الرئيسية / صفحات الثقافة / الترجمة العربية: بين قلة التمويل وغياب العمل المؤسسي/  علياء تركي الربيعو

الترجمة العربية: بين قلة التمويل وغياب العمل المؤسسي/  علياء تركي الربيعو

 

 

ما تزال مسألة الترجمة والمشكلات والتحديات التي تواجهها قضية حيوية، تثار حولها الاستفسارات والتساؤلات، وبالرغم من أن مؤسسات ومشاريع ترجمة كبيرة ازدهرت في السنوات الأخيرة، يرى البعض بأن الترجمة ما تزال جهداً فردياً، وبأن ما نحتاجه اليوم هو مأسسة الترجمة على أسس مهنية تستجيب لحاجات اجتماعية كبرى، فكثرة المترجمين وحدها لاتصنع حركة ترجمة. كذلك يؤخذ على الترجمة العربية تكرارها للمحاور والقضايا بصيغ مختلفة على مر السنوات، فهي كما يراها البعض تدور في مكانها من دون أن تحاول اكتشاف مساحات جديدة لها. كما تعاني اختصاصات كثيرة وأولها أكاديمية من أزمة في تعريب المصطلحات، والتي إما يبقى تداولها بنسختها الأجنبية أو يتم ترجمتها حرفياً.

وهذا يدفعنا للتساؤل: ما الذي يترجم إلى اللغة العربية وكيف نترجمه؟ وما المشكلات التي يعاني منها المترجمون أو مؤسسات الترجمة، وهل حقاً تفتقر الترجمة العربية لروح المنظومة أو العمل الجماعي؟ وما هي الحلول التي نقترحها لتطوير هذا المجال؟ للإجابة عن هذه الاستفسارات تحدثنا إلى مجموعة من المترجمين:

محمد. م. الأرناؤوط: مؤسسات الترجمة تفتقر إلى الشفافية والموضوعية

الترجمة بالنسبة لي دوماً كانت مكملة لعملي الأكاديمي، ولذلك تجدين العناوين تتنوع خلال هذه العقود (1979-2016). فعندما كنت أعمل في قسم الدراسات الشرقية بجامعة بريشتينا (1974-1987) كانت اهتماماتي لغوية وأدبية في الدرجة الأولى، نظراً لأنني كنت حصلت على دكتوراه في الأدب المقارن ودكتوراه أخرى في التاريخ. ولكن عندما انتقلت للعمل في قسم التاريخ عام 1989 أصبحت ترجماتي غالباً في هذا المجال. أقرأ كثيراً في عدة لغات وأتابع ما هو جديد في المجال الذي أعمل معه، ولذلك أتوقف عند بعض الكتب المهمة التي تستحق الترجمة. أختار ما يسمح به وقتي وأنصح الزملاء أو الناشرين الذين أعرفهم بالباقي.

ما يترجم إلى العربية قليل جداً بمعايير الانفجار المعرفي في العقود الأخيرة، وحتى هذا القليل يقسم إلى قسمين: قليل مختار بدقة ومترجم بمهنية وكثير مما هب ودب.

مشكلات المترجمين كثيرة تبدأ من تعامل دور النشر مع المترجم وتنتهي بغبن حقّه. في الغرب للمترجم مكانة مادية ومعنوية لا تقلّ عن المؤلف، بينما في المنطقة العربية هناك اختلاف كبير في التعامل من حال إلى أخرى. أعرف دور نشر محدودة ومحترمة تحرص على أن تكون عندها شبكة من المترجمين المحترفين من عدة لغات، ويكون الناشر هو من يعرض ما لديه من جديد على أفراد هذه الشبكة. وفي هذه الحالة ينال المترجم مايستحقه مادياً ومعنوياً. أما العكس، أي حين يعرض المترجم ما لديه على الناشر فهو هنا كالمؤلف، يخضع للعرض والطلب والابتزاز الخ.

لدينا استثناء في السنوات الأخيرة في مراكز أو دور نشر متخصصة مثل المركز القومي للترجمة أو المنظمة العربية للترجمة أو مشروع كلمة وغيرها، التي أصبح لها شبكة من المترجمين الجيدين (مع أن إصدارات “المركز القومي للترجمة” تحتاج أحياناً إلى مراجعة) وهي بذلك رفعت من شأن الترجمة مادياً ومعنوياً.

