة من نوع الإصرار على «رحيل» الأسد، لكن مع قبول بقائه في «مرحلة انتقالية»! أو من نوع الشروع ميدانياً في عملية كبيرة في الشمال السوري تستند إلى قوّة «الجيش السوري الحر».

يَفهم كل المعنيين بالنزاع المصيري القائم في سوريا، أن تركيا تبدو مضطرة إلى تعديل بعض مواقفها بما يتناسب ويتلاءم مع الذكاء الطبيعي، كما مع أحكام المصالح العليا للدولة التركية وناسها! لكن يصحّ (بتواضع جمّ!) تذكير صاحب القرار التركي، بأن بشار الأسد ما عاد قادراً على ضمان أي شيء! ولا حتى على ضمان أمنه في معقله الدمشقي من دون «رعاية» إيران وأدواتها وحماية روسيا وطيرانها وأجهزتها! وبالتالي، لا ضرورة لمسرحة الانفتاح وتضخيم أشكاله، مثلما لم تكن هناك حاجة قبل الآن لتكبير الكلام المضادّ طالما أن الفعل لم يكن موازياً لذلك الكلام!

.. لا ضرورة لأن يشمت بشار الأسد ومحوره، لا بالشعب السوري ولا بمَن وثق بالأتراك وسياساتهم ونجاحهم وتجربتهم وصلابة موقفهم!!

المستقبل

 

 

 

ضربة أردوغان للأسد/ عبد الكريم أبو النصر

“الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واقعي ومرن، عندما يتعلق الأمر بمصالحه الذاتية أو الوطنية وهو مستعد ضمن هذا النطاق لإعادة النظر في حساباته ولتصحيح قرارات اتخذها سابقاً. وأثبت ذلك حين أنهى أخيراً الخلافات مع روسيا واسرائيل واتفق مع هاتين الدولتين على فتح صفحة جديدة وعلى اتخاذ اجراءات محددة من أجل تحسين العلاقات معهما. وتوقّع البعض ان يطبق أردوغان هذه السياسة الانفتاحية مع النظام السوري وسرّب حلفاء دمشق توقعات في هذا الشأن تفيد أن المصالحة مع روسيا ستدفع الرئيس التركي الى الانفتاح على الرئيس بشار الأسد وان موسكو ستضغط في هذا الاتجاه وان أردوغان سيوقف الدعم لقوى المعارضة السورية ويغلق الحدود أمام نشاطاتها. ولكن حدث العكس تماماً وأظهرت التطورات الأخيرة أن توقعات حلفاء دمشق مجرّد تمنيات وأوهام ومردها الى حسابات خاطئة وتعكس خصوصاً حاجة النظام السوري الى الخروج من المأزق الكبير الذي يواجهه مع حلفائه”. هذا ما أوضحه لنا مسؤول أوروبي في باريس معني بالملف السوري ووثيق الاطلاع على الدور التركي في المنطقة وعلى التطورات الاخيرة.

وقال: “لقد خرج أردوغان أقوى وأكثر قدرة على استخدام الجيش التركي في سوريا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة, وهو يرى أن الواقعية في التعامل مع الأزمة السورية تتطلب التمسّك بضرورة رحيل الأسد عن السلطة، وتقاربه مع روسيا لن يبدّل موقفه هذا الذي يتفهمه الرئيس فلاديمير بوتين. فبالنسبة الى أردوغان، ليس الأسد مفتاح الحل بل هو المصدر الأساسي للمشكلة والعقبة الرئيسية أمام الحل والسلام وهو ا لمسؤول عن مقتل 600 ألف سوري استناداً الى ما قاله الرئيس التركي في مؤتمره الصحافي مع نائب الرئيس الأميركي جو بايدن”. ونقل المسؤول الأوروبي عن أردوغان قوله للمسؤولين الروس والأميركيين: “أنا أعرف الأسد أكثر من أي شخص آخر فهو مستعد لمواصلة الحرب حتى النهاية والانفتاح عليه لن يجدي نفعاً ويستحيل التوصل معه الى تفاهم سياسي استناداً الى القرارات والتفاهمات الدولية التي تنص على ضرورة تفاوض النظام مع المعارضة السورية الشرعية المعتدلة من أجل ضمان انتقال السلطة الى نظام جديد تعددي. فالأسد يرفض تماماً هذه القرارات والتفاهمات الدولية ويتمسّك ببقاء نظامه وبمواصلة الحرب الكارثية وهي حرب ليس ممكناً أن يربحها وأن يحكم سوريا مجدداً. وأي عملية تفاوضية جدية يجب أن تبدأ بعد ضمان رحيل الأسد أولاً عن السلطة. وقد اقترح أردوغان في اتصالاته مع الروس والايرانيين وجهات أخرى “حلاً واقعياً” للأزمة السورية يرتكز على أساس ضمان رحيل الأسد عن السلطة واختيار بديل منه موقت ومقبول لدى الجميع وان تتعاون روسيا واميركا وتركيا وايران والسعودية وقطر من أجل تنفيذ هذه الخطوة والعمل معاً لتحقيق الانتقال السياسي الى نظام جديد يضمن المصالح والمطالب المشروعة لكل مكونات الشعب السوري”. وتحدث أردوغان علناً عن ضرورة رحيل الأسد عن السلطة أولاً في مقابلة مع صحيفة “الموند” الفرنسية وايده في هذا الموقف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مقابلة مع صحيفة عربية بعد القمة الروسية – التركية اذ دعا الى رحيل الأسد فوراً عن السلطة”.

ولاحظ المسؤول الأوروبي أنه “ضمن هذه المواقف والاقتناعات الواضحة والمحددة التي يتمسك بها أردوغان في كل اتصالاته حدث عكس ما راهن عليه حلفاء دمشق اذ أن أردوغان حقق تحولاً في مسار النزاع السوري ليس لمصلحة التقارب مع الأسد بل لمصلحة تعزيز دور المعارضة السورية اذ أن القيادة التركية نفذت في شمال سوريا عملية عسكرية برية واسعة النطاق هي الأولى من نوعها ضد تنظيم “داعش” والمقاتلين الأكراد المعادين لها بالتعاون العلني مع “الجيش السوري الحر” العدو الرئيسي للأسد ومع المعارضة عموماً وبدعم أميركي مباشر ورسمي تمهيداً لقيام منطقة محررة من الارهابيين تحت حماية تركيا وقوى المعارضة المعتدلة الأمر الذي يشكل ضربة كبيرة للنظام السوري العاجز عن التصدي لهذه التحركات التركية”.

وخلص المسؤول الأوروبي الى القول: “لقد بقي النظام السوري خارج هذه المعادلة الجديدة التي فرضها أردوغان في شمال سوريا بالتعاون مع المعارضة وبدعم أميركي. وفي المقابل يحاول الأسد مع حلفائه الخروج من المازق الكبير الذي أوقع نفسه ونظامه وبلده وشعبه فيه ولكن من غير جدوى”.

الحياة

 

 

 

 

التدخل التركي وصِلَته برضوض التاريخ/ حسن شامي

جرابلس ليست مرج دابق. قد يبدو بديهياً هذا التشخيص الإنكاري لأي تطابق أو حتى تشابه بين حدثين متباعدين من كل النواحي والوجوه. صحيح أن الموقعين متقاربان جغرافياً، إذ بضعة كيلومترات فقط تفصل بين مدينة جرابلس السورية الحدودية وبين الموقع الذي انطلقت منه القوات العثمانية، قبل خمسمئة سنة بالضبط، لتدشين حقبة طويلة من السيطرة العثمانية على مصر وبلاد الشام وما يعرف منذ وقت قريب بالمشرق العربي.

لقد لمّح بعض متابعي واقعة التوغل التركي، المكشوف والجهري هذه المرة، داخل الأراضي السورية، إلى حـــصول التـــوغل بعـــشـرات الــــدبــــابــات والآلــــيـات، وبـــتـــغطية جوية من قوات التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة الولايات المتحدة، في الذكرى المئوية الخامسة لمعركة مرج دابق العتيدة. وانطوى التلميح على اعتقاد بصعوبة أن يكون هذا التطابق محض مصادفة. إذ من المستبعد بالفعل أن يكون هذا التطابق قد غاب عن بال قادة تركيا الأردوغانية الساعين، من فوق الماضي الأتاتوركي القريب، إلى ما هو أكثر، أيديولوجياً في الأقل، من تصالح الأمة التركية وجمهوريتها العلمانية الحديثة مع ماضيها وتاريخها الإسلاميين في نسختهما وسرديتهما العثمانية: استعادة المكانة التاريخية واستئناف ملحمة التأسيس.

هذا التلميح يظل إذاً حمّال أوجه. ولكن يسعنا، وإن بقدر من الاختزال، أن نتوقف عند وجهين متعارضين للتدخل العسكري التركي لتطهير جرابلس السورية من المجموعات الموصوفة بالإرهابية. فهو يظهر في بيئات المرحبين بالتدخل المباشر في صورة وعد «شرعي» بالفتح المبين الذي سيضع حداً لفوضى العصابات المملوكية الكثيرة وبتثبيت قواعد أصلب لنظام جديد. في هذه البيئات وفصائلها المسلحة، مثل السلطان مراد وجماعة نور الدين زنكي، لا تعود سلبية صورة «السلطان» العثماني المنسوبة، في زمن السيولة والاستسهال الإعلاميين، إلى رجب طيب أردوغان. في المقابل، يظهر التدخل التركي، في بيئات المنددين به أو المشككين في صدقية ادعاءاته ونواياه، في صورة اجتياح توسعي ثقيل الوطأة والوصاية مثله مثل التاريخ العثماني كله، أي أنه قاتل للوطنيات الناشئة، أكانت كردية أم عربية أم سورية قطرية ومحلية.

يتبدى، في كلا الحالين، مدى صعوبة مقاربة الحقبة العثمانية في منظار تاريخي وكموضوع مستقل ومتمايز عن أهواء الأيديولوجيات الحديثة القومية منها والفئوية الضيقة.

التشديد على هذه المسألة ضروري لأنه يقلص فرص الوقوع في المغالطات التاريخية الشائعة، كما يلجم نزعة الخلط بين أزمنة ما قبل الوطنيات الحديثة واكتساب الجنسيات والقوميات صفات سياسية طارئة وبين زمننا هذا، زمن انهيار الأطر الوطنية الموروثة عن كيانات سايكس – بيكو وحقبة الاستقلال اللاحق، وهو أيضاً زمن جموح الجماعات العرقية والمذهبية والجهوية إلى الاستيلاء كعصبيات هائجة على معنى السياسة.

هناك بالطبع من يرفض عن حق هذا التبسيط المانوي للعلاقة التاريخية المركّبة والمديدة بين جماعات المشرق والدولة العلية، على اضطراب هذه العلاقة وتقلبات أحوالها وأوصافها. وإذا كان من السهل أن نرى في صفة السلطان الملصقة إعلامياً بأردوغان ضرباً من الإثارة الدعوية السهلة والرخيصة، فإن العقدة لا تكمن في المطابقة بين الرئيس التركي الحالي والسلطان سليم، بل تكمن في معرفة من هو اليوم قانصو الغوري الذي هزمه السلطان العثماني قبل خمسة قرون. هل هو تنظيم «داعش» أم نظام بشار الأسد أم حزب الاتحاد الديموقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني ومعه وحدات حماية الشعب وقوات سورية الديموقراطية ذات الغالبية الكردية؟ قد يكون هؤلاء كلهم وفق البعض.

جرابلس ليست مرج دابق. يرى كثيرون أن هذا بديهي وأنه من أبسط مستلزمات الحس السليم، إذ لا يعقل أن تكون القرون الخمسة الحافلة بما لا يحصى من التبدلات ومن جريان مياه كثيرة تحت جسورها مجرد اجترار لماض لا يمضي. على النحو ذاته، قيل في بدايات الربيع العربي وانتقال شرارته من بلد إلى بلد، إن سورية ليست ليبيا وهلم جرا. وقد صدر هذا التشخيص الإجمالي عن مواقع متعارضة، فقد صرح بذلك بشار الأسد من جهة والمتحمسون للتدخل الخارجي في أوساط المعارضة من جهة مقابلة. لكن ماذا لو أخضعنا هذه البديهية للفحص والتساؤل؟ وليس المقصود بذلك موافقة هواة الزمن المصمت الشاخصين بعناد نحو فترة ذهبية تحققت فيها هوية المجتمع الإسلامي مرة واحدة وإلى الأبد بحيث ينبغي الرقص الهذياني والقيامي حولها كي تطهّر الحاضر من ماهيته النجسة. وليس المقصود أيضاً موافقة دعاة القطيعة، على اختلاف قراءاتهم وتنوع مشاربهم، مع الماضي العثماني باعتباره شراً مطلقاً وسجناً قاسياً أعاق التقدم والتنمية وينبغي الخروج منه وعليه وحرقه بالكامل. فالقراءتان، الماضوية المتزمتة والمكابرة والمستقبلية البلهاء، تصادران التاريخ لجعله على قياس الفئة أو العصبية المتسلطة. وبينهما وعلى أطرافهما تزدهر تعبيرات الحقد والضغينة والثأر كما يزدهر الوعي الشقي.

القراءتان هاتان تطمحان إلى إزالة الرموز والرسوم التي تشي بالتركيب والتفاوت والاختلاف وتحتفظان بالرضوض العميقة التي تتناقلها الذاكرة الجماعية. تشكيكنا بالبديهية المذكورة يرمي إلى النظر في البنى العميقة لمجتمعات المنطقة وفي الظواهر الطويلة الأمد والعصية على التغيّر. فتعبيرات هذه الظواهر المتعلقة بالسلوك الذهني وبأشكال الحاجة إلى التديّن والعبادة وموقع العلاقة القرابية أو المذهبية أو الإتنية في طريقة بناء السلطة أو رفضها وإدارة الثروة الوطنية…، بقيت على هامش الحياة السياسية من طريق الكتم والتستر حيناً ومن طريق إخراجها في صورة فولكلورية حيناً آخر.

من الواضح أن التوغل التركي المسبوق باستدارات أردوغانية لافتة وبانقلاب فاشل لا يعدم الصلة باعتبارات تتعدى الحسابات الظرفية. فازدهار الحديث عن رسم خرائط جديدة بسبب موت الكيانات الموروثة عن الحرب الأولى، خصوصاً مع تمدد «داعش» على إقليم يربط سورية والعراق، وبسبب تصدّع الوطنيات المعهودة، افترض أن تركيا خارج اللعبة. والحال أن اشتباك لاعبي العالم كله تقريباً في سورية المحطمة أيقظ شياطين عصبيات تركية مختلفة بقيت تتلجلج تحت القشرة السميكة للدولة الأتاتوركية وعسكرها. وفي قلب هذا التلجلج نجد المشكلة أو المسألة الكردية. تحت غطاء دعم مسلحي المعارضة المعتدلة لتطهير الحدود السورية – التركية من «داعش»، يسعى التدخل التركي إلى منع قيام إقليم كردي متصل. وقد يرضخ هؤلاء. لكن المعضلة باقية.

الحياة

 

 

 

 

عن الهزائم المظفّرة في سورية/ محمد هاني

لمناسبة بدء العملية العسكرية التركية في سورية، استُدعيت من دفاتر التاريخ معركة «مرج دابق» التي تزامنت ذكراها الخمسمئة مع انطلاق التوغل. وتوخّت الاستدعاءات هدفين متقابلين، فإما التحذير من هجمة تركية تقضم من الأرض العربية، أو التبشير بتحرك قواتها لنصرة المعارضة.

بيد أن الإسقاطات التاريخية، على غوايتها المفهومة، تُغفِل تبدّل الزمن واللاعبين ومواقعهم وقدراتهم. ولئن كانت «مرج دابق» مفتتحاً آنذاك لسيطرة إمبراطورية العثمانيين الفتيّة على سورية، ثم مد نفوذها جنوباً إلى مصر، فإن «درع الفرات» تبدو خاتمة لرهان رافق بدايات الانتفاضات العربية على تمدد «العثمانيين الجدد» الذين باتوا مُثخنين بفعل سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتبعات الانقلاب الفاشل.

خلْف عنواني مواجهة «داعش» و «صون وحدة الأراضي السورية» اللذين رفعهما التدخل التركي، يكمن قلق عميق لا يخفى على أحد من التوسع الكردي غرب نهر الفرات، ضمن «قوات سورية الديموقراطية» التي ركز عليها أمس قصف الطيران التركي، وقبله المدفعية، بعد إزاحة سريعة غير مكلفة لـ «داعش» من جرابلس.

لا يصلح القلق وحده قاطرة لمشاريع التوسع، كما لا يسمح بقلب دراماتيكي للتوازنات الهشة التي خلقته، خصوصاً في ظل التفاهمات التي سبقت التدخل مع موسكو وطهران. وعوضاً عن مد النفوذ، تبدو غاية أمل التدخل الجديد وقف تطويق «وحدات حماية الشعب» قطاعاً حيوياً من حدود تركيا مع سورية بشريط كردي يصل بين عين العرب وعفرين.

وفي هذا السياق، يتكاثر الحديث عن خطوط مفتوحة بين أنقرة ودمشق وكذلك التوقعات بإحياء اتفاق أضنة بينهما ضد «حزب العمال الكردستاني»، بعدما أعيد تنشيطه على الأرض عملياً في الحسكة وفي محيط جرابلس، فيما تشكو قيادة المعارضة السورية المشاركة قواتها في «درع الفرات» من أن تركيا لا تضعها في صورة الهدف الأكبر من العملية.

تقلصت أحلام التمدد الكبيرة لدى «العثمانيين الجدد» من تشكيل سورية جديدة على صورة خيالاتهم الإقليمية، إلى وقف تمدد في الاتجاه المعاكس للحرب السورية إلى الداخل التركي، لن يكون تفجير غازي عنتاب الذي ذكره أردوغان ضمن مبررات التوغل، آخر أماراته. وبهذا المعنى، تبدو المكاسب الميدانية التي تحققها العملية أشبه بهزيمة مظفّرة.

لا يمكن أيضاً أن يتبجح الرئيس السوري بشار الأسد بانتصار. صحيح أنه اشترى الكثير من الوقت عبر الرهان على العزوف الأميركي عن التدخل في المنطقة، ولعب على التوازنات الإقليمية التي يجيد قراءتها. كما خدمته التطورات التي شغلت الخصم التركي عنه بأزماته الداخلية، وفتحت باب القبول بدور «انتقالي» له في مستقبل سورية. لكن المحصلة أن مصيره بات بيد الكرملين ومن بعده «الحرس الثوري» الذي يقود جنرالاته المعركة على أرض مدمرة تشرد نصف شعبها. أي انتصار هذا الذي يأتي به حصار إجرامي لداريا استمر أربع سنوات، لترتيب الأوضاع على بعد بضعة كيلومترات من قصره؟ إنها هزيمة مظفرة أخرى.

خسر العرب كذلك حين تخلوا لتركيا عن إدارة الأزمة في سورية. وهو ما ستتضح فداحته مع تباعد الأولويات وتزايد تنسيق أنقرة وموسكو، وصولاً إلى الاحتكار التركي المتوقع لتمثيل المعارضة على مائدة التسوية، بقوة الوجود الميداني.

وقد تكون إيران ثبتت الأسد، لكنها اضطرت إلى تسليم قيادة معسكره إلى موسكو. وفتحت للطائرات الروسية أراضيها لقصف سورية، ما قوبل بغضب في طهران. وحتى موسكو ليست أفضل حالاً، وإن بدت موقتاً أكبر الرابحين، فلا يعقل ألا يعتريها قلق كبير من فواتير الإقامة الطويلة التي تستعد لها في حميميم، وهي تتفاوض مع واشنطن على وراثة المنطقة.

لا منتصرين في سورية هذا الأسبوع. فقط أطراف مُثخنة تحصي هزائم مظفرة.

الحياة

 

 

 

 

معركة تركيا في سوريا/ عبد الرحمن الراشد 

هناك أعداء كثر لكن في نظر الأتراك العدو الأول هم الأكراد الأتراك الانفصاليون، وكذلك الأكراد السوريون المتحالفون معهم. وللتذكير، فالأكراد، مثل العرب، شعوب مختلفة منتشرون في تركيا وسوريا والعراق وإيران. وسبق للقوات التركية أن دخلت العراق مرات، ولاحقت الجماعات الكردية التركية العابرة للحدود.

«العدو الأول» صار خطرًا بشكل مفاجئ خلال أشهر قليلة، عندما تمددت الفصائل الكردية السورية على مساحة شاسعة تقدرها التقارير الصحافية بنحو ستمائة كيلومتر من شمال سوريا بمحاذاة تركيا. والسر أن أكراد سوريا، رغم ميولهم اليسارية، تطوعوا ليكونوا رأس حربة في حرب التحالف ضد «داعش»، بدعم لوجيستي ضخم واستخباراتي أميركي مكنهم من التوسع. بالنسبة لكل الأطراف؛ الأتراك والإيرانيين والنظام السوري والمعارضة السورية والروس، لم يعارضوا تقوية الأكراد ما دام الهدف «داعش» فقط، إلا أن الأكراد خرجوا على التفاهمات واستولوا على مدن ومناطق كاملة ما بين نهري دجلة والفرات. لم يكتفوا بمقاتلة «داعش» بل قاموا بتفريغ مناطق كاملة من سكانها! ونتيجة لاكتساحهم الواسع صاروا في مواجهات متعددة، مع قوات تركية و«داعشية»، وحتى قوات الأسد.

الأتراك استشعروا الخطر مما فعلته وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني. رأوْا فيه مشروع دولة على حدودهم ويهدد وحدة بلادهم، فقرروا إعلان الحرب داخل سوريا لأول مرة منذ بداية الأزمة قبل خمس سنوات.

ولا يمكن أن تخطئ العين التهديدات التي تمثلها الحرب في سوريا على كل الدول التي لها حدود معها، وأولها تركيا الأطول حدودًا والأكثر تشابكًا، ثم العراق الذي فقد منذ زمن بعيد السيطرة على حدوده ونحو ثلث أراضيه لـ«داعش»، والأردن الذي قام بالسيطرة الكاملة لكن بعد أن عبر إليه مليون لاجئ، ونشبت معارك هائلة بجواره في محافظة درعا السورية. وهناك قوات إيرانية وميليشيات «حزب الله» تتمركز في مواجهة الجيش السوري الحر المتمركز شمال الأردن داخل الأراضي السورية.

رأى الأتراك في توسع الأكراد تهديدًا لوحدة بلادهم فدخلوا سوريا، يطاردون الميليشيات الكردية، وقوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، سحبت الغطاء عنها ضمن تفاهمات مبررة.

انتصار الجيش التركي السريع في جرابلس وغيرها قد يُختتم باتفاق يقيد أكراد سوريا وينهي مشروع بناء إقليم مشابه لإقليم كردستان في شمال العراق شبه المستقل منذ عام 1990. بالنسبة للأسد وتركيا، ورغم العداوة بين النظامين، يتفقان على رفض إقامة أي كيان كردي في تلك المناطق. فحكومة أنقرة تعتبره مشروعًا لزعزعة أراضيها لأن الإقليم الكردي السوري الجديد يبنى على حدودها الجنوبية، وسيكون حديقة خلفية للحركة الكردية التركية الانفصالية. والأمر كذلك بالنسبة لنظام الأسد الذي يخشى أن يكون الكيان الكردي حصان طروادة لقوات التحالف لهندسة مشروع التغيير في سوريا، كما فعل الكيان الكردي العراقي وشارك في إسقاط نظام صدام حسين في العراق.

