الرئيسية / صفحات الثقافة / الترجمة الإنكليزية الأولى لمحاضرات الشاعر الأرجنتيني الكبير بورغيس في الأدب البريطاني

الترجمة الإنكليزية الأولى لمحاضرات الشاعر الأرجنتيني الكبير بورغيس في الأدب البريطاني

أسباب مثيرة للجدل أبقت الكتاب حبيس اللغة الإسبانية

  جهاد الترك

خورخي لويس بورغيس يتربّع، من جديد، ناقداً من الوزن الثقيل، وقبلة أنظار في الأوساط الأكاديمية والفلسفية والأدبية. خمس وعشرون محاضرة كان ألقاها على تلامذته، في العاصمة الأرجنتينية، بوينس أيرس في العام 1966، حول كتاب وشعراء بريطانيين تعاقبوا على مسرح اللغة الانكليزية في الفترة الممتدة بين القرن الثامن الميلادي ومطلع القرن العشرين. أبصرت هذه المحاضرات النور ونُشرت في الأرجنتين. غير أنها ظلت مغيّبة عن لغات حيوية كثيرة، وكأنها حُكم عليها مسبقاً ألا تخرج من قمقمها الأرجنتيني، علماً أنها تتناول بعمق نقدي مسائل في الفكر والثقافة والأدب، تهم الحداثة الغربية، بالدرجة الأولى. ظهرت حديثاً في ترجمة الى الانكليزية بعنوان «البروفيسور بورغيس: دروس في الأدب الانكليزي« عن دار «نيوديركشونز». ترجمته عن الاسبانية، كاترين سيلفر، ويقع في 306 صفحات من القطع الكبير. يختار بورغيس جمهرة من الكبار في الأدب البريطاني، من بينهم: أوسكار وايلد، روبرت ستيفنسون، كولريدج، وردسوورث، صاموئيل جونسون، ميلتون، تشوسر، شكسبير وسواهم. لعل البريطانيين ضاقوا ذرعاً بالكتاب نظراً الى المنهج النقدي المتفوق الذي يستخدمه بورغيس في قراءة مستجدة لهؤلاء الكبار.

لعل بورغيس أدرك بغريزته الاستشرافية، ان سلسلة محاضراته التي يتكون منها الكتاب، سيقيّض لها أن تنشر في كتاب ذات يوم. وكان تلامذته الذين تلقوا هذه الدروس القيمة في جامعة بوينس ايريس في العام 1966، تجرأوا على تسجيلها جميعاً من دون علم منه، احتراماً لمنزلته الأكاديمية الرفيعة وتقديراً في الآن عينه، لعلمه الوفير وموهبته الفائقة في القبض على اللحظة الحاسمة لكتاب وشعراء ينتمون الى عهود زمنية مختلفة. بقيت هذه المحاضرات كما ألقاها بورغيس، في مادتها الشفهية الأولى. لم يغيّر فيها حرفاً واحداً. أسوةً بالناشر الأرجنتيني الذي تلقفها كتحفة فكرية نادرة لا تتقبل المس من قريب أو بعيد. وقد حذا حذوه الناشر الأميركي الذي اعتبرها كشفاً عميقاً، فريداً من نوعه، لمسار طويل من إرث بريطاني في الشعر والرواية:

