الرئيسية / صفحات مميزة / التغريبة المشرقية/ غازي دحمان

التغريبة المشرقية/ غازي دحمان

 

 

لا حلول سياسية منتظرة لأزمة المشرق، دع عنك ما يجري تحت الاضواء وبعيداً عنها، في العواصم الإقليمية والدولية. كل ذلك لا يعدو أن يكون علاقات مجاملة دبلوماسية، أو في أحسن الأحوال كي لا يقال لماذا يغرق العالم بالصمت، فيما المذبحة تواصل هديرها، كطاحونة تهرف كل ما يسقط بها، من دون كلل بعد أن تورطت المكونات في لعبة دم كبيرة، وصار من غير الممكن انتهاء هذه الحفلة بتبويس اللحى، وأخذ الخواطر، في بلاد لا تفهم مضامين السياسة والوطنية والمواطنة.

حتى التصوّرات السياسية التي تمتلكها بعض نخب المنطقة هي أشبه بخرافات، لصعوبة دمجها بالواقع وتحويلها الى سياسات مستدامة. ومثال على ذلك الدول الطائفية التي يجري تشكيلها، أو رسمها على الأقل، بحربات البنادق. هي ليست سوى مخارج للهروب من تبعات الازمة، وليست حلولاً واقعية يمكن تحقيقها في جغرافيا متشابكة، من دون إعادة صناعة تلك الجغرافيا بأليات حادة وقاطعة، بما يستلزم استنفاد جهود جيل كامل لإنجاز هذه المهمة الخرافية، غير المضمونة، فثّمة إحتمال إنتهاء الفاعلين أنفسهم قبل وصولهم إلى غايتهم تلك.

والنتيجة ما بين إستعصاء الحل السياسي وأوهام المخارج، فإن الأفق مفتوح على خراب إجتماعي عميم لم تتجلّ أكثر مظاهره في عمليات العبث بالتركيبة السكانية، ومحاولة تغييرها عنوة، عبر عمليات الطرد والتهجير القسرية، التي تمارسها كل الأطراف، عرب وكرد وسنة وشيعة. ووحدها هذه الآية تمتلك وضوحا في الرؤية والتطبيق، في صراع المشرق، من ديالى في العراق مروراً بالحسكة والفوعة وصولا الى القلمون في سوريا. كل رهانات الفاعلين في صراع المشرق، باتت تتركز على هذا النمط الصراعي دون غيره وعليه سيجري بناء أنظمة الحكم السياسية، وأشكال النشاط الإقتصادي، وطبيعة العلاقات الإجتماعية.

لكن هنا يتوجب التنبه لحقيقة يغفلها أغلب اللاعبين، وهي أنهم بصدد صناعة دينامية لا تزال في بدايات تفجّرها، وهي مرشحة لجولات عنف مديدة وحروب كر وفر. والتقدير، أنه في حال إستمرارها على هذه الشاكلة فإنها ستشمل غالبية المنطقة، وجميع المكونات بلا إستثناء، حتى أن إنعكاساتها سترتد إلى صراع داخل المكونات نفسها. إذ عند نقطة متقدمة من هذا الصراع، سينقسم كل مكون إلى مستويات متنافرة ومتباعدة، يصعب التعايش فيما بينها، نتيجة الفوارق التي ستراكمها الصراعات، ما بين العسكري والمدني وأمراء الحروب وأولئك الذين فقدوا عناصر قدرتهم وإنتاجيتهم/ والتي غالباً ما تتمثل بالمعيل (الإبن أو رب العائلة).

ومن خلال تجربة السوريين، وقبلهم الفلسطينيين والعراقيين والمسيحيين، صارت هناك خبرة واضحة في خريطة التغريبة المشرقية، حيث يتبين أن العملية تأخذ منهجية الرحيل المتدرج، الذي يأخذ شكل النزوح الداخلي في فترة، التنقل من منطقة لأخرى داخل الحيز الجغرافي نفسه، ثم ينتقل إلى دول الجوار الإقليمي، ومن هناك تتسربل النخب والكوادر إلى المهاجر البعيدة، للبحث عن حلول فردية لأزمتها. وبهذا الرحيل تخطو تلك النخب آخر خطوات الإنسلاخ عن هذا المشرق، في الوقت الذي يعمل من تبقى داخل البلاد وفي الجوار على إعادة صياغة إستجابتهم للتحدي المفروض عليهم. وغالباً ما يتم صوغ تلك الإستجابة عبر الإنخراط في شكل من أشكال الصراع، وتغذية ديناميته.

تصبح الهجرة خياراً إجبارياً، بعد أن تتحول البلاد الأصلية الى أماكن مستحيلة الحياة، خصوصاً وأن الفعالية الحربية للأطراف المتصارعة تتركز على صناعة واقع غير قابل للعيش تجاه خصومها وبيئاتهم. وبالأصل فإن سوريا لم تكن مجهزة بما يكفي لتكون جاذبة للإستقرار، ولن تكون أرضا جاذبة، حتى لو أراد بشار الأسد وحسن نصر الله وأبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي ذلك. لقد وضعت الحروب والفساد هذه البلدان على حافة كارثة مجاعة، تلوح دائما في أقرب موعد. ولنا أن نتصور حصول موجة جفاف لسنة أو أكثر في المنطقة؟ فقط ما ينقذ هذه المنطقة من هذا المصير الأسود، هبة شعبية كتلك التي حصلت مؤخرا في العراق، أو التي تحصل في بعض المناطق التي يسيطر عليها أمراء الحرب في سوريا، أو ينتفض بقايا حطام الناس في المناطق التي يسيطر عليها بشار الأسد في سوريا وحسن نصرالله في لبنان.

لكن هل يحصل ذلك؟ الترجيحات أن صيرورة الموت سوف تستمر من دون توقف، ومعها يستمر النزيف البشري من كل المكونات. والسبب، أن أمراء الحرب من كل الفئات هم أصحاب القرار بعد أن انهكوا المجتمعات وفكّكوا نسيجها، وأن مجتمعات المنطقة فقدت القدرة على الوقوف على قدميها، ولا قدرة لها على مواجهة أمرأها، وأن أي محاولة للخروج على الحاكم سيتم وأدها بسرعة، بإختصار كل المكونات جرى تجريدها من قوّتها، بعد أن فوّضت أمرها أو تنازلت عن حقوقها للقادة، الذين سيشفون غليلهم من الآخر.

غداً سوف ينتبه الجميع إلى أن «الربيع العربي« كان فضاء يتسع للجميع، ويمثل فرصة للتخلص من الإستبداد وأمراء الحرب وقوى الظلام الطائفية وكان الجميع سيجد مكانه فيه، ومستقبله البديل بجدارة وقوة، حتى لو خسر سهماً هنا أو حصة هناك. فتلك خسارات كان من الممكن إستدراكها. لكنهم إنتظروا حتى يأتي الخريف ليجمعوا في سلالهم الأوراق التي تساقطت، وليرددوا قول أمراء الحرب «شو هالثورة الي فيها نكاح جهاد وكبتاغون ووو»!.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...