وفي رأيي أنه كان بإمكان تركيا مبكرًا، ومنذ سنوات الحرب الأولى، تأمين حدودها بل ومد نفوذها إلى محافظة كبيرة مثل حلب المجاورة ثم التأثير على نتيجة النزاع، إلا أن أنقرة يبدو أنها رغبت في عدم إرباك المشهد بالتدخل المباشر مما زاد من الأخطار عليها اليوم. على أية حال، يفترض أن نضع في الحسبان العوائق المحتملة التي ربما أثرت على قرارات أنقرة، فهي ملتزمة بقواعد الاشتباك التي تفرضها اتفاقات الدفاع ضمن حلف الناتو، فدخول أي دولة عضو في حرب دون موافقة الحلف لا يلزمه بالدفاع عنها، إضافة إلى مخاطر خرق القوانين الدولية المنظمة للنزاعات واعتبارات السيادة.

هل تستطيع تركيا، بدخولها عسكريًا في سوريا، أن تحوله إلى عملية سياسية تشجع الأطراف المختلفة على الحل السياسي وإنهاء الحرب؟ ستكون لاعبًا أقوى من السابق، لكن أستبعد تعاون إيران وروسيا، اللتين لا تشعران بعد بضرورة إقصاء الأسد.

أي حل يبقي على الأسد سينفخ في نار الحرب ولو أجمع السياسيون عليه. فالأسد، على الأرض، بلا جيش ولا قوات أمن، التي كانت وراء بقائه في الماضي حاكمًا بالقوة. حاليًا بلا قوة تتبعه. فجيشه البري الذي يحارب عنه هو قوات إيرانية وميليشيات «حزب الله» وأخرى عراقية، وقوته الجوية هي روسية تقوم بالحرب نيابة عنه. وحتى لو رضخت قيادات المعارضة السورية لحل الأسد رئيسًا، فإن المقاتلين سيتمردون على قادتهم، لأن حجم العداء، بعد نصف مليون قتيل، لا يمكن أن يفرض رغمًا عنهم حلاً يوقع في فنادق سويسرا.

الشرق الأوسط

 

 

 

“درع الفرات” والاستحقاق الرئاسي/ علي حماده

يشكل دخول الجيش التركي الأراضي السورية للمرة الاولى منذ بدء الثورة السورية، في مهمة عسكرية سميت “درع الفرات”، تحولا كبيرا في المشهد السوري لا يقل أهمية في نتائجه القريبة والبعيدة عن التدخل الروسي قبل نحو عام، وبالطبع لا يقل أهمية بنتائجه عن التدخل الايراني الواسع عبر الميليشيات المذهبية (الافغان، الباكستانيون، العراقيون واللبنانيون) وقطعات “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري”. ومن يراقب ظروف التدخل التركي الذي حقق في ساعاته الاولى مكاسب سريعة بانتزاع مدينة جرابلس الحدودية من سيطرة تنظيم “داعش”، مقدمة للتوغل أكثر في الاراضي السورية، لا بد أن يلحظ أن تركيا تمكنت، أقله الى الآن، من تأمين “غطاء” دولي لعمليتها العسكرية، من الولايات المتحدة التي شاركت في العمليات الجوية ضمن “التحالف الدولي”، ومن روسيا التي، وان تكن منطقة العمليات الروسية بعيدة عن مسرح التدخل التركي، لم تبد معارضة شديدة ولا حاولت منع تركيا من القيام بالعملية! أما نظام بشار الاسد فقد اكتفى بإصدار موقف معارض لفظيا، مع افتقاره التام الى أي قدرة على فعل أي شيء!

التحول الكبير يكمن في تمكّن تركيا بعد أزمة محاولة الانقلاب في ١٥ تموز الفائت، من تأمين تقاطع بين موقفها وكل من روسيا والولايات المتحدة، ولا سيما بعد مفارقة المصالحة مع روسيا في مقابل التقارب مع روسيا، وتحديدا مع توسع نطاق سيطرة الميليشيات الكردية بفصائلها الاساسية على أراض غرب نهر الفرات، بما يهدد بتحقيق تواصل جغرافي مع مدينة عفرين غربا. هذا التطور لم يكن أمام تركيا إلا أن تعتبره تهديدا مباشرا لامنها القومي، ولوحدة التراب التركي. ومعنى هذا أن تركيا الرافضة تهديد وحدتها، مستعدة لدخول الحرب منعا لنشوء إقليم كردي في الشمال السوري، لعلمها أن الأمر، إذا تمّ، فإنه سيشكل مقدمة لتفتيت تركيا في مرحلة لاحقة.

لم يكن في وسع تركيا تأمين غطاء روسي – اميركي لعمليتها إلا بدفع ثمن لكل من الطرفين: لروسيا عبر التراجع عن شرط إزاحة بشار الاسد لأي حل في سوريا، ولاميركا عبر البدء بخفض مستوى التوتر في العلاقات الثنائية، بوضع ضوابط لعملياتها العسكرية، فلا تقضي على الميليشيات الكردية التي ترعاها واشنطن، والعودة الى “حظيرة” التحالف الدولي لقتال “داعش”. وفي النهاية فإن عملية “درع الفرات” لا تزال في ساعاتها الاولى، وتمثل الترجمة الاولى لتحول السياسة التركية في مرحلة ما بعد محاولة الانقلاب، ولا سيما بعدما جرى حجر العمليات العسكرية في الشمال في نطاق الكر والفر، منذ قمة سان بطرسبرج الاخيرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان.

وسط التحولات المشار اليها آنفا، ماذا عن لبنان؟ يمكن القول ان الاستحقاق الرئاسي الذي يحلو للبعض هنا تصديق “كذبة” لبننته، هو اليوم أكثر من أي وقت استحقاق إقليمي: هنا تقل أهمية التبجح مرة بالزعامة، ومرة أخرى بالتمثيل الشعبي، ومرة ثالثة بـ”البوانتاج” في مجلس النواب. فالرئاسة في لبنان تبدو أكثر من أي وقت استحقاقا اقليميا من الصعب لبننته اليوم!

النهار

 

 

 

 

هنا افترق اردوغان وأوباما/ سميح صعب

وضع التوغل التركي البري في شمال سوريا وما تلاه من اشتباك مع “وحدات حماية الشعب” الكردية الولايات المتحدة في موقف صعب. فالطرفان المعنيان حليفان لها، وأي إنحياز الى هذا الطرف أو ذاك مكلف سياسياً وعسكرياً. وإذا كانت الضغوط الاميركية أفضت الى هدنة الامر الواقع، فإن من الصعوبة بمكان التوفيق بين ما يطالب به أكراد سوريا والغاية التي أطلق من أجلها الرئيس التركي عملية “درع الفرات”.

وليس مستغرباً ما أوردته صحيفة “الوول ستريت جورنال” من ان أميركا فوجئت فعلاً بالتوغل التركي البري في هذه اللحظة بالذات التي كانت فيها “وحدات حماية الشعب” التي تؤلف العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديموقراطية” تنجز المطلوب منها أميركياً على صعيد الهجوم على “داعش” وخصوصاً بعد طرد التنظيم الجهادي من منبج. ولعل ما لم تدركه أميركا هو أن نجاح المقاتلين الاكراد في منبج وتطلعهم الى جرابلس لم يتركا أمام اردوغان إلا أن يسبقهم الى هناك.

وعندما دعت الولايات المتحدة تركيا قبل عام للدخول براً الى شمال سوريا لقتال “داعش” تلكأ اردوغان واختلق الاعذار حتى بات مثل هذا الدخول مستحيلاً بعد التوتر مع موسكو اثر اسقاط مقاتلة تركية قاذفة روسية على الحدود السورية – التركية في تشرين الثاني من العام الماضي. وقد دفع ذلك واشنطن الى الاتكاء على “وحدات حماية الشعب” شريكاً برياً في الحرب على “داعش”.

لكن تزايد الدعم الاميركي للمقاتلين الاكراد السوريين وتوسعهم على نطاق جغرافي – سياسي ربما حملا أردوغان على “ابتلاع كبريائه”، على حد تعبير موقع “الدايلي بيست” الاميركي، والذهاب الى روسيا لابداء الأسف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأنه بدا في سباق مع الوقت من أجل قطع الطريق على دولة كردية سورية على طول الشريط الحدودي لجنوب تركيا.

ولأن واشنطن تدرك أن الدخول التركي البري لن يكون محصوراً بـ”داعش” فقط وحده، فإن موقفها زاد صعوبة في مهمة التوفيق بين أنقرة وأكراد سوريا، لأن الانزلاق الى حرب صريحة بين الجانبين سيدخل الحرب السورية في مرحلة جديدة ويترك الكثير من الانعكاسات السلبية على حرب أميركا على “داعش” وعلى الضغوط الاميركية لاستنزاف النظام السوري من جهة أخرى.

وما يهم واشنطن في هذه اللحظة هو عدم نشوء إصطفافات جديدة في سوريا من شأنها تعقيد الحرب على “داعش” أو حصول تطورات تريح النظام في دمشق، خصوصاً أن اسئلة كثيرة بدأت تطرح عما اذا كانت ثمة علاقة بين ما يحصل في الشمال السوري وما حصل في داريا والمعضمية ومضايا قرب دمشق وحي الوعر في حمص في الايام الاخيرة، وهل كان انفجار الوضع في حماه اعتراضاً من طرف ما على ما يعتبره صفقة تجري بمعزل عنه؟

النهار

 

 

 

التدخل التركي يخلط الأوراق في سوريا: هل باعت واشنطن الأكراد لتظفر بالحليف التركي؟/ سهام أشطو

بدأت تركيا تدخلا عسكريا شمال سوريا ضد داعش والأكراد السوريين لتخلط الأوراق في سوريا من جديد. ويثير التصعيد الحالي بين الأكراد وتركيا قلق الأمريكيين، فكيف تتفاعل واشنطن مع عملية حليفتها تركيا ضد شركائها الأكراد؟ سهام أشطو تستطلع آراء الخبراء حول تداعيات التحول الجديد في السياسة التركية تجاه سوريا.

يدخل الصراع السوري منعطفا جديدا بحسب الخبراء بعد التدخل التركي العسكري في شمال سوريا، الذي يهدف بحسب أنقرة إلى قتال تنظيم داعش ووقف تقدم الأكراد السوريين نحو حدودها. التدخل التركي يخلط الأوراق لدرجة أن البعض يرى فيه نقطة تحول في الصراع السوري، شبيهة بتلك التي خلفها التدخل الروسي في سوريا قبل حوالي عام.

ويأتي التدخل التركي بعد خمسة أسابيع من محاولة الانقلاب الفاشلة التي عرفتها تركيا ومطالب أنقرة المتكررة لواشنطن بتسليم الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه الأتراك بتدبير الانقلاب، وسط أجواء من التوتر والفتور تسود العلاقات الأمريكية التركية.

ويثير التدخل العسكري التركي مخاوف من تفجير صراعات جديدة في صفوف ما يسمى المعارضة السورية المعتدلة بعد بدء مواجهات بين المعارضة المدعومة من تركيا المتثملة في الجيش الحر، وقوات سوريا الديمقراطية متمثلة بالقوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.

وإن توفقت الدبلوماسية الأمريكية منذ أشهر في خلق توازن بين تحالفها مع أنقرة ودعمها العسكري للأكراد السوريين في مواجهة الإرهابيين، فماذا سيتغير بعد الخطوة العسكرية التركية؟ هل تغير الإدارة الأمريكية دورها وأولوياتها على ضوء المتغيرات الأخيرة؟

ضوء أخضر أمريكي

أرسلت أنقرة دباباتها إلى داخل سوريا في إطار ما أطلق عليه عملية “درع الفرات”، تزامنا مع زيارة المصالحة التي قام بها نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لتركيا.

ورغم فتور العلاقات في الأشهر الأخيرة، لم تكف واشنطن عن الإشادة ب”التحالف” و”الصداقة” بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي الناتو، والمشاركين مبدئيا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. وأطلقت تركيا قذائف مساء الخميس على المقاتلين الأكراد، غداة سيطرة مقاتلي فصائل معارضة سورية مدعومة منها على مدينة جرابلس، التي انسحب منها تنظيم “الدولة الإسلامية”.

نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في أنقرة

“تركيا ترددت طويلا للدخول مباشرة في الحرب الدائرة رحاها في البلد الجار سوريا. صحيح أن أنقرة كانت لها دوما أيادي في اللعبة ودعمت مثلا بعض المجموعات التي تتطلع إلى الإطاحة بالحاكم السوري الأسد. والجيش التركي حذر دوما القيادة المدنية في أنقرة من تدخل عسكري مباشر. وإذا حصل ذلك الآن، فذلك يعود لسببين: الإرهاب الذي يزرعه تنظيم “داعش” في تركيا والضرورة لتفادي إقامة ممر كردي خلف حدودها”

ورغم ما تناقلته وسائل الإعلام بخصوص أن التدخل التركي جاء ليضع واشنطن أمام الواقع نقلا عن مسئولين أتراك صرحوا بأن إردوغان أراد أن يظهر أنه بإمكانه التحرك عسكريا بمعزل عن التحالف، إلا أن عددا من الخبراء يرون أن العملية التركية جاءت بمباركة أمريكية.

ويقول سمير صالحة، الخبير في القانون الدولي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوجالي التركية، إن انطلاق العملية التركية في نفس يوم زيارة بايدن ليس بالصدفة، وهذا يدل على وجود تشاور على الأقل بين الطرفين بخصوص التدخل ويضيف صالحة أن “أكبر دليل على ذلك هو أن القوات الأمريكية شاركت في الضربات التركية الجوية التي استهدفت مواقع لتنظيم داعش في جرابلس”.

لكن واشنطن أرسلت الاثنين إشارات لأنقرة لكبح اندفاعها نحو أهداف كردية، حيث أعربت (واشنطن) عن “قلقها الشديد” إزاء المعارك بين الجيش التركي والمقاتلين المدعومين من الاكراد في شمال سوريا واعتبرتها “غير مقبولة”، وفق ما أعلن مسئول أمريكي رفيع المستوى. وكتب بريت ماكغورك الموفد الخاص للبيت الأبيض لدى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” نقلا عن وزارة الدفاع على حسابه على موقع تويتر “نريد ان نوضح أننا نعتبر هذه الاشتباكات – وفي مناطق لا تواجد لتنظيم الدولة الإسلامية فيها – غير مقبولة وتشكل مصدر قلق شديد”، مشيرا أنه “لا ضلوع للولايات المتحدة” في الاشتباكات.

بداية انفراج في العلاقات التركية الأمريكية

ويرى الخبير في الشؤون التركية أن خطة تركيا الآن هي الدفع بمشروع المنطقة العازلة، الذي طالما اقترحته في السابق ولم يلق تجاوبا. لكن صالحة يضيف سببا آخر للتغير في الموقف الأمريكي وهو ما شهدته السياسة الخارجية التركية من تغييرات جذرية شملت الانفتاح على أطراف كانوا أعداء في الماضي القريب كروسيا وإسرائيل. ويقول صالحة بهذا الخصوص: “محاولة واشنطن وضع تركيا وأكراد سوريا على مسافة واحدة أزعج الأتراك لذا تحركوا نحو الانفتاح على أطراف أخرى، وهو ما التقطته واشنطن وتتعامل معه الآن”.

من جانبه يرى خالد صفوري الخبير السياسي ومستشار الشؤون السياسية لمركز “المريديان” في واشنطن أن الإدارة الأمريكية متحمسة جدا للتدخل العسكري التركي رغم تحفظاتها بخصوص الأكراد ولهذا حذرتهم وطالبتهم بالبقاء شرق الفرات. ويضيف صفوري أن هذا التدخل يمكن أن يشكل بداية انفراج جزئي في العلاقات الأمريكية التركية التي عرفت توترا في الفترة الأخيرة.

وكان جو بايدن دعا يوم الأربعاء الماضي القوات الكردية السورية إلى عدم اجتياز غرب نهر الفرات والانسحاب إلى شرقه، وهو الأمر الذي تلح عليه أنقرة. ويرى متابعون أن تجاوز القوات الكردية لخط الفرات كان الخط الأحمر الذي جعل الأتراك يتحركون. من جهته قال كبير المتحدثين باسم وحدات حماية الشعب الكردية السورية اليوم الاثنين إن مزاعم تركيا بأنها تقاتل قوات الوحدات غربي الفرات في شمال سوريا غير صحيحة “وهي مجرد حجج واهية” لتوسيع احتلالها لأراض سورية.

عنصران من الجيش السوري الحر يلتقطان سيلفي على مدخل مدينة جرابلس.

“على الرغم من أي غضب تجاه الأساليب القاسية التي يستخدمها أردوغان، فإنه يجب على منتقديه أن يستوعبوا أنه لا يمكن له التفرج كيف تتغير الخارطة وهو مكتوف الأيدي. دخول الدبابات لا يوحي بعملية عابرة، بل يهدف إلى احتلال طويل لأراض سورية. سوريا والعراق ينهاران. ونظرا للنزاعات الدينية والعرقية القائمة بين المواطنين هناك لا يمكن تلاحمهما مجددا كدولتين سليمتين. دولة كردية من جماهيرهما المحبطة لن تكون جارة مستقرة وستلهب طموحات الأكراد الأتراك بالانضمام. قسط من التفهم للوضع الصعب الذي تواجهه تركيا سيكون هنا في محله”.

بمن ستضحي واشنطن؟

وتعتبر أنقرة حزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية مجموعات “إرهابية” مثل حزب العمال الكردستاني، حركة التمرد المسلحة الناشطة منذ 1984 في تركيا. بينما تصنف واشنطن أيضا حزب العمال الكردستاني تنظيما “إرهابيا”، لكنها لا تضع حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح المعروف بوحدات حماية الشعب في هذه الخانة، وتدعمها.

ولطالما شكل موضوع الأكراد إحدى نقاط الخلاف ين واشنطن وتركيا التي تقاتل الأكراد على أراضيها ولا تريد رؤية الأكراد السوريين يتوسعون على طول حدودها.

ويقول سمير صالحة إنه لا يمكن المقارنة بين تركيا والأكراد بالنسبة لواشنطن، فالولايات المتحدة لا تريد الأكراد شريكاً وإنما هم فقط جزء من تنفيذ إستراتيجيتها في سوريا، لكن إعلان الأكراد الفيدرالية شمال سوريا كان تجاوزا لما تم الاتفاق عليه مع الأمريكان وإذا أصروا على حشد قواتهم والتقدم نحو شرق الفرات فقد تعمد الولايات المتحدة إلى وقف دعمها لهم.

ويشاطر الخبير خالد صفوري هذا الرأي بالقول إن واشنطن تبحث عن حليف في سوريا والعراق، والأكراد أثبتوا أنهم حليف جيد لكن الأمريكان واعون جيدا بمعارضة كل القوى الإقليمية في المنطقة لإقامة كيان كردي، لذلك يبقى دعمها للأكراد محدودا، وإن تحولت تركيا إلى شريك في الحرب ضد داعش في سوريا قد تتخلى الولايات المتحدة عن الأكراد بسهولة وهم يعلمون ذلك.

لكن معطيات الأزمة السورية تبدو متحركة بشكل متسارع، وقد لا تكون الإدارة الأمريكية واثقة من التحكم في مخرجاتها، ولذلك لم تخف وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في بيان لها أمس الاثنين قلقها من غياب التنسيق في العمليات والتحركات في شمال سوريا، واعتبرت اليوم أن ذلك سيعطي تنظيم “الدولة الإسلامية” فرصة أكبر ودعت تركيا وجماعات المعارضة السورية إلى التوقف عن الاقتتال.

حقوق النشر: دويتشه فيله 2016

 

 

 

 

العملية التركية في سوريا: ما الذي تغيّر؟

رأي القدس

حسمت تركيّا أمرها وتجرأت لأول مرّة منذ بدء الأزمة السورية عام 2011 على تنفيذ قرار بالتدخّل العسكري المباشر ففتحت حدودها لعبور وحدات من قوّاتها الخاصة مدعومة بمقاتلات ودبابات ومدفعية في عمليّة سمّتها اسما معبّرا (درع الفرات) بل ووضعت هدفاً صريحاً وواضحاً لها وهو استهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» وحزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردي باعتبارهما تنظيمين إرهابيين.

وزير خارجية تركيّا مولود جاويش أوغلو اعتبر أن عملية تطهير بلدة جرابلس التي يسيطر عليها مقاتلو «الدولة الإسلامية» ستكون نقطة تحوّل في المعركة مع التنظيم، ولكنّ الحقيقة أن العملية تتجاوز هذا الأمر بكثير.

يكسر الدخول التركي إلى سوريا بوضوح الخطّ الأحمر الدوليّ الذي كان يمنع أنقرة من فرض منطقة آمنة قرب حدودها، وهو الخطّ الذي وضعه شركاؤها النافذون في حلف شمال الأطلسي، وبالأحرى إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لأسباب عديدة متناقضة تنوس بين الحفاظ على شرعيّة النظام وبين خطط أخرى لخلق أمر واقع على صيغة «دويلة كرديّة» في سوريا.

تكشف التصريحات التركيّة، وكذلك تصريحات الدول المرتبطة بالأزمة السورية بشكل أو بآخر، بعضاً من الأسباب التي سمحت بهذه الخطوة التي كانت ممتنعة سابقاً، كما أنها تشير إلى المتغيّرات التي أدّت إليها.

أول هذه التغيّرات يتعلّق بالوضع التركيّ نفسه والذي تكشّف بعد الانقلاب العسكري الفاشل ضد الحكومة المنتخبة عن ديناميكيّة سياسية سمحت للحكومة، بدعم من أحزاب المعارضة، بإجراء تطهيرات واسعة في الجيش أدّت، وللمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التركية، إلى إخضاع المؤسسة العسكرية للأوامر الصادرة عن الحكومة.

لقد كان قرار التدخّل موضع تجاذب وتوازنات معقّدة بين حكومة «العدالة والتنمية» ومؤسسة الجيش لا تتعلّق باستقلاليته النسبية فحسب، بل كذلك بعلاقات قياداته المميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن امتناع التدخّل العسكري التركيّ في سوريا لم يكن قراراً أمريكيّاً فحسب بل كانت له آليّات مساندة من داخل الجيش التركي، وهو ما تغيّر عمليّاً مع تسريح ما يقارب نصف القيادات العليا للجيش والهزيمة الشعبية التي تعرّضت لها فكرة الانقلاب العسكري نفسها.

المتغيّر الثاني يتعلّق بتغيّر الوضعيّة التركيّة ـ الروسيّة التي وصلت إلى ذروة العداء مع إسقاط طائرة سوخوي واستهداف الروس لقوّات المعارضة السورية المقرّبة من الأتراك ثم شنهم حرباً اقتصاديّة ضد أنقرة أوجعت الطرفين المتشابكي المصالح في مجال حيويّ جغرافيّ واسع لا يقتصر على تركيا وروسيا فحسب، لكن الأمر انتهى إلى اضطرار الطرفين لحلول براغماتية اقتصادية وسياسية تعتبر معركة جرابلس بعض نتائجها.

المتغيّر الثالث يخصّ الإيرانيين الذين أحسّوا بدورهم باشتعال خاصرتهم الكرديّة الذي امتدّ إلى الأكراد الإيرانيين المتأثرين بنموذجي «الاتحاد الديمقراطي» في سوريا الذي يحظى بغطاء أمريكي وحزب العمال الكردستاني الذي يخوض حرباً ضد السلطات التركيّة، وكذلك بنموذج الأكراد العراقيين الذين تمدّد نفوذهم إلى مناطق جديدة.