مادة انغلوساكسونية

تنطوي هذه المحاضرات التي ظلت مغيّبة عن العالم الأنغلوساكسوني منذ نهاية العقد السابع من القرن الماضي، على مادة أدبية انغلوساكسونية بامتياز. ولأن الأمر كذلك، كان يُفترض بها أن تشق طريقها الى اللغتين الألمانية والفرنسية في أقل تقدير، وأن تشهد، في الآن عينه، سباقاً محموماً لترجمتها الى الانكليزية. ومع ذلك، بدا أن دائرة واسعة من الصمت «المريب» تحوط بالمحاضرات لأسباب أُريد لها، على الأرجح، أن تبقى طي الكتمان. وفي أسوأ الأحوال خارج التداول في الأوساط الأكاديمية والأدبية في بريطانيا، على وجه التحديد. والأقرب الى منطق الأمور، ان تأجيلاً قسرياً مقيداً ضد مجهول، قد مورس بحقّ هذه المحاضرات لتبقى بمنأى عن العبور الى حيث ينبغي أن تحطّ رحالها. وعلى الرغم من الحصار المحكم حولها، حملتها رياح الترجمة الى الانكليزية، الى الولايات المتحدة. بورغيس يولد من جديد برؤياه الذاتية التي صاغ بها محاضراته عن قامات كبيرة في الأدب الانكليزي. العراقيل التي زرعت بخبث حول المحاضرات الخمس والعشرين، انهارت تلقائياً. ذهبت أدراج الرياح. حضر بورغيس هذه المرة الى الغرب زائر شرف. لم يأت من التاريخ. جاء من الأمس القريب. لعله قدم من رؤيته العابرة للأزمنة والتواريخ.

أولى هذه المحاضرات وأطولها وأصعبها، تلك التي يتناول فيها بورغيس قصيدة قوامها 3182 سطراً بعنوان (بيوولف). يُعزى هذا النص الذي يصنّفه بورغيس في خانة الشعر الملحمي، الى القرن الثامن الميلادي. وهو الوحيد الذي لم يطمسه الزمن من الارث الشعري الذي يبدو انه شهد ازدهاراً ملحوظاً في تلك الحقبة البعيدة. ولعلّه من التجليات الملحمية الاولى للمخيلة الانغلوساكسونية في رؤيتها الى وظيفة البطل الأسطوري وهو يتقلّب بين أيدي الأقدار ومماحكاتها المحيرة. ينسب هذا النص، كما جاء في المحاضرة، الى راهب ساكسوني سوّلت له نفسه أن يحاكي الطراز الاغريقي للملحمة. ينقّب بورغيس في بنية هذا النص المعقد المليء بالرموز الغامضة التي سادت ذلك الزمن. يقع، وهو يتوغل في مكونات القصيدة، على حقائق هامة، من بينها أنه في اللحظة الشعرية التي صيغت فيها هذه القصيدة، لم تكن اللغة الساكسونية (الانكليزية القديمة)، تشتمل على أكثر من خمسمئة مفردة لاتينية، تشير، بأكثريتها الساحقة الى معتقدات دينية. يرى بورغيس في هذه «الملحمة» اضطراباً في التعبير، بشكل أو بآخر، مردّه، في رأيه، الى المفردات المشتقة من أصول لغوية لاتينية. يعتقد ان هذه المفردات بالتحديد، تبدو مائعة تفتقر الى القدرة التعبيرة العميقة لأنها تحاكي المعاني والدلالات ولا تنبثق منها مباشرة. ويعرف عن بورغيس أنه كان معنياً، في تقنياته التعبيرية، بالبحث الشاق والدؤوب عن المفردات «الصلبة» التي لا تدور حول المعنى ولا تناور في عملية الوصول إليه. ويتذرع، في هذا، بالقول ان «البنية الكيميائية المتماسكة» للمفردة هي وحدها قادرة على التقاط الدلالة. ومع ذلك، فإن أكثر ما استرعى انتباهه، في سياق هذه الملحمة، ان أدواتها التعبيرية تملك نقاوة في التقاط الدلالة بظلالها القريبة والبعيدة.