ولكن أريد أن أشير أيضاً إلى دور جوائز الترجمة خلال السنوات الأخيرة في تحفيز الترجمة وتنافس المترجمين، حيث أن القيمة المادية والمعنوية للجائزة تعوض المترجم عن الغبن الذي يكون قد لحق به في السابق. من هذه الجوائز أريد أن أخصّ “جائزة الأمير حمد للترجمة” التي تابعتها منذ انطلاقتها لسبب واحد، ألا وهو أنها تفتح المجال في كل عام لمجال لغوي جديد، وبذلك تساهم في نوع من التوازن. ففي السنة الأولى كانت الجائزة مخصصة للترجمة من وإلى اللغة التركية، وفي السنة الثانية من وإلى اللغة الإسبانية وفي السنة الحالية من وإلى اللغة الفرنسية. وأتصور أنه خلال السنوات القادمة ستفتح آفاقاً ثقافية باختيار لغات من الشرق (الروسية والصينية واليابانية والأوردية الخ).

على الرغم من وجود بعض المؤسسات التي ذكرتها إلا أن العمل يحتاج إلى مزيد من الشفافية ومزيد من الموضوعية في اختيار الكتب والمترجمين، أي إعطاء فرص للجيل الثاني من المترجمين بعد الجيل الأول من الكبار، أو التخفيف من الشللية والشخصنة في اختيار المترجمين.

وهذا لا يعني أن المؤسسات المذكورة كافية بطبيعة الحال، بل نحتاج إلى المزيد منها وإلى التنافس بين هذه المؤسسات على استقطاب العناوين الجيدة والمترجمين الجدد، كما أنه لابد من وضع “قائمة سوداء” لدور النشر التي تسيء التعامل وتأكل حقوق المترجمين بحجج مختلفة، حيث أنني كتبتُ وسأكتب عن حالات نمطية لدور نشر تعاملت معها وخرجت بخيبة كبيرة.

وفي النهاية إن واقع الترجمة مرتبط بواقع الكتاب (سوق الكتاب) والواقع الثقافي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة التي اتسمت بتراجع حاد في الإقبال على الكتاب، حتى أن الكثير من الدور التي أعرفها أفلست أو تصارع للبقاء في السوق.

*باحث أكاديمي ومترجم كوسوفي / سوري

بدرالدين عرودكي: غياب سياسات واضحة تستجيب لحاجات الثقافة العربية

ما يترجم إلى اللغة العربية اليوم يستجيب، في أغلب الأحوال، إلى ما يظنه الناشر مدراراً على الصعيد التجاري بسبب شهرة الكاتب، أو رواج موضوع الكتب، وفي أقلها، إلى ما يراه بعض المترجمين ضرورياً للترجمة لإغناء هذا الجانب أوذاك من المكتبة العربية في تفاعلها مع الثقافات الأخرى. في الحالة الأولى، نرى طغيان العامل التجاري، وغياب أية سياسة ذات برنامج واضح في نشر الكتب المترجمة. وهذا ما يسهم بفعالية منقطعة النظير في وضع الترجمة البائس في عالمنا العربي اليوم. وفي الحالة الثانية، نرى بعض الجهود الفردية التي يبقى أثرها محدوداً على الصعيد العام لأنها، هي الأخرى، لا تستجيب لاهتمام المترجم إلا إذا التقى مع اهتمام الناشر التجاري.

من المؤسف أن المؤسسات العامة الكبرى التي يفترض بها أن تأخذ على عاتقها ترشيد الترجمة والتخطيط لها في عدد من الدول العربية تكاد هي الأخرى تسلك هذا الطريق. لن نجد لدى أيّ منها خطة مدروسة تستجيب لحاجات الثقافة العربية اليوم إلى ترجمة أمهات الكتب في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والتي باتت مراجع لا غنى عنها في مجالاتها، كما يغيب كلياً كلّ تنسيق فيما بين هذه المؤسسات الوطنية الكبرى على الصعيد العربي. مؤسسة عربية وحيدة حاولت وضع خطة طموحة في هذا المجال، إلا أنه سرعان ما أطيح بمديرها وطويت على إثر ذلك هذه الخطة نهائياً.