تواقتت هذه المتغيّرات مع التقارب السياسي الذي أجراه الأتراك مع روسيا وإيران نتيجة إحساسهم المتزايد بالخطر من اقتراب إنشاء دولة كرديّة على حدودهم مع سوريا تتواصل مع قواعدها العسكرية في جبل قنديل في العراق ومع تنظيمات حزب العمال الكردستاني في تركيا (وتمتدّ بسهولة إلى إيران)، وكذلك مع اقتراب نهاية حكم أوباما المسؤول، عمليّا، عن كارثة امتداد تنظيم «الدولة الإسلامية» وعن وصول خيار دعم «الاتحاد الديمقراطي» في سوريا (المتناقض بشدّة مع مصالح «حليفته» تركيّا) إلى نهايات غير محمودة ترافقت مع غضب تركيّ متأجج انضافت إليها شكوك بدور أمريكي في الانقلاب العسكري الفاشل.

ترافق ما يجري مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن «الاعتذارية» لتركيّا بعد الأزمة الخطيرة بين البلدين يشير إلى انحناءة أمريكية أمام الغضب التركي، وكان تصريح بايدن أمس بأن على أكراد سوريا الانسحاب إلى شرق الفرات لضمان الدعم الأمريكي دليلاً على أن واشنطن قبلت أخيراً بدور تركيّ مباشر بتأمين الحدود وربما بفرض منطقة آمنة للسوريين طال أمد انتظارها، كما أنها تعني أيضاً أن «مهمة» واشنطن المناطة بحزب «الاتحاد الديمقراطي» (بمسميّاته المختلفة) قد وصلت إلى نهايتها الطبيعية!

الدرس الأهم الذي يمكن الاستفادة منه هو أن التزام حلفاء واشنطن بقراراتها لا يؤدي بالضرورة لرضاها عنهم (بدليل استمرار دعمها لخصم أنقرة اللدود)، وأن الطريقة الوحيدة لتغيير ذلك هو بالتمسك بمصالحك وفرض القرار الذي يناسبك، وهو، على ما يبدو، أمر ينطبق على حلفاء أمريكا كما على خصومها.

القدس العربي

 

 

 

 

المناطق الآمنة شمالي سوريا.. أخيراً/ عبد القادر عبد اللي

على الرغم من تأكيد الرئيسين التركي والروسي، على استمرار الخلاف بينهما في الملف السوري، وعدم اتفاقهما سوى على نقطة “وحدة الأراضي السورية” التي باتت شبه مستحيلة على المدى المنظور، فإن المحللين والمراقبين السياسيين قدموا آلاف النظريات والرؤى وصلت إلى تأسيس تحالف بين روسيا وتركيا وإيران. ولعل ذلك، ما جعل الناطقة باسم الخارجية الروسية، بعد حوالي أسبوع من الاجتماع بين بويتن وأردوغان، تؤكد على عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق بين روسيا وتركيا، حول الملف السوري في فترة قصيرة.

جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، الغامضة والقابلة للتفسير في أكثر من اتجاه حول سوريا والمرحلة الانتقالية فيها لتزيد من التكهنات والرؤى. وذهب الإعلام العربي الذي يدور في الفلك الإيراني إلى اختراع أخبار منسوبة إلى شخصيات مجهولة وصحف معلومة لا علاقة لها بهذه الأخبار، تُبشِّرُ بشهر عسل جديد بين النظام السوري وحكومة “العدالة والتنمية” في تركيا، اعتماداً على عبارة “وحدة الأراضي السورية”.

صحيح أن كل شيء في السياسة ممكن، ولكن هذا الممكن يحتاج إلى منطق أو دليل، وكان منطق الصحافة الإيرانية الناطقة بالعربية هو أن التحالف بين تركيا وإيران وروسيا، وبالتالي بشائر شهر العسل بين دمشق وأنقرة، مبني على قاعدة الحرب ضد “حزب الاتحاد الديموقراطي” الذي يعتبر الجناح السوري لحزب “العمال الكردستاني”.

سرعان ما نسفت الاشتباكات التي جرت في محافظة الحسكة بين قوات النظام السوري ومقاتلي حزب “الاتحاد الديموقراطي” هذه النظرية، وثبت بالفعل أن النظام السوري هو الذي كان يستقوي بحزب “العمال الكردستاني”، وليس العكس. ولم يعد النظام السوري يستطيع تقديم أي خدمات للآخرين سوى مزيد من قتل المدنيين وتدمير الأحياء في المدن التي يُسمح له بتدميرها.

يمكن اعتبار البدء من تركيا بالعمليات العسكرية لتحرير جرابلس من تنظيم “داعش” وبغطاء جوي من طيران “التحالف الدولي” أول المعطيات حول التقارب التركي مع روسيا وإيران. وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى إقامة منطقة آمنة شمالي حلب تُسلّمُ إدارتها إلى جهات سورية معارضة مدنية، بحسب ما تقوله الصحف القريبة من الحكومة التركية.

من الممكن أن يريح تركيا كثيراً، ويريح حتى أوروبا إنشاء مناطق آمنة في الشمال السوري؛ لأن هذه المناطق ستكون حجة كافية لعدم قبول اللاجئين السوريين وإغلاق الحدود التركية السورية. وقد منعت الولايات المتحدة الأميركية إقامة هذه المناطق لتحمي النظام، لأن وجود مناطق تحت الوصاية الدولية يعني فعلياً عدم سيادة النظام على الأرض، وهذا ما سيتسبب في جرّه إلى طاولة المفاوضات.

حين منعت الولايات المتحدة تركيا من إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، كانت تحمي النظام، وفي ما بعد كانت تحمي “شريكها” الجديد حزب “العمال الكردستاني” لأن إقامة منطقة آمنة شمالي حلب يفصل الكنتونات الكردية في ما بينها، ويمكن أن يعوّق إقامة فيدرالية على أساس قومي، وهذا ما يتعارض مع رؤية الشريك الكردي.

إضافة إلى منع الولايات المتحدة إقامة هذه المنطقة، فإن إيران أيضاً رفضتها، وهددت “التحالف الدولي” في حال إقامتها، وبعد الدخول الروسي العسكري العلني إلى سوريا رفضت روسيا أيضاً هذا الأمر.

بقيت تركيا شبه وحيدة في مواجهة قوتين عالميتين هما روسيا والولايات المتحدة، وقوة إقليمية هي إيران، وسُدت أمامها كل الطرق في هذه القضية. وفي الوقت ذاته تعتبر تركيا أن إغلاق حزب “العمال الكردستاني” الحدود عليها جنوباً هو تهديد لأمنها القومي، فكانت تلك الخطوات السياسية التي تجلت بتصريحات رئيس الحكومة التركية بن علي، وسُميت منعطفات أو “تكويع” في السياسة.

مع البدء بالقصف التمهيدي لتحرير جرابلس نقلت “سي إن إن التركية” أن المدفعية التركية قصفت مواقع لكل من “داعش” وحزب “الاتحاد الديموقراطي”. وأكدت قيادة الأركان التركية بأن القصف قد تم، وعزته إلى قواعد الاشتباك المعروفة، أي رداً على مصادر النيران.

التزمت كل من إيران وروسيا الصمت إزاء عملية جرابلس. وإذا كان هذا الصمت هو التفسير لنقطة الاتفاق الوحيدة بين تركيا من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، وهي “وحدة الأراضي السورية”، يمكن اعتباره في الوقت ذاته تفسيراً للتصريحات المهادنة التي أطلقها بن علي يلدرم لممثلي الصحافة الأجنبية في تركيا، والتي قال فيها: “قد يكون الأسد مُخاطباً في المرحلة الانتقالية”، والتي اعتبرت تراجعاً تركياً عن سياستها.

إثر بدء القصف التمهيدي على جرابلس سأل أحد الصحافيين الناطق باسم “البنتاغون” حول هذا القصف، وتحديداً قصف قوات “قسد” التي يشكل “الاتحاد الديموقراطي” عمودها الفقري، فكان رد الناطق من كلمتين فقط: “اسأل تركيا”، ألا يعني هذا بأن الأمر لا يعني الولايات المتحدة الأميركية؟ وبمعنى آخر “هذه قضية تخص تركيا والاتحاد الديموقراطي فقط”.

كلمة الناطق باسم “البنتاغون” تشبه كلمات بن علي يلدرم، تقبل التفسير باتجاهات عديدة، ولكن تركيا أرادت اعتبارها غض طرف أميركي عن عملية عسكرية تقوم بها ضد “داعش” و”الاتحاد الديموقراطي”.

يمكن أن تعلن تركيا المنطقة الممتدة بين جرابلس وعفرين وصولاً إلى مارع منطقة آمنة. وبتحذير الولايات المتحدة النظام السوري من إقلاع طائراته فوق سماء الحسكة والقامشلي، فرضت منطقة حظر جوي في الحسكة، أي أصبحت منطقة آمنة أيضاً، وهكذا لن تكون المنطقة الممتدة بين جرابلس وعفرين أولى المناطق الآمنة، بل ثانيها.

يبدو أن تركيا حصلت على ضمانات قوية لإقامة هذه المنطقة، ومشاركة طيران “التحالف الدولي” في العملية العسكرية التي انطلقت صباح الأربعاء الباكر، دليل على هذا الدعم، ولكن السؤال المهم والخطير: هل ستصل هذه القوات إلى منبج؟ وما هو موقف الولايات المتحدة من صدام كهذا فيما لو وقع؟

المدن

 

 

 

 

تركيا بين إقليمين كرديين/ شورش درويش

يثور السؤال ولا يخمد، حول مصير (ومآلات) المنطقة التي يديرها في سورية حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، أو ما يطلق عليها مناطق “الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة”، والتي باتت رقعةً تتسع باطراد، وتحظى باهتمام أميركا ومعاونيها في التحالف الدولي. إذ تلم المنطقة تلك، فيما تلمّه، مكونات المنطقة عرباً وأكراداً وسرياناً على عكس كردستان العراقية، حال أردنا المقارنة بين الإقليمين، فالأخيرة تمثل منطقةً كرديّة صرفة، خلا بعض البؤر الآشوريّة والعربية الصغيرة والضعيفة الأثر على فكرة إقامة كيان قومي واضح المعالم، والحال إن اتساع رقعة منطقة “الإدارة” وتمدّدها يأتيان على حساب القوميّة الكردية، في عملية تناسبٍ عكسي، حيث تزيد وتتضاعف الجغرافية التي يتمكّن منها حزب الاتحاد الديمقراطي، ومعها يتناقص عدد المحكومين الأكراد على حساب ازدياد منسوب المكوّن العربي. لكن، لا بأس، فالإحالة الأهم لدى الحزب هي وصل الجغرافية الكردية المتباعدة في خطوةٍ قد ترمي إلى إقامة حائط جيوسياسي على طول الشريط الحدودي التركي – السوري. وبذا، تزداد مخاوف تركيا الرسميّة من هذا المشروع الذي اعتبرته، في غير مناسبة، تصعيداً يهدّد أمنها القومي.

على الرغم من التطمينات والتصريحات الحصيفة والدقيقة التي يبديها ناطقو “الاتحاد الديمقراطي” حول مصير المنطقة، والتي تعرّفها بأنها ليست منطقة قوميّة، وأن زمن الدولة القوميّة قد ولّى، وأن الحزب لا ينطلق من قاعدةٍ قوميّةٍ كرديّة، ولا يرتبط بحزب العمال الكردستاني، وليست له أجندات رامية إلى تهديد أمن تركيا القومي أو وحدتها الترابيّة أو مصالحها الحيويّة، إلا أن الأتراك يرون الأمور من وجهة نظر مختلفة، ومن زاوية الاعتبارات القوميّة الصرفة، وعلى إيقاع العداء المستحكم بين تركيا والعمال الكردستاني.

لطالما رفضت تركيا الرسميّة، عبر تاريخٍ طويل، الاعتراف بالحقوق الكرديّة، سواء في تركيا أو في جوارها السوري أو الإيراني، وحتى العراقي حتى وقتٍ قريب، إلا أن صعوبة قبول تركيا بقيام كيانٍ كردي في كردستان العراق يبدو غير قابل للاستنساخ في غير منطقة كرديّة. ففي عام 1991 تدفّق ما يقارب مليون عراقي كرديّ إلى تركيا، هاربين من انتقام الجيش العراقي الذي بدأ باستخدام سلاح الجو انتقاماً من الانتفاضة الكردية التي قامت على إثر حرب الخليج الثانية، أو حرب تحرير الكويت، ولعلّ صورة حلبجة 1988 راودت الأكراد الفارين والمذعورين والهائمين في الدروب الموحلة والوعرة، صوب تركيا وإيران. حينذاك، صرح الرئيس التركي، تورغوت أوزال، مخاطباً العالم إنه ليس على استعداد لاستضافة مليون “معوز” في بلدٍ يشكو أوضاعاً اقتصاديّة صعبة، ووجوب إعادة اللاجئين إلى أراضيهم. بُعيد ذلك لم ترفض تركيا ودبلوماسيتها فكرة إعادة الأكراد العراقيين إلى كردستان العراق، تحت حماية القرار 688 الصادر من مجلس الأمن، والقاضي بإقامة (منطقة راحة)، أو ما عُرف بمنطقة الحظر الجوّي (خط العرض 36)، الأمر الذي اعتبره مراقبون السبب الرئيس في إقامة فيدراليّة كردستان العراق فيما بعد، ذلك أنها مثلت الكلمة المفتاحيّة في السماح للأكراد بإدارة مناطقهم وشؤونهم، بعيداً عن بغداد التي كانت تغط في مشكلاتها جنوباً، وفي إزاء ضغط وهجمة دولية تهدّد بإزالة النظام العراقي برمته.

في المقابل، حافظ أكراد العراق على نحو حذر على علاقاتهم مع الجمهوريّة التركيّة، على

“لن تستقبل تركيا الأنباء من جنوب حدودها مع سورية كما كانت تستقبل أخبار تقدّم كردستان العراق نحو الفيدراليّة” الرغم من التعامل الفوقي والمتعالي التركي، كحال إعلان الإعلام التركي مراراً أنّ زيارات رئيس إقليم كردستان العراق وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البرزاني، والرئيس العراقي السابق وزعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، جلال الطالباني، مجرد زيارات ضيفين يمثلان عشائر كرديّة، وليسا ممثلين لأحزاب قوميّة كرديّة، إن لم نقل يمثلان القضية الكردية في العراق، وتخطّي الحكومة التركية أبسط المعايير والأعراف الدبلوماسيّة عند استقبال ممثلي الحركة الكردية في العراق، بشكلٍ ينم عن تعالٍ مكشوف.

مع وصول حزب العدالة والتنميّة إلى سدّة الحكم، ساد جوٌّ من الحميميّة التي صبغت العلاقة التركيّة – الكرديَّة العراقيّة بلونٍ جديد، تجلى ذلك بعمق ووضوحٍ، بعد سقوط نظام صدام حسين، والتفاهم المتبادل على قاعدة القبول التركي، مقابل حركة اقتصادية تركيّة نشطة في مجالات التجارة والعمران والمصارف والطاقة، معطوفاً الأمر على السعي إلى وقف الحرب التي يشنها العمال الكردستاني، انطلاقاً من أراضي الإقليم، الأمر الذي وسع مروحة العلاقة، وانطلاق فكرة الحوار التركي – الكردي الداخلي لاحقاً.

في إزاء جهود “العدالة والتنمية”، يمكن أن يُعزى أمر التفاهم الكردي التركي إلى الجهود التي نجح خلالها مسعود البرزاني عبر ربطه عجلتي الاقتصاد الكردي الناهض بالتركي، بشكلٍ مشيميِّ ومتكامل، بل سعى الجانبان إلى استبدال الخطاب القومي التركي والكردي الكلاسيكي بآخر أقلّ حدّةً، تطغى عليه لمسة المنفعة المتبادلة ولغة المصالح الاقتصاديّة والاستثمارات العملاقة، ولعلّ المفارقة الكبيرة الآن أن المنطقة الوحيدة التي تقيم علاقة حسنة مع الحكومة التركيّة هي حكومة إقليم كردستان.

في الأثناء، تبلغ علاقة العمال الكردستاني بالحكومة التركية أسوأ مراحلها، مع اشتداد المعارك داخل تركيا، ومع تشييد إدارة ذاتيّة، ترى فيها تركيا عقبة كأداء أمام أفكار، إن لم نقل مشاريع تركيا الاستراتيجية التي يفهم منها شيء ما يفيد، بأن تركيا عازمة على التمدّد جنوباً، صوب جغرافيا “أهل السنّة العرب” في سورية، فوق ذاك تمثّل الإدارة الذاتية مثالاً ملهماً لأكراد تركيا، أشدَّ وطأة ودفعاً من تجربة أكراد العراق.

لا يمكن، في أي حال، المطابقة بين حالتي كردستان العراق وحال “الإقليم الناشئ” ذي الصبغة الكردية في الشمال السوري، وسيبقى الأمر الغالب على الظن أن تركيا ستسعى إلى تثبيط، ثم إيقاف العمل المجدّ الذي يقوم به فريق “الإدارة الذاتيّة الديمقراطية”، من خلال سلّة سياساتٍ، تبدأ بالتصالح المفتوح مع إيران وروسيا، وصولاً إلى مغازلة النظام السوري، والسعي إلى تجديد الخيارات إزاء القوى الدوليّة، كأميركا وحلفائها التي تدعم المقاتلين الأكراد في مسار الحرب ضد داعش.

لن تستقبل تركيا الأنباء الواردة من جنوب حدودها الطويلة مع سورية، كما كانت تستقبل أخبار تقدّم كردستان العراق نحو الفيدراليّة، أي بكثيرٍ من غض الطرف والصبر والترقّب، ذلك أن السعي التركي الدبلوماسي، والانعطافات السياسيّة التركيّة الكبيرة، تشي بأمرٍ واحد ومكشوف، عنوانه: كل الجهود نحو إيقاف المشروع القومي الكردي جنوب حدود الجمهوريّة التركيّة، في مقابل عناد ومثابرة كرديين، لتحقيق أضعف إيمان، ربما قد نسميه منطقة مختلطة إثنيّاً برأس كردي كبير.

العربي الجديد

 

 

 

 

“تطهير” الحدود السورية/ زهير قصيباتي

لم تفاجئ تركيا أحداً حين وضعت «داعش» والمسلحين الأكراد الأتراك والمسلحين الأكراد السوريين في كفة واحدة. المفاجأة كانت في قبولها دوراً للرئيس بشار الأسد في المرحلة الانتقالية في سورية، ما يرضي موسكو وطهران، ويقرّب أنقرة إلى النظام في دمشق، على الأقل بحياد «سلبي».

واضح أن القصف المدفعي التركي على مواقع كردية في سورية يضع أنقرة ودمشق في صف واحد، عبر مواجهة خصم مشترك، بعد سنوات من تحييد النظام السوري المقاتلين الأكراد، فيما كان منهمكاً بقتال فصائل المعارضة المعتدلة.

المفاجأة الأهم أن يطاول القصف المدفعي التركي «خطأً» مستشارين عسكريين أميركيين يقدّمون المشورة للأكراد الذين يقاتلون تنظيم «داعش» في شمال سورية. وإذ دشّنت تركيا معركة «تطهير» حدودها المترامية مع هذا البلد، عشية زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لأنقرة، أعلنت بوضوح أن المحظور أو الخط الأحمر في الأراضي السورية كما في أراضيها، هو أي كيان كردي يتذرّع بالفيديرالية.

وهو خط أحمر كذلك لدى طهران التي ردّت على المفاجأة الروسية في قاعدة همدان الجوية- نشر مقاتلات استراتيجية قرب منابع نفط- بانتقاد لاذع لإعلان موسكو النبأ الذي بدا محرجاً لإيران، وهي لا تكلّ عن تذكير الجميع بأنها تعتبر نفسها القوة «الأقوى» في المنطقة، القادرة على ضمان أمنها في غياب أي وجود أجنبي.

حتى الآن لا تزال طهران مرتابة من الأهداف النهائية للروس في سورية، فيما الجميع يرجّح معارك شرسة في الرقة والموصل، لأن قراراً أميركياً اتُّخِذ بطيّ ملف «داعش» وتفكيك التنظيم قبل الانتخابات المرتقبة في الولايات المتحدة، في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

وفي حين تقترب حسابات موسكو وأنقرة حيال التسليم بدور للأسد في مرحلة انتقالية تديرها حكومة لا تُقصي أي طرف من المكونات السورية، تخشى إيران على مصالحها في حال استبعد الروس ترشُّح الأسد لولاية أخرى العام المقبل.

تتقدّم تركيا الآن الى ساحة «تطهير» الحدود مع سورية، بعدما انهمكت بـ «تطهير» مؤسسات الدولة إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة. وهي أدركت أن محاربة الإرهاب ورقة رابحة تعبّد طريق تطبيع العلاقات مع قوة كبرى هي روسيا، وقوة إقليمية هي إيران، ومع إسرائيل التي قد تكون القوة الأولى المعنية أمنياً ودفاعياً بـ «سورية الجديدة»… موحّدة أو مقسّمة.

لكنّ لمسار الحرب ايضاً مفاجآته، أياً تكن حسابات الكبار والمتخاصمين. فحتى لو هُزِم إرهاب «داعش»، وفُكِّكت دولة «الخلافة» التي يزعمها، هل ترفع واشنطن الغطاء عن الأكراد السوريين وتتركهم بين فكي كماشة أنقرة ودمشق؟ وهل ترضى الفصائل المعتدلة في سورية الاستسلام للسيناريو الروسي الذي سيفاوض عليه الكرملين الأميركيين، والأرجح في عهد إدارتهم الجديدة؟

الأكيد أن تركيا تريد دوراً بارزاً لتلك الفصائل في معركة «تطهير» الحدود وانتزاع جرابلس من «داعش»، لتسعى لاحقاً إلى إقناع الروس بـ «اعتدال مقاتلي» المعارضة، والتمييز بين فصائلهم التي تقاتل خصوصاً في حلب. لكن العقدة تكمن في الرهان على مفاوضات يدرك الجميع أنها لن تصمد ولن تتمخّض عن حل بنيوي لـ «الشرعية الجديدة» في سورية، إذا غاب عنها «الأقوياء» على جبهات الحرب، وأي من القوى الفاعلة إقليمياً.

دون الحل في سورية المنكوبة بالدمار والقتل، وطموحات اللاعبين الكبار، أشواط وحسابات معقّدة، ليس أبسطها تقاطع المصالح الروسية- الإيرانية، وافتراقها ربما عند إصرار طهران على انتزاع مقعد في التفاوض على كل الملفات العربية في المنطقة… وإذا كانت موسكو تستعرض أسلحتها الاستراتيجية لتوجّه رسائل الى أميركا والحلف الأطلسي، فطهران أيضاً تستخدم الميليشيات العابرة للحدود، لفرض شروطها في التسويات الإقليمية. وهذه لن يكون البيت الأبيض ولا الكرملين جاهزاً لتبادل أوراقها إلا بعد شهور على ترك سيد «القوة الناعمة» باراك أوباما سدة الرئاسة.

ومرة أخرى، يصول القيصر ويجول، من همدان إلى حلب واللاذقية، فيما كثيرون يتجاهلون حقيقة أن غالبية الروس لا تعرف هدفه النهائي، وهو يتعدّى حتماً مشاكسة الغرب المتردّد، واختبار الأسلحة الجديدة، والتنافس على حصة كبيرة في أسواقها.

الأكيد أن كل دول المنطقة معرّضة لتداعيات أي تسوية تُخمِد بركان الجحيم السوري. وحتى الحل على مراحل سيُنذر بفرض تقسيم ولو هُزِم «داعش»، في حين ينتقل العراق الى مرحلة إعادة تركيب مؤسساته، ومعها معركة أطراف شيعية لفرض شرعية «الحشد الشعبي» بوصفه الراعي الأول للدولة!… معها فصل آخر من حروب المحاصصة والإقصاء.