هامش من الغموض

يتعمد بورغيس، على الأرجح، أن يخلّف وراءه هامشاً واسعاً من الغموض، خصوصاً ما يتعلق بآرائه التي تستهدف قراءة تحليلية في إرث شعري أو روائي أو مسرحي. بدليل أنه يقفز في محاضرته الثانية مباشرة من القرن الثامن الميلادي الى الثامن عشر، معرجاً على شعراء كبار من أمثال: تشوسر، ميلتون وشكسبير وسواهم. لا إجابة محددة عن هذا الارتحال السريع من محطة زمنية متقادمة الى أخرى نشأت وترعرعت في كنف الحداثة، سوى رغبته الأكاديمية المحض في ترميم المقاربة البريطانية للنص الملحمي الساكسوني الأقدم في إرث اللغة الانكليزية القديمة. من هنا، الفتور الذي استقبل به كتاب بورغيس من قبل الصحافة البريطانية. بينما رحبت به الصحافة الأميركية على نطاق واسع وأفردت له حيّزاً ملحوظاً على صفحاتها. وفي أي حال، يمارس بورغيس، في هذه المحاضرات، أدواته الصارمة في الاستكشاف والتعقب والانتقاد والتحليل بغض النظر عن أي شيء آخر. وأن يحلو لبعضهم الاعتقاد بأن بورغيس يستعرض، عن عمد، مهارات، في تفكيك النص وتركيبه، لم تعد رائجة في الأروقة الأكاديمية والثقافية اليوم(!).

صاموئيل جونسون

دلالة على هذا التصور الذي ينفرد به بورغيس، اعتباره ان الشاعر البريطاني الكبير صاموئيل جونسون (1709 1784)، على حقّ في قوله ان اللغة الانكليزية باتت تفتقر الى مرتكزات أساسية في شخصيتها الحضارية، نتيجة لتخليها عن جذورها الجرمانية القديمة. يضيف بورغيس أن تعرّض الانكليزية لغزو منظم من قبل المفردات اللاتينية، بلغ حدود الاستباحة، أفقدها، في نهاية المطاف، قدرتها على توظيف المفردات في المنحى الصارم والدقيق في التعبير عن المعنى المنشود. وقال ان المفردات الدخيلة على الانكليزية وغيرها، من شأنها أن تشيع في النص انحيازاً تلقائياً الى التعبير عن المعاني المجردة في أشكالها الميتافيزيقية الباردة.

في محاضرة أخرى، لا يخفي بورغيس قلقاً انتابه وهو يتأمل الفضاء التعبيري لشكسبير. بدا له هذا الأخير مشوباً بالخشية والحذر والنزعة الى ضرب من الغريزة الجمالية. رأى بورغيس في شكسبير ميلاً الى نكهة ايطالية. وأردف قائلاً: لعل البريطانيين معجبون به لأنهم يرون فيه انكليزياً مغايراً.

شكسبير

ويتفق بورغيس مع الشاعر والناقد البريطاني الكبير، صاموئيل كولريدج (1772 1834)، بأن شكسبير عوّل، في كل ما كتب، على ما تنطوي عليه ذاكرته، وقد أحسن استخراج وتوظيف محتويات الذاكرة على نحو مدهش. وبناء على ذلك، يقول بورغيس ان شكسبير كان يختزن في شخصيته دفقاً تعبيرياً كبيراً من الاعتقاد بوحدة الوجود. من أجل ذلك، كان على ثقة بقدرته على اقتباس كل الأشكال، وتمثّل كل الأشكال، وصوغ كل الأشكال. لماذا؟ لأنه توحّد بها فأزال هوياتها الخاصة بها، ثم تماهى بها. يستدل بورغيس على هذا المنحى بالقول ان شكسبير لم يتردد في أن يتقمص كل شخصياته من دون استثناء حتى الثانوية والهامشية من بينها. ويستنتج بورغيس، في هذا السياق، ان الثمن الذي ترتب على شكسبير، جراء هذا المنحى، أنه لم يكن لديه هوية خاصة به: «وراء وجهه وكلماته… كان هناك شيء من البرودة فقط… حلم لم يحلم به أحد».

كولريدج

وفي محاضرة حول العصر الرومانطيقي في بريطانيا، يقول بورغيس: إن واحداً من أهم المعالم التي يخلّفها الكاتب وراءه، إن لم يكن الأهم، هو الصورة التي يرسمها عن نفسه من وراء نفسه، في ذاكرة قرائه.