واقع الحال يتجلى في غياب سياسة خاصة بالترجمة وخططها، والافتقار إلى التنسيق العام بصددها، لا بين مختلف دور النشر في البلد العربي الواحد فحسب بل في مجمل بلدان العالم العربي (حتى أن بوسعنا أن نتساءل: ما الذي تفعله اتحادات الناشرين الوطنية وما الذي يفعله إذن اتحاد الناشرين العرب الذي يضمها جميعاً؟).

لكن غياب التنسيق والتعاون يتجلى أيضاً على صعيد اللغة والمفاهيم التي يستقل باعتمادها كل بلد عربي حسب اجتهادات المختصين فيه دون أن يجمعهم أي جامع مع زملائهم في البلدان العربية الأخرى. ما تزال الجهود مبعثرة على صعيد مجامع اللغة العربية التي تبدو وكأنها تعمل في السر، بعيداً عن الأضواء، في حين أن ما تنجزه يحتاج إلى النشر على أوسع نطاق. يؤدي هذا الوضع كما هو متوقع إلى ضروب من الفوضى في استخدام المفاهيم وفي دلالاتها على صعيد الترجمة وكذلك على صعيد الكتابة والتأليف.

أما الحديث عن المترجمين أنفسهم فهو حديث ذو شجون كثيرة في مجال عددهم (كثرة قليلة!) وفي مجال حقوقهم (المهدورة غالباً بالمقارنة مع زملائهم في الدول غير العربية ولا سيما الغربية منها)..

من الواضح أنه من دون وضع سياسة عربية ذات خطة واضحة في مجال الترجمة تعتمدها المؤسسات المدنية كاتحاد الناشرين العرب وأعضائه، مثلما تعتمدها المؤسسات الرسمية المختصة، وتتعاون فيها مؤسسات اللغة العربية ومجامعها، سيبقى وضع الترجمة على حاله، وسيتمدد.

*مترجم وكاتب سوري

فيصل دراج: الترجمة في اللغة العربية: تراكم أم مراوحة؟

تعود بدايات الترجمة، في العالم العربي، إلى منتصف القرن التاسع عشر، مشيرة إلى اسم الرائد المصري رفاعة رفعت الطهطاوي، وإلى رغبة طه حسين في توليد مشروع شبيه، ومرت على مشروع “الألف كتاب”، في ستينات القرن الماضي.

وإذا كانت تلك المشاريع، تبدأ واعدة وتنتهي بصمت فقد عادت إلى الظهور في العقود الأخيرة من القرن العشرين: المشروع القومي للترجمة في مصر، دار الكلمة في الخليج العربي، المنظمة العربية للترجمة في بيروت وجهود وزارتي الثقافة في دمشق وبغداد، إضافة إلى دور النشر المختلفة، التي كانت، وما تزال، تقبل “بالمرتجل”، وتتساهل في أمور كثيرة.

بيد أن هذه الترجمة، أكان لها شكل مؤسساتي، أم أنجزها أفراد بشكل مرتجل، خالطها “قومياً” كثيراً من النقص والاضطراب تعيّنان بالأبعاد التالية: لا وجود للتنسيق بين الدوائر العربية التي تنشر الترجمة، ما جعل كل مؤسسة تنشر كتاباً ظهر في مؤسسة أخرى، ولاعلاقة واضحة بين التراجم وحاجات المجتمع العربي إليه. ولا تكامل بين الجهود، كما لو كانت كل مؤسسة تعترف بذاتها، ولا تعترف بجهود غيرها، حتى لو كانت جادة ولا ينقصها الاجتهاد.

تجسّد خلل الجهد العربي في ميدان الترجمة في: غياب المصطلحات الموحّدة، الذي جعل من الترجمة فعلاً ذاتياً لا مراجع موضوعية له، كما لو كان فعلاً فردياً “مزاجياً”، ذلك أن كل طرف، كما تدل التجربة، يقبل بالمقترح اللغوي الذي يقدمه المترجم، بقدر ما أن كل مترجم يرى في ذاته، غالباً، المرجع الوحيد القادر على ترجمة رشيدة.