الحياة

 

 

 

 

إعلام النظام: “جرابلس شأن دولي”.. و”مرج دابق” في البال/ وليد بركسية

تخلى الإعلام الرسمي السوري عن منطقه وغطرسته التقليدية، وأزاح مدينة جرابلس الحدودية من خريطة البلاد، معتبراً التطورات العسكرية التي تجري هناك مجرد “شأن دولي على الأراضي السورية”، رغم البيانات الرسمية التي أصدرتها وزارة الخارجية السورية واعتبرت فيها العمليات العسكرية التركية في مدينة جرابلس شمال البلاد، “انتهاكاً للسيادة الوطنية”، ليبدو المشهد الإعلامي اعترافاً ضمنياً بعجز النظام عن إبداء أي ردة فعل مهما كانت صغيرة تجاه إرادات الدول الكبرى الفاعلة في الشمال السوري، أو اعترافاً بصفقة ما، تفوق ارادته.

وعلى قاعدة ان المعارك تجري في بقعة مجهولة على الكوكب، لم تخصص القنوات السورية أمس أي تغطية كاملة لأحداث جرابلس، مكتفية بفقرات لا تتعدى مدتها 15 دقيقة ضمن البرامج اليومية ونشرات الأخبار لا أكثر، مع تكرار بيان وزارة الخارجية الرسمي حول جرابلس مرة بعد مرة، وصولاً لتصدره عناوين الصحف المحلية من دون أي تغيير يذكر في صياغته.

وتم وصف الحالة في جرابلس في نشرة الأخبار الرئيسية على الفضائية السورية، بأن “النظام التركي يحارب الإرهاب بعد الجهد بالإرهاب”، وأنه يسعى فقط لإبدال إرهاب “داعش” في الشمال السوري بإرهاب بديل يختلف عنه في التسمية فقط، في إشارة إلى فصائل المعارضة عامة باختلاف انتماءاتها الفكرية. أما صحيفة “البعث” فعنونت الخميس: “مرحلة جديدة من الحرب ضد سوريا بمباركة من أميركا”.

اللافت هنا، أن اختفاء الأكراد بكافة تمثيلاتهم السياسية والعسكرية بشكل كامل في التغطية، رغم أنهم يشكلون سبباً رئيسياً للتدخل التركي، حيث تسعى أنقرة للحد من أي توسع كردي على حدودها الجنوبية، مع رغبة الأكراد في إقامة كيان مواز أو مستقل لهم على طول الشريط الحدودي من الحسكة حتى عفرين مروراً بجرابلس ومنبج التي سيطرت عليها قوات كردية مؤخراً.

والحال أن التدخل العسكري التركي أتى مفاجئاً للنظام نفسه، مما انعكس على أداء الإعلام الرسمي بشكل معلومات وتحليلات متضاربة في التغطية، فتم وصف العملية بأنها “أحادية الجانب” (الإخبارية، الفضائية) ، بعدما كانت الأنباء منذ الانقلاب الفاشل في البلاد تتحدث عن تقارب أنقرة من موسكو وطهران، وعليه كرر الإعلام الرسمي عبارة “ضرورة الانتظار” لمعرفة كيف ستتطور الأحداث، قبل الحكم على تركيا المتأرجحة بين العدو والصديق.

في السياق، يمكن استشفاف نوع من التحفظ في الهجوم على تركيا لهذا السبب بالتحديد، فطوال السنوات السابقة كانت تركيا هي العدو الأكبر للنظام السوري، لكنها اليوم تبدو غير قابلة للتوصيف، لتتكرر أسئلة مثل: هل تركيا اليوم معنا أم ضدنا، وهل تتعاون مع موسكو وطهران أم تتعاون مع الولايات المتحدة، وهل تريد فعلاً تعديل مواقفها السابقة أم لا؟ وكلها أسئلة لا أجوبة لها، حيث بدا المحللون السياسيون الذين تمت استضافتهم، عاجزين عن الإجابة مفضلين انتظار بيانات رسمية من الخارجية السورية بهذا الصدد.

وحاول إعلام النظام الالتفاف على العجز السوري وعدم قدرة النظام على التحرك في الشمال سياسياً أو عسكرياً، بالتركيز على تصريحات بعض السياسيين الأتراك في اليومين السابقين حول وحدة الأراضي السورية واعتبار الحكم في دمشق شأناً داخلياً، في محاولة للقول إن التخبط ليس في إدارة النظام لأزمة جرابلس، بل هي نتيجة تخبط لدى “النظام التركي” نفسه، بسبب وقوعه في المنتصف بين إرادتين دوليتين، أي بين روسيا والولايات المتحدة إذ تحاول كل منهما ضم تركيا إلى محورها بعد المشاكل التي عانتها أنقرة بتأثير محاولة الانقلاب.

إلى ذلك، لم تشهد مواقع التواصل الاجتماعي، تفاعلاً كبيراً من الموالين، فلم تصدر الصفحات المؤيدة أي هاشتاغات للتغريد مكتفية بوصف الأحداث بأنها “العدوان التركي”، في ما يبدو أنه تعميم من المكتب الإعلامي في رئاسة الجمهورية السورية بالانتظار وعدم المبالغة في “الحمية الوطنية” التقليدية.

ويتزامن التدخل التركي مع الذكرى 500 لمعركة “مرج دابق” الشهيرة التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك في منطقة مرج دابق قرب مدينة حلب السورية العام 1516، وهي النقطة التي تكررت في نقاشات الموالين والمعارضين على حد سواء، فرآها الموالون نوعاً من رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إحياء “العثمانية الاستعمارية الجديدة”، بينما رآها المعارضون فأل خير لتحقيق نصر سريع في الشمال السوري.

من جهة ثانية، رحب المعارضون بالعملية التركية بشكل واسع، بداية من بيان الائتلاف السوري المعارض الذي تم تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى هاشتاغ #درع_الفرات الذي غرد عبره ناشطون معارضون مع هاشتاع #جرابلس_تتحرر. ونشر ناشطون آخرون صوراً لمقاتلي الجيش الحر والفصائل المعارضة خلال تقدمهم في المدينة، وصوراً متعددة لرفع علم الثورة فوق بعض المباني في المدينة بعد تحريرها من “داعش”.

المدن

 

 

 

 

الثقة وعدم الثقة بأردوغان/ حازم صاغية

قد يكون مفهوماً أن يلقى رجب طيّب أردوغان تعاطفاً سُنّـيّاً مصدره الشعور باستضعاف طائفيّ عابر للحدود. ومفهوم بالطبع أن يلقى تضامناً سوريّاً هو في أحد وجوهه احتجاج على صمت العالم حيال مأساة سوريّة. وهو تضامن تزداد مبرّراته، لأسباب عمليّة وحياتيّة، بين السوريّين الذين ألجأهم الأسد إلى تركيّا، وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً.

أمّا أن يُرفع أردوغان إلى مصاف القائد التاريخيّ المنتظر، فهذا إنّما يجافي طبيعة الأردوغانيّة نفسها كظاهرة لا تستدرج من الثقة إلاّ أقلّ القليل.

والثقة ليست تهمة شخصيّة. ذاك أنّ النمط الشعبويّ من الزعامات أقلّ أنماط الزعامة ثباتاً على المبادئ. وهو معيار لا يحدّ منه معيار شعبويّ آخر، هو التلذّذ بإيجاد العدوّ وتعزيز العداوة، إذ يمكن العدوّ أن ينقلب صديقاً والعكس بالعكس لأتفه الأسباب. وإذا صحّ أنّ خوان بيرون الأرجنتينيّ مؤسّس الشعبويّة الحديثة لما بعد الحرب الثانية، ولما بعد الفاشيّة، صحّ أنّ سيرة البيرونيّة سيرة تأرجح دائم بين اليمين واليسار، وبين المعسكرين الغربيّ والشرقيّ. فإذا أضيف الموقع الذي لا تُحسد عليه تركيّا الأردوغانيّة في توازنات القوى المحيطة، وبعض ذلك من صنع أردوغان نفسه، جاز أن نتوقّع ارتفاع هواية التقلّب إلى احتراف.

لكنْ إذا كان التقلّب الفائض جزءاً تكوينيّاً من الشعبويّة، فالأردوغانيّة، قبل المحاولة الانقلابيّة وخصوصاً بعدها، تقدّم لهذه المدرسة بعض أبلغ دروسها. فبعد انفجار العُظام الرئاسيّ، وتحطيم سائر الساسة المؤثّرين داخل الحزب الحاكم، تُحكم تركيّا اليوم بهوس التعبئة ضدّ عدوّ فاقت خرافيّتُه واقعيّتَه. فخارجيّاً، هناك «الغرب» وصولاً إلى السويد التي بات الأتراك يُحذّرون من الاغتصابات فيها، وداخليّاً، هناك فتح الله غولن. وربّما كان روجر أوين مُحقّاً في مقارنته بين استخدام جمال عبدالناصر للعدوّ ممثّلاً بـ «الإخوان»، واستخدام أردوغان لغولن. لكنّ البيئة التي عبّأها أردوغان وينوي، على ما يبدو، أن يحكمها بالتعبئة، ذهبت إلى حدّ استعادة خرافة «الدونمة»، تلك الطائفة التي اتّبعت الأزميريّ شابّاتاي زِفي، في القرن السابع عشر، وغدت مصدر التأويل التآمريّ لنصف التاريخ التركيّ الحديث!

والأخطر، في ظلّ ضمور النجاح الاقتصاديّ للنصف الأوّل من عهد «العدالة والتنمية»، تعزيز الشعبويّة عبر تصديع المواقع القياديّة في المجتمع المدنيّ والمؤسّسات العامّة والخاصّة، تعليماً وصحافةً وقضاءً. فهنا، وبذريعة مكافحة غولن، تُرسى مرتكزات الديكتاتوريّة في مجتمع سُرّح واعتُقل الآلاف من كوادره العليا والوسطى. وهذا «الترشيق» المجتمعيّ سبق لتركيّا أن عرفته في 1942، بحجّة الخوف من التوريط في الحرب العالميّة الثانية والاستعداد لذلك. فآنذاك، وفي ظلّ عصمت إينونو، استحدُثت «ضريبة الثروة» التي كانت عمليّاً جزية على رأس المال التركيّ غير المسلم، أي اليهوديّ والأرمنيّ واليونانيّ، ما استكمله انخفاض مريع في أعداد تلك الأقلّيات وسط تعبئة قوميّة تختزن تأجيجاً دينيّاً حادّاً. وما لبثت أن تبدّت النتيجة اجتياحاً شعبويّاً، باسم مصالح الريف، عبّرت عنه انتخابات 1950: ذاك أنّ «الحزب الديموقراطيّ» الذي أسّسه ذو الهوى الإسلامويّ عدنان مندريس والأتاتوركيّ البالغ اليمينيّة جلال بايار حصد، في ذاك اليباب السياسيّ والمجتمعيّ الذي أفضت إليه التعبئة، 408 مقاعد في برلمان من 487 مقعداً. (وقد روى أردوغان لاحقاً أنّ تسييسه المبكر بدأ بمشاهدته أبيه وهو يبكي على مندريس، حين أعدمه الجيش بعد عشر سنوات).

والحال أنّ أكثر ما يسمّن الشعبويّة قدرة الزعيم على تعطيل المواقع الاجتماعيّة والمؤسّسات، أو تحويلها أشكالاً بلا مضمون، والمضيّ في الاستقطاب الشعبيّ بحجج بسيطة ذات طابع تعبويّ، لا يُعنى أصحابها بالإقناع بقدر ما تعنيهم الصلة البسيطة والمباشرة بالقائد الكاريزميّ، واكتشاف منابت اجتماعيّة تجمعهم به. وعلى رأس جماهير ذات حراك معبّأ لكنّه غير منظّم مهنيّاً أو طبقيّاً، يسع القائد الملهم أن يضرب يميناً ويساراً فيختار العدوّ والصديق على هواه وسط تصفيق مدوٍّ من معجبين مبهورين.

وهكذا، وقياساً بالتحوّل تجاه روسيا وإسرائيل، والغرب والأكراد، يُشكّ كثيراً أن يبقى على حاله السلوك التركيّ تجاه سوريّة، على رغم المآخذ الجدّيّة والأصليّة عليه. أمّا المواقف التي ظهرت مؤخّراً على شكل تقارب مع إيران وروسيا حيال الأكراد، فليس سرّاً أنّ الأسد واكبها بحماسة صبّت حممها برّاً وجوّاً.

الحياة

 

 

 

أردوغان في سورية بضوء أخضر أميركي إيراني/ راغدة درغام

استدار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرة أخرى منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة ضده، فأعاد تعريف وتنفيذ دور تركيا في سورية بأولوية قومية وسلطوية، ضارباً بعرض الحائط بعض التفاهمات السابقة مع الدول الخليجية وناسفاً، فعلياً، التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في سورية. وضع أردوغان احتواء التمدد الكردي في طليعة سلّم أولوياته وتفاهم مع إيران على عدم السماح بتطور القومية الكردية بل القضاء عليها، إذا لزم الأمر. التحق بأولوية القضاء على «داعش» وأخواته عبر النافذة الروسية من دون أن يقفل الباب الأميركي على هذه الأولوية، فجعل من نفسه غير قابل للاستغناء عنه لدى الاثنين.

تخلى عن أولوياته السابقة وأصبحت تركيا بعد المحاولة الانقلابية جاهزة أكثر للموافقة على مرحلة انتقالية يبقى الأسد فيها «موقتاً» بلا تحديد للإطار الزمني لمعنى «الموقت». الجزء الأهم من القلق الذي أثارته السياسة الجديدة لأردوغان يكمن في اعتقاد قيادات خليجية أن محاربة تركيا «داعش» والأكراد معاً تعني تولّي الحرب عليهما نيابة عن النظام في دمشق. وبالتالي، دخل أردوغان في محور يضم إيران وروسيا وسورية جديدة تقوم على بقاء الأسد «الموقت».

واشنطن تبدو ضعيفة أمام «الهجوم» التركي الذي مر بمحطة سان بيترسبورغ وطهران ودمشق قبل أن ينفّذ في جرابلس بشراكة أميركية ضد «داعش»، لكنه طاول أيضاً مواقع كردية في سورية خدمة ليس فقط لأنقرة وإنما أيضاً للنظام في دمشق. أولويات باراك أوباما والإدارة الآتية بعده تبقى القضاء على «داعش» بأية تحالفات قادرة على ذلك. فإذا كان الثمن هو الاستغناء عن الشريك الكردي مقابل ضمان الشريك التركي، لن يكون غريباً أو جديداً على السياسة الأميركية تبني سياسة الاستغناء إذا كان الثمن في المصلحة القومية العليا.

زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا ولقاء وزيري الخارجية الأميركي والبريطاني مع القيادة السعودية في جدة لبحث الشأن اليمني، بمشاركة المبعوث الروسي المكلف ملف الشرق الأوسط في مرحلة ما، يسلّطان الأضواء مجدداً على ترابط الملفين السوري واليمني. المناقصات والمقايضات بدأت لكنها ما زالت في بداية الطريق ولم تختمر تماماً إلى الآن.

الإنهاك من الحربين في سورية واليمن قد يؤدي إلى تفاهمات قائمة على التنازلات الضرورية بدلاً من التمسك بفكرة الانتصار. لا غالب ولا مغلوب معادلة تفرض نفسها الآن على حروب الشرق الأوسط باستثناء الحرب على «داعش» وأخواته، وهنا نقطة اللقاء من الرقة إلى الموصل، إنما لا المسيرة إليها اختمرت ولا التفاهمات عليها وصلت إلى مرحلة حاسمة.

إدارة أوباما تسعى إلى تهيئة أرضية جديدة للإدارة الآتية بعدها والتي تعتقد أنها ستكون إدارة كلينتون نظراً إلى ما تفيد به تطورات المشهد الانتخابي بين المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب. ما تريده واشنطن قبل أي شيء آخر هو تطويق «داعش» للقضاء عليه عبر القناة المؤهلة أكثر من غيرها لتحقيق الهدف. وهذه القناة اليوم هي تركيا.

هنا تتلاقى الأولويات الأميركية والروسية وتتقاطع مع محاور ثابتة كالمحور الروسي – الإيراني الداعم لدمشق ومحاور عابرة كتلك التي وضعت الكرد في واجهة تنفيذ الغايات الأميركية والإيرانية في العراق وسورية.

تركيا التي كانت في مرحلة ما صديقة بشار الأسد وصديقة إسرائيل، مرّت بمرحلة كانت فيها داعمة لأعداء الأسد بمن فيهم تنظيم «داعش» وأمثاله. اليوم، بدّل أردوغان تحالفاته وصداقاته وتصالح مع إسرائيل استراتيجياً ومع الأسد تكتيكياً، وعقد العزم على محاربة «داعش» الذي بات العدو الجديد له. تركيا أردوغان التي كانت تولي الغرب والخليج مقام الحليف، أصبحت اليوم تولي مقام التحالفات لكل من يثبت الدعم لسلطة أردوغان – وروسيا في الطليعة.

أوراق المساومات لدى أردوغان قوية فهو يمتلك الممرات الحيوية للسلاح إلى المعارضة السورية داخل سورية، والممرات البشرية إلى القارة الأوروبية. وأردوغان قرر لعب الأوراق كافة مع روسيا والولايات المتحدة وإيران والدول الخليجية.

جو بايدن كان اعتذارياً بامتياز عندما زار أنقرة معترفاً بأنه جاءها متأخراً. فتح الباب القانوني لتسليم الداعية غولن الذي يتهمه أردوغان أنه وراء المحاولة الانقلابية، وهو أوضح أن تركيا أولوية للولايات المتحدة.

بايدن وافق أردوغان على إبلاغ الأكراد بعدم عبور غرب الفرات، وغضّ النظر عن عزم جديد لدى الرئيس التركي يتمثل في القضاء على أية مشاريع كردية لأي نوع من الفيديرالية كأولوية تعلو على رفض بقاء بشار الأسد في السلطة. نائب الرئيس الأميركي بدا متواضعاً أمام تعالي الرئيس التركي الذي أملى الشروط عسكرياً فأجبر بايدن على التخلي، أقله مرحلياً، عن الأولوية الكردية في حرب الشراكة ضد «داعش». أما في ما يخص مصير الأسد في المرحلة الانتقالية، فإن كليهما تفاهم ضمناً على أن عرقلة المواقف الخليجية لاستمرار الأسد في المرحلة الانتقالية هي عرقلة موقتة يمكن التغلب عليها. كلاهما وجد أن المرحلة تتطلب عدم تعريف الإطار الزمني لبقاء «موقت» للأسد في المرحلة الانتقالية، وهكذا تراجعا معاً عن مواقف سابقة وخطوط حمر زائلة.

هناك أهمية وتداعيات لما جاء في تحقيق لجنة دولية مؤلفة من الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية بأن الجيش السوري شن هجومين بأسلحة كيماوية ألقيت من مروحيات على قريتين في أدلب عامي 2014 و2015 مؤكداً أيضاً مسؤولية تنظيم «داعش» عن هجوم بغاز الخردل السام على مارع في آب (أغسطس) 2015. هذه هي المرة الأولى في تاريخ الأزمة السورية التي يتم فيها تحديد مسؤولية الحكومة السورية عن استخدام السلاح الكيماوي، علماً أن الاتفاق الشهير بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف لتجريد سورية من الترسانة الكيماوية هو الذي وفَّر الذخيرة لتراجع الرئيس باراك أوباما عن «الخط الأحمر» الشهير الذي كان أنذر به بشار الأسد إزاء استخدام أية أسلحة كيماوية.

مجلس الأمن تسلم التقرير الدولي المكوّن من 95 صفحة أول من أمس الأربعاء، والدول الغربية بدأت إعداد قرار تحت الفصل السابع من الميثاق للمحاسبة إما عبر فرض عقوبات على دمشق أو عبر إحالة نظام الأسد إلى المحكمة الجنائية الدولية. لعل روسيا تعارض أي تحرك في مثل هذا الاتجاه، إنما لعلها تستخدم هذه الضغوط الناتجة من إدانة النظام – في مسألة بأهمية الأسلحة الكيماوية – للمساومات الجارية على مستقبل سورية ودور الأسد في المستقبل الآني والبعيد. فالمسألة الكيماوية في غاية الأهمية وأية سابقة في القفز عليها ستكون خطيرة على كل من يفرضها. وعليه، ربما تتغير لغة التفاهمات على «الموقت» في دور الأسد في المرحلة الانتقالية.

واضح أن تمسك إيران القاطع ببقاء الأسد يختلف عن موقف تركيا الراضي بالمصادقة الموقتة على بقائه موقتاً في السلطة الانتقالية. الغامض هو كيف سيؤثر التقرير الكيماوي في الموقف الروسي الذي قد يتحدى ويُعانِد أية إجراءات عقابية ضد الأسد ونظامه، أو قد يساوم. والسؤال أيضاً يصب في خانة الدول الغربية وفي مقدمها إدارة أوباما التي باتت سمعتها ملطخة بالدماء والتجاوزات في سورية. فالمسألة الكيماوية هي البوصلة إلى التركة التاريخية لسمعة باراك أوباما الذي يُواجَه الآن بأدلة قاطعة على استخدام الجيش السوري هذه الأسلحة وبتقارير مهمة تفيد باستمرار احتفاظ سورية الأسد بأسلحة كيماوية نقيضاً لتعهداتها الدولية.

تنظيم «داعش» سيُعاقب حتماً وهو في صدد تكاتف دولي جديد ضده في سورية وفي العراق عازم على هزيمته قبل مطلع السنة المقبلة.

بالأمس القريب كانت «قوات سورية الديموقراطية» تتمتع بالمباركة الأميركية باعتبارها المؤهلة لشراكة عربية وكردية لإلحاق الهزيمة بـ «داعش» وأمثاله، وكثر الكلام عن تأهيل لها لتحل مكان «الهيئة العليا» للمفاوضات. الصورة تغيّرت تماماً اليوم، بقرار تركي وعزم أردوغاني على لعب الأوراق في سورية لمصلحته في تركيا. فلقد أثار تقدم القوات الكردية على الشريط الحدودي مخاوف أنقرة، وطهران معها، إذ أن كليهما يعارض مشروع قيام كردستان الموسّعة. وهكذا تحرّك أردوغان عسكرياً في سورية بضوء أخضر أميركي – إيراني بمباركة روسية: الضوء الأخضر الأميركي ترحيباً بدخول تركيا لاعباً عسكرياً مهماً ومصيرياً في الحرب على «داعش» في سورية حتى وإن كان ذلك مقروناً بإجهاض أحلام الشريك الكردي، والضوء الأخضر الإيراني سحقاً لمشاريع القومية الكردية. أما المباركة الروسية فإن فاعليتها الأولى تتمثل في النقلة النوعية لتركيا في إغلاق حدودها أمام التنظيمات المتطرفة ودخولها طرفاً في الحرب الميدانية ضد «داعش» ما يعالج الهواجس الروسية.

قد تكون الاستدارة التركية في سورية مؤشراً إلى بدء التفاهمات على مستقبل النظام الأمني الجديد، ولعل ما حمله الوزيران جون كيري وبوريس جونسون إلى جدّة حول مقاربة جديدة لإنهاء الحرب اليمنية يحمل بذور حلحلة سياسية إقليمية ودولية لملفي سورية واليمن.

من المبكر التفاؤل بقرارات توقف النزيف في سورية واليمن والعراق وليبيا عاجلاً. الواضح أن هذه الحروب أثبتت أنها غير قابلة للانتصار أو للهزيمة الواضحة. فلا يوجد منتصر في حروب التدمير القاضية على الأرض العربية بمساهمات إقليمية ودولية مرعبة.