وفوق هذا كلّه، فإن هذه الصورة تتجاوز، في أهميتها، كل ما كتب. بهذا التصور البورغيسي المحض، يستدرج صاحب المحاضرات هذه المرة الشاعر البريطاني الكبير صاموئيل كولريدج الى فضائه النقدي الواسع. يدلي برأيه على نحو من قسوة لا يبتغي بها إلا التعبير عن توجهات متحولة تسمو فوق النقد، وتتطلع في الوقت عينه، الى إدراج هذا الشاعر وسواه في خضم حركة شعرية تنأى بنفسها عن أي تصنيف أو تأطير نقدي. يقول: ان شهرة كولريدج تعادل مثيلتها لدى زميله الشاعر البريطاني الكبير، وليام ووردسوورث (1770 1850). وعلى الرغم من الإرث الشعري الضخم الذي وضعه كولريدج ويشتمل على مجلدات، غير أن ما يعتد به، على هذا الصعيد، لا يتجاوز قلّة من القصائد وصفحات قليلة من النثر. ويعلّل رأيه هذا بالقول ان التفكر بكولريدج يبعث على الاعتقاد بأنه شخصية قادمة من الرواية. قد يخيّل الى بعضهم أن الاساءة الى كولريدج برأي متسرع كهذا، تشكل إساءةً، في الوقت عينه، الى بورغيس نفسه. والمقصود بذلك، على الأرجح، أن قراءة في التقنية الشعرية لكولريدج، على هذا الغرار، أمر من شأنه أن يبعث على الشك في الرؤية النقدية لبورغيس برمتها.

هذا في الظاهر، أما في الباطن، فينبغي اللجوء الى الاحتياطي البورغيسي، إذا جاز التعبير، وهو نزعته الفطرية الى احاطة آرائه النقدية بهالة من الغموض. لم يقصد بورغيس الانتقاص من كولريدج.

أراد، في حقيقة الأمر، أن يتلمّس مواضع الدهشة والسحر والافتتان في ارث كولريدج الشعري. من أجل ذلك، بالتحديد، تجرّأ، من دون مواربة، على «الإيقاع» بكولريدج وهو ينتقل من ذروة في الادهاش الشعري الى ذروة أكثر تجلياً. لعله، في هذا التصور، كان بورغيس يستعيد صورته في مرآة نفسه، ليس تمثلاً بالشاعر البريطاني الكبير، بل محاولة ليلتحق هو وكولريدج بالرؤية الشعرية المتحولة التي تحاكي النبؤة التي تتمخض عنها اللغة وهي تستكشف نفسها بنفسها وبغيرها. بدا بورغيس، في هذه المحاضرات وسواها، شاعراً مسحوراً بالدلالة المغايرة، وشاعراً يرى من وراء جدران العتمة. يتخيّل، وهو منكفئ على ذاكرته، عالماً كونياً يدور حول نفسه دوراناً كاملاً. ثم يدور من جديد على نحو لا يسفر عن إحساس بمرارة العدم، بل ببهجة الاكتشاف المتجدد.

الذات المتعاقبة

في سياق هذه الرؤية المتحولة التي كوّنها بورغيس عن نفسه في مرآة نفسه، تظهر بوضوح، فكرة أخرى استحوذت عليه وتلبّسته. هي: الذات المتعاقبة. بدليل أنه يشير، في سياق هذه المحاضرات وفي إطار نصوصه الشعرية والقصصية، الى بورغيس آخر ولد في اللحظة عينها التي وُلد فيها بورغيس الأول. صحيح أن بورغيس الثاني يحمل الاسم عينه والقسمات عينها، غير أنه شخص آخر. بورغيس الثاني يراقب بورغيس الأول ويتابعه ويتعقبه ليتماهى بهويته أسوة بمن يتعرف الى هوية احدى الشخصيات في مسرحية أو فيلم سينمائي. والأرجح أن بورغيس اقتبس هذه الفكرة من مدرسة هندوسية في الفلسفة. ولعل هذا المفهوم ذو جذور عميقة في التأمل الثيولوجي مرده الى محاولة لإقامة التوازن بين الذات المدركة لوجودها، من جهة، وذواتنا الأخرى الداخلية التي لا تخضع للتغيّر والتبدل، من جهة ثانية.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...