الرئيسية / كتاب الانتفاضة / إياد الجعفري / “التقية” و”التاجر”/ إياد الجعفري

“التقية” و”التاجر”/ إياد الجعفري

 

 

قد تكون إيران ومطامعها الإقليمية تحدياً للولايات المتحدة الأمريكية، لكن براغماتيتها الممزوجة بعناصر قوة ملحوظة تُحسن استخدامها، هي التي تجعل الأمريكيين ينظرون لطهران كشريك إقليمي محتمل.

منذ أيام، أثارت تصريحات حسين عبد اللهيان، الكثير من الجدل، ولقيت العديد من التأويلات. فالمسؤول في الخارجية الإيرانية، حذر من أن سقوط النظام السوري سيشكل خطراً على أمن إسرائيل، لكنه لم يفصح إن كان تصريحه هذا على سبيل التهديد، أم على سبيل التذكير بمنافع نظام دمشق بالنسبة للغرب وربيبه الإسرائيلي.

في خضم الجدل بخصوص تأويل تصريحات المسؤول الإيراني، يبدو أن تلك التصريحات لا تعدو كونها مصداقاً آخر على البراغماتية التي تُدثّر آيديولوجية النخبة الحاكمة في إيران. فرغم الوعي الديني الذي يحكم عقلية القائمين على الأمر في طهران، لا يبدو أن عقلية التاجر تغادر أذهانهم. وبمنطق التاجر، يمكن مقايضة أمن حليف إيران في دمشق، بأمن عدوها “الأبرز”، إسرائيل.

في السياسات الإيرانية، هناك تناقض ملحوظ للوهلة الأولى، في معادلة طرفها الأول، حفظ أمن من يُعتبر حجر أساسٍ في محور “مقاومة” لإسرائيل، وطرفها الثاني، حفظ أمن المُستهدف الأول من نشاطات هذا المحور “إسرائيل”.

قد يكون سبب التناقض في سياسات إيران المُعلنة، عند قراءتها من مراقبين مناوئين لها أو محايدين، هي تلك “التقية” التي تُخفي طهران بواسطتها أولوياتها في المنطقة، فتقدم واحدةً بالكلام، في الإعلام، فيما تُقدم أخرى بالفعل على أرض الواقع.

وفي “تقية” الأولويات، يبدو أن المطامع الإقليمية لإيران، التي يمكن أن تجعل منها اللاعب الأقوى في المنطقة، والشريك المأمول لقوى دولية لها مصالحها هنا، هي الأولوية رقم واحد. أما تدمير إسرائيل، فلا يبدو أنها ضمن أولويات النخبة الإيرانية في المدى المنظور. ولو كانت كذلك، لما تورط الإيرانيون في حرب شعواء بسوريا، يستعدون فيها السُنة، في هلال يمتد من بغداد حتى بيروت، وفي هلال آخر يمرّ عبر الخليج، بواسطة معركة الحوثي في اليمن. فمواجهة عدوٍ تتطلب، في معايير الحكمة، تحييد آخر، وهو ما تفعله إيران بالفعل على أرض الواقع، فهي تحيّد إسرائيل، والغرب، أو تأمل تحقيق ذلك بالفعل، بغية أن تستفرد بعدوٍ، أكثر أولوية بالنسبة لها، يتمثل في أية مقاومة “سُنية” لمشاريع الهيمنة التي تحاول طهران استكمالها في أجزاء من مشرق العالم العربي.

إنه صراع على الهيمنة، قد تكون آفاقه المستقبلية أن تصبح إسرائيل في مرمى حجر إيران. المهم الآن، بالنسبة لصانع القرار الإيراني، أن تتم الهيمنة على المنطقة، على الأقل في نواحيها التي تتواجد فيها أقليات شيعية ذات ثقل ديمغرافي وازن.

عقلية الإيرانيين تلك، عقلية “التقية” وعقلية “التاجر”، ومعادلة الأولويات، هي التي تُثير الإعجاب أمريكياً تجاه مناوئٍ إقليمي يستحق الاحترام. إعجاب لم يُخفهِ الرئيس الأمريكي باراك أوباما، حينما قال في حديثه الصريح مع بلومبرغ في آذار الماضي: “…. إذا نظرت إلى سلوك الإيرانيين، فإنهم استراتيجيون، إنهم ليسوا متهورين. إن لديهم نظرة عالمية، وهم يرون مصالحهم، ويستجيبون للتكاليف والمنافع. هذا لا يعني القول بأنهم ليسوا دولة ثيوقراطية تعتنق كل أنواع الأفكار التي أجدها بغيضة، لكنهم ليسوا كوريا الشمالية. إنهم بلد كبير وقوي، يرى نفسه لاعباً مهماً على الساحة العالمية، ولا أعتقد بأنه ينطوي على رغبة انتحارية، ويمكنه أن يستجيب للحوافز”.

العقلية الاستراتيجية لدى الإيرانيين تجعل واشنطن تنظر إليهم بعين الاحترام. وتجعلها تفكر بالتفاوض معهم. بل وتأمل بالشراكة معهم إذا تمكنت من إقناعهم بالقدوم إلى مربعها بالصورة المطلوبة. وهو ما يفسر هلع بعض دول الخليج من الغزل الأمريكي – الإيراني غير المباشر الذي حصل في نهاية العام الماضي، بعيد اتفاق جنيف الخاص بالنووي الإيراني. هلع بعض دول الخليج كان ينبع من استشعار إعجاب الأمريكي بقوة الإيراني، وبراغماتيته، في الوقت نفسه. هلعٌ دفع مسؤول أحدى الدول الخليجية إلى رفع الصوت على واشنطن بصورة غير معهودة.

ربما كانت تجربة السنة الماضية من الأخذ والرد بين واشنطن وطهران تُظهر للمراقب متى يمكن للأمريكي أن يحترم خصماً أو منافساً. الجواب: حينما يكون قوياً، وغير متهور، يعرف متى يستخدم عناصر قوته، ومتى يضعها على طاولة المفاوضات.

لكن رغم كل ما سبق، يبدو أن أحدى نقاط الضعف الرئيسية في عقلية “التاجر” الإيرانية هي استثمار كامل رأس المال، والمجازفة به في صفقات عديدة. فإيران تستخدم ورقة قوتها الرئيسية المتمثلة في القوى الدائرة في فلكها، على أكثر من جبهة، وتُفعّلها جميعها اليوم، من الحوثي في اليمن، إلى القوى الشيعية في العراق، إلى نظام الأسد في دمشق، وحزب الله في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الوطيدة داخل حركة حماس. قد تكون من إيجابيات هذه الاستراتيجية، أنك إن خسرت في صفقة أو على جبهة، ستكسب في أخرى، لكن قد تكون من السلبيات لهذه الاستراتيجية أنك قد تتلقى عدة خسائر دفعةً واحدةً، بحيث تجد نفسك قد قاربت على الإفلاس.

بكل الأحوال، علينا أن نقرّ بأن الإيرانيين يحظون بإعجاب الأمريكيين، وربما سراً، الإسرائيليين. لكن علينا أيضاً أن نُقرّ بأن الشعور بفائض القوة، عادةً ما يدفع بصاحب هذا الشعور إلى استثمارها بصورة قد تفوق الحجم الحقيقي لهذه القوة، فتكون النتيجة خسارةً فادحةً.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إعادة التدوير للمعارضة المسلحة/ إياد الجعفري

    لا رغبة في التعميم، لكن المعطيات تؤكد أن جزءاً من فصائل المعارضة المسلحة، ...