الحياة

 

 

 

“الخديعة الكبرى”/ عريب الرنتاوي

رفعت واشنطن «رهانات وتوقعات» اكراد سوريا إلى عنان السماء، ثم أنزلتها إلى أسفل درك … وستدخل «الخديعة الكبرى» التي مارستها الإدارة الأمريكية مع الحركة الكردية السورية، تاريخ هذه الأمة المنكوبة بالتقسيم والتمييز والتهميش وتكالب القوى الدولية والإقليمية عليها، بوصفها فصلاً جديداً من فصول «التراجيديا» الكردية.

ما كان لأكراد سوريا أن يطلقوا العنان لأوهامهم ورهاناتهم، لولا «كلام» سمعوه، و«تعهدات» قُطعت لهم من قبل الدولة الأعظم … لقد رأوا السلاح يهبط عليهم مدراراً كالمطر الغزير، واستمتعوا باستضافة خيرة الخيرة من المدربين الأمريكيين والدوليين، وسًخّر سلاح الجو الأمريكي بما امتلك من قدرات تدميرية فائقة، لتغطية سمائهم، وتجندت الاستخبارات الأمريكية لتزويدهم بكل ما وصل إلى مسامعها من معلومات عن الخصوم، وانتشرت القواعد العسكرية الأمريكية (أو نويّاتها) في مناطق سيطرتهم، وحطت على مدارجها الطائرات المقاتلة في حالة التأهب والاستعداد، وتوالى وصول الموفدين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة والاتحادين الأوروبي والروسي إلى مدنهم المنكوبة بالفقر وآثار الحرب والدمار ، واخذت «سفاراتهم» تفتح أبوابها في عواصم كبرى، رافعة علم الإقليم من دون علم الوطن الأم… ظنوا في لحظة انتشاء، أن «الدولة» باتت قاب قوسين أو أدنى، وأن «الفيدرالية» على مرمى حجر أو أقل قليلاً، وأن تاريخ هذه المنطقة، سيبتسم لهم أخيراً، وسيصحح بعضاً من أخطائه القديمة الجديدة.

رموا بكل ثقلهم خلف واشنطن، وكيف لهم ألا يفعلوا ذلك، وما الذي بحوزتهم خلاف ذلك … وضعوا البيض كله في سلة الجنرالات والموفدين الكثر … قاتلوا ببسالة منقطعة النظير، وألحقوا بـ «داعش» أولى خسائره وهزائمه … والأهم من كل هذا وذاك، أنهم نجحوا حيث أخفق الآخرون في المعارضات السورية، في تقديم خطاب مدني، يسعى في علمانية الدولة ومدنيتها وديمقراطيتها، ويساوي بين الرجال والنساء، ويعتمد صناديق الاقتراع وسيلة للمشاركة الشعبية وغير ذلك مما عزّ أن تجده أو تعثر عليه، في خطاب وممارسة معارضات كانت تتجه بثبات صوب التطرف و«التسلف» وشتى «الأصوليات» النابذة والإقصائية والتكفيرية و«القروسطية».

ظنوا أن تركيا في وضع ضعيف، وأن ارتفاع منسوب الخلاف التركي الأمريكي، سيجعل منهم «بيضة القبّان» في السياسات والرهانات الأمريكية في الإقليم … اعتقدوا أن صمت واشنطن على معادلة أردوغان: إما تركيا وإما الحزب الديمقراطي الكردستاني، هو بمثابة انتصار لهم، وأن واشنطن اختارتهم على الدولة الإقليمية الكبرى، العضو الرئيس في «الناتو» … استمرأوا اللعبة، وكسروا أول خط أحمر تركي أحمر بعبور الفرات شرقاً، ودخلوا منبج بعد معارك طاحنة مع التنظيم الإرهابي، ولم يخفوا نواياهم بالصعود إلى الباب وجرابلس وإحداث الربط الجغرافي بين كانتونيكوبانيوعفرين.

أخذتهم العزة بالإثم، وظنوا أنهم إذ امتلكوا الدعم الأمريكي، امتلكوا الدنيا بأسرها … ذهبوا بعيداً في الاستخفاف بالنوايا والمصالح والأهداف التركية … ضربوا عرض الحائط بعلاقاتهم مع النظام في دمشق، وقرروا من جانب واحد، فرض سيطرة مطلقة ومتفردة على مدينة الحسكة، وتقدموا بلائحة شروط لوقف النار، هي بمثابة «صك إذعان» ما كان لدمشق أن تقبل به، حتى وإن أبيدت حاميتها في المدينة … لم يتركوا لأنفسهم «صاحب»، فلا هم مع النظام بخير ولا هم مع المعارضة بخير … فيما طهران وأنقرة، «الصديقتان اللدودتان» تتربصان بهم، وتنتظران بفارغ الصبر، لحظة استلال السكاكين للإجهاز على الذبيحة … ومن خلفهما، اصطفت طوابير الفصائل والجماعات والكتائب والأولوية المسلحة الجاهزة للانقضاض على الفريسة.

وفي ذروة التحليق على ارتفاعات شاهقة، جاءتهم الضربة من حيث لا يحتسبون … واشنطن تندفع لاستدراك أنقرة قبل أن تذهب بعيداً على طريق موسكو – طهران … جو بايدن يأتي مبرراً ومعتذراً بأسلوب فج، بلغ حدث السذاجة … ومن أنقرة بالذات، يطلق التحذيرات لحلفائه الكرد الأقربين: عليكم العودة شرق الفرات وإلا ستخسرون دعمنا … ليس هذا فحسب، فالرجل الثاني في الإدارة الأمريكية، يتعهد بتوفير الغطاء الجوي للقوات التركية البرية التي دخلت جرابلس لـ «دفن» الحلم الكردي بتقرير المصير أو «الفيدرالية» أو ربما «الاستقلال الناجز» … الطائرات الحربية الأمريكية التي ظلت تقدم وحدات الحماية بالأمس، هي ذاتها التي تغطي الدبابات التركية وهي تدوس على الحلم الكردي اليوم.

الصفعة موجعة، والخيبة شديدة … وخلف دخان المعارك في جرابلس، تلوح في الأفق جنازة مشروع «الفيدرالية» الكردية، ولم يبق للقيادة الكردية سوى أن تتوقف للحظة مع نفسها، وتعيد النظر في الحسابات والتوقعات والرهانات والتحالفات والأولويات … المهمة عاجلة ولا تحتمل التأجيل.

ما زالت لدى أكراد سوريا بعض أوراق القوة الهامة، فواشنطن لن تتخلى كلياً عن أهم حليف سوري لها، لكن على هذا الحليف، أن يتواضع في مطالبه … «لا مركزية» ربما، أما فيدرالية وإقليم وتقرير مصير فلا … هذه هي المعادلة الجديدة التي سيجري التفاوض بشأنها،فانبثاق الكيانية الكردية السورية، لا يمس وحدة سوريا فحسب، بل ويطال وحدة تركيا في المقام الأول … هذا ما يقلق أنقرة، مدعومة من جو بايدن، وليس «وحدة سوريا وسيادتها».

العلاقة مع دمشق لم تبلغ نقطة «اللاعودة» بعد، والوسيط الروسي كفيل بتذليل العقبات وإعادة بناء جدار الثقة الذي سقط في الحسكة … والأهم من كل هذا وذاك، إعادة ترميم ما انهدم وتهتك من وشائج مع مختلف المكونات السورية في مناطق انتشار وسيطرة الحركة الكردية، وفي المقدمة منها العرب والمعارضة الديمقراطية، فلا حل كردياً لمشكلة أكراد سوريا، بل حلاً وطنياً ديمقراطياً، ولا حل عسكرياً لمشكلة أكرادها، بل حلاً سياسياً تفاوضياً توافقياً بامتياز … والأهم، فإن ما يؤخذ في لحظة ضعف الدولة وبقية مكوناتها، من جانب واحد، وبأسلوب الاقتناص، لن يستمر طويلاً … وها هو يتلاشى بأسرع مما تصور أكثر المراقبين تفاؤلاً بمستقبل المشروع الكردي.

ولقد آن أوان الخروج من هذه الحلقة الشريرة المغلقة … أكراد سوريا، ضحايا التجاهل والتهميش والتعريب، لن يكون بمقدورهم ممارسة التهميش و«التكريد» للمكونات الأخرى، تماماً مثلما يفعل كرد العراق في بعض المناطق المتنازع عليها أو المستولى عليها أو «المطموع بها» … لعبة الإقصاء المتبادل بين شعوب هذه المنطقة وأممها، مكلفة للغاية وغير مضمونة العواقب، وآن الأوان للخروج على قواعدها المدمرة.

المصدر | الدستور الأردنية

 

 

 

 

عودة الأتراك إلى الصدارة بجدارة/ محمد بن المختار الشنقيطي

منذ أكثر من ستة قرون لاحظ عالِم الاجتماع وفيلسوف الحضارة عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) أن الأتراك جددوا نضارة الحضارة الإسلامية بعد أن أبْلتها القرون، وقعدت بها النخب الممسكة بزمام الدولة العباسية، حين تخلَّت عن معاني الرجولة والقوة، وأدمنت الترف والخمول. ثم رمتها الأمم عن قوس واحدة، من المغول في الشرق إلى الصليبيين في الغرب، ونخر عظامَها الفكرُ الباطني.

وقد وجد ابن خلدون -الذي عاصر المماليك في مصر- أن اختراق الشعوب التركية لقلب العالم الإسلامي، وهيمنتَها العسكرية على زمام الأمور فيه، كان “عناية من الله تعالى سابقة، ولطائفَ في خلقه سارية‏”، فكتب:

“حتى إذا استغرقت الدولة في الحضارة والترف، ولبستْ أثواب البلاء والعجز، ورُمِيت الدولة بكفرة التتر الذين أزالوا كرسيّ الخلافة، وطمسوا رونق البلاد، وأدالوا بالكفر عن الإيمان، بما أخذ أهلَها عند الاستغراق في التنعُّم، والتشاغل في اللذَّات، والاسترسال في الترف، من تكاسُل الهمم، والقعود عن المناصرة، والانسلاخ من جِلدة البأس وشعار الرجولية. فكان من لطف الله سبحانه أنْ تداركَ الإيمانَ بإحياء رمَقه، وتَلافى شمل المسلمين بالديار المصرية، بحفظ نظامه، وحماية سياجه، بأن بعث لهم من هذه الطائفة التركية، وقبائلها العزيزة المتوافرة، أمراء حامية، وأنصارا متوافية..‏ يدخلون في الدين بعزائم إيمانية، وأخلاق بدوية، لم يدنِّسها لُؤْم الطباع، ولا خالطتها أقذارُ اللذات، ولا دنَّستها عوائد الحضارة، ولا كسَر من سورتها غزارةُ الترف‏.‏. فيسترشح من يسترشح منهم لاقتعاد كرسيِّ السلطان، والقيام بأمور المسلمين، عناية من الله تعالى سابقة، ولطائف في خلقه سارية‏.‏ فلا يزال نشءٌ منهم يردف نشء، وجيل يعقب جيلا، والإسلام يبتهج بما يحصل به من الغَناء، والدولة ترِفُّ أغصانُها من نضرة الشباب.” (تاريخ ابن خلدون، 5/428).

وقد عبَّر ابن خلدون -وهو العربي اليمنيُّ الجذور- عن عمق أساهُ لأن العرب فقدوا روحهم المتوثبة وفتوتهم الأولى، بعد أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم شملهم، وأحال حياتهم من حياة الانتحار الجماعي في اقتتال بين القبائل دون غاية أو رسالة أخلاقية، إلى حياة التوحيد والوحدة والجهاد، لبناء عالم أفضل لهم وللبشرية.

والسبب في هذا التراجع -في تحليل ابن خلدون- هو إهمال العرب لمصدريْ قوتهم، وهما الرسالة الإسلامية والعصبية الاجتماعية. لكن ابن خلدون -وهو المسلم المتجاوز لحدود الانتماء العرقي- كان مغتبطا بأن التُّرك سدُّوا مسدَّ العرب في قيادتهم لمسار الحضارة الإسلامية، بعد أن خَبَت وهجُ الروح التي حرَّكت العرب الفاتحين في صدر الإسلام.

لقد منحت الحملات الصليبية والغزوات المغولية فرصة ذهبية للأتراك لاكتساب شرعية القيادة والريادة في العالم الإسلامي بجدارة، في وقت كان فيه المسلمون في مسيس الحاجة إلى براعة الأتراك العسكرية، واستعدادهم للتضحية. وهكذا امتدت حقبة الريادة التركية في العالم الإسلامي ثمانية قرون ونصف قرن، من تتويج أول سلطان سلجوقي -وهو السلطان طغرل- في بغداد عام 1055م إلى خلع آخر سلطان عثماني قوي -وهو السلطان عبد الحميد الثاني- في إسطنبول عام 1909م. وانتقل مركز ثقل الحضارة الإسلامية غربا مع حركة القافلة التركية المغرِّبة، من وسط آسيا إلى بلاد فارس، ثم إلى العراق والشام، وأخيرا إلى مصر والأناضول.

كانت الجنديَّة طريق الأتراك إلى القيادة، فهم لم يستحوذوا على وجدان المسلمين وولائهم إلا لحسن بلائهم وحملهم راية الملة والأمة. وقد برهن الترك على صلابة والتزام في الدفاع عن حدود دار الإسلام لا مثيل لهما لدى أي من الشعوب في تاريخ الإسلام. وبهذه الصفات تقدَّم ذلك الشعب القوي الشكيمة بجدارة، وانتقل من الصفوف الخلفية إلى الصدارة. وقد روى مؤرخ حلب ابن العديم قصة طريفة تدل على عمق التحول التاريخي الذي مرَّ به الترك في طريقهم إلى ريادة العالم الإسلامي. ففي معرض حديثه عن زحف السلطان ألب أرسلان -ثاني سلاطين السلاجقة- من العراق إلى الشام، كتب ابن العديم:

“ولما قَطع السلطان المُعظم الفرات من نهر الجوز، نزل بعض المروج على الفرات، فرآه حسنا، فأُعجب به، فقال له الفقيه أبو جعفر: يا مولانا احمد الله تعالى على ما أنعم به عليك، فقال: وما هذه النعمة؟ فقال: هذا النهر لم يقطعه قطُّ تركي إلا مملوكٌ، وأنتم اليوم قد قطعتموه ملوكا. قال: فلعهدي به وقد أحضر جماعة من الأمراء والملوك، وأمرني بإعادة الحديث، فأعدتُه، فحمد الله هو وجماعة من حضر عنده حمدا كثيرا.” (ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، 4/1974).

وقد بيَّنتُ في صدر كتابي عن (أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية) -وهو مترجم إلى اللغة التركية- أن العرب كانوا سيف الإسلام في حقبة الاندفاع، وأن الترك كانوا درع الإسلام في حقبة الدفاع، وكأنما انتقلت مصائر العالم الإسلامي من أيدي العرب إلى أيدي الترك منذ منتصف القرن الخامس الهجري. كما بيَّنتُ بالاستقراء التاريخي أن كل القادة العظام للمقاومة الإسلامية خلال الحروب الصليبية (سلاجقة، ودانيشمند، وأراتقة، وزنكيين، وخوارزميين، ومماليك) كانوا من أصول تركية.

فالمقاومة الإسلامية للحملات الصليبية -في وجهها السوسيولوجي والعسكري- كانت ظاهرة تركية في جوهرها. وما تخللها من دور رائع للسلطان الكردي صلاح الدين الأيوبي، تأكيدٌ للقاعدة لا خروج عليها، لأن صلاح الدين كان جزءا من النخبة العسكرية التركية لا مقابلا لها.

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن المماليك الأتراك بقيادة بيْبرس هم من كسروا العاصفة المغولية العاتية في معركة عين جالوت بفلسطين، وهو نصرٌ أنقذ العالم الإسلامي من خطر مُميت لم يواجه مثلَه من قبل. كما أننا لسنا بحاجة إلى التذكير بجهد العثمانيين وجهادهم على مدى أربعمائة عام لصيانة حدود العالم الإسلامي، من سواحل الخليج إلى ضفاف المتوسط، ومن أدغال السودان إلى أعماق البلقان.

ومما ساعد الأتراكَ في الإمساك بمصائر العام الإسلامي أنهم كسبوا العرب السنَّة إلى صفهم، وهم عمق الإسلام الروحي والثقافي. كما كسبوا الأكراد السنة إلى صفهم، وهم شعب محارب كانت له مواقف مشهودة في مقاومة الصليبيين. وقد توصلت النخبة السنية التركية والعربية والكردية إلى أرضية مشتركة من التفاهم، تتأسس على تقاسم الأدوار والمكانة. وقد لاحظ البحَّاثة في الأدب الفارسي والتركي، حسين مجيب المصري، أن الأتراك لم يتَّسِموا بالاستعلاء العرقي والثقافي في علاقتهم بالعرب بخلاف الفرس الذين تحكمت فيهم العُقد العرقية والثقافية تجاه العرب والترك معا على مرِّ القرون (المصري، صلات بين العرب والفرس والترك، ص 219-220).

وتعيش الأمة الإسلامية اليوم حالة انكشاف إستراتيجي خطير، تغذيها ظروف تمزُّق داخلي مزمن، واختراق خارجي خطير. وهي حالٌ تشبه حالها أثناء الحملات الصليبية والعاصفة المغولية. ومن المؤكد أنه لن يُخرج الأمة من هذا المأزق إلا ظهور قوة إسلامية تتصدر مسيرتها بعزم وجدارة.

وقد أدرك الفيلسوف السياسي صمويل هنتغتون هذا الأمر، وشرحه بإطناب في كتابه الذائع الصيت (صدام الحضارات)، وهو كتاب كثيرا ما أسيء فهمُه، وأسيء فهم مؤلفه الذي لم يكن داعية للحرب أو صدام الحضارات -وقد وقف في وجه الغزو الأميركي للعراق بشجاعة- وإنما كان مراقبا ذكيا، أدرك بفطنته أثَر الأديان والثقافات في العلاقات الدولية في أيامنا، خلافا لما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة. وقد شرح هنتيغتون الفكرة الرئيسية في كتابه بالقول:

إن “العالم سيتم تنظيمه [بعد الحرب الباردة] على أساس الحضارات أو لن يُنظَّم أبدا. في هذا العالم دول المركز في الحضارات هي مصادر النظام، وذلك في داخل الحضارات ثم بين الحضارات مع بعضها، عن طريق التفاوض بين دول المركز في كل منها.. العوامل الثقافية المشتركة تعطي شرعية للقيادة، ولدور دولة المركز في فرض النظام، بالنسبة لكل من الدول الأعضاء، والقوى والمؤسسات الخارجية” (هنتيغتون، صدام الحضارات، ص254).

ثم توصل إلى أن “السلام لا يمكن أن يتحقق أو أن يتم الحفاظ عليه في أي منطقة إلا بقيادة الدولة المسيطرة في تلك المنطقة. الأمم المتحدة ليست بديلا عن القوة الإقليمية، والقوة الإقليمية تصبح مسؤولة وشرعية عندما تمارسها دولة المركز مع الدول الأعضاء في حضارتها. دولة المركز يمكن أن تقوم بوظيفتها النظامية، لأن الدول الأعضاء تنظر إليها كقُربَى ثقافية. الحضارة أسرة ممتدة، ومثل أعضاء الأسرة الأكبر سنا، تقوم دول المركز بتوفير الدعم والنظام للأقارب. وفي غيبة القُرْبى هذه، فإن قدرة الدولة الأقوى على حلِّ الصراعات في منطقتها أو فرض النظام فيها تصبح محدودة.” (صدام الحضارات، 255).

وقد لاحظ هنتيغتون حالة اليُتم التي تعيشها الحضارة الإسلامية في هذا العصر، لأنها لا تملك “دولة مركز” تتصدر مسيرتها، وتضبط خلافاتها الداخلية، وتدرأ عنها سهام الأعداء. فـ”عدم وجود دولةِ مركزٍ إسلامية يمثل مشكلات مهمة لكل من المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية” (صدام الحضارات، 221)، فهذا الأمر “مصدر ضعف بالنسبة للإسلام، ومصدر تهديد للحضارات الأخرى.” (ص 289).

وقد بدأت حالة الانكشاف الإستراتيجي هذه منذ تفكيك الدولة العثمانية على أيدي المستعمرين الأوربيين، مطالع القرن العشرين. فـ”نهاية الإمبراطورية العثمانية تركت الإسلام دون دولة مركز.. وهكذا فإنه على مدى معظم القرن العشرين لم يكن لدى أية دولة إسلامية قوة كافية، ولا ثقافة كافية، ولا شرعية دينية، للاضطلاع بهذا الدور، لكي تصبح مقبولة من الدول الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية، كزعيم للحضارة الإسلامية” (صدام الحضارات، 289).

وقد استعرض هنتيغتون ست دول إسلامية وقدَّم تقييما لإمكانية اضطلاع أي منها بدور “دولة المركز” في الحضارة الإسلامية، وهي: السعودية، ومصر، وتركيا، وإندونيسيا، وباكستان، وإيران. فوجد أن خمسا منها تعاني من موانع جوهرية تحول بينها وبين هذه الريادة، إما بسبب “عدد سكانها الصغير نسبيا وعدم حصانتها الجغرافية” (السعودية)، أو بسبب “الفوارق الدينية” بينها وبين جمهور الأمة وسوء العلاقة بينها وبين العرب (إيران)، أو لفقرها في الموارد الطبيعية (مصر)، أو لانقسامها العرقي وعدم استقرارها السياسي (باكستان)، أو لأنها “تقع على حدود الإسلام بعيدا عن مركزه العربي” (إندونيسيا).

وبقيت من الدول الست تركيا وحدها هي المؤهلة لريادة العالم الإسلامي، فـ”تركيا لديها التاريخ، وعدد السكان، والمستوى المتوسط من النمو الاقتصادي، والتماسك الوطني، والتقاليد العسكرية، والكفاءة.. لكي تكون دولة مركز. ولكن أتاتورك حَرَم الجمهورية التركية من أن تخلُف الإمبراطورية [العثمانية] في هذا الدور، وذلك بسبب تحديدها بكل وضوح كمجتمع علماني” (صدام الحضارات، ص 291). ثم فرضت عليها الحرب الباردة والخطر السوفياتي “التورط مع الغرب” (ص 236) في أحلافه، مما جعل تركيا “دولة ممزَّقة” (ص 243) في هويتها وفي خياراتها الإستراتيجية.

فالموانع التي تمنع تركيا من الصدارة والتحول إلى دولة المركز في العالم الإسلامي موانع عارضة، وليست موانع جوهرية، وهي الشطط الأيديولوجي العلماني الذي فُرض على شعبها، وفرض التبعية للغرب عليها، بينما تدعوها مكانتها وتاريخها وثقافتها إلى أن تكون رأسا في العالم الإسلامي، لا ذنَبا في الغرب. وقد انتبه هنتيغتون إلى أن تلك القيود المفروضة على تركيا بدأت تتآكل، فـ”في تركيا -كما في كل مكان- تؤدي الديمقراطية إلى الرجوع إلى الأصول وإلى الدين.” (ص 241)، ولذلك فإن “الانبعاث الإسلامي غيَّر شخصية السياسة التركية” (ص 241).