ومع أن في غياب “المصطلحات الموّحدة” ما يمنع عن القارئ، أو الباحث، فائدة مرجوة يسعى إليها، وخاصة حين يكون إلمامه باللغة الأجنبية فقيراً، فإن في هذا الغياب ما يفصح عن أعراض سلبية متعددة، عنوانها النقص في معرفة اللغة العربية أو اللغة المترجم عنها ودلالة الموضوع المترجم، ذلك أن الترجمة، فعل متعدد الأبعاد يتضمن اللغوي والعلمي والثقافي، … والواضح في كل هذا أمران: إن قوة المترجم من قوة لغته، أي من ذلك الرصيد اللغوي الذي يستعين به، وأن قوة لغته من تعددية الحاجات التي تتعامل بها، ما يستدعي مصطلح: ميزان القوى إلى حقل الترجمة، طالما أن اللغة إعلان عن الفكر المرتبط بها، وتطوره الذي لا ينفصل عن ميادين الاختراع والإبداع والتجديد. ذلك أن فكراً أسيراً لقواميس متوارثة، في بلدان عربية ضعيفة الإنتاج المعرفي، يقصر كثيراً عن فكر متطور، لصيق بواقع اجتماعي متحرك تتطوره الاكتشافات العلمية المتحولة، قبل أن ينصاع إلى أشياء جامدة.

ومهما تكن المواضيع التي تفتحها الترجمة، وهي فعل حواري بين أكثر من فكر ولغة، فإنها تردّ، في التحديد الأخير، إلى فعل جماعي تشرف عليه سلطة فاعلة موحّدة. فمثلما أن قراءة اللغة في “قواميسها” إعلان عن منظور فقير، فإن نظراً “عربياً”، يعمل في الترجمة، لا يتوقف أمام “المجامع اللغوية العربية” أكثر فقراً، ذلك أن فيها، نظرياً، ما يفصح عن جهود متراكمة تمد المترجم ببنية لغوية تساوق الحياة، ولا تنصاع إلى لغة مدرسية ساكنة، أو إلى معايير “تنبهر بالآخر” ولا تنسى المرور التجاري. من المؤسف أن تبدو “مجامع اللغة العربية” كسولة، وأكثر كسلاً منها القائمون على “دوائر الترجمة”.

ما هو مآل التراجم المتراصفة في العالم العربي، وهل تنطلق من “التراكم” أو تفضي إليه؟ ومن هي الأطراف التي تتصرف بجهود الترجمة المتوالية، وتشتق منها مصطلحات موحّدة، يعترف بها القراء والمترجمون؟ وهل المطلوب من مؤسسات الترجمة المفترضة تأمين التسابق والتنافس، أم الاقتراب من نظر ثقافي جديد يسهم في نهضة ثقافية ـ معرفية مأمولة؟ وهل تستطيع أمة عربية تختلف في كل شيء أن تنجز سياسة موحدة في ميدان الترجمة.

إذا كانت السلطة السياسية في العالم العربي هي العنصر المقرّر في تشكيل الحياة الاجتماعية، كما يقول علماء السياسة والاقتصاد، فلماذا لا تكون عنصراً مقرراً في الترجمة وممارساتها؟ يتطلب هذا “سياسة في الترجمة”، أو “سياسة من أجل الترجمة”، لا تستقيم، ولن تستقيم، إلا بسياسات علمية واضحة متعددة الأبعاد، تبدأ من المنهاج المدرسي، ولا تنتهي في حقل الطباعة والنشر وتعرف قمة العمل والترجمة.

لا غرابة أن تكون البلدان العربية، قياساً بالدول المجاورة، هي الأكثر فقراً في ميدان الترجمة.

*مترجم وناقد فلسطيني

عبد الله بريمي: إنتاجنا الثقافي ما يزال يراوح مكانه

أن نترجم نصّاً ما إلى لغة أخرى يعني أن نتفاوض بأمر آفاق إنتاجه وصياغته الأصلية، وهو ما يجعل من الترجمة فاعلية سميائية وتأويلية. والترجمة المتوازنة لا تتوقف فحسب على الكفاية اللغوية، بل تستدعي فهماً وتفاهماً وتفاوضاً حول المعنى؛ ولأن الفهم فاعلية تتجاوز البعد المعرفي إلى ما هو أنطولوجي، ولأن الذات تظل منفتحة على التاريخ، فإن الأسئلة المتعلقة بلحظة أو تاريخ أو تراث أو نص للترجمة تبقى بدورها أسئلة مشرعة على الممكن. يمكن، تبعاً لهذا المعطى، أن نفهم الترجمة باعتبارها حدثاً يحكي تجربة اصطدامنا بحدودنا الخاصة وآمالنا في الخروج من بوتقة الانسداد إنها تجربة ما نفعله فعلاً أو نفهمه ونقوم بتصريفه عبر اللغة. وعلى ضوء ذلك يمكن النظر إلى هذه الترجمة بوصفها عبوراً وانتقالاً فكرياً من لغة إلى أخرى ومن كون سيميائي لآخر عبر الفهم والتأويل، مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم الحدود في الترجمة لأنها هي المتاخمة لكل الثقافات ولأكوانها السيميائية المتجاورة. فالحدّ يملك لغات متعددة، قادرة على تحويل كل ما هو خارجي إلى شيء داخلي أو جعل كل ما هو غريب مألوفاً لدينا. فالحدّ، هاهنا، يلعب دور المصفاة القادرة على تحويل النصوص الخارجية والغريبة إلى نصوص بانية لنسق سيميائي داخلي داخل الكون السيميائي لثقافة معينة، مع الحفاظ طبعاً على كل ما يهم الخصوصية الثقافية.

والواقع أن إنتاجنا الثقافي ظل يراوح مكانه ضمن نسق رمزي معزول وداخل كون سيميائي شبه مغلق، بعيداً عن دينامية التغيير الفكري والعلمي رغم ما نلحظه من تطور تكنولوجي سريع كفيل بتقليص مسافات التواصل بين الشعوب، إلا أن هذا التطور لا زال محكوماً بما تمليه موازين القوى غير المتكافئة. وعليه، ففي منظوري الشخصي، وفي وقتنا الحاضر على الأقل، فإن الثقافة الغربية المتلقية لأعمالنا الثقافية عبر الترجمة لا تنخرط في هذا الفعل إلاّ بناء على انتقاءات لأعمال مخصوصة تنخرط في كونها القيمي وبما يستجيب لآفاق توقعاتها، وهي آفاق تمليها العديد من الصور النمطية التي كوّنتها هذه الثقافة عن الكون السيميائي الشرقي عموماً والعربي على وجه خاص، هذا من جهة ومن جهة أخرى بودّنا أن نتساءل عن ماهية وطبيعة السياسات – في عالمنا العربي المؤسساتي والأكاديمي خاصة- المتحكمة في الفعل الترجمي والتي توجه هذا الفعل نحو اختيارات نصوص دون غيرها وهي في الغالب الأعم اختيارات مبنية على امتيازات أو محاباة أو علاقات شخصية بعيدة عن الموضوعية، دون أن تكون هذه النصوص عاكسة لكوننا ونسقنا الثقافي في صوره المعبرة عن واقعنا الحقيقي في أرقى صوره وتناقضات مصالحه.

لا أريد أن أكون عدمياً بخصوص تصوري للحراك الثقافي العربي عامة والترجمي منه على الخصوص فما نحن سوى علامات داخل كون نسعى لتمثيله عبر فعلنا وآلياتنا المعرفية والثقافية إلاّ أنه كون يتجاوزنا وأغنى منّا بكثير. فطموحنا لا يحدّ لكن الفعل الترجمي الجادّ هو فعل تسنده مجهودات فردية وفريدة فقط؛ يحدث هذا في ظل غياب مجهود مؤسساتي لدعم البحث العلمي ولترجمة الإنتاجات التي حققت تراكماً كيفياً ونوعياً على كل الأصعدة.

ولحل هذا الإشكال ولكي نتحدث عن تناسج الثقافات بين الذات والآخر ولكي نرقى بثقافتنا من المحلية إلى الكونية، فإننا ملزمون بنهج استراتيجية محددة في الزمان والمكان وداعمة لمشاريع الترجمة العلمية عبر المقاربة المؤسساتية في تبنيها لخطط طموحة من قبيل:

*إنشاء مراكز وطنية ودولية للترجمة لتأهيل باحثين أكاديمياً ومهنياً في قضايا تعلّم اللغات والثقافات في تعددها واختلافها، دون التنقيص من قيمة لغات وثقافات الآخر.

*احتضان هذه المراكز لباحثين مختصين في المجال تصوراً وممارسة بناء على معايير أكاديمية ومهنية، بعيداً عن منطق الولاءات، لأنهم وحدهم قادرون على تجسير المسافات بين الثقافات بأفكارهم وقيمهم.

*إنجاز ملتقيات علمية وطنية ودولية للتقريب بين وجهات النظر المحلية والكونية، ورهان هذه الملتقيات إعداد طلبة وباحثين من أجل مستقبل علمي طموح يختلف عمّا نعيشه في حاضرنا.

*مترجم وأستاذ السيميائيات وتحليل الخطابات/ المغرب

إلياس فركوح: القارئ العربي أسير “معرفة منقوصة

مع الإقرار بوجود أكثر من مؤسسة عربية تُعنى بالترجمة، موزعة بين القاهرة وبيروت وأبو ظبي وغيرها، وبإمكاننا تلمس درجة عالية من الجِدية في اختيارات موضوعاتها وأسماء مترجميها؛ إلّا أنّ نقصاً يبدو فادحاً ما يزال يعتري “الواقع العام” للترجمة أجتهدُ في تكثيفه بالآتي:

* عدم التنسيق بين جميع تلك المؤسسات والجِهات؛ إذ كلّ واحدة منها تبني خططها وفقاً لرؤية القائمين عليها، دون معرفة خطط المؤسسات المثيلة، الأمر الذي يؤدي إلى تكرار موضوعات معينة تستلزم استكمالاً، والاكتفاء بكتابٍ واحد أو اثنين وكأن “واجب المعرفة” قد اكتمل! وهكذا تظل تلك المعرفة مقتصرة على عناوين محدودة، بينما يتسع المجال لطرق الموضوع الواحد بأكثر من كتاب، ومن أكثر من زاوية، وخلال أكثر من وجهة نظر واجتهاد. وإذا استمر هذا الأمر على هذا النحو، سيبقى القارئ العربي أسير “معرفة منقوصة”.. وبالتالي مشوهة، أو منحازة، دون أن يدري! إضافة إلى ما سبق، عدم التنسيق هذا يجعل المجال/ المجالات المطروحة للترجمة منحصرة في دائرة ضيقة، وهذا يُفْقِر التحصيل المعرفي عموماً. وما ينطبق على المؤسسات يصحّ كذلك على دور النشر، وربما بشكل أكثر فداحة!

* الافتقار إلى قاعدة بيانات عربية شاملة تشكل دليلاً إلى ما يحتاجه المواطن العربي من معارف، إنْ على المستوى الرديف للبعد الأكاديمي، أو ما يتصل بتوسيع آفاق تفكيره في عديد من الشؤون. وربما لو توفرت، لكان حال الترجمة أفضل.

* مع التقدير لجهود الترجمة التي تبذلها تلك المؤسسات، والإنفاق المالي الكبير على الترجمة والطباعة والنشر؛ إلّا أنها، في معظمها، شبه غائبة عن الأسواق والمكتبات العربية خارج بلدان المركز، وغالباً ما تتراكم في المستودعات، أو تُطرح بأسعار لا تطيقها إمكانيات طالبيها.

* أحترم اجتهادات عدد من المترجمين وجهودهم، آخذاً بالاعتبار سِعة إطلاعهم وشغفهم، غير أنّ ذلك يبقى عملاً فردياً، بلا توجه وتوجيه صوب استراتيجية كبرى تسعى لخدمة المجتمع بكافة مستويات وعيه ومعارفه. إذ تتجاوز مسألة الترجمة تزود دوائر “المثقفين” بما يفضلون ويغتنون ويستمتعون، على أهمية ذلك؛

إذ نحن مجتمعات تحتاج إلى نقل كثير من معارف قيد التطور والتحديث الدائمين، والتوفر عليها يحتاج بدوره إلى مؤسسات مطلعة تعي هذه المسؤولية الثقيلة الملحة. مؤسسات/ شبكة تكتمل مشاريعها وتتعمق، ولا تتكرر أو تتناقض! مؤسسات تملك من الإمكانيات المالية والتخطيطية ما لا تتوفر عليه دور النشر الصغيرة والمتوسطة.

*مترجم وروائي أردني

أنطوان جوكي: مشكلة الترجمة هي قلة التمويل

عناوين كثيرة تُترَجم سنوياً إلى العربية وتنتمي إلى مختلف الميادين العلمية والأدبية. طبعاً، ثمة ميل إلى اختيار الكتب التي تروّج لها وسائل الإعلام بقوة لدى صدورها، بغضّ النظر عن أهميتها. لكن هذه المسألة المؤسِفة ملاحَظة في كل مكان، وليست محصورة بعالمنا العربي.

أما قيمة الترجمة العربية لهذه الكتب فمتفاوتة، علماً بأن المستوى العام يشهد ارتفاعاً نظراً إلى الاهتمام الإعلامي والأكاديمي المتصاعد بحركة الترجمة ومن يقف خلفها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه القيمة (قيمة الترجمات) لا ترتبط فقط بمستوى المترجمين وخبرتهم، بل بمستوى وطريقة عمل الناشرين العرب أيضاً. ففي أحيان كثيرة، تصدر الترجمات بأخطاء نحوية ولغوية وطباعية فظيعة وغزيرة لأن الناشر إما لا يؤدّي عمله كمدقّق ومصحِّح أخير للنص المترجَم الذي ينوي نشره، وإما لا يملك القدرة على تأدية هذا الدور!

المشكلة الأولى التي يعاني منها المترجمون إلى العربية هي قلة التمويل، وأحياناً انعدامه! فبخلاف معظم البلدان الغربية التي تنشط فيها مؤسسات رسمية وخاصة لدعم وتمويل مشاريع الترجمة، مثل “المركز الوطني للكتاب” في فرنسا وبلجيكا وكندا… لا نجد شيئاً من هذا القبيل في بلداننا العربية، باستثناء مؤسسة أو مؤسستين خاصّتين في دول الخليج. هنالك أيضاً مشكلة اللغة العربية بالذات التي ما زالت تُكتَب بطُرقٍ وقوانين مختلفة في دول عربية متجاورة أحياناً! أما بالنسبة إلى مسألة تعريب المصطلحات أو نقلها حرفياً إلى العربية، فأنا مع التعريب حين يأتي سلساً ويسيراً، ومع النقل الحرفي للمصطلح حين يتعذّر إيجاد أو اشتقاق معادل سلس وسهل الاستخدام له بالعربية. علينا أن لا ننسى أن اللغات تتلاقح في ما بينها، وأن الكلمات التي تنتقل كما هي، أو مع اختلافات طفيفة عليها، من لغة إلى أخرى، لا تحصى.

روح المنظومة أو العمل الجماعي مهمة في مجال الترجمة العلمية والأكاديمية، والترجمة العربية تفتقر لذلك. إذ لا توجد مؤسسات خاصة أو عامة تشكّل حاضنة لعمل جماعي في هذا المجال، باستثناء مجلات أو مراكز محدودة جداً في الخليج أو في بعض الجامعات العربية. ولكن حتى في هذه المؤسسات، يبقى عمل الترجمة في معظم الأحيان فردياً وتراكمياً، وبالتالي لا يرقى إلى روح التعاون أو المنظومة المأمول بها. أما في المجال الأدبي، فلا حاجة لمثل هذه الروح لأن محرّك ترجمة الشعر أو الروايات أو القصص يجب أن يكون شخصياً، يتحكّم به شغف المترجم بإنتاج كاتب ما ورغبته في ترجمة نص أو مجموعة نصوص له.

لا بد من تمويل جدّي لنشاط الترجمة، الضروري على أكثر من صعيد. فحتى اليوم، ما زال المترجم إلى العربية يتقاضى مكافأة مالية ضئيلة جداً على عمله، حين لا يعمل مجاناً، علماً بأن الحافز إلى الترجمة، وأيضاً إلى التطوّر في هذا المجال، مرتبط بقيمة هذه المكافأة.

لا بد أيضاً من مراقبة وتدقيق منهجيين بالنصوص والكتب المترجمة إلى العربية، وهي مهمة تقع على عاتق الناشرين أولاً، ثم النقاد والأكاديميين.

ولا بد أخيراً من نقاش علمي مفتوح حول هذا النشاط، إعلامياً وأكاديمياً، يبيّن أهميته بالمطلق أولاً، قبل أن يبحث في طبيعة ما يُترَجم من نصوص وكتب، وفي قيمته.

*مترجم وكاتب لبناني

ضفة ثالثة

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...