الرئيسية / صفحات العالم / التطورُ الاجتماعي السياسي في سوريا

التطورُ الاجتماعي السياسي في سوريا

 


عبدالله خليفة

(1)

تمَّ إنشاءُ إقطاعٍ سياسي حاكم في سوريا على مدى عقود وهو الرحمُ التي تتولدُ منها البرجوازيةُ الشرقية (السوداء)، وهي غير (البيضاء) التي تطلعُ من خارج الدولة في شمس العلانية التجارية.

الإقطاع السياسي يتم بأدواتٍ مذهبية، وكان الأمويون في فجر التاريخ الإسلامي قد أسسوا ذلك، وتراجعت سيطرة هذه السنية المحافظة في زمن سيطرة البعث الذي أزاحها عبر لافتات علمانية غير حقيقية.

وكانت فترة الخمسينيات قد شهدت مرحلة ديمقراطية مهمة، لكن حكم الوحدة المصرية-السورية كرّسَ الاستبداد، وبداية تكوين رأسمالية الدولة على غرار مصر، واستغل البعثُ ذلك ليثب إلى السلطة فتم تعطيل الدستور وإقامة حكم الطوارئ.

وكان ما يُسمى الخيار الاشتراكي محاولة لتجذير رأسمالية الدولة، وبدأ بهذا العلويون السياسيون تحت ضباب البعث الايديولوجي الكثيف، منذ أن طرح صلاح جديد وجماعته تصفية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لتغدو الدولة المالك الوحيد، وكذا تغيير تخلف الريف وتحجيم الإقطاع في مجال الزراعة، وكان نظام الوحدة الناصري قد بدأ ذلك، ولكن حدث صراعٌ بين الاتجاه اليساري المتطرف والاتجاه المعتدل وبدا ذلك في الصراع بين قائدي الانقلاب البعثي: صلاح جديد وحافظ الأسد، وكان خيارُ الرئيس الأسد هو الرأسمالية المسيطَر عليها من قبل الجيش والطائفة العلوية فصفى الجناح اليساري في حزب البعث وشجع الأحزاب اليسارية الأخرى لتأييد النظام الوسطي الذي أنشأه.

لكن هذا لا ينفي الطابع الاستغلالي العام لحكم البعث، فقد قامت الأجهزة الحاكمة بعصر العاملين في سوريا وحولتهم إلى رساميل بسبب هذه الهيمنات المتعددة: العسكرية و«البوليسية» والاقتصادية والسياسية.

كان حلم الأسد الأب وراثة العلويين للرأسمالية الحكومية، وشهد حكمه تطورات اقتصادية واجتماعية كبيرة، وفي عهد ابنه تصاعدت بوضوح أزمة رأسمالية الدولة، التي سوف تنعكس على الاتجاهات السياسية والمذهبية الدينية ومواقعها في المجتمع.

وقد تراجعتْ نسبةُ النمو في الاقتصاد السوري حتى وصلت إلى 3،1% سنة 1996، وتراجعتْ مكانةُ سوريا في الترتيب الاقتصادي العالمي من المرتبة الـ 80 إلى الـ 111، أما الديون الخارجية فكانت تبلغ 22 مليار دولار، وكانت البطالة تصل إلى 18% من مجموع السكان العاملين.

إن مشروعَ وراثةِ الأسر العلوية للرأسمالية (الوطنية) استمر وتصاعد مع عهد الرئيس بشار الأسد، وهنا ظهرت إجراءاتُ الخصخصة، المعبرة عن ضرب القطاع العام وتملك مشروعاته، وتنامت (الليبرالية الجديدة) التي ليست فيها ليبرالية سياسية، وينحصرُ ذلك في تملكِ الفئة المهيمنة على الدولة المشروعات الاقتصادية العامة الرابحة، وتنامت مواقعها في المدن الرئيسية وأحيائها الثرية. فيما أن المدن الأقل حجماً تشهد الفقر والأوضاع الصعبة ولهذا فإن شبكة الثورة تمتد في المدن الأقل حجماً وسكاناً.

استطاعت الإداراتُ السورية أن تسبق بعض دول المشرق في تصعيد جسم الرأسمالية الخاصة التي خرجتْ من تحت عباءة الدولة بفضل هذا الضغط المعيشي على الجمهور العامل.

«لقد اصبحت حصة القطاع الخاص ورجال الأعمال (أي البرجوازية الخاصة) من الناتج المحلي الإجمالي من 2،64% عام 2005 إلى 70% عام 2008، ولاسيما أنها تسيطر على 65% من الصناعة، و75% من القطاع التجاري».

والحديثُ الملتبس عن الوطنية والاشتراكية تقابله إجراءاتُ وقرارات تعصر الطبقات الشعبية بشكل مستمر، فقامت بـ (تحرير) أسعار المحروقات والعديد من إلقاء تبعة الأزمات الاقتصادية على الجمهور.

كان السيد رفعت الأسد ضابطاً صغيراً في بداية الستينيات ولا يتجاوز راتبه مئات عدة من الليرات، ثم صار يملك المليارات ورحّل نصفَ ذهب سوريا للخارج. وباسل الأسد توفي وقام البنكُ السويسري الذي أودعَ فيه حساباً له بأخذ نصفه البالغ عشرين ملياراً، لأنه كان أعزب ويتم هذا الاجراء حسب القانون السويسري.

كان هذا يعكسُ واقعَ أسرةٍ مَلكية – جمهورية غير ذات جذور في الاقتصاد والواقع، فهي نتاجُ انقلابٍ فوقي، مثل جميع الأسر الجمهورية العربية السابقة للثورات المعاصرة.

ربيع دمشق الذي تفجر بين وفاة الأسد الأب وتسلم ابنه السلطة عكس حلم مثقفي فئةٍ وسطى حرة من دون وجودها كقوة في الحياة السياسية – الاجتماعية، وكان هذا وهماً لم يَقرأ كيفية صعود هذا الابن نفسه، الذي كان اختراقاً لدستور غير ديمقراطي

(2)

تتشكل التنمية المتسقة وتتشكل الديمقراطيةُ ككل في الدول النامية من التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص، لتحقيق خطة اقتصادية- اجتماعية- ثقافية مشتركة، تقوم بإحداث التنمية والخروج من دوائر التخلف التقليدي، وهو تعاون يمثل تحالفات طبقية بين الفئات المتوسطة والفئات العاملة.

أي اكتساح للقطاع العام للاقتصاد وضرب القطاعات الخاصة، أو أي اكتساح للقطاع الخاص للاقتصاديات العامة، وهي الأمور التي جرتْ في الشرق ودول أمريكا اللاتينية، بأشكال متباينة وفي مدى زمني طويل، يؤدي إلى الاضطرابات السياسية والانهيارات الاقتصادية أو التشوهات البنيوية في الاقتصاد والمجتمع عامة.

تعاون القطاعين لتحقيق نهضة جذرية أمر غير ممكن من دون أدوات الديمقراطية من برلمان وحرية صحافة وحكومات تناوب، والديمقراطية هي تعبير سياسي عن هذا الواقع الاقتصادي.

ومن هنا حين نرى كلمات عن ثورة اشتراكية أو إسلامية وغير هذا فإن ذلك تمويهات ايديولوجية تخفي غلبة قطاع رئيسي ما، وهو أمر يعبر في النهاية عن سيطرة للقطاع الخاص الأسود، أي الذي يظهر بشمولياتٍ متعددة على جثة القطاع العام.

كان الرئيس حافظ الأسد متوازنا فهزم رؤية صلاح جديد المؤيدة لاكتساح القطاع العام، وإيجاد توازن بين القطاعين، ونشر هذه (التعادلية) في علاقاته بالطبقات والدول والغرب والشرق.

فهو القومي والوطني، وهو مؤسس الجبهة الوطنية وفيها بذور الأفكار التعددية، وهو الذي يقف بمهارة مع الدول العربية المحافظة والتقدمية، وهو المؤيد لأرباح القطاع الخاص المتصاعدة والمحافظ على أسعار المواد الغذائية الشعبية.

لكن هذه السياسة المتوازنة كان ينقصها شيء رئيسي هو الديمقراطية، أي أن تجرى العلاقةُ بين القطاعين الاقتصاديين، والطبقات الحاكمة والمحكومة عبر أدوات الديمقراطية، وتبادل المواقع، ولكن الذي حدث هو تحول الجبهة الوطنية وحزب البعث إلى واجهات للقبضة العسكرية الأمنية.

وبفقدان ذلك راح القطاع العام يلتهم المال العام، وتغدو الأسر العلوية والنخبة الحاكمة ذلك الوريث غير الشرعي للجمهورية.

وجاء الابن بشار الأسد وريثا شكليا لأبيه، وليس وريثا لمناقبه، فانتهت سياسات التوازن، وكان الورثةُ الحقيقيون وهم كبار الضباط والأسر المالية المتنفذة قد مثلوا هجوم (الأسود)على المال العام وعلى سرقة لبنان، فحولوا الرئيس الجديد إلى واجهة.

عملية الانهيار اتضحت ليس فقط في اشتعال الأسعار فوق لحم المواطنين، وشراء الملكيات العامة ببخس الأثمان وشيوع الفساد بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ سوريا، بل كذلك في انهيار التحالفات السورية الوطنية التقدمية والهجوم على رموز اليسار والقوى المستقلة في سوريا نفسها ولبنان وتصعيد حزب الله والتحالف مع إيران.

وكانت المنطقة تشهد انهيار الشعارات التنويرية والديمقراطية التحديثية لصالح صعود التيارات الدينية المحافظة، التي اتخذت شكلين رئيسيين: طائفية سنية، وطائفية شيعية. وهذان الشكلان يمثلان صعود القطاعات العامة النفطية(المطلقة)، أي المكتسحة للقطاعات الخاصة المنتجة.

وبهذا فإن الدولة السورية الجديدة وجدت نفسها تنساق في الطائفية، أما توازنات الأسد الأب فقد انهارت في عهد ابنه، وهكذا فإن البرجوازية السوداء التي ظهرت في القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع سحقت ربيع دمشق واعتقلت المفكرين الذين لم يفكروا بطبيعة هذه البرجوازية واستعادت المجتمع الشمولي عبر انحدارات جديدة، فالتوازن الطوائفي بين العلويين والسنة والمسيحيين انهار، ليظهر تحالف العلويين والاثني عشرية، بشكل أجسام بشرية كثيفة من جنوبي العراق ولبنان، وعبر تحالف مناطقي، يعلن شكلا التصدي للاستعمار وينفذ الدفاع عن قطاعات عامة عسكرية فاسدة وأرياف متخلفة وثقافة محافظة.

(3)

تقوم قراءات سورية عديدة بتفكيك الخريطة الاجتماعية السورية الأولية خلافاً لدول عربية مختلفة:

(اليوم في سوريا هناك نظام يمثل طبقة مالكة وحاكمة في الوقت نفسه، تقف في مواجهته، أو خلفه، طبقات أخرى من تابعين طبقيين إلى خصوم طبقيين، وأسفل هذا كله الطبقات التي لا تملك شيئاً وليس لها من أمرها شيء. كما هو الحال في أنظمة رأسمالية الدولة فإن الطبقة الحاكمة والمالكة في الوقت نفسه هي رأس البيروقراطية الحاكمة، وفي الحقيقة شهدنا عموماً تزايد أهمية دور البيروقراطية في التحالفات الحاكمة، ليس فقط في مجتمعاتنا المتخلفة والقائمة على اقتصاد تابع، بل حتى في مراكز النظام الرأسمالي حيث لم تعد البيروقراطية مجرد طبقة متخصصة في خدمة الرأسمالية مالكة وسائل الإنتاج، أما في مجتمعاتنا فالسلطة تلعب دورا مركزيا في كل الأحوال وتحت كل الرايات الايديولوجية المختلفة، ويتحقق التراكم الأولي عن طريق الإنفاق الحكومي (أو النهب الحكومي) أساسا، ولصالح فئات مرتبطة بالنظام بالضرورة)، (مازن كم الماز، الصراع الطبقي في سوريا).

لكن أنظمةَ رأسمالية الدولة متباينة وفي حراكٍ مستمر، وينشأ صراع متعددُ الأطراف، بين قطاع خاص خرجَ من رحم الفساد، وقطاع خاص اعتمدَ على ذاته، وفي هذه القمة يتشكل صراع هام، فما هي طبيعة رأس المال المُنتَّج، في كلا الجانبين و ما هي علاقاته برأس المال الصناعي الوطني، والمصرفي، وبشبكة التداول العالمية، فإذا كان ثمة قطاع خاص صناعي تجاري مالي خارج عالم الفساد، فإن مقاومة رأسماليةِ الدولة الشمولية تغدو واسعة، ويمكنُ إحداثَ تحول ديمقراطي في البُنية الاجتماعية.

هناك قوى اجتماعية وسياسية تؤثر في هذا الصراع، فهل قوى الفساد ذات قوى عسكرية (شعبية) شمولية؟ وما هي طبيعة الأيديولوجية السائدة وعلاقة الناس بالاقتصاد والأفكار السائدة؟ وما هي علاقة الطبقة الحاكمة بالرأسمالية الغربية والديمقراطية فيها؟ وبالتالي سنجد فروقاً مهمةً بين تونس ومصر من جهةٍ وسوريا من جهة أخرى، حيث كانت الدولتان الأوليان صاحبتي تجربتين أقربَ للديمقراطية وكانت البرجوازيةُ الخاصةُ غيرُ الضالعةِ في الفسادِ هامةَ التأثيرِ وذاتَ علاقة بالغرب الديمقراطي وثقافته، وهذا انعكس على موقف الجيش وهي المؤسسةُ الحاسمةُ التي مالتْ في البلدين إلى تأييدِ حاكمية الشعب.

في حين يختلفُ الوضعُ في سوريا، فقد اختارتْ الطبقةُ الحاكمةُ الجانبَ الفاشيَّ من الثقافةِ الغربيةِ منذ أن كانت الفاشيةُ خلايا صغيرةً في وعي البعث، وتغدو(العلوية) كمذهبٍ يمثلُ أقليةً شديدة عنصراً شديدَ المفارقةِ بين هذه النخبة وتراث المسلمين عامة، ولهذا تبدو عملية التضاد الكبيرة بين المذهبين السني والعلوي، كشكلين محافظين مهمةً، فيغدو الأولُ مُعبراً عن الأغلبية الشعبية التي تعيشُ خارجَ الهيمنةِ الحكومية القاسية وارستقراطيتها العلوية، وتتوجه الطبقةُ المأزومةُ في نظامِ الاستغلالِ الذي تقومُ به إلى التطرفِ وهي التي كانت في أولِ أمرِها متوازنةً في الصراع الاجتماعي، بسببِ طابعِ قيادة حافظ الأسد المتوازنة، لكن عنصرَ الفاشيةِ كان موجوداً في عهدهِ كذلك، عبرَ مذبحةِ حماة، وهو أمرٌ يشيرُ إلى طابع الصدام الأولي في شكليه الدينيين، وفي تأثيراته البشرية التالية.

(معنى الفاشية هنا: إنها الأرهابُ الدموي الجماعي).

كانت عناصرُ الفاشية موجودةً في هذا النمط من الوعي القومي، ويبدو ذلك من (عسكرة) الفكرة السياسية وجعلها مليشيات مسلحة عنيفة مع وجود عنصر الفساد وخراب (الذمم)، وهو أمرٌ يشيرُ إلى إلغاءِ الدين كقيمٍ إنسانية وكنسيجٍ وطني بين الناس.

والافلاسُ (العلماني) البعثي هنا يبدو في هذا الدوسِ للتراثِ الديمقراطي الديني الإنساني وللقيمِ الماركسية التي حدثَ تقاربٌ أولي معها، وكذلك لقيمِ البرجوازيةِ الديمقراطية، فهذه المصادرُ كانت تقوي الحكمَ العامَ الدستوري والصلاتَ بين النخبةِ الحاكمة والشعب، ولكن مجيءَ الأسد الابن، وتصاعدَ الطبقةِ الفاسدة وحكمها المباشر، دفعها نحو الاثني عشرية التي تتصاعدُ بشكل فاشي في إيران. حيث وَجدت فيها إمكانيةً لحشدِ السكان الذين من الممكن تجنيدهم لسياستها وهم في حالةِ هوسٍ ديني.

ليس ثمة هنا تقدير للأئمة ودورهم الإنساني السابق بل يُؤدلجون ويجرى الاعتماد على التحشيد الجماهيري العسكري العنيف وربطه بقضايا مشحونة زائفة، وهي أشكالٌ قامتْ عليها الفاشية، ويجرى هنا تأجيج العداوات المذهبية وبين البشر عامة، واستخراج المخلفات العتيقة من الماضي، أي بعث كل أشكال الوحشية، وهو ما تتوَّجَ في توجيهِ السياراتِ المفخخة لقتل المسلمين والمسيحيين واليهود والبشر عامة في المنطقة وخاصة في العراق ولبنان، ولم تواجه هذه الفاشية المتصاعدة بتحالف دولي ديمقراطي ومحاربتها.

ووضعت كل هذه المواد سوريا على فوهة البركان الاجتماعي الذي كان محتدماً مستعداً لقذف حممه

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...