وختم هنتيغتون ملاحظاته الثمينة بإمكان تحرُّر تركيا من القيود المفتعلة المفروضة عليها نهائيا حين تستكمل اكتشاف ذاتها، وتعيد تعريف نفسها، فكتب: “ماذا لو أعادت تركيا تعريف نفسها؟ عند نقطة ما يمكن أن تكون تركيا مستعدة للتخلي عن دورها المُحبِط والمُهين كمتسوِّل يستجدي عضوية نادي الغرب، واستئناف دورها التاريخي الأكثر تأثيرا ورُقيا كمُحاور رئيسي باسم الإسلام وخصم للغرب.” (ص 291). لقد صدر كتاب هنتيغتون منذ نحو عقدين من الزمان، ولو كان مؤلفه حيا اليوم لسَعِد بصدق تحليلاته، وعمق نظرته إلى المستقبل، فقد أعادت تركيا تعريف نفسها، واكتشفت جذورها.

إن عبرة التاريخ الذي استعرضناه هنا، ومنطق الجغرافيا السياسية الذي تحدث به هنتيغتون، يدلان على أن تحول أي من الدول اليوم إلى “دولة مركز” في العالم الإسلامي يستلزم شروطا ثلاثة:

– أن تكون قريبة مكانيا ووجدانيا من العالم العربي الذي هو القلب الثقافي للإسلام.

– وأن تملك القوة الاقتصادية والعسكرية والبشرية والمؤسسية الداعمة لطموحاتها.

– وأن تملك الإرادة السياسية والاستعداد للتضحية والمخاطرة ثمنا لهذه الريادة.

وتركيا هي الدولة الوحيدة التي يتوفر فيها الشرط الأول والثاني. أما الشرط الثالث فلم يتحقق بعدُ، كما يظهر من عجز تركيا عن وقف الجرح السوري النازف على حدودها منذ خمسة أعوام، رغم رغبتها في ذلك ومصلحتها فيه. وربما يكون السبب هو قيود الدولة العميقة والكيان الموازي الذي كان ينخر تركيا من الداخل، والخوف من غدر الغرب الذي يتربص بها الدوائر.

لكن فشل الانقلاب الأخير حرر أيدي تركيا إلى حد بعيد من هذين القيدين. وتدل الهزة الوجدانية التي صاحبت أحداث الانقلاب في جميع أرجاء العالم الإسلامي على أن فشل هذا الانقلاب ليس حدثا سياسيا عابرا، بل هو بداية انعطافة تاريخية كبرى، ستعيد الأتراك إلى صدارة العالم الإسلامي بجدارة.

الجزيرة نت

 

 

عملية درع الفرات.. الأسباب والتحديات المستقبلية/ سعيد الحاج

مرونة سياسية وتصعيد عسكري

جرابلس بين الإستراتيجيا والتكتيك

التحديات المستقبلية

في الرابعة من فجر يوم الأربعاء 24 أغسطس/آب، أعلنت القوات المسلحة التركية بدء عملية عسكرية ضد تنظيم الدولة (داعش) في مدينة جرابلس السورية القريبة من حدودها أطلق عليها لاحقا اسم “درع الفرات”، وحملت متغيرا جذريا في المقاربة التركية للأزمة السورية وألقت بظلالها على المشهد العام في كل من تركيا وسوريا، فضلا عن أسئلة كثيرة أثارتها حول الدور التركي المرتقب في سوريا وعلاقات أنقرة مع مختلف الأطراف.

مرونة سياسية وتصعيد عسكري

ما إن استفاقت تركيا من كابوس الانقلاب المزعج حتى استأنفت مسيرة المصالحات في سياستها الخارجية، فزار أردوغان روسيا في خطوة أذابت الكثير من جليد العلاقات معها، وأقر البرلمان التركي اتفاقية التعويضات المتعلقة بالمصالحة مع دولة الاحتلال، كما قدم الساسة الأتراك رسائل إيجابية تجاه العراق ومصر، وكانت الخاتمة بخصوص سوريا.

ففي الخامس عشر من الشهر الجاري وفي لقاء مع صحيفة “قرار”، قال رئيس الوزراء التركي يلدرم إن بلاده تدعم الحل في سوريا وفق شروط أهمها الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ورفض إنشاء دويلة كردية في شمالها وعدم قيام نظام حكم طائفي فيها.

لاحقا، تواترت تصريحات يلدرم، التي كان أهمها تبشيره بمتغيرات مهمة في سوريا خلال ستة أشهر واعتباره الأسد “طرفا في الأزمة” يمكن بقاؤه في السلطة خلال الفترة الانتقالية لكن “لا مكان له في مستقبل سوريا”. بينما أكد نائب رئيس الوزراء نور الدين جانكلي أن بلاده ستحسن علاقاتها التجارية والاقتصادية مع سوريا.

هذه المرونة السياسية تبدو كعربون تركي للتقارب مع موسكو أو إبداء لحسن النوايا تجاهها، لكن أيضا لا ينبغي إغفال انعكاسات المحاولة الانقلابية الفاشلة على السياسة الخارجية التركية ورؤية “تقليل عدد الخصوم” التي تبنتها تركيا، ورغبتها في إخراج سوريا من مستوى العبء ومساحات التأزم في العلاقات مع مختلف الأطراف -سيما روسيا- ونقلها لمستوى التعاون إن أمكن، وهو ما قد يفسر استخدام الرئيس أردوغان لمصطلحات كانت شبه حصرية للساسة الروس من قبيل “إن مستقبل سوريا يحدده السوريون وحدهم” رغم عمق الخلافات بين الطرفين.

بيد أن سياق التهدئة والمبادرات الودية في السياسة لم تمنع مبادرة تركية جريئة في شمال سوريا تجاه مدينة جرابلس التي يسيطر عليها “داعش” بقيادة القوات الخاصة التركية، شاركت فيها طائرات F16 وطائرات بدون طيار (مع غطاء جوي من التحالف الدولي)، وتخللها قصف مدفعي وصاروخي مركز، إضافة لتوغل دبابات تركية وجنود مشاة داخل الأراضي السورية لدعم قوات المعارضة السورية المتقدمة نحو جرابلس.

 

العملية التي أسمتها أنقرة “درع الفرات” في تذكير واضح بخطوطها الحمراء المتعلقة بتقدم القوات الكردية غربي الفرات أعلن عن ثلاثة أهداف رئيسة لها، هي طرد تنظيم الدولة (داعش) من المدينة، وحماية الحدود التركية، والمحافظة على وحدة الأراضي السورية. ويبدو أن انسحاب التنظيم من المدينة، بعد أن قصفت المقاتلات التركية 12 هدفا والمدفعية والدبابات 81 هدفا له، قد أنهى المعركة -أو المرحلة الأولى منها- سريعا.

جرابلس بين الإستراتيجيا والتكتيك

يعتبر تنظيم الدولة المصنف على قوائم الإرهاب التركية، مصدر تهديد لأنقرة؛ إذ تستهدف صواريخه مدينتي كيليس وكاركاميش الحدودتين بشكل مستمر، وتتهمه أنقرة بالوقوف خلف عدة عمليات انتحارية داخل أراضيها أهمها تفجير أنقرة الذي أودى بحياة أكثر من 100 مواطن تركي في أكتوبر/تشرين الأول 2015 وتفجير فوج سياحي ألماني في يناير/كانون الثاني 2016 وتفجير حفل زفاف في مدينة غازي عنتاب قبل أيام.

وإضافة إلى ذلك تقدر بعض التقارير الحكومية أن ما بين 2000 إلى 15000 شاب تركي قد انضموا للتنظيم أو ينتمون له فكريا دون عمل مباشر كـ”خلايا نائمة” تنتظر دورها في معركة ضد تركيا يراها التنظيم قادمة. وباعتبار أن جرابلس هي آخر المدن الحدودية التي يسيطر عليها التنظيم وأقربها إلى تركيا فقد اتخذ القرار بإخراجه منها وإبعاده عن الحدود قدر الإمكان.

بيد أن التنظيم ليس السبب الوحيد خلف أهمية المدينة الاستثنائية بالنسبة لأنقرة؛ فتوسطها بين كانتوني عين العرب/كوباني في الشرق وعفرين في الغرب اللذين تسيطر عليهما الفصائل الكردية المسلحة (حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية قوات حماية الشعب) تجعل منها هدفا إستراتيجيا وضروريا على طريق إنشاء دويلة أو ممر كردي في شمال سوريا، وهو ما تراه أنقرة ضارا بأمنها القومي للعلاقة العضوية المعروفة بين هذه الفصائل وحزب العمال الكردستاني.

ويبدو أن الضمانات الأميركية المقدمة لتركيا بتراجع الأكراد فور انتهاء المعركة لم تتحقق بعد انتهاء معركة منبج التي هزم فيها تنظيم الدولة أمام قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، بل بدأ الحديث عن الخطوة القادمة وفق عدة خيارات من بينها جرابلس، وهو ما ساهم في تسريع قرار التدخل.

بمعنى أن العملية كان لها هدفان، تكتيكي قريب هو دحر التنظيم من المدينة لتأمين المدن التركية الحدودية من نيرانه، وإستراتيجي بعيد هو منع السيطرة الكردية على المدينة ودعم سيطرة المعارضة السورية عليها كمساحة يمكن الانطلاق منها مستقبلا في أكثر من اتجاه ووفق عدة سيناريوهات.

التحرك التركي العسكري الذي حسم الأمر خلال ساعات معدودة لا يقل نجاعة عن الإنجاز السياسي الذي تحقق لأنقرة؛ إذ يبدو أنها، مع هذا المتغير الكبير في سياستها المتعلقة بسوريا، قد استطاعت جمع المتناقضات لتتبدل مواقف مختلف الأطراف في هذه المعركة.

فقد سمحت روسيا بالتوغل والطيران والقصف من قبل تركيا رغم تحفظها المعلن (وهي المرة الأولى من أزمة إسقاط المقاتلة الروسية)، وأيدت الولايات المتحدة العملية وشاركت فيها طائرات التحالف الدولي والطائرات بدون طيار التي تتبع له، وتخلت بعض فصائل المعارضة السورية عن موقفها الرافض لقتال تنظيم الدولة وحصر نشاطها بقتال النظام، كما تراجعت الفصائل الكردية شرقا بعد التهديد التركي باستهدافها والتلويح الأميركي -على لسان نائب الرئيس جو بايدن- برفع الغطاء عنها إن لم تفعل.

التحديات المستقبلية

حمل اليوم الأول للعملية نتائج مبهرة ومطمئنة لتركيا، حيث سيطرت المعارضة على المدينة وانسحب التنظيم وتراجع الأكراد، في ظل تسهيل و/أو دعم أميركي روسي، لكن النتائج طويلة المدى ليست بالضرورة بذات السهولة بل تحمل بين طياتها عدة تحديات.

يرتبط التحدي الأول بالمدى الزمني للعملية وما يمكن لها أن تحققه؛ فما زالت تركيا على المستوى النظري ذات سياسة بعيدة عن أحلام التدخل والاحتلال وترى فيهما توريطا لها لم تكن تريده إلا في سياق الاضطرار. بيد أن النجاح الخاطف قد يغري صانع القرار التركي بإمكانية تحقيق خطة “المنطقة الآمنة المصغرة” التي ما زالت تنتظر اقتناع حلفاء أنقرة منذ سنوات دون جدوى، وما يمكن أن يبنى عليها لاحقا من مسارات.

ذلك أن استطالة أمد العملية، وفق الهدف المعلن على لسان يلدرم وهو إعادة الفصائل الكردية إلى شرق الفرات، قد يعني فعلا وقوع تركيا في “المستنقع السوري” وفق تعبير صالح مسلم قائد حزب الاتحاد الديمقراطي وهو تهديد يجدر أخذه على محمل الجد في ظل حالة السيولة والمتغيرات شديدة السرعة في المشهد السوري.

وفي سياق متصل بهذا، لا يمكن لأنقرة الوثوق بثبات مواقف الأطراف المختلفة سيما روسيا والولايات المتحدة، فكلاهما معروف بتبديل المواقف والتحالفات وتوريط الأصدقاء قبل الخصوم، سيما وأن الأخيرة ما زالت تحتاج إلى الفصائل الكردية المسلحة كلاعب محلي تثق به أكثر من غيره، بينما ما زالت الأولى في خطوات الاختبار الأولى لعملية المصالحة مع أنقرة ولم تخف تحفظها على المبادرة التركية الجريئة في جرابلس، رغم علمها الواضح وسماحها المفهوم ضمنيا بها.

ويرتبط التحدي الثالث بمدى كفاءة المؤسسة العسكرية التركية، ليس على مستوى العدد والعتاد فتركيا تملك ثاني أقوى جيش في حلف الناتو بما يخرجها من أي مقارنة مع الفصائل المتناحرة على الرقعة السورية؛ لكن المؤسسة العسكرية ما زالت تعاني من ارتدادات المحاولة الانقلابية الفاشلة بسبب عملية إعادة الهيكلة وفصل المئات من القيادات وتغيير الخطط فضلا عن حالة عدم الثقة بالنفس وعدم ثقة الساسة الكبيرة بها، وهو سياق لا يشجع على أي مغامرات في بلد تتواجد على أرضه جيوش عدة دول أكثرها على غير وفاق مع تركيا.

أما التحدي الرئيسي الرابع فيكمن في مدى قدرة أنقرة على الموازنة بين هذا التصعيد العسكري الذي يرتبط بالمعركة المستمرة مع تنظيم الدولة وتقدم المعارضة السورية على جبهة حلب والموقف من الأكراد وغيرها من العوامل الميدانية التي يمكنها أن تؤثر في مساره ومصيره، وبين الحل السياسي الذي تريده وأعلنت دعمها له وقدمت عددا من القرائن في هذا السياق.

التحدي الخامس الذي يجب على تركيا التعامل معه هو رد فعل التنظيم ضدها -لاحظ أنه فضل الانسحاب على المواجهة- وهو الذي يملك -بفعل الحدود المشتركة والخلايا النائمة- عددا من الأوراق يمكنه تفعيلها سيما ورقة العمليات الانتحارية، بعد أن ضاقت عليه الحلقة في سوريا وفي ظل الحديث عن قرب موعد معركة الموصل. ولا شك أن هذه الهجمات الانتقامية المحتملة سيكون لها تأثير مباشر على المشهد الداخلي التركي الذي لم يلتئم بعد من جراح الانقلاب.

في الخلاصة، رغم سرعة العملية العسكرية في مدينة جرابلس، فإن “درع الفرات” يبقى متغيرا استثنائيا في مقاربة تركيا للأزمة السورية، ويفتح الباب على سيناريوهات غير محدودة ولا يمكن الجزم بمساراتها، في ظل العدد الكبير من المتغيرات المؤثرة في المشهد، بين النظام والتنظيم والأكراد والمعارضة والقوى الإقليمية والدولية.

ويعني ذلك أن الأسلم لتركيا هو تثبيت الإنجازات الميدانية والعودة لوضعية النأي بالنفس السابقة دون مغامرات على الأراضي السورية، مع رفع مستوى التنسيق والدعم للمعارضة السورية، ضمن رؤية شاملة لكيفية حل الأزمة السورية بسقف يرضي السوريين ويحفظ وحدة أراضيهم ويؤمن مصالح تركيا المتمثلة في منع سيناريوهات التجزئة والتقسيم.

الجزيرة نت

 

 

 

ما بعد جرابلس/ بيار عقيقي

لم يكن ممكناً للقوات التركية دخول الأراضي السورية، ولو بغاية دعم الجيش السوري الحر في السيطرة على جرابلس، من دون ضوء أخضر أميركي ـ روسي. يُفترض أيضاً أن الإيرانيين كانوا على علمٍ بذلك، على خلفية زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إلى طهران الأسبوع الماضي، ولقائه نظيره الإيراني، محمد جواد ظريف. بالطبع، من المفترض أيضاً وأيضاً أن يكون الإسرائيليون على علمٍ بذلك، كعنصر ميداني، يقوم بعمليات عسكرية محدّدة في سورية، من اغتيال قادة من حزب الله، وقصف قوافل السلاح التابعة للحزب، فضلاً عن قصف مناطق في الجولان السوري.

عليه، قد يكون الجميع على علمٍ بالعملية التركية قبل حدوثها، إلا النظام السوري، بما يؤشر إلى أن دوره سيكون هامشياً، في المرحلة المقبلة، خصوصاً في أية مفاوضاتٍ أو مشاورات. الدلالات كثيرة. الروس بأنفسهم لا يتعاملون مع النظام، ورئيسه بشار الأسد، على أنه “عنصر فاعل” في سورية، بل على قاعدة “تقاطع المصالح” التي صودف وجود الأسد فيها فترة طويلة، قبل انبلاج فجر التحالفات الجديد في الأسابيع الأخيرة، تحديداً، بعد الانقلاب الفاشل في تركيا في 15 يوليو/ تموز الماضي.

في العام الماضي، رفع الأتراك من نبرتهم في شأن “المنطقة الآمنة” على الحدود السورية ـ التركية. جوبهوا باعتراضاتٍ روسية كبيرة، أدّت لاحقاً إلى تعليق المشاورات بشأن هذه المنطقة. كان واضحاً أن إنشاء مثل هذه المنطقة من عدمها أمر دولي، أكثر منه إقليميّاً. وهو ما يحصل حالياً، فتحرير جرابلس شرّع الأبواب أمام ترسيخ مثل هذه المنطقة ميدانياً. بالتالي، فإن السؤال لم يعد عن وجودية “المنطقة الآمنة” بحدّ ذاتها، بل تجاوزها إلى السؤال حول مساحتها الجغرافية، وأهدافها المستقبلية.

وقبل اتضاح حيثيات المنطقة العتيدة، يبدو الدور الروسي “مفاجئاً” لكنه فعلياً غير مفاجئ. اعتاد الكرملين التصرّف ببراغماتية أشبه بسياسة توحي بـ”تخلٍّ” أو أقلّه “نصف تخلٍّ”، منذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة. يعمل بوتين وفق قاعدةٍ قائمةٍ على ثلاثة اعتبارات. الأول، يتعلق بالتعامل مع القوى الكبرى عالمياً، من موقع “الفتى المشاكس”، لا “الدولة المنسجمة” في تركيبة قوانين هذه الدول. الثاني، يتمحور في إقناع الدول الضعيفة بأن “الروسي هو حليفها الأوثق”، وحين يأمن جانبها وركونها إليه، يعمد إلى استغلالها، على قاعدة “ألا بديل عنه”، بما يشبه فعل السخرة السياسية. أما الاعتبار الثالث، فمتعلق بالثوابت غير المتغيرة، أي المرتبطة بـ”القومية الروسية”، وإفرازاتها في دول الجوار من البلطيق إلى أواسط آسيا.

عليه، لن يتردّد الروسي في تغيير مساره التكتيكي سورياً، بما يحفظ مصالحه. وهو أمر نوقش عشرات المرات، بين موسكو وعواصم إقليمية ودولية. يريد بوتين كسب كل دول الشرق الأوسط إلى جانبه، لا سورية فقط، ووفقاً لشروطه، تحديداً لجهة تأمين الأسواق للسلاح والغاز الروسيين. وهو ما يظهر في سير عمله دبلوماسياً واقتصادياً.

أما بالنسبة للولايات المتحدة التي بدت، لوهلة، وكأنها تدعم معظم الأطراف في معركة جرابلس، فإنها ليست في وارد الإقدام على فعلٍ ما، قبل ثلاثة أشهر من انتهاء عهد الرئيس باراك أوباما، لكنها قادرة على إطالة المعركة في الشمال السوري، حتى بدء عهد الرئيس/ة المقبل/ة. من المؤكد أن أموراً كثيرة ستتغير في سورية في الفترة المقبلة، إذ سبق لرئيس الوزراء التركي، بنعلي يلدرم، أن أكد، بصورة غير مباشرة، على احتمال حدوث تطوراتٍ كبيرة في الملف السوري في الأشهر الستة المقبلة. وإذا كان الشهر الأول منها يبدو مفاجئاً، فإن جميع الاحتمالات مفتوحة، مع ثابت وحيد: بدء انتهاء تأثير النظام السوري كلياً على امتداد المساحة الجغرافية السورية، واستطراداً على بعض دول الجوار.

العربي الجديد

 

 

 

ذريعة المحافظة على وحدة سوريا توسع مروحة التدخل الخارجي المباشر/ روزانا بومنصف

لم يعط نائب الرئيس الاميركي جون بايدن الذي زار تركيا في منتصف الاسبوع براءة ذمة للتدخل التركي في سوريا فحسب بل هو اعطاها غطاء لبقائها في سوريا حتى طرد تنظيم الدولة الاسلامية منها كما قال في موازاة سحب الغطاء عن تنظيم ي.ب.ك الكردي وهو الجناح المسلح للذراع السوري لمنظمة بي كا كا في حال عبوره غرب نهر الفرات. وبصرف النظر عن واقع ابتزاز الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الولايات المتحدة خلال الشهر الماضي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة والمطالبة بالداعية فتح الله غولن لتسليمه من الولايات المتحدة على انه المسؤول عن هذه المحاولة والذي قد يكون شكل عاملا في محاولة ارضاء تركيا الى جانب عوامل اخرى من بينها التقارب مع روسيا وايران، فان واقع تدخل تركيا مباشرة في الحرب السورية تحت عنوان المحافظة على وحدة سوريا يكاد يكمل مروحة الدول صاحبة المصالح المباشرة في النفوذ على الارض في سوريا ويعيد الى الاذهان وعلى نحو فاضح كيفية تدخل دول عدة في لبنان زمن الحرب ودخول سوريا العسكري الذي غدا احتلالا استمر ثلاثة عقود تحت عنوان المحافظة على وحدة لبنان. التقت الولايات المتحدة وروسيا على بقاء سوريا موحدة وكان ثمة اتفاق اطلق مفاوضات سورية سورية لم تلبث ان توقفت وعادت تركيا للاتفاق مع روسيا وايران على وحدة سوريا خوفا من تشظيها بتقسيم او فيدرالية يفجرها طموح كردي الى دولة مستقلة. وهي مفارقة لافتة ان تكون استباحة سوريا من الدول المجاورة تحت عنوان المحافظة على وحدة سوريا ما يفتح الباب واسعا امام صورة متكاملة لما قد يكون عليه وضع سوريا بعد انتهاء الحرب فيها. في هذا الوقت “باعت” الولايات المتحدة فورا القوات الكردية التي اوكلت اليها تحرير مناطق سورية من تنظيم الدولة الاسلامية وجعلتها حصانها الرابح ولو ان مصادر ديبلوماسية تقول ان استخدام الاكراد ومساعدتهم كذلك لم تترافق لا من جانب الولايات المتحدة ولا روسيا باي وعود بدولة مستقلة بل ان الكلام الدائم على وحدة سوريا كان عنوانا لاتفاق اميركي روسي لا ينبغي ان يراهن الاكراد على ابعد منه. هذا لا يمنع من التضحية بالطموح الكردي الذي تمت دغدغته في حين ان ما يطاول الاكراد قد ينسحب ايضا على المعارضة السورية المعتدلة المربكة بالتحول التركي وتقاربه المحتمل مع نظام بشار الاسد انطلاقا من ان الاوراق لم تعد تلعب عبر اطراف سورية بل يمكن ان يلعبها الافرقاء الاقليميون والدوليون مباشرة من دون وسيط داخلي من اجل تعزيز نفوذهم.

ما الذي بقي من سوريا التي ابتلع نظامها خرق الدول المجاورة لسيادة سوريا والذي لا يزال يتغنى بها وقد برر لكل من روسيا وايران تدخلهما بناء على طلب من حكومته؟. سؤال لا يثيره فقط التدخل التركي وهو مطروح مع تدخل ايران المباشر ومعها الميليشيات العراقية واللبنانية وتدخل روسيا العسكري ووجود عسكري ايضا لاميركا في مساعدة قوات سوريا الديموقراطية او لمحاولة تنظيف بعض المدن من تنظيم الدولة الاسلامية. ولكن هل لا يزال مصير بشار الاسد مهما فعلا في ظل بوتقة الدول الاقليمية والخارجية التي تتقاسم النفوذ على الارض السورية باعتبار انه ولو استفاد من تلاق للمصالح مع دول اقليمية كتركيا مجددا فان هذه البوتقة من الدول كفيلة بان تشكل مؤشرا قويا وكافيا على ان سوريا لن تسلم اليه مجددا كما كانت سابقا. التدخل التركي يشي بالنسبة الى مصادر ديبلوماسية بان الحرب قد تكون دخلت مرحلة جديدة وليست هي نهاية الحرب حتى لو كان ثمة تلاق بين روسيا وتركيا وايران والولايات المتحدة حول هذا الموضوع. وقد طغت التطورات الميدانية في سوريا والمتصلة في شكل خاص بدخول تركيا عسكريا الحرب السورية منعا لاحتمال قيام دولة كردية تحت عنوان المحافظة على وحدة سوريا على التقرير الاممي الذي صدر بناء على تحقيق مشترك للامم المتحدة والمنظمة الدولية لحظر الاسلحة الكيماوية وجزم بان قوات النظام السوري كانت مسؤولة عن هجومين بغاز سام وقعا بعد موافقة النظام على تدمير اسلحته الكيماوية في 2013 وكذلك الامر بالنسبة الى تنظيم الدولة الاسلامية. وكان مجلس الامن حذر في موافقته على الاتفاق الذي توصلت اليه الولايات المتحدة وموسكو على اثر فشل الرئيس الاميركي باراك اوباما في الوفاء بالتزامه اتخاذ اجراءات في حال تخطي الخط الاحمر الذي كان رسمه لاستخدام النظام السوري الاسلحة الكيماوية ضد شعبه من انه في حال عدم الالتزام وحصل نقل غير مرخص لمواد كيماوية او اي استخدام لاسلحة كيماوية من اي طرف في سوريا فانه سيفرض اجراءات تقع تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة نتيجة خرق ثلاثة قرارات للمجلس على الاقل هي القرارات 2118 و2209 و2235. وفيما رمت واشنطن الكرة في ملعب مجلس الامن من اجل اتخاذ الموقف المناسب، فان المجلس الذي سيناقش التقرير في 30 من الجاري قد يجد نفسه امام معضلة استمرار دفاع روسيا عن النظام وعدم القدرة على اتخاذ اي اجراءات عقابية جدية ضد النظام باعتبار ان العقوبات اسهل ازاء تنظيم الدولة الاسلامية. هذه الخلاصة تفتح بابا اضافيا امام محاسبة النظام راهنا او لاحقا امام المحكمة الجنائية الدولية والتي قد تتولاه دول او منظمات او اشخاص تضرروا من لجوء النظام الى استخدام الاسلحة الكيماوية ضد شعبه.

النهار

 

 

 

لا تغير استراتيجياً بعد التقارب الروسي التركي/ محمد زاهد غول

إن وجود قواعد عسكرية لحلف الناتو على الأراضي التركية هو تحالف استراتيجي بدأ عام 1952، وهذا التحالف مع الدولة التركية وليس مع أحزابها السياسية، وهذا التحالف تفرضه الجغرافية السياسية لتركيا منذ نشأتها منذ أربعة وتسعين عاما.

إن الجهة الغربية التي تورطت بانقلاب 15 يوليو 2016 ليس حلف الناتو، وإنما مراكز استخباراتية أمريكية استجابت لدعوات تنظيم غولن بتغيير الحكومة التركية والحزب الحاكم في تركيا بالانقلاب العسكري، والانقلاب هو ليس تخليا عن الدولة التركية حتى لو تورط به حلف الناتو، وإنما هو تخل عن الحزب الحاكم وأردوغان، فالانقلاب دليل على تمسك الغرب بتركيا، خوفا على مصالحهم من وجهة نظر غربية خاطئة، لأن مصالحهم مع الشعب التركي وليس مع الأحزاب السياسية، وليست مع التنظيمات السرية.

ومسألة الطيار الذي أسقط الطائرة الروسية غير مستبعد أن يكون من جماعة فتح الله، وتم التنسيق بينه وجماعته مع الاستخبارات الأمريكية، فأمريكا لم تخف موقفها بتشجيع تركيا على إسقاط طائرات روسية تنتهك مجالها الجوي قبل اسقاط الطائرة، ووقفت مع تركيا بإثبات احداثيات الطائرة المسقطة أنها دخلت الأراضي التركية، فأمريكا هي التي كانت تسعى لتوسيع دائرة الخلاف التركي الروسي، بينما الدول الأوروبية رفضت ذلك، بل إن حلف الناتو حذر تركيا من التورط بمثل هذه الحرب، وأعلن أنه لن يدافع عن تركيا اذا دخلت في حرب خاصة مع روسيا لا علاقة لها بالناتو، فالموقف الأوروبي غير الموقف الأمريكي بشأن اسقاط الطائرة، والرغبة الأمريكية متعلقة بتوسيع دائرة معاناة روسيا وتركيا في الأزمة السورية. لا يوجد تفكير تركي للخروج من الناتو، وبناء مؤسسات الجيش التركي تمت بالتعاون مع قيادة الناتو والبنتاغون الأمريكي، ولذلك لم يكن غريبا أن يكون اول مسؤول لتركيا بعد الانقلاب الفاشل رئيس هيئة الأركان الأمريكية ستراتفورد ولقاءاته الرسمية مع رئيس هيئة الأركان التركي خلوصي أكار ووزير الدفاع التركي ورئيس الوزراء التركي يلدرم، ولا بد أن زيارته كانت تحمل تحذيرا بالحفاظ على بنية الجيش التركي في عملية التطهير للجنرالات الذين شاركوا بالانقلاب الفاشل، وان الجيش الأمريكي يتابع بدقة ما تقوم به الدولة التركية في إعادة هيكلة الجيش التركي.

لا بد ان لدى الأتراك الخبرة الكاملة والمعرفة التامة بانه لا يمكن الوثوق بالسياسة الروسية ولا بالاتفاقيات العسكرية مع روسيا، فالاتحاد السوفييتي قبل تحلله تخلى عن جيوش المنظومة الاشتراكية، وهو لم يحسن التعاون معها حتى أيام الحرب الباردة، ومارس عليها قيادة مستبدة وليس شراكة، بينما قيادة حلف الناتو اكثر قدرة على التفاهم مع قيادات الجيوش المتحالفة معها، بما فيها الجيش التركي، وهذا يعني ان الأتراك لن يتخلو عن الناتو لصالح حلف ضعيف مثل التحالف مع الجيش الروسي، ولعل استعمال الأراضي السورية أو الإيرانية في عمليات عسكرية روسية قبل الاعلان عنها إعلاميا، أو من خلال اتفاقيات سياسية بين البلدين هو دليل على ضعف المواقف الروسية في إجراء تحالفات استراتيجية عسكرية مع هذه الدول، بل عجزت روسيا في قيادة تحالف عسكري تشارك فيه القوات العسكرية العراقية، لأن أمريكا رفضت ذلك.

وبالنظر إلى القدرات العسكرية والتفاوت في التقدم التكنولوجي العسكري بين روسيا وامريكا، فإن تركيا لا يمكن أن تفاضل الأسلحة الروسية على الأسلحة الأمريكية المتقدمة، أي ان الجوانب الفنية غير مغرية.

العلاقات الاقتصادية بين روسيا وتركيا بدأت في اواخر الستينيات من القرن الماضي، بدون ان تؤثر على التحالف الاستراتيجي التركي مع أمريكا والناتو، وتوسيع التعاون الاقتصادي بين تركيا وروسيا لا يؤثر بالضرورة على التحالف العسكري مع الغرب الآن أو في المستقبل. والموقف الروسي من الأكراد هو دليل على أنه لا ينبغي لأي دولة او قومية ان تثق بالتحالف مع روسيا، فبوتين كان من السذاجة المضحكة أمام أردوغان في لقائهما الأخير في بطرسبورغ، عندما انكر معرفته بوجود مكتب سياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي في موسكو، وتوجه بالسؤال لوزير الخارجية والمستشارين يستفسر عن هذا الأمر ، وكأنه لا يعرف به، ولو لم يكن بوتين رجل مخابرات عريق في المخابرات السوفييتية «الكي جي بي» لأمكن قبول ذلك منه، ولكنه تهرب فاضح عن السؤال الذي وجه إليه من الرئيس أردوغان، وهذا دليل على أن روسيا تتخلى عن معرفة أصدقائها امام مصالحها، وهذا درس لأردوغان ، فقد يتجاهل بوتين معرفته به، عندما تتعارض مصالح روسيا معه.

الأحزاب الكردية تخطئ كثيرا وهي تعتمد على وعود امريكية، وامريكا تستخدمهم لأهداف مرحلية، ولا يملكون ان يكونوا حلفاء استراتيجيين مع أمريكا ولا مع روسيا، ولذلك سرعان ما يتم التخلي عنهم، لأنهم يفتقدون وحدة جغرافية وديموغرافية معاً، فلهم وجود متناثر في شمال سوريا، وهذا لا يؤهلهم لإقامة كيان سياسي بمفردهم، ولذلك هم يراهنون على القوى الدولية روسيا أو امريكا أو أوروبا أو استرضاء اسرائيل لدعمهم، بينما الأرض والجغرافيا ليست لهم، ولا يحق لمن لا يملك الأرض أن يعطيهم هذه الأرض والدولة، فامريكا لا تملك ان تعطي الأكراد دولة كردية شمال سوريا، لأن هذه الأرض ليست لأمريكا، وسوف تتخلى امريكا عن الأحزاب الكردية السورية بعد انتهاء الاستفادة منها.

من الصواب القول بأن روسيا تسعى للتحالف مع تركيا، ولو أدى ذلك إلى اضعاف اعتمادها على إيران أو تحالفها معها، فروسيا تعلم بالعلاقات السرية والعلنية بين إيران وأمريكا، وان إيران تواقة لصداقة متينة مع أمريكا والغرب، ولكنها أي إيران أسيرة أيديولوجيا معادية لأمريكا ولا تستطيع التحرر منها لعقود، وبالأخص ان امريكا لا تبحث عن حلفاء بقدر ما تبحث عمن يخدم مشاريعها. محور التفاهم التركي الإيراني الروسي هو منع تقسيم سوريا، لأن تقسيم سوريا يعني استمرار الحروب فيها إلى عقود مقبلة أولاً، ويعني أيضا حصول امريكا على قواعد عسكرية في شمال سوريا في الأراضي التي تخطط امريكا لجعلها كيانا كرديا ثانيا، وهذا أمر تعارضه تركيا وروسيا، وهي إحدى نقاط اللقاء بين روسيا وتركيا، وإيران لا تريد خسارة نفوذها في سوريا ولبنان، لأسباب أيديولوجية وسياسية واستراتيجية، فنفوذها في لبنان وسوريا يجعل معاركها خارج حدودها أولاً، ويجعل منها دولة ذات نفوذ خارجي ثانياً، وهذا مكسب كبير لها حالياً، ولكنها قد تضطر للتخلي عنه او خسارته كرها لا طوعا، ولكن التفاهم الآخر أكثر صعوبة وهو التفاهم التركي الروسي الاسرائيلي، فتركيا لا تدخل في هذه التحالف حتى لو حقق لها كل مصالحها السياسية والأمنية، لأن الطرف المعني بهذه التحالف في سوريا هم العرب، وتركيا لا تتجاهل هذا الطرف الأساسي، فهو صاحب القضية، وتركيا التي كانت تتجاهل العرب سابقا ليست تركيا اليوم، وأي تعاون وليس تحالفا مع إسرائيل لن يكون على حساب العرب والفلسطينيين أيضاً، فالتعويل على مثل هذا التحالف من غير العرب غير ناجح.

إمكانية نجاح تحالف بين تركيا وروسيا أقوى من تحالف أمريكي ايراني ليس مطلبا تركيا، مع ان ذلك غير واقعي بسبب عجز القيادة الإيرانية عن الدخول في تحالفات مع أمريكا ورفض الأمريكيين ذلك أيضاً، فالبراغماتية الإيرانية مقيدة جدا، وهذا عكس البراغماتية التركية، والبراغماتية التركية تعني قدرة سياسية واسعة على محاورة الأعداء وليس التنازل عن المواقف الأساسية. تحالف الدول دليل على استقلالية الدول وقوتها وقدرتها على اتخاذ زمام أمورها بنفسها ، فتحالف من تشاء وتبتعد عمن تشاء، وتركيا لا تقيم سياستها على تحالفات ضد تحالفات اخرى، وأكبر مثال على ذلك تحالف الخمسة وستين دولة بقيادة أمريكا ضد «داعش»، فتركيا لم تشارك في مشاريعه الحربية في السنة الأولى لأنه لا يأخذ مصالح تركيا بعين الاعتبار ، فالتحالفات التركية مشروطة بتحقيق مصالح تركية، وليس خدمة لأحد، لا روسيا ولا امريكا ولا إسرائيل ولا السعودية ولا غيرها، فالتحالفات تبادل مصالح أولاً، ودرأ مفاسد مشتركة ثانيا، وإلا فلا حاجة للتحالف مع احد، فالصداقة تبادل منافع بين الأصدقاء في العلاقات الدولية.

في المنظور القريب لا إمكانية لإقامة تحالف اسلامي إسلامي، لأن كل الدول الإسلامية ترتبط مع الدول الكبرى في تحالفات خاصة بها، ودليل ذلك عجز السعودية في قيادة تحالف اسلامي في اليمن، فقد هربت من المشاركة فيه علنيا مصر وباكستان ووعدت بتقديم مساعدات للسعودية في حالة تعرض أراضيها للعدوان، لأن مصر ترتبط بمصالح مع روسيا وإيران وأمريكا، وكذلك باكستان، وكلها دول لها مصالح غير المصالح السعودية في هذا التحالف والحرب فيها. والسياسة التركية لا تراهن كثيرا على التحالفات الاستراتيجية مع بعض الدول العربية، لإدراك السياسة التركية أن هذه الدول ليست حرة في سياستها الخارجية، وأن لها ارتباطات وسياسات خاصة، وقد تتراجع عن تحالفاتها بسرعة لأسباب تخصها، فهي دول غير مستقرة أولاً، وتخشى على نفسها من أي مخاطر، ولذلك تفضل شراء أعدائها وليس محاربتهم، وهكذا تنتهي أي تحالفات ولو وصفت بالاستراتيجية مع بعض الدول العربية إذا انتهى موسمها.

٭ كاتب تركي

القدس العربي

 

 

 

أبعد من الاكراد و”داعش”/ سميح صعب

يحمل التوغل البري التركي في شمال سوريا من المغازي أعمق بكثير مما هو معلن من أهداف. التوغل الذي يأتي بعد نحو مئة عام على انهاء الاحتلال التركي لسوريا، باستثناء طبعاً لواء الاسكندرون الذي أهدته فرنسا الى أنقرة كي لا تدخل الحرب العالمية الثانية الى جانب المانيا النازية، لا تقتصر اهدافه على حماية الامن القومي التركي من احتمال قيام دولة كردية سورية على المقلب الجنوبي من الحدود التركية، بينما مسألة محاربة “داعش” لم تكن يوماً على جدول أعمال أنقرة التي هي من صنع هذا التنظيم ومن غذاه ولا يزال من أجل استنزاف النظام السوري، ويكفي اصدار الامر من المخابرات التركية لـ”داعش” للانسحاب من أي منطقة سورية أو عراقية ليفعل ذلك دونما تأخير. وجرابلس شاهد على ذلك.

وعليه فإن التدخل البري التركي في سوريا، الذي تمكنت أميركا من اقناع الرئيس رجب طيب اردوغان بالاقدام عليه، يحمل في طياته رداً استراتيجياً على الدورين الروسي والايراني في سوريا، وخصوصاً بعدما بدا أن موسكو وطهران عازمتان على حسم معركة حلب إيذانا بتدشين مرحلة جديدة يأتي فيها الحل السياسي على غير ما تشتهي واشنطن. وكان انطلاق القاذفات الروسية من قاعدة همدان الجوية الايرانية مشهداً لم تستسغه الادارة الاميركية مطلقاً، لذلك كان لا بد من تحريك الدبابات التركية التي لا ينسى أحد انها دبابات أطلسية.

إذاً في الاستراتيجيا، يقرأ الدخول التركي الى سوريا على انه اندفاع أميركي في وجه روسيا وايران. وربما تساءل البعض ماذا ذهب اردوغان يفعل في بطرسبرج قبل اسبوعين، وماذا أتى وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف يفعل في انقرة، وفيمَ بحث نظيره التركي مولود جاويش أوغلو في طهران قبل أيام، وماذا عن الاتصالات الايرانية – التركية الاخيرة، وماذا عن النبرة الجديدة التي حملها الخطاب السياسي حيال النظام في سوريا وافساحه مكاناً له في أية مفاوضات للحل السياسي؟

هل كان كل ذلك بمثابة شراء للوقت. الغريب ان كل الضباب الذي خيم على العلاقات التركية – الاميركية، تبدد بمجرد وصول نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الى مطار انقرة واعتذاره عن عدم المجيء في وقت أبكر للتعبير عن وقوف واشنطن الى جانب ديموقراطية اردوغان في مواجهة الانقلابيين. ما يجري في الشمال السوري وفي سوريا عموما لعبة أمم بامتياز. وها هي واشنطن عبر الاجتياح البري لسوريا، تقول لروسيا وايران انها لم تسلم اوراقها لا في سوريا ولا في الشرق الاوسط.

تضع اميركا اليوم الدبابة التركية في مواجهة “السوخوي” الروسية. وموسكو تدرك ربما أكثر من غيرها عمق الدلالات للتحرك التركي الاخير، ربما من اجل ذلك لم يبتسم الرئيس فلاديمير بوتين لدى وقوفه الى جانب اردوغان في مؤتمرهما الصحافي المشترك في بطرسبرج.

واذا كان ما يجري في سوريا لعبة أمم بامتياز، فلننتظر الرد من موسكو وطهران.

النهار

 

 

 

 

أحجية أردوغان وداعش والأكراد في المعادلة السورية والإقليمية/ د. خطار أبودياب

في معارك المواقع وصراع المحاور والتباس التحالفات في “اللعبة الكبرى الجديدة ” في سوريا وحولها، تتسارع الأحداث في الشمال السوري من حلب إلى منبج ومن جرابلس إلى الحسكة، وتتراوح فيها أدوار قوى داخلية وإقليمية بين الصعود والهبوط، لكنها تخفي ألغازا ضمن الأحجية السورية الكبرى عن كيفية صنع وصعود ما يسمى بداعش، إلى تضخيم دور الورقة الكردية وما واكب ذلك من عزف تركي متنوع على كل الأوتار الإقليمية، من تل أبيب إلى طهران تحت عين المايسترو الأميركي والعراب الروسي. كل ذلك بالطبع ليس من أجل بقعة أرض إضافية في شرق يتفكك، بل من أجل تجميع كل طرف لأوراقه بانتظار لحظة المساومة على إعادة تركيب الإقليم كخلاصة لحروب الإرادات والأدوار.

راهنت واشنطن على الحصان الكردي في محاربة تنظيم “داعش” من كوباني – عين العرب إلى منبج، وأغاظ ذلك أنقرة المسكونة بهاجس صعود القوة الكردية على حدودها، لكن رجب طيب أردوغان الذي تعامل مع النزاع السوري وصعود الإرهاب على طريقته، لم يسلم بعدم صنع الوقائع في جواره القريب. وهكذا بعد استدارته في السياسة الخارجية وبعد إمساكه بالوضع الداخلي، انتقل إلى الهجوم صباح 24 أغسطس الحالي وأرسل قواته الخاصة إلى داخل الأراضي السورية، قبل ساعات من وصول نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا في أول زيارة رفيعة المستوى لمسؤول أميركي بعد الانقلاب الفاشل وتتماته. بالطبع أتى ذلك بعد قمة بوتين – أردوغان، وبعد اتصالات مع إيران، ولهجة مخففة حيال النظام في دمشق.

جرى تحضير الميدان لمعركة جرابلس والغريب فيها تبخر تنظيم داعش وعدم صموده لساعات قليلة (خلافا للأثمان الباهظة وأشهر القتال في كوباني ومنبج)، مما يذكرنا بتبخر القوات العراقية في معركة الموصل في يونيو 2014، ويزيد من التساؤلات حيال تنظيم وتوقيت الحروب النقالة في مسلسل الفوضى التدميرية الذي يتم على حساب دول المشرق وشعوب الهلال الخصيب في المقام الأول. ليس في الأمر غمز من قناة تركيا لوحدها، لأن ديناميكية التفكك وتحطيم الدول المركزية لن تتوقف في العراق وسوريا وليبيا واليمن، بل يمكن أن تتخطى العالم العربي نحو جواره التركي والإيراني في حال استمرار الحرب الإسلامية – الإسلامية (من مظاهرها إعلان إيران إنشاء ما أسمته “جيش التحرير الشيعي” ليقاتل في العراق وسوريا واليمن). لكن ذلك لا يعني استسهال انتهاك حقوق المكونات القومية والإثنية تحت عناوين الحدود المقدسة أو احترام وحدة الدول.

في المدى المنظور، يمكن للدخول التركي أن يخلق ميزان قوى يسمح بالتوصل إلى ترتيب يجمد النزاع السوري وخطوط القتال.

إن المباركة الروسية الضمنية للتدخل التركي المحدود (زيارة الرئيس الروسي بوتين لتركيا المرتقبة في 31 أغسطس لحضور مباراة كرة قدم ودية، إشارة جديدة لتعزيز التقارب ولتلويح تركيا بذلك في مواجهة حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه) والغلبة الروسية في قيادة المحور مع إيران كما برهن على ذلك استخدام قاعدة همدان، ستعززان من فرص موسكو في إدارة أقوى للملف السوري. والملاحظ أن الجهد الروسي يطال المملكة العربية السعودية اللاعب العربي الأبرز في النزاع السوري، إذ بعد عرقلة في مجلس الأمن لقرار حول اليمن، وبعد ممالأة السفير الروسي في صنعاء لمحور علي صالح – الحوثيين، قام ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية بزيارة طويلة لجدة أسفرت عن تفاهمات حيال اليمن وسوريا.

بيد أن هذا الاندفاع الروسي لتركيز النفوذ من المتوسط إلى الخليج، لن تكون دروبه معبدة وبالتالي سيتوقف الأمر على رهانات الإدارة الأميركية القادمة، وأيضا على مراقبة التقاطعات المنتظرة بين واشنطن وطهران من أجل إحباط الحياكة الروسية للنسيج الإقليمي في المرحلة الراهنة.

كيفما ذهبت العلاقة المستقبلية بين واشنطن وموسكو لا يمكن إعادة تركيب المنطقة على نفس الأسس في الإقصاء والغلبة إن بالنسبة للأكراد أو غيرهم. في ظل انقسام الأكراد بين تيارين رئيسيين: تيار بارزاني وتيار أوجلان، وفي ظل تشظيهم وصراع القوى الإقليمية والدولية حول أدوارهم وأماكن تواجدهم، لا يمكن تصور إقامة دولة كردية تخترق حدود أربع دول، خاصة أن كل الأدبيات الكردية لكل الأطراف تكتفي بالمطالبة بحكم ذاتي والنموذج هو كردستان العراق. بالطبع يمكن للبعض أن يصل إلى حد المطالبة بالانفصال، لكن هذه الأصوات محدودة التأثير. وفي المقابل لا يمكن إهمال عناصر القوة عند شعب يبلغ تعداده حوالي أربعين مليون نسمة، وهو أكبر شعب في العالم من دون دولة. الفيدرالية أو الاتحادية ليست وصفات سحرية لأنظمة دول مهددة بالتفكك، لكنها أساليب حكم أثبتت جدواها من ألمانيا إلى الهند، ويمكن أن تشكل أجوبة على أوضاع دول بعينها أو يمكن أن تكون الفيدرالية المشرقية الجواب على التفتت الكياني والتجزئة الفئوية بعد فشل مشاريع الدول الوطنية العربية بعد الاستقلال.

في هذا الإطار، لا بد من التشديد على رفض تركيب أكثريات جديدة ضمن الكيانات الحالية (سوريا ولبنان) من خلال التطهير والتغيير السكاني لضمان نصر مشروع إقليمي إمبراطوري على حساب المكون العربي السني الأكثري. ولذا من دون مشروع يتم فيه التوفيق بين الحفاظ على حدود الكيانات القائمة، وإقامة منظومة حكم على أساس التعدد والديمقراطية والمواطنة (وليس الانتماء الديني أو المذهبي) لا يمكن تفادي تمزيق الخرائط عبر تسوية بين اللاعبين الخارجيين ومقصهم الأشبه بالمنشار.

لا يمكن في مطلق الأحوال خروج دنيا العرب من كبوتها من دون مشروع تجديدي نهضوي يبعد الأسطورة الدينية ويحترم كل المكونات ويعترف بها.

أستاذ العلوم السياسية المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

العرب

 

 

 

أبعاد التدخل العسكري التركي الأخير في الملف السوري/ مروان ياسين الدليمي

عندما أعطى الأميركان خلال اليومين الماضيين الضوء الأخضر لأنقرة حتى تحرّكَ قواتها لمساندة فصائل من الجيش السوري الحر وهي تتجه نحو مدينة جرابلس السورية (125 شمال شرق مدينة حلب) والمحاذية للحدود التركية بهدف السيطرة عليها بعد طرد تنظيم داعش منها، بدا واضحا أن هذا يشي بتحول في الموقف الأميركي، بما له صلة مباشرة بتداعيات الملف السوري على أنقرة.

في ظل هذا التحول ليس مستبعدا أن يمتدّ التحرك التركي إلى مسافة أبعد من جرابلس ليصل إلى مدينة الباب (38 كم شمال شرق مدينة حلب) التي مازالت تحت سيطرة تنظيم داعش، وصولا إلى مدينة منبج التي استطاعت قوات سوريا الديمقراطية في مطلع شهر أغسطس الحالي أن تنتزعها من تنظيم داعش.

لم يعد سرّا أن الموقف الأميركي الجديد الداعم لتركيا تم الكشف عنه بوضوح خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأخيرة إلى أنقرة منتصف هذا الأسبوع، وإعلانه من هناك بأن الإدارة الأميركية سبق أن أبلغت قوات سوريا الديمقراطية بأن تبقى في منطقة شرق الفرات التي تقطنها أغلبية كردية، وحذرتها بأنها سوف لن تتلقى دعما منها فيما لو عبرت نهر الفرات صوب جهته الغربية التي تسكنها أغلبية سكانية عربية. وعلى ما يبدو فإن أميركا بموقفها الداعم للتحرك العسكري التركي كانت تهدف إلى أن توجه رسالة لا تبعث على الارتياح إلى قوات سوريا الديمقراطية لأنها لم تلتزم بالحدود التي رسمتها لها.

في نفس الوقت يكشف هذا الموقف عن توافق إقليمي ودولي، وربما ستفاجئنا الأيام القادمة بأن هذا التحرك العسكري يهدف إلى ما هو أبعد من تأمين الشريط الحدودي الذي يفصل ما بين سوريا وتركيا، فهنالك من المراقبين من يجد فيه مقدمة لتمهيد الأجواء في سبيل فتح حوار مستقبلي يجري حول طاولة مستديرة واحدة بين جميع أطراف الصراع، بما في ذلك النظام الحاكم في دمشق، من بعد أن يستكمل هذا التحرك العسكري أهدافه البعيدة التي ربما ستصل إلى مدينة الرقة معقل تنظيم داعش.

السؤال الذي يطرح هنا انطلاقا من الأحداث المتسارعة على الجبهات الشمالية: لماذا هذا التحول في الموقف الأميركي، وما هي أهمية توقيته؟

ربما الموضوع له صلة وثيقة بمسعى البيت الأبيض الهادف إلى إعادة ترميم ما أصاب علاقته مع أنقرة من توتر بعد الانقلاب العسكري الفاشل، والتأكيد على أهمية تركيا باعتبارها حليفا استراتيجيا في المنطقة لا يمكن التفريط أو الاستغناء عنها أو عن دورها الإقليمي.

على ذلك يمكن القول بأن الموقف الأميركي لم يتغير من ناحية أنقرة، ولا يزال داعما لأمنها القومي ولا يسعى إلى التفريط في علاقته المميزة والتاريخية معها خاصة وأنها جزء من حلف شمال الأطلسي، وبذلك لن يكون الموقف الأميركي الداعم لقوات سوريا الديمقراطية، بأي حال من الأحوال، على حساب قوة إقليمية وحليف استراتيجي مثل تركيا.

من جانبها أيضا تسعى أنقرة إلى إرضاء الولايات المتحدة من خلال مساهمتها الفعلية في الحرب على تنظيم داعش وطرده من مدينتي جرابلس والباب، وبذلك ستسحب هذه الورقة الضاغطة من الأطراف الأخرى التي ما انفكت تلوّح بها في وجه أنقرة، باعتبارها لم تقدم جهدا عسكريا يؤكد مصداقية عدائها لتنظيم داعش، كما أنها تدرك، جيدا، بأن أميركا قادرة ولوحدها على أن تجعل قوات سوريا الديمقراطية تنسحب عائدة إلى شرق الفرات دون قتال وبإيعاز منها.

حتى الأربعاء الماضي -أي قبل سيطرة فصائل الجيش الحر المدعومة من قبل القوات التركية- كانت الولايات المتحدة الأميركية قد منعت تركيا من التحرك عسكريا والمشاركة في الصراع الدائر داخل سوريا، على عكس الموقف الذي رشح عنها خلال اليومين الماضيين، وأفصح هذا التحوّل على أن تركيا كانت تخضع للإرادة الدولية ممثلة بأميركا، ولم تكن تستطيع أن تتصرف خارج هذه الإرادة، وأن هناك حدودا مرسومة بدقة للدول الإقليمية لا تستطيع الخروج عنها في بعض الملفات الحساسة، إلا إذا تلقت إيعازا يمنحها الفرصة بالتحرك.

إلى ماذا تهدف تركيا من وراء تحركاتها العسكرية الأخيرة؟

خلال الأشهر الماضية ما كان يؤرق أنقرة هو خطورة وجود تنظيم داعش في المدن التي سيطر عليها، والتي تقع عند الشريط الحدودي الذي يفصلها عن الأراضي السورية، وقد تصاعد هذا الخطر بعد أن استُهدفت المدن التركية الحدودية بالصواريخ من قبل التنظيم، من هنا تأتي أولوية طرده من هذه المناطق بالنسبة إليها.

أيضا يشكل الشمال السوري جزءا حيويا من أمن تركيا القومي، لأنه يتعلق بتمدد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية في هذه المنطقة خلال أحداث الثورة السورية، وقد وجدت أنقرة أن هذا العامل الجديد سيترك آثارا وتداعيات بالغة الحساسية على جنوب شرق البلاد، ذي الغالبية الكردية الذي يحلم سكانه بإقامة إقليم ذاتي سيكون بالنسبة إليهم مقدمة أساسية لتحقيق ما يطمحون إليه منذ زمن بعيد بالاستقلال وإعلان دولتهم التي ستمتد رقعتها لتشمل أيضا الأراضي التي باتت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب. ولهذا تسعى تركيا بكل ما لديها من جهد وإمكانيات إلى إزاحتهم من جميع الأراضي الواقعة على غرب نهر الفرات، وإعادتهم إلى الضفة الشرقية منه والتي تقطنها غالبية كردية.

ما كان باستطاعة الأتراك أن ينطلقوا بهذه القوة لتحقيق هذا الهدف لو لم يكن هناك تطابق في الموقف بينهم وبين الأميركان، وهذا ما عكسه تصريح نائب الرئيس الأميركي جون بايدن أثناء زيارته لتركيا منتصف هذا الأسبوع، عندما قال “لن ندعم أي فصيل كردي إذا ما تجاوز التعليمات ووصل إلى غرب الفرات”. فكان هذا التصريح يحمل ما يكفي من الوضوح لكي يمنح الأتراك الضوء الأخضر للتحرك.

هل هذا يعني أن الأميركان لا يدعمون قيام منطقة كردية مستقلة في شمال سوريا؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف لنا أن نفسر الدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى قوات سوريا الديمقراطية؟ ولماذا ترغمهم، مرة أخرى، على الوقوف في منتصف الطريق المؤدي إلى حلمهم، مثلما كانت قد خدعتهم القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا) بعد توقيع معاهدة سيفر (10 أغسطس 1920) عندما تخلت عن وعدها لهم بإقامة حكم ذاتي؟

ربما تركيا عرفت كيف تستثمر ورقة اللاجئين للضغط على الدول الأوروبية وأميركا بالشكل الذي جعلتهم يمنحونها فرصة إيقاف تحرك الأكراد نحو تحقيق هدفهم بإقامة إقليم كردي في الشمال السوري.

من الواضح أن الولايات المتحدة وهي تتعامل مع الملف الكردي لا تريد أن تغضب أنقرة، وليس في نيتها أن ترغمها على القبول بحلول ليس بإمكان تركيا القبول بها، رغم أن واشنطن مازالت تراهن على الأكراد، دون غيرهم، في حربها ضد تنظيم داعش.

اللقاء الذي سيجمع جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة مع سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في واشنطن الأسبوع المقبل ومن ثم في جنيف، سيرشح عنه من المعلومات ما يمكن من خلالها تفسير الغموض الذي بات يلف الكثير من الأحداث التي سيكون لها دور في تحديد الخارطة السورية على الأرض.

كاتب عراقي

العرب

 

 

 

تركيا والأكراد.. الصراع بذريعة داعش/ سلام السعدي

في سوريا، تتأسس التحالفات الدولية وتندلع أكبر المعارك تحت شعار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. مع ذلك، فإن ما يبدو كهدف مشترك، أي تدمير “دولة الخلافة”، لا يحتل إلا مكانا ثانويا ضمن أجندات متنافسة تتحرك بطموحات شديدة الخصوصية.

آخر المشاركين في الحرب على داعش هو تركيا التي زجت بقواتها الخاصة وعدد من الآليات والطائرات الحربية داخل الأراضي السورية، بهدف مساندة تحالف مكون من مجموعة فصائل سورية للسيطرة على بلدة جرابلس الحدودية. أطلقت تركيا المعركة في سياق الحرب على داعش، ثم ما لبثت أن وسعت مراميها لتضع المعركة في سياق الحرب على الإرهاب. وتقصد بالإرهاب عدوها اللدود، حزب العمال الكردستاني، الذي تخوض معه منذ العام 1984 جولات متقطعة من العنف اندلعت جولتها الأخيرة منذ أكثر من عام وقد ذهب ضحيتها أكثر من 1400 شخص وتسببت بنزوح نحو 400 ألف مدني.

هي حرب طاحنة إذن، وتحتل قمة أولويات الأجندة العسكرية التركية التي تستهدف إخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من المواقع الحضرية جنوب شرق البلاد. ويبدو أنها امتدت لإخراج فرع حزب العمال في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي، من منطقة غرب نهر الفرات. هدف الحرب التركية هو محاربة الأكراد في سوريا انطلاقاً من الذريعة الأكثر تداولاً في أيامنا: الحرب على داعش.

الأكراد يظهرون اندفاعاً استثنائياً لمحاربة تنظيم داعش. وهنا يظهر أن الهدف الرئيسي من حربهم تلك هو انتزاع كيان قومي غير متعين الحدود في سوريا بذريعة قتال داعش التي تمثل الفرصة التاريخية الثانية التي أتيحت لهم خلال الأعوام الماضية.

الفرصة الأولى كانت مع اندلاع الثورة السورية وقد أتاحت لهم إنهاء عقود من التمييز والاضطهاد. فمنذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، منع الأكراد من التحدث والتعلم بلغتهم، وحرم مئات الآلاف من الحصول على الجنسية السورية وتعمد انتهاج سياسة التهميش لمناطق تواجدهم.

مع اندلاع الثورة في العام 2011، اضطر النظام السوري إلى تقديم تنازلات بدأت بعد أيام من انطلاق الاحتجاجات الشعبية حيث سمح لهم بالاحتفال بعيد النيروز. وأكمل الأكراد انتهاز الفرصة التاريخية الأولى بانسحاب النظام في منتصف عام 2012 من مناطق تركزهم شمال البلاد وتسليم إدارتها لحزب الاتحاد الديمقراطي.

الفرصة التاريخية الثانية فقد سنحت لهم بعد بروز داعش في سوريا واعتمادهم من قبل الولايات المتحدة ليكونوا القوة الرئيسية في إستراتيجية محاربة التنظيم. تحت شعار الحرب على داعش اندفعت قوات حماية الشعب الكردية لإنشاء كيان قومي كردي يبتلع المناطق ذات الغالبية العربية في شمال سوريا. هكذا انتقل من اختبر الاضطهاد القومي عقوداً طويلة، إلى موقع من يمارس الاضطهاد ويهجر السكان من مدنهم وقراهم.

يدرك الأكراد جيداً أن وجود تنظيم داعش من جهة، وتشكيلهم لتحالف استثنائي يضم النظام السوري وإيران وروسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، وفرا لهم فرصة تاريخية لا يمكن أن تتكرر لقضم المزيد من الأراضي والمساومة عليها عندما يحين موعد المفاوضات. استغلال الفرصة التاريخية يقتضي انتزاع أي رقعة أرض متاحة سواء من داعش، أو من المعارضة السورية، أو حتى من النظام السوري.

ودائماً تحت ذريعة الحرب على داعش، يجري السماح للطفل المدلل بالعبث لبعض الوقت، وانتزاع مكاسب مستمرة تراهن القيادة الكردية في سوريا على أنها ستكون، في أسوإ الأحوال، أمام خيار التفاوض عليها وإعادة جزء منها أو مقايضتها بأراض لم تصلها جيوشها بعد. باختصار تؤمن قوات حماية الشعب الكردية بأن مهمتها تنحصر في تحقيق الإنجازات العسكرية مع استبعاد لإمكانية تعرضها لتهديد وجودي في المستقبل بسبب الحماية الدولية التي تتمتع بها.

ويُظهر الدعم الأميركي للعملية العسكرية التركية، وتهديد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن بإيقاف دعم الأكراد في حالة عدم انسحابهم من غرب نهر الفرات، أنهم أساءوا تفسير موقف واشنطن، أو وقعوا في شرك التصريحات الأميركية المبهمة التي لم تساعد على وضع سقف لطموحاتهم التوسعية ودفعتهم نحو المزيد من الاستخفاف بمخاوف بقية الأطراف سواء المحلية منها أو الإقليمية.

هكذا صارت الحرب على داعش مجرد أكذوبة تخفي وراءها سلسلة من الأهداف الخاصة لكل طرف يحارب التنظيم. ما يجري حالياً لا يتعلق بالهدف المعلن أي استئصال داعش، بل يتعلق برسم وإعادة تشكيل دموية لمناطق النفوذ المستقبلية في سوريا.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

 

 

بين جرابلس وداريا… مرورا ببغداد ودمشق/ خيرالله خيرالله

لا حاجة إلى بحث طويل عن صلة بين الأحداث التي مسرحها الشرق الأوسط والمناطق القريبة منه. من يبحث عن مثل هذه الصلة، يكتشف أن هناك بالفعل ما يربط بين هذه الأحداث. الرابط عمليات تطهير ذات طابع عرقي أحيانا، ومذهبي في معظم الأحيان، كما يجري في بغداد وبعض المحافظات العراقية القريبة منها… أو في دمشق ومحيطها وحمص والشريط الساحلي السوري.

بقدرة قادر، منعت تركيا توسّع رقعة سيطرة الأكراد في سوريا. صار هناك إقرار روسي – إيراني – أميركي بحقهـا في التـدخل في جرابلس، الواقعـة داخـل الأراضي السورية، والتي كانت تحت سيطرة “داعش”. جاء التدخل العسكري التركي في وقت كان الأكراد على استعداد للاستيلاء عليها.

تحرّكت تركيا عسكريا. قصفت جرابلس ومحيطها بالمدفعية، فجر الرابع والعشرين من الشهر الجاري، قبل أن يتدخل سلاح الجوّ التركي تمهيدا لدخول عناصر من “الجيش الحر” المدينة ذات الأهمّية الإستراتيجية الكبيرة. تعود هذه الأهمّية إلى قرب جرابلس من الحدود السوريةـ التركية، وإلى أنها تقع على الضفّة الغربية لنهر الفرات.

ما لبثت، بعد ذلك، أن تحرّكت دبابات وقوات تركية في اتجاه جرابلس لدعم “الجيش الحر”، الفصيل المعتدل في الثورة السورية، الذي عانى في الفترات الماضية من مشـاكل كثيرة في مقدّمها الامتنـاع عن تزويده بالأسلحة المطلوبة، أقلّه لردع الميليشيات المذهبية التابعة لإيران و”شبيحة” النظام السوري وبراميله المتفجرة التي تستهدف المدنيين… فضلا بالطبع عن سلاح الجو الروسي الذي يركّز في قصفه على المستشفيات والمدارس والتجمعات المدنية.

خلاصة الأمر أنّه بات هناك اعتراف من الروس والأميركيين والإيرانيين بوجود منطقة نفوذ تركية في سوريا. من يحتاج إلى دليل إضافي على ذلك، يستطيع العودة إلى تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي أكّد في أثناء زيارته الأخيرة لتركيا أنه ممنوع على الأكراد تجاوز الفرات في اتجاه الأراضي التركية. يدرك بايدن، مثلما يدرك الأكراد، بمن في ذلك “وحدات حماية الشعب”، أن الحماية الأميركية لهذه الميليشيات هي التي مكّنتهم في الثاني عشر من أغسطس من الاستيلاء على منبج التي لا تبعد كثيرا عن جرابلس. وضع نائب الرئيس الأميركي الأكراد في سوريا أمام أمر واقع. وضعهم عمليا في قاعة الانتظار. تبدو رسالته إليهم واضحة كلّ الوضوح. فحوى الرسالة أن لا مجال لتحركات سريعة على الأرض تفضي إلى قيام كيان كردي مستقل في سوريا يمكن أن يرتبط لاحقا بكيان آخر لأكراد تركيا…

ليس سرّا أنّ “وحدات حماية الشعب”، هي ميليشيات تابعة لحزب كردي في سوريا تابع بدوره لـ”حزب العمال الكردستاني” المحظور في تركيا. كان على تركيا التحرّك فتحرّكت. الثابت أن الكلّ يسترضي تركيا هذه الأيّام، خصوصا بعد اللقاء الذي انعقد في سانت بيترسبرغ بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان. يشمل استرضاء تركيا إيران التي يبدو أنّها قررت، بدورها، الحصول على اعتراف بنفوذها في سوريا من منطلق مذهبي. وهذا يفسّر إلى حد كبير ما حدث في داريا القريبة من دمشق، التي أصبحت بعد ترحيل أهلها منها مرتعا لـ”شبيحة” النظام والميليشيات الشيعية التابعة لإيران.

يبدو واضحا أنّ كلّ هذه الأحداث تصب في منطق توزيع سوريا على تركيا وإيران وروسيا بموافقة أميركية توفّرها المفاوضات التي تجري بين حين وآخر بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. صحيح أن على كيري الإعلان دائما أن لا اتفاق كاملا بعد مع روسيا في شأن سوريا، لكنّ الصحيح أيضا أنّه لا يترك فرصة أو مناسبة كي يعلن أن ليس هناك ما يشير إلى اعتراض أميركي في العمق على ما يقوم به فلاديمير بوتين، خصوصا في سوريا.

من وضع حدّ للتمدد الكردي في الشمال السوري، إلى متابعة تهجير أهل السنّة من دمشق والمناطق المحيطة بها ومن حمص، تتضح الخطوط العريضة للمشروع الروسي – الأميركي للشرق الأوسط الذي يحظى، في ما يبدو، بمباركة إيران وإسرائيل في الوقت ذاته. لا يمكن في ذكرى مرور عام على إرسال روسيا طائراتها إلى قاعدة حميميم القريبة من اللاذقية لمنع سقوط النظام، تجاهل أن كلّ خطوة أقدم عليها بوتين كانت بالتنسيق مع بنيامين نتانياهو. أكثر من ذلك، هناك غرفة عمليات مشتركة تتعاطى مع التفاصيل الدقيقة للوضع السوري منعا لأي احتكاك من أي نوع بين روسيا وإسرائيل!

يترافق الاعتراف بالنفوذ التركي في شمال سوريا والإقرار بالوجود الروسي على طول الساحل السوري مع توسّع إيراني في دمشق ومحيطها، وتطورات خطيرة في أماكن مختلفة من العراق من بينها بغداد. تتعرض بغداد لعملية تغيير في العمق تستهدف طبيعتها وتوزع السكان على أحيائها من منطلق مذهبي ليس إلّا، ليست إيران بعيدة عنه.

كيف دخلت تركيا إلى جرابلس، بكلّ هذه السهولة؟ أين السيادة السورية التي يتشدّق بها بشّار الأسد بين حين وآخر؟ كيف سقطت داريا في يد النظام وميليشيات إيران؟ كيف جرى ترحيل سكّانها من أرضهم بعدما صمدوا ما يزيد على أربع سنوات؟

الجواب عن مثل هذا النوع من الأسئلة لا يمكن عزله عن طبيعة المرحلة التي يمرّ بها الشرق الأوسط. الجديد أن عملية تفتيت سوريا دخلت مرحلة متقدّمة في ضوء ما حصل في العراق، حيث لم يعد الهمّ الأوّل استعادة الموصل من “داعش”، بل ماذا بعد استعادة الموصل من هذا التنظيم الإرهابي؟

يبقى سؤال أخير، إلى متى يبقى لبنان خارج حال المخاض التي يمرّ بها العراق وسوريا؟ هل يكتفي العالم بالتغاضي عن أنّ “حزب الله”، وهو لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، وضع الأسس للعلاقات الجديدة القائمة بين الدول العربية في الشرق الأوسط؟

تقوم هذه الأسس على أن الرابط المذهبي في المجتمعات العربية فوق الرابط القومي والوطني. ذهب الحزب إلى سوريا لحماية ما سماه قرى لبنانية داخل الأراضي السورية يقيم فيها شيعة. انتقل بعد ذلك إلى “حماية” المقامات الشيعية في دمشق وقربها. لا يزال هذا الحزب، الذي لديه وزيران في الحكومة اللبنانية، داخل الأراضي السورية. ماذا سيفعل في حال وضعت إيران يدها نهائيا على دمشق ومحيطها بمباركة روسية – أميركية – تركية – إسرائيلية؟ هل يكتفي بما يفعله الآن، أي بمنع انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية… أم يذهب إلى أبعد من ذلك في جهوده الهادفة إلى تغيير طبيعة المجتمع في لبنان وتغيير النظام في الوطن الصغير بشكل نهائي، بما يتلاءم مع التغيير العميق الذي شهده العراق وتشهده سوريا؟

الكثير سيعتمد على صمود اللبنانيين واستمرارهم في مقاومة المشروع التوسّعي الإيراني الذي يعبر عن نفسه في الأراضي اللبنانية، بين حين وآخر، أكثر من أيّ مكان آخر.

إعلامي لبناني

العرب